تقارير: البرهان يصدر قرارًا بشأن لجنة لتهيئة البيئة لعودة مواطني الخرطوم    الذهب يتراجع عن مكاسبه اليومية ارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.7 %    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    ماساة قحت جنا النديهة    الرياضة و السلام    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجنجويد والحركات المسلحة بدارفور .. بقلم: بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب
نشر في سودانيل يوم 27 - 06 - 2009

حديث السيد أحمد تقد عبر عن ما يدور في فكر حركة العدل والمساواة للشروق وحمل حقائق ومعاني بين السطور . ورغم بعض الحقائق التي وردت فيه فهو يحمل المرء علي الاستياء والغيظ من نبرات معانيه .
هذه كانت إجابة فيها شيئا من الصحة ولكن باقيها يثير الحفيظة عندما قال :
أن هؤلاء الآن يمثلون جنجويد مؤسسة الآن في داخل الحكومة وليسوا مجرد ميليشيات مسلحة فقط تتحرك هنا وهناك وعلاقتهم بالحكومة وثيقة لأن مستقبلهم مرتبط بها وهم يتحدثون باسم الحكومة وليس باسم القبائل العربية.
وأنه علي الجانب الآخر هناك من يمثل القبائل العربية ولم يتم إقصائه وهي القبائل العربية والمجموعات الراسخة ذات الحواكير التاريخية الموجودة في دارفور الآن هم عماد قوات جيش حركة العدل والمساواة السودانية ويشكلون القوي الأساسية داخل الحركة ويمثلون قيادات داخل حركة العدل والمساواة السودانية وهؤلاء هم الذين يعبرون عن حقوق ومواقف القبائل العربية الموجودة في دارفور الآن . وهذا رغم الاختلافات القبلية بين العرب والزرقة في دارفور لأن حركة العدل والمساواة جامعة لكل القبائل ولها قواعد جماهيرية كبيرة ليس في دارفور فقط وانما في كل ربوع السودان لذا عندما نرفع (علي لسان السيد تقد) قضايا لتفاوض لا نرفعها باسم قبائل أو مناطق أوإقليم بعينه بقدر ما لدينا طرح ورؤية متكاملة لحل كل مشكلات السودان لإعادة ترتيب بنية الحكم لذا نحن نسعي إلي تغيير حقيقي في البلد ولا ننزلق إلي قضايا محلية وقبلية.
ماذا عن الخلفية الاسطورية لما تحدث عنه : إصطلح أهل دارفور علي أن جنجويد هي اختصار لكلمة جن راكب جواد ويحمل البندقية ج.م. 3 . والقول الشائع أنه تم تكوين فرق منهم لمساندة القوات المسلحة وأن منهم من كان أصلا أعضاء في المليشيات التي كانت تدعمها في أثناء حرب الجنوب . والأساس من ضمهم بغض النظر عن ما ينسب إليهم من أفعال هو أنهم أبناء المنطقة ويستخدمون الخيل والأبل ويجيدون استخدام الأسلحة النارية بصورة عالية الكفاءة ، وفي الواقع أنهم كانوا فعالين للغاية في حرب العصابات وبصورة فطرية .
علي أنه لا يمكن علي وجه التحديد تفصيل هوية أعضاء هذه المليشيات وإن كانت الغالبية منهم من أبناء قبائل عربية تم استنفارهم ولأسباب منطقية منها :
1. التكلفة الزهيدة مقابل الفائدة العظيمة التي يقومون بها في مواجهة حرب العصابات من قوات المعارضة بسبب مهاراتهم القتالية وشجاعتهم ،
2. السهولة النسبية التي يمكن اقناع أبناء القبائل العربية للانخراط في صفوف فرق الجنجويد التي تم تنظيمها خاصة وأن قبائلهم كانت تواجه وبصورة متصاعدة هجمات من أفراد قوات المعارضة ،
3. الروح القتالية العالية التي يتمتع بها المجندون منهم ،
4. العدائيات السابقة التي كانت موجودة بينهم وبين قبائل غير عربية والتي انخرط أفرادها في صفوف قوات المعارضة وأصبحت هناك عمليات تصفية حساب للثأر مما سبق ،
5. رغبة المنخرطين في التسلح والانضواء تحت لواء الدولة وهذا عامل نفسي هام .
وعند بداية النزاع الأهلي في اقليم دارفور عانت القوات المسلحة خسائر كبيرة دفعت بعض قادتها إلي اللجوء للقبائل العربية والاستنجاد بمقاتلين سبق أن أثبتوا كفائتهم القتالية العالية وملاءمة أساليبهم للحرب الغير نظامية التي كانت قوات المعارضة تقودها . الحقيقة أنه يجب أن يسجل أن النزاع في دارفور كان صورة من الحرب الليبية التشادية التي دارت خلال الثمانينات في القرن الماضي . وكانت أداته الأولي تشابه ما استخدمه أهل دارفور في صراعاتهم القديمة وهي الخيل والأبل . تطورت هذه إلي السيارة اللاندكروزر والتي أصبحت وسيلة فعالة قليلة الكلفة لتنفيذ العمليات العسكرية المطلوبة وبأعلي كفاءة . وكانت العمليات المطلوبة تنفذ في عمق صفوف المعارضة وتضرب نقاط تموينهم وهي قري المواطنين المؤيديين . ومن البديهي وإن كان غير إنساني ، في حرب العصابات استخدام سياسة الأرض المحروقة وإرهاب كل من يمكن أن يدعم المعارضين .
عند التحقق من إن كان هناك تجنيد لأبناء قبائل عربية في معسكرات يتبادر إلي الذهن أن اسطورة قتلة الجنجويد حقيقية . ولكن المطلع يعرف أن الجنجويد لم يكن جلهم من العرب وهذا بشهادة عبد الواحد محمد نور وهو من قبيلة الفور . حيث ذكر الحقيقة أن بعض من يسمون الجنجويد هم من قبيلته وأن هناك آخرون من قبائل أخري . صحيح أن العرب دخلوا في ميليشيات حكومية منظمة بواسطة الدولة وأساسها نظام ما يسمي بالنمر . وتعني أن يكون مسجلا كأحد أفراد الميليشيات ويتلقي راتبا من جهة حكومية ويتم تسليحه ولكنه يكون مع أفراد قبيلته وأسرته وفي فريقه . ولكن عند وجود عملية حربية يتم الاستدعاء وتجميع أفرادهم .
علي أن الصورة البشعة التي رسمها العالم لهذه الميلشيات لم تكن صحيحة . وقد كتبت جولي فلينت في صحيفة واشنجتون بوست بتاريخ نوفمبر 2006 مقالا عنوانه العرب هم ضحايا أيضا ودللت علي ذلك بأنهم عانوا كثيرا بسبب النزاع الأهلي الدائر في دارفور .
والحقيقة أنه بعد مرور ستة أعوام علي بدأ النزاع فإن عشرات الألوف من العرب الرحل يعيشون حياة من المعاناة وفي مناطق وديان جافة تمتد من الشمال وحتي جبال مرة . والمناطق الدائمة التي كانوا يقيمون بها قد دمرت وقطعان ثروتهم الحيوانية تم استهدافها من قبل قوات المعارضين . وخطوط مساراتهم ومراحيلهم التقليدية تم قطعها وقراهم وأسواقهم ومراكز الخدمات مثل العيادات والخلاوي والمدارس القليلة التي كانت موجودة تم حرقها وتسويتها بالأرض بواسطة قوات المعارضة . وقد كانوا هم الهدف الأول لأولئك المسلحون قبل ان يحدث صدامهم مع القوات الحكومية .
وإذا قسنا مستويات التنمية البشرية بالنسبة لهم لا نبالغ إن سجلت في مستوي الصفر وأحيانا دونه مع تدمير كل منشآت خدماتهم الاجتماعية والصحية . أطفال العرب في دارفور لهم أعلي مستويات الوفاة بعد الولادة ونسائهم لديهم أكبر معدلات الوفيات قبل واثناء الولادة . وأمراض الحصبة وإلتهاب الكبد الوبائي يضاف إليها إلتهاب السحائي تعصف بأعدادهم المتناقصة . وفي مراحيلهم الفقيرة نجد المآسي الانسانية تتكرر يوميا . تسعة أطفال انهارت بهم بئر محفورة يدويا ودفنوا داخلها وموتهم ذهب كحادث عادي تقبلوه باستسلام قدري .
وصف العرب دائما بأنهم مقاتلون أشداء ، وهذا ليس محصورا في أبالة الشمال وإنما هو مسجل في الساحل الأفريقي علي طوله من شرق إلي غرب القارة الأفريقية . وبنفس القدر فقد عرفوا بأنهم أسياد الصحراء الكبري من ساحل المحيط الأطلسي إلي شواطئ المرجان في البحر الأحمر . ولكن هذا لم ينعكس علي مستويات حياتهم ولا معيشتهم . فقد كان العرب الرحل دائما الشريحة الأضعف والأعظم أمية في مجتمعات دارفور والأكثر تهميشا والحال لا يختلف في إقليم كردفان ولا في دولتي النيجر أو مالي . هناك أبناء عمهم الطوارق أعلنوا وخاضوا حروبا ضارية ضد المستعمر الفرنسي ، ثم السلطويات الأفريقية التي أورثها الفرنسيين السلطة والحقد علي العناصر التي تختلف عنها عرقيا وهي أساسا القبائل البدوية .
الحكومات الوطنية السودانية لم تختلف كثيرا عن تلك في مالي أو النيجر أو سابقتها في تشاد ، وإنما كان اهمالها مطلقا وفي بعض الأحيان إجراميا لهؤلاء الرحل . هذا كما يتجلي عند أزمان المجاعات التي فتكت بهم ولم تكن هناك إعانة حقيقية بل حقيقة أنه لم تعترف جهة محددة حتي بوقوع أي كارثة هناك .
حدوث التمرد وتفريخ الحركات كان أثره كارثي علي تلك القبائل . و حتي السلطة لم تعترف بمحنتهم . مستقراتهم دمرت ومثالنا هو حاضرة الماهرية القرير التي استحلتها قوات مني أركو قبل مهادنته للحكومة ودمرتها تماما وما حل بأبناء تلك القبيلة الذين طردوا من موطنهم ونهبت ثروتهم الحيوانية وهي مورد حياتهم وأصبحوا مشردين بين الفاشر وكتم كأفقر فئة في المجتمع . ولهذا يبطل العجب إذا كان أشرس المقاتلين يأتون من هؤلاء الشريحة الأكثر فقرا وهي التي أصبحت مقاتلي قوات المعارضة . ولكن بعكس ما يقال أنهم يقاتلوا في صفوف القوات الحكومية فقط ، فإن التقارير تذكر أنهم يقاتلون أيضا في صفوف قوات المعارضة وتم تجنيدهم وإغرائهم بالمال أو بغيره لذلك ، كما يعترف السيد تقد .
ولكن مع كل الحقائق السابق ذكرها فقد تم وصمهم بصورة جماعية بسبب جرائم دارفور التي تنسب إلي الجنجويد وتجاهل الجميع فقرهم وتخلفهم الاجتماعي والاقتصادي ومعاناتهم اليومية . وقلة من الصحقيين الذين خاطبوا أحداث دارفور هم الذين حرصوا علي الكتابة عنهم أو سماعهم وهذا ما اعترفت به الكاتبة الأمريكية السابق ذكرها .
الأحداث دائما كانت تذكر بشاعة الحرب وما حدث من قتل وحرق ولكن ما لم يذكر هو أن أكثر من 50% من الثروة الحيوانية للعرب قد فقدت وكما تذكر مصادر أن 25% من تعداد سكانهم في دارفور قتل من كمائن نصبت لهم أو مجازر ارتكبت في حقهم أو من المرض والجوع والعطش . علي أن الأخبار التي تنقل عنهم دائما تأتي من مصادر أعدائهم وهي في صلبها مبالغات تكتب من داخل مكاتب مكيفة وبدون رؤية ميدانها .
وماذا فعلت الدولة لهم ؟
إجمالي تمثيل الأبالة في شمال وغرب دارفور السياسي هو عضوين فقط من اجمالي 450 عضو في المجلس الوطني ممثلون لباقي أنحاء السودان . هذا رغم المساحات الشاسعة التي يسكنونها والتي قد يكون مستقبل السودان التعديني فيها . والعمل السياسي المنظم لديهم منعدم ولا يشكلوا مركز ثقل في أي حزب أو قوي سياسية ولديهم أعلي نسبة أمية في السودان ولا توجد لديهم مدن منظمة ويعيشون كليا دون خدمات من الدولة .
علي أن هذا الاضطهاد الواضح لم يبدأ بالأمس وإنما له جذور منذ الاستعمار الانجليزي وتأسس بقوة عندما تم تخصيص ديار أو حواكير لكل قبيلة وتم تجاهل العرب كليا أو جزئيا وخاصة أولئك الرحل منهم . وفي زمن السلم كانوا يتمتعون بحق المسار بأمان تبعا للماء والكلأ ولكن أثرت الحرب في تلك الحيوية وتم حصرهم في أضيق مجال ممكن ولم يحدث هذا اليوم وإنما كان علي مدي أكثر من 40 عاما .
تاريخ التهميش الذي أحاط بأبناء قبائل الأبالة طويل ويذكره أليكس دي وال الذي صاحب الكتاب الشهير : المجاعة التي تقتل ، في قول الشيخ هلال محمد عبد الله ناظر المحاميد وهي أحد قبائل الأبالة في شمال دارفور عن أن عالم الأبالة يحتضر . اعتماد الأبالة في حياة وبقاء قطعانهم هو مراعي الجزو الصحراوية والتي حدث أنها لم تزدهر لمدة سبع أعوام في الثمانينيات من القرن الماضي . وحدث نتيجة لذلك أن مائة ألف نسمة قد ماتوا جوعا أو من سوء تغذية مزمن وأمراض مصاحبة أو ناجمة عنها ، أي ما يشكل أكثر من نصف تعدادهم في ذلك الحين .
جنوبا ، تعاظم الضغط علي الموارد وصار من الصعب علي الأبالة أن يواصلوا سعيهم في رحلة الخريف والصيف لتعيش قطعانهم . مساقات المراحيل والمسارات المتعارف عليها سدت بمناطق زراعة قبائل الفور وقطعان البقارة . ومنها حواجز أقامها البعض وسميت حواجز الريح والتي لا تحمي شيئا إلا الرياح وليس بها زراعة أو منازل وذلك لتمنعهم من استغلال الأراضي المتوفرة .
الفقر المدقع كان هو السمة السائدة في أبناء قبائل الأبالة وكانوا يذكرون الأيام التي مات فيها كل شئ حولهم . وأثناء تلك السنوات العجاف التي كان الموت يحلق فوق رؤوسهم لم يتلق الأبالة أي مساعدة من الدولة ولا من خارج السودان . حتي مع الحملة الدولية العالمية التي انطلقت تحت شعار حاربوا الجوع كانوا بعيدين أو منسيين .
اليوم يتولي الشيخ موسي هلال قيادة قبيلة المحاميد ، بل ومعظم قبائل الأبالة في شمال دارفور من قريته مستريحة وهو يعتبر قائد لميليشيات الجنجويد وقد دمغته الادارة الأمريكية بهذه الصفة . ويأخذ كثيرين هذا المنحي في الرأي وقد دعمه علاقته الراسخة مع السلطة في الخرطوم والتي عينته في منصب رفيع . ولكن مثل هذا التحليل يتجاهل خلفية المعاناة والفقر الذي دمغ حياته كطفل وصبي والتي شكلت فلسفة بقاء حتي مع أعمال العنف التي صحبته بعد ذلك .
يورد بعض العاملين الأجانب في تقاريرهم أن العرب الرحل كانوا أكثر من عانوا ويلات النزاع الأهلي والحرب في دارفور . ومع ذلك فهم يخشون الدخول في معسكرات اللاجئين لخشية تعرضهم لأعمال انتقامية . ولغيابهم عن المعسكرات لا يعتبرون أولوية ويتجاهلهم القائمون علي أعمال الاغاثة من المنظمات الأجنبية وهي غالبية إن لم تكون جل من يعمل بها . وكذلك يرمقون العرب حتي مع رؤيتهم في معاناتهم بنظرات الشك والريب بأن يكونوا متعاونين مع قوات الحكومة أو من يواليها .
وحسب قول مسئوليين الأمم المتحدة تقيم المنظمات الأجنبية المراكز الصحية والمدارس في مناطق المعارضين كخدمات مجانية . ولكن هذا لا يحدث بالنسبة للعرب ، إذ تشترط الأمم المتحدة أن يشيد العرب مدارسهم ومركزهم الصحية بانفسهم أو أن يدفعوا مقابل ذلك رسوم وحينها فقط يتم تزويدهم بالدواء أو الكتب الدراسية . وحتي حين يحتج بعض العاملين علي تلك المعاملة المجحفة والتي تحمل سمة التفرقة وبذور الفتنة لا يلتفت إليها ايا من المسئولين في الأمم المتحدة . ويمر ذلك بدون صوت احتجاج من العرب ولا شكوي . وقال أحد العاملين أنه سأل أحد محققي الأمم المتحدة في شئون حقوق الانسان عن حوادث الانتهاكات والعنف التي يرتكبها المعارضين المسلحين وكانت الاجابة أنه لم تجري أي تحقيقات بشأنها ، علي الاطلاق .
ويبدو أن حتي القوات الأفريقية المتواجدة في شمال دارفور لا تدري بمجرد وجود العرب الرحل كأنهم أشباح تحملها الرياح . ويأتي في تقرير أحد ضباط الأمم المتحدة أنه حين زار منطقة كبكابية في شمال دارفور سأل أحد قواد قاعدة الأمم المتحدة هناك عن أحوالهم هناك وقد صعق لاجابته أنه لم يحدث أن رآهم في جولاته . هذا رغم ان المنطقة تغص بالعرب الرحل والتي حين تحقق ذلك الضابط من أحوالهم وجد حوالي عشرة من فرقانهم أي مستوطناتهم وبها ما يزيد علي أربعون ألفا منهم ومعظمهم من النازحين الذين تركوا بدون أي اعانة من الأمم المتحدة أو المنظمات الأجنبية .
محنة الرحل في دارفور عظيمة ويتم تجاهلها من كل الأطراف الوطنية والدولية . ونجد أن هذا التجاهل لا يقتصر علي طرف واحد . وحين بدأت مباحثات السلام في أبوجا ، نيجيريا كانت هناك مجموعتين فقط تجلسان وتتحادثان ، الحكومة وقوات المعارضة وجلها من حركات تحرير السودان التي يقودها مني أركو مناوي . وهو لم تكن له سمعة طيبة في وسط الدارفوريين ولا العديد من المناصرين ، بل كان معظم أهل دارفور يطلقون عليه جنجويد 2 . وعدائه مع الأبالة معروف وفي أوساط المقربين طالما نادي بإبادتهم . بالاضافة إلي ذلك كان دائما يعارض حين يأتي الحديث عن تأمين مساراتهم أو تجريدهم من السلاح وكان الحل لهم عنده واحد وغير قابل للتفاوض وهو محوهم عن وجه الأرض أو ببساطة إبادتهم .
هذه المباحثات رغم نجاحها المعلن لم تأتي بالسلام في دارفور ومازال الاقتتال محتدما ولا تزال السلطة قادرة علي أن تجد المتطوعين ولا زال أبناء دارفور هم وقودا للنزاع .
علي العرب أن تكون لهم حركتهم السياسية التي تمثلهم وتحفظ حقوقهم وأتأسف كثيرا لأنه لا يوجد في دارفور من يمكنه القيام بذلك . وربما هناك شخصا أو إثنين هم أصحاب الوجعة ، ولكنهم في الخرطوم .
أحدهم هو المهندس عبد الله مسار والذي هو رغم مغريات الراحة ما زال قلبه يتذكر حاجة أهله إلي وجوده .
أخي الفريق آدم حامد هو الآخر ، وقلبه عامر بمعرفة المعاناة التي يمر بها العرب والشتات والجهل بما يمكنهم عمله مستقبلا .
ويجب علي الاثنين ومن ينضم إليهم أن يشكلوا حزبا سياسيا ولا أقول حركة مسلحة .
كفانا متاجرة بأرواح البشر لبناء صروح السياسة .
العرب لا بد من أن يكون لهم كيان منفرد ، يجري وراء مصالحهم ويحقق آمالهم .
وإذا لم يحدث هذا فإن الجرح لن يندمل ، إذ أنهم سيكونون مثل كرة القدم ، تتقاذفها أطراف النزاع ويظلوا وقود الحرب ، وجنود في طرفي النزاع .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.