عميد الصحافة السودانية محجوب محمد صالح ل(السوداني): إذا فشلت مبادرة حمدوك السودان (بتفرتك)    إسرائيل تنضم للاتحاد الأفريقي بصفة مراقب    (200) مليون دولار من المحفظة الزراعية لاستيراد السماد    سيناريو تكدس المشارح .. من المسؤول (النيابة أم الطب الشرعي)؟    ترامب يهاجم فريق الهنود الحمر لتغيره الاسم    خطوة جديدة لعقد الجمعية العمومية لنادي المريخ    لماذا لم تعلن إثيوبيا كمية المياه المخزنة في الملء الثاني ؟    القاتل التافه رزق.. شاب يحاول قتل حبيبته باليويو    منظمات: تزايد الأطفال والنساء السودانيين على متن قوارب الهجرة إلى أوروبا    إثيوبيا.. قوات تيجراي تواصل الزحف بأتجاه أديس أبابا وتؤكد: سنسقط أبي أحمد    التخلف الإداري مسئولية منْ؟    توقعات بزيادة الحد الأدنى للأجور ل( 23 24) ألف جنيه    مصادر تكشف عن تصدير (600) ألف رأس من الضأن للسعودية    مقتل ثلاثة أشخاص فى إشتباكات قبلية مسلحة بالروصيرص بسبب مباراة كرة قدم    راندا البحيري تعتذر لوالد حلا شيحة لهذا السبب: «وجعتلي قلبي»    مانشستر يونايتد يتفاوض مع بوغبا بشأن تجديد عقده    سعر الدولار في السودان اليوم الأحد 25 يوليو 2021    تجمع أسر شهداء ثورة ديسمبر : أخبرونا بالقاتل قبل أن تطلبوا منا العفو    إهمال جلود الأضحية بين مطرقة الإهمال وسندان الأمطار    مباراة كرة قدم تقود لاشتباكات بيت قبيلتى الكنانة والهوسا بالروصيرص    تونس تحقق ذهبية 400 م سباحة حرة بأولمبياد طوكيو    شقيق ياسمين عبد العزيز يكشف عن تطور في حالتها الصحية    وفد تجمع شباب الهوسا الثوري ولاية كسلا يلتقي بمجلس إدارة نادي القاش الرياضي    سد النهضة.. هل يحيل الحدود السودانية الاثيوبية مسرحًا للحرب الشاملة؟    جميع الرحلات في المطارين أوقفت..إعصار في طريقه للصين    بعد حادثة معسكر"سرتوني"..دعوات لنزع السلاح وتقديم مرتكبي جرائم القتل للعدالة    رواية كمال: الأوضاع الإنسانية بمحلية قدير مستقرّة    السودان.. الشرطة تحرّر 26 شخصًا من ضحايا الاتجار بالبشر    مصرع وإصابة (41) شخصا في حادث مروري بكردفان    بالصور … وزيرة الخارجية السودانية تزور الحديقة النباتية في أسوان    أثارة وتحدي في تدريبات مريخ التبلدي    البحث عن كلوسة.. قراءة في الشخصية السودانية    ابرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة في الخرطوم اليوم الاحد 25 يوليو 2021م    مصر.. تفاصيل صادمة حول قاتلة زوجها بسبب نفقات العيد    الحكومة السودانية تُعلن 2022 عاماً للاحتفال بالفنان الراحل محمد وردي    شركتا ‬طيران ‬إسرائيليتان تدشنان الرحلات السياحية إلى المغرب    إجمالي الحالات فاق 130.. إصابات جديدة بفيروس كورونا في الأولمبياد    سودان الهلال    تسارع تفشي كورونا في العالم.. أوروبا تعزز دفاعاتها وفرنسا تتوقع متحورة جديدة    حمدوك:وردي وقف مع الحرية والديمقراطية وبشر بالسلام وبسودان جديد    مُصلي ينجو من الموت بأعجوبة بسبب تحركه من كرسيّه لإحضار مصحف قُبيل إقامة الصلاة بأحد مساجد أمدرمان    ليبيا.. إنقاذ 182 مهاجرا غير نظامي حاولوا الوصول إلى أوروبا    آمال ودوافع أبطال السودان بطوكيو    كل شيء عن دواء أسترازينيكا للسكري بيدوريون الذي يعطى حقنة واحدة أسبوعيا    ارتفاع سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 24 يوليو 2021 في السوق السوداء    انتصار قضائي لأنجلينا جولي في معركتها ضد براد بيت    لقاح كورونا والأطفال.. أطباء يجيبون على الأسئلة الأكثر شيوعاً    اثيوبيا : قوات أجنبية تريد استهداف سد النهضة وسلاح الجو مستعد للمواجهة    استقرار أسعار الذهب اليوم في السودان    شائعة صادمة عن دلال عبد العزيز تثير ضجة.. وزوج ابنتها ينفي    عثمان حسين والبطيخة    اكتشاف سلالة جديدة من فيروس كورونا    البحر الأحمر: شحّ في الكوادر الطبيّة ومطالبات بالتطعيم ضد"كورونا"    فيروس كورونا: لماذا كانت القيادات النسائية أفضل في مواجهة جائحة كورونا؟    الكلوب هاوس وبؤس المعرفة في السودان    أين اختفت كتيبة الإسناد السماوي!    حينما تقودنا الغريزة لا العقل: تُعمينا الكراهية عن رؤية الطريق    ما هي أفضل الأعمال يوم عرفة؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البعث السوداني حزب صغير ..... ودوي كبير .. بقلم: مازن عبدالرحمن
نشر في سودانيل يوم 27 - 05 - 2012

تأملات من كتاب الأستاذ محمد علي جادين صفحات من تاريخ التيار القومي وحزب البعث في السودان
البعث وتحليل 1962 (14)
كتب محمد علي جادين ان العوامل التي أوردها تحليل 1962 بإعتباره أحد التحاليل المفصلية التي عملت الي اعادة بلورة خطوط التيارات القومية:-
إن حزب الامة تعاون مع الادارة البريطانية وإشترك في مؤسساتها (المجلس الاستشاري 1946) والجمعية التشريعية 1948.
إنه حزب رجعي فاشتي معادي للديمقراطية.
توج موقفه المعادي للديمقراطية بتسليمه السلطة للقوات المسلحة في نوفمبر 1958.
لكل ذلك ظل حزب الامة يشكل السند الرئيسي للانقلاب وعندما أدي الي تطور الاحداث داخل الجيش لخروج عناصره القوية من المجلس الاعلي للقوات المسلحة خاصة اللواء أحمدعبدالوهاب, إتخذ موقف المعارضة من النظام العسكري وتجمعت كل قوي المعارضة حوله بتبريرات عديدة وتجاهلت الاتي:-
- إن التناقض بين حزب الامة والنظام العسكري هو محكوم بظروف محددة وليس تناقضاً جزرياً.
- إن حزب الامة لايمكن أن يسمح بنمو وتطور حركة شعبية ديمقراطية
- حتي لو انتصر حزب الامة علي النظام العسكري , فان هذا النصر الزائف سيشكل خطراً علي مستقبل الديمقراطية في بلادنا.
- تعاون القوي الديمقراطية مع حزب الامة في الوقت الحالي يعني تمكينه لا يصبح قوة كبيرة وخطيرة بعد سقوط النظام العسكري.
ولكل ذلك فان إستمرار هذا الحزب في جبهة المعارضة كما يشير التحليل هو السبب الرئيسي في جمودها وركودها, لانه لا يساعد في تنمية الحركة الشعبية ويعمل فقط علي ربط القوة الوطنية والديمقراطية به بشكل نهائي ويحول نشاط المعارضة الي مذكرات ومساومات مع الطغمة الحاكمة.) إنتهي
بالملاحظة لهذا التحليل نجد أن التيار القومي في ذلك الحين وضع يده علي مكمن الجُرح, وحدد بذلك الفشل الزريع الذي ظل يلاحق الحركة السياسية السودانية وبالادق (قضية الثورة السودانية) وقضايا مابعد الاستقلال وتبلورها, هذا التحليل يعتبر الاعمق والاصح وتنطبق نتائجه علي الفترات التي تلت اكتوبر فنجد أن التحليل اشار الي أن التحالف مع حزب الامة يقويه ,وبالتالي تقويته تشكل خطراً كبيرا علي الديمقراطية إذا ماسقط النظام العسكري( ويقصد بذلك النظام العسكري الاول).
وبامكان القاريء ملاحظة الاحداث التي تلت اكتوبر والتي صاحبت الحركة السياسية السودانية بالتفافها الدائم حول حزب الامة,فحادثة طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان 1965 لعب فيها حزب الامة دوراً كبيراً,وكذلك عدم تنفيذ قرار بطلان المحكمة,وبالذهاب الي العمل الجبهوي للمعارضة أبان حكم الديكتاتور جعفر نميري نري إن أول حزب قام بمهادنة النظام بدون الرجوع الي الجبهة هو حزب الامة, ولازالت التجربة الديمقراطية الثالثة ماثلة أمامنا والمواقف المترددة للامام الصادق وتواطئه مع الاخوان المسلمين وتسليمه السلطة السياسيى مع العلم أن كل القوة السياسية قد نبهته بأن الديمقراطية في خطر وأن الجبهة الاسلامية تخطط لانقلاب.وإمتد هذا التواطؤ ليشمل إنسحابه من التجمع الوطني الديمقراطي الاخير ومحاولة إضعافه والحوار مع النظام, ثم معاداته للحركة الشعبية بوصفه لها بانها حركة ذات طابع افريقاني علماني ,ووقوفه ضد ترشيح ياسر عرمان باصداره خطاب ضد ترشيحه. ولكل هذه المواقف رابط واحد هو أن قيادة حزب الامة قيادة ضد قضية الثورة السودانية, وهو يدعم بشكل واضح ماكان يثار عن الامام الصادق في الستينات عن عضويته بتنظيم الاخوان المسلمين العالمي والاخير كتبه الاستاذ شوقي ملاسي في أوراق سودانية.
نقطة اخري أن التحليل أتي من تيار وليس (حزب له إرثه وثقافته) ,وهذا يعكس بوضوح المرتكز الفكري في تحليل الازمة السودانية لدي هذا التيار من فجره ويؤكد أنه من القوي ذات المصلحة العليا في الثورة السودانية, وهو رغم حداثة سنه الا انه استطاع أن ينأي عن صراع مصر سوريا وخلق خطاً قوميا تقدمياً في الوقت الذي كانت تعاني فيه الاحزاب القومية شقاقاً ونزاعاً,مابين النظرية كنظرية ثورية ومابين الواقع الناصري كواقع يمكن العمل من خلاله.
البعث: حزب صغير ودوي كبير (24)
ذكر الكاتب
بعد ثورة اكتوبر بفترة قصيرة ظهرت حركة الاشتراكيين العرب والبعثيين في السودان من خلال التحليل الذي قدمته في نوفمبر 1964, حيث ورد فيه أن المرحلة المقبلة من تاريخ الثورة هي مرحلة (أحزاب الوسط بالتحالف مع القوة اليسارية) وذلك لمواجهة ماأسمته بال(الحلف الرجعي) المكون من (حزب الامة والاخوان المسلمين وقيادة الوطني الاتحادي) ولذلك وجدت حركة الاشتراكيين العرب نفسها تعمل مع قوة عديدة ,شملت حزب الشعب الديمقراطي والتيار الديمقراطي في الحزب الوطني الاتحادي والحزب الشيوعي السوداني وقيادات الحركة النقابية وسط العمال والموظفين والمهنيين,كما شاركت في دعم ثوار الكنغو الذين كانوا يعملون في الحدود السودانية- الكنغولية, وكما عملت ايضا في دعم نضال المؤتمر الوطني في جنوب افريقيا في نضاله ضد حكومة الاقلية البيضاء ,وايضا عملت في دعمها لجبهة التحرير الاريترية بقيادة عثمان صالح سبي, وذلك من خلال جمعية انصار الثورة الاريترية التي كونها طلاب التيار القومي في الجامعات) إنتهي
بالرجوع الي الفقرة أعلاه نجد أن هذه الحركة ورغم صغرها وكما ذكر الكاتب كانت تقوم باعمال كبيرة جدا قد لاتتناسب وحجمها الحقيقي وهذا إن دل يدل علي الطموح الكبير الذي يملاء قيادتها للعب دور كبير مسؤول في ملفات السياسة الداخلية والخارجية,ولكما لفت نظري هنا أن حركة التيار القومي كان لها من الافق السياسي مايجعلها أكبر من اهدافها التي أتت بها ,وكما ذكر جادين عملت الحركة علي دعم حركة الثوار في الكنغو وأريتريا وجنوب افريقيا, وفي إعتقادي الخاص ان تياراً يعمل بهذا النهج لايمكن تحجيمه بانه ينادي بالقومية العربية,اذ أن ملامح الفعل السياسي له ذات ارتباطات اخري لها علاقة بالتقدمية الفكرية اكثر من كونها حركة تعمل في اطار جغرافي محدد وتحاول ان تؤطر لثقافة محددة,ويمكننا أن نلخص هذه الفقرة أن أهداف الحركة التقدمية طغت علي اهدافها وشعارتها المطروحة حول القومية العربية وغيرها, صحيح أن للحركة اطاراتها وتعاملاتها مع دوائر المشرق العربي الا انها في السودان حاولت أن تضع نظرية خاصة بها,وراعت بشكل كبير للتنوع وخصوصيته, وهنا يمكننا أن نرجع الي رؤية التيار حول قضية الجنوب الندوة التي قدمها ( (invisible عبدالله محمد عبدالرحمن,وتلك القراءات الواعية حول الحكم الذاتي ,هذا من جانب ومن جانب أخر هو إجبار الاحزاب الاخري علي تطعيم شعاراتها بشعارات القومية وان كانت هذه من ناحية تعزز وجود الفكر القومي بالسودان الا أنها ربما كانت تعبر عن مرحلة من مراحل السياسة قد تاثرت بالمتغيرات التي تصاحب الثورة العربية بشكل عام , وقد ذكر الكاتب أن تبني الاحزاب لهذه الشعارات أضعف وجود التيار أو الحزب في مرحلة من المراحل ولكنني أري أن تبني الاحزاب لهذه الشعارات ليس فيه أي شكل من أشكال سحب البساط من تحت البعث بل ربما يكون داعما ومؤطرا لاهمية وجود الفكر القومي بالسودان كجزء من منكونات الثقافة السودانية وهو ماجعل الادبيات السياسية مليئة بالمفردات القومية خلال تلك الفترة.
(لخص الكاتب أن واحدة من العقبات التي عوقت إمتداد حزب البعث الي حزب مؤثر ,هي أن حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي السوداني اصبحان يطرحان الشعارات القومية بشكل قوي وواسع وفي تحليله ,أن هذا أدي الي اضعاف إنتشار الفكر البعثي وكلا الحزبين له نفوذ فحزب الشعب له نفوذ في وسط القوي المرتبطة بالواقع الوطني التقليدي و بالعلاقة المتطورة مع مصر, وكما ان الحزب الشيوعي (شيخ اليسار السوداني كان قد بدأ في التحول الي قوة سياسية مؤثرة في البلاد رغم العقبات التي تعوق تطوره في مجتمع زراعي\رعوي وطرحه وكان يمنع نمو أي حركة يسارية بجانبه وتوسل بذلك لرفع الشعارات القومية) إنتهي.
اعتقد أن الكاتب أشار الي تحليل مهم ولكن هذه النقطة تحتمل اكثر من تحليل, ولابد لنا هنا أن ناخذ في الاعتبار تاثيرات التجارب الخارجية كالناصرية مثلاً, وإمتداد نتائجها مثلاً علي السودان,فالوسط السياسي السوداني كله كان متاثراً بالتجربة , وكلنا يعلم تاثيرات مصر التاريخية عل الوعي السياسي السوداني, فمثلا في حزب الشعب رفعه للشعارات مبرر باقترابه من الناصرية ومن مصر بشكل عام وهو من أحزاب الصدي المصرية,أي التي تتاثر جدا بما يحدث في مصر, أما الحزب الشيوعي فقيادة عبدالخالق كانت تتعامل بذهن مفتوح مع البُعد القومي, ولربما نلاحظ ذلك من علاقة ناصر\عبدالخالق حينما نُفي الاخير من السودان عام 1970 واستقبله عبدالناصر بمصر بالرغم من أن الشيوعيين المصريين في ذلك الوقت بالسجون,وأنا دائما مااري أن التجربة السياسية السودانية من بعث وشيوعيين وغيرهما ,ظلت الي حد كبير منفصلة عن مركزها ولم يستطيع مركزها فرض سياسات الاملاء عليها فالاتحاد السوفيتي لم يستطيع فرض املاءاته عل الحزب الشيوعي وكذلك القيادة القُطرية لم تفلح في ذلك, وربما تكون هنالك بعض الضغوطات ولكن لم تنجح معظمها, وقد أكد الكاتب هذه الوجهة في اكثر من فقرة في كتابه فقد ذكر أن عبدالخالق ايام انقلاب 1971 طلب الدعم من بغداد وذلك لان الاتحاد السوفيتي غير راض او في الاغلب متردد من الخطوة, أما للبعث أو حركة التيار القومي أنها نجحت الي حد كبير في الابتعاد عن مشاكل المركز والانشقاقات التي حدثت به,وأعتقد أن الانشقاقات التي حدثت بعد ذلك كان لاعلاقة لها بالمركز اكثر من أنها صراعات فكرية داخل البعث السوداني لم تستطيع مواعين الحوار أن تتسع لها, وباعتقادي أنه حينما رفعت هذه الاحزاب شعارات القومية هذا لايمكنه باي شكل أن يسحب البساط من تحت أقدام البعث أي لايمكن اعتباره عمل سلبي يحط من قدرات التنظيم , بل ربماهو فعل إيجابي يؤكد للجماهير ضرورات وجود مثل هذه الشعارات وهي قضية تخدم البعث كثيراً ولاتضره وبالتالي لاتؤخر نمؤه.
من كل هذا يمكننا أن نصل الي أن التجربة السياسية السودانية راشدة,والسودانيين بشكل عام قد تاثروا بما أنتجته دوائر المعرفة الخارجية من نظريات فكرية سياسية,ولكن كل هذا لم يجعل قوميتهم تذوب في تلك النظريات وهذا بشكل كبير أثري التجربة الفكرية السودانية وخلق منها تجربة متميزة,موائمة للواقع السوداني وتعقيداته المجتمعية.
البعث:حزب صغير ودوي كبير (34)
(ذكر الكاتب التحليل المُقدم الوارد في التعميم الحزبي لماذا يرفض حزب البعث الاتفاقية):
- أن الاتفاقية اتت في ظروف ضرب القوة الوطنية التقدمية الحليف الاساسي لتطلع شعب الجنوب للحكم الاقليمي الذاتي.
- أن الاتفاق بحكم القوة التي شاركت فيه أدي الي إخراجها من اطارها الوطني الي التدويل (مجلس الكنائس العالمي,الامبراطور الاثيوبي والقوي الاستعمارية بالمنطقة
- الاتفاق ايضا يرتبط بالانظمة الافريقية الرجعية بالمنطقة.
- الاتفاق أفرغ مشكلة الجنوب من محتواها الثوري المعادي للاستعمار والمرتبط بحركات التحرر الافريقية,كما إعتبر التحليل أن حركة الانانيا لها ارتباط مع اسرائيل والدوائر الاستعمارية ويقوم خطابها علي فهم عنصري متخلف للمشكلة.) إنتهي
من الملاحظ القدرات التحليلية الكبيرة لدي البعث وكل النقاط الواردة اعلاه تمثل نقاط موضوعية في مجريات الاحداث حول الاتفاقية, لكنني أري في الكاتب تراجعاً عن هذا التحليل حينما قدم كتابه بمركز الخاتم عدلان, وأنه يري حالياً أن هذا الموقف كان خاطئاً,وإن كانت الاتفاقية لم تصمد لان النميري استعجل وهضم حقوق وبنود الاتفاقية, الا أن الناظر للوقائع أن فشل الاتفاقية سيكون وشيكا مع وعي النخبة الجنوبية , ويمكننا أن نلاحظ ذلك بالنظرة المختلفة التي حملها الراحل جون قرنق في برنامجه (السودان الجديد) والمرتكز الفكري الذي إستخدمه في تحليل قضية الجنوب, اذاً صمود الاتفاقية لن يكون طويلاً ,لان ثورة برنامج السودان الجديد كانت ستتفجر خلف قيادة حركة الانانيا ولان الاخيرة زائفة الوعي , وأفقها الفكري لايوازي الحركة الشعبية ولا يمثل المصلحة الحقيقية لشعب الجنوب كما انه يري المشلكة الجنوبية وفق مفهوم عنصري واثني ولا يستند في تحليله علي الصراع الحقيقي بين القوي الوطنية التي تؤمن بالانسان وقوي البرجوازية التي تؤمن بمصلحة الوطن لكن في اطار منفعتها الخاصة, وبهذا ستدخل الاتفاقية مرحلة الانعاش, ولكن قرار السلام في حينه ربما كان مهماً لتماسك البلاد وقدد يكون هذا ما أثر في وجدان الكاتب وموقفه من الاتفاقية. ولكن هذا لايعني قطعاً خطأ الموقف أو التحليل,إذ أن مجريات الاحداث أثبتت بعد ذلك أن طغمة مايو وحركة الانانيا إختلفتا...والصراع في الاصل حول الثروة ولأن طرفي الاتفاقية غير ثاقبي الافق حول جدالات السلطة والثروة لم يستطيعا أن يحلا مشكلات السلطة والثروة تلك المشكلة التي لازالت تؤرق السودان.
(ذكر الكاتب أن المجموعة المنشقة في عام 76 تمترست خلف الماركسية وحاولت إجبار التنظيم علي تبني الماركسية
وللحقيقة لقد ذكر الكاتب سبباً غير جيداً لرفض التنظيم الفكري لمبدأ تبني الماركسية حيث قال (ولأن الماركسية كانت تشهد تراجعاً كبيرا في أوربا والبلدان والمنطقة, والفكر القومي والبعثي ظل يتعامل معها من خلال موقف نقدي ايجابي) إنتهي
ولم يتطرق الكاتب أو التنظيم في تلك الفترة لاحداث حوار فكري عميق حول هذا الخط ,ولكم كنت أتمني أن يسرد الكاتب وقائع موقفهم النقدي الايجابي هذا حتي تكتمل صورتهم فهو لم يعطي هذه النقطة حقها من الشرح الوافي بينما أوفي في نقاط أخري كثيرة فقد أسهب الكاتب في موضوع تحالفهم مع الاتحادي جناح الهندي وعلاقتهم (بالهندي) نفسه وكأنه في الاولي يذكر المعلومة فقط للتاريخ وحاول أن يتجاوزها سريعاً حتي إنه ذكر سببا غير رئيس في تراجع الماركسية في أوربا وهو ليس بالسبب الكافي لعدم تبنيها,وإن الاحزاب إذا استندت الي أسباب مثل هذه لن تقوم لها قائمة بالسودان, فمثلا إذا أخذنا تجربة البعث سنجد أن البعث واجه ماواجه من مصاعب وتحديات لكي يؤسس حزبه السياسي ولم يواجه هذا الحزب ارضيات ديمقراطية لبناء تنظيمه ولكن تنظيمه تم بناءه في طرقات الديكتاتوريات المُعتمة, ولكن الكاتب له أدواته في لفت القاريء الي الاشياء التي يود أن يسلط عليها الضوء, وكما ذكرت أنا في فقرات أخري أن الحزب نجح في موائمة الفكرة مع الواقع وربط جيدا بين فكره القومي العربي وواقعه السوداني المُعقد, ولكن الكاتب أشار من علي البعد الي كتابات ميشيل ومنيف الرزاز وهنا هو يطلب من القاريء الذهاب الي مكتبة ميشيل ومنيف الرزاز,وهنا هو يؤكد مرة اخري أن البعثيين السودانيين لم يقدموا تنظيراً جيدا حول الماركسية وتعاملوا مع كتب (ميشيل+ومنيف) بانها مرجعية الصراع الفكري في هذه النقطة, وهذا غير جيد عموماً كما أن هذه النقطة تحديداً وضحت أن البناء الحزبي كان هشاً ولم يحسم قضايا فكرية كبيرة كفكرة علاقة البعث بالماركسية وأنهم ربما عملوا بعموميات الفكر القومي للتجنيد,وهذا ماخلق لديهم كادر هش فكرياً, ظهر بشكل واضح في إنقسام 76, وهنا لابد لي أن أشير الي موقف الكاتب النقدي فيما يتعلق بالحسم التنظيمي لهذه المسالة فقد وضحها بشكل جيد وحتي جعل منها موقفاً نقديا لشكل (المركزية الديمقراطية) وهي قضية حقيقة ماثلة كما ذكر في كل التنظيمات العقائدية فهي تحافظ علي النظام الداخلي في خضوع القيادات الدُنيا للقيادات العُليا وبالتالي يقتل الابداع داخل الكوادر بشكل عام بمسألة (نفذ ثم ناقش),
نقطة أخري أن الكاتب (حاول التقليل من قدرات (مجموعة الابيض) وذلك بقوله بانهم يفتقدون القدرات الفكرية والتنظيمية لخوض صراعهم بتبني( الماركسية) انتهي
والحقيقة أن هذا سبب غير مُقنع لتجاوز القيادة لامر المناقشة وإنعقاد المؤتمر الاستثنائي وهنا يتحول الكاتب من الموثق لتاريخ البعث الي القاضي الذي يحكم في النزاع الحزبي ويضع مؤشرات يحاول بها ان يفرض حقيقته بدلاً من ان يكون موثقاً للحدث , و الحديث عن مدي صحة قرار القيادة الحزبية انذاك,وإن كنت أري أن النجاح ياتي عندما نسلط الضؤ عل النزاع ونوثق لنتائجه هذا ماكان يجب عل الكاتب أن يفعله, وهو بالقدر الذي يذكر لنا أنهم غير مؤهلين فكرياً ولكنه لم يشرح لنا ذلك, وربما أعتمد في تقييمه في ذلك علي المؤهلات الاكاديمية لهم حيث أشارهو الي قيادة الحزب وحاول تصنيف قيادتها ,باعتبار أنهم خريجي الثانوية , وإن صح هذا فاعتقد أن هذا مؤشر قمعي داخل التنظيم باعتبار أن الرُقي التنظيمي يعتمد علي الشهادات الاكاديمية لا الاداء الحزبي والفهم العميق للنظرية وهو بشكل أخر يدعم أن الثقافة الحزبية لاتعني شيئاً مالم تكون مُحاط بدراسة جامعية او شهادات عًليا إذاً هذا منحي غير جيد تتعاطاه السياسات الحزبية, وكما في هذه الحالة لن يستطيع العُمال أصحاب الحق كما يقول (حميد) من أن يتنصبوا مكاناً سامقاً داخل التنظيم وهنا يتحول التنظيم من تنظيم صديق للطبقة العاملة وللكادحين الي صديق فقط علي المستوي النظري بل فالنقل العاطفي,وهو برغم إدعاء التنظيم للوقوف بجانب البسطاء والعمال والمهنيين الا أن الكاتب باستعراضه للنقطة اعلاه يضع سلطة هؤلاء البسطاء في أيدي المتعلمين والتكنوقراط وصغار البرجوازية من الموظفين والمستنيرين,وبالتالي يُجرد الاخرين من سلطاتهم في الصراع الفكري وتولي مسؤليات كبيرة في القيادة الحزبية. ومواقف كهذه هي بكل تأكيد تخلق فصاماً كبيراً بين اعضاء التنظيم إذ تذوب هنا الموجهات العامة للتنظيم تلك التي تدعو الجميع للانخراط في العمل الحزبي وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات وتجعل من قضية القيادة محصورة علي فئة محددة تلك التي تمتلك الشهادات العُليا والمتخرجة من الجامعات وغيرها,في الوقت الذي يخوض الحزب معارك النقابات والصراعات داخل سكنه وعمله ويتحمل في ذلك العنت والمشقة , وباعتقادي ان هذه الفئات هي الاقدر لقيادة العمل السياسي,ربما العمل الفكري يحتاج الي مفكرين ومستنيرين أو كما تشير ادبيات اليسار الي مسالة المثقف العضوي الخ, ولكن هذا لايمنع تقدم هذه الكوادر لتحتل مواقع مرموقة داخل التنظيم.
البعث: حزب صغير ودوي كبير (44)
أشارت وثيقة البعث وقضايا النضال الوطني في السودان الصادرة عام 1973 تشير الي (أن الاسلام بالاضافة لجوانبه الدينية البحتة الثابتة هو حركة فكرية واجتماعية وسياسية شاملة توجهت نحو تطوير الخصائص الايجابية في المجتمع العربي خاصة والمجتمعات البشرية عامة) ويواصل( وكما ان فكرة القومية العربية الحديثة هي إمتداد لكل الجوانب الايجابية في حركة التطور العربي) والي أن ياتي في فقرة اخري ليقول ( أن المسلمين الاوائل لو رجعوا الي هذا العصر لما إستطاعو العيش الا في السجون والمعتقلات مع المناضلين)
هذا دفاع جيد الي مستوي رفيع ومحاولة لخلق حالة من التوائم بين الفكر التقدمي والدين , استدرار عواطفهم الدينية في إتجاه رفض للخطابات الجديدة وهي قد لجأت الي ذلك الخيار حينما فشلت في تقديم خطاب موازي لهذه الخطابات,و كما ذكر الثورة لاتتجزاء فالدين ثورة ومايحمله البعث ثورة وأعتقد هذه من الوثائق المهمة المنتجة بواسطة البعثييين السودانيين ,فهي بإمكانها أن تكون الحجر الذي يمكن البناء عليه في قضايا شائكة في الجدليات السودانية بين العلمانية والدين,والدولة المدنية والدولة الدينية وهي تحاول بصدق إزاحة المتاريس والعقبات(البروباقاندا) التي تغذيها الرجعية حتي تًصور للاخرين بأن الفكر التقدمي فكر منافي للدين وشعوبي والي غيره,ولكن أيضا الناظر الي هذه الفقرة يجد أن البعثيين إستماتوا في هذا التحليل لانه نتيجة تفكير عميق ودراسة متانية وهذا يدلل إنهم إجتهدوا حتي يتسربوا خلال الواقع السوداني ونريد أن نؤكد مرة اخري هنا أنهم نجحوا في ذلك الي حد كبير في ذمن قليل ,وهو مايدفع ذهننا للتساؤل مرة أخري لماذا لم تُقدم دراسات وافية وكافية للكادر فيما يخص الموقف من الماركسية, واستندوا فقط علي كتابات ميشيل ومنيف؟
تحدث الكاتب عن ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الذي وُقع في فترة الديمقراطية الثالثة(حتي أن بعض الاحزاب تساءلت عن مدي مصداقية البعث في هذا الميثاق بإعتبار عن أن هذا الميثاق يتنافي مع مايفعله حزب البعث بالعراق) وكما ان بالفصول الداخلية للكتاب اشار الكاتب الي أنه في منتصف العام1976 تسائلت جريدة الميدان في كلمتها عن (ماهو موقف البعثيين السودانيين بما يحدث للحزب الشيوعي العراقي؟) انتهي
وفي الاشارتين لم يتعرض الكاتب لهذا التناقض بوضوح وحاول فقط التلميح, وفي مقالة أخري نشرت للاستاذ الصادق عوض بشير بالصحف السودانية في العام 2006 تساءل هو أيضاً عن موقف البعثيين عن ذلك الذي كان يحدث بالعراق؟ وسيظل السؤال قائما رغم إنفضاض تجربة (صدام الحسين) وبكل وضوح هو أن البعثيين السودانيين قدموا تضحيات جسام ودفعوا مهراً غالياً في سبيل الثورة السودانية وإرساء الديمقراطية كمفهوم علي المستوي النظري,وقد عرفتهم السجون وأصغلت تجربتهم وحديث الاستاذ بدرالدين في ذلك اليوم يوم(ميثاق الدفاع عن الديمقراطية) لدليل كافي لعدم اللجوء الي الانقلابات,اذاً مالذي حدث في رمضان عام 1990؟
الحقيقة الماثلة أمامي هو ان التنظيم البعثي أستمد قوته من هذا النظام الديكتاتوري وهذا بدوره لم يساعد في خلق المساحة النقدية بين التجربة والحزب, وهو بشكل قاطع تناقض أساسي وإن دفع عمل التنظيم البعثي في السودان للولوج بقوة إلا انه ايضاً خصما علي التجربة البعثية السودانية ويحملها جزء كبير من ديكتاتورية البعث في العراق,وبما أن الثورة لاتتتجزا تلك العبارة الواردة في وثيقة البعث وقضايا النضال السوداني (بأن الثورة لاتتجزأ) فهنا ايضاً الديكتاتورية لاتتجزأ,فكلا الحاكمين (صدام والنميري) كانا يحتميان خلف الترسانة الامنية.
الحزب له إرثه وفلسفته العميقة في دراسة الواقع ,كما له أخطائه ومن خلال متابعتي لما أورده الكاتب من وثائق حزبية لم يستدل ولا بواحدة من تلك الوثائق وهذا يضعنا أمام احتمالين اما انه لايوجد وثائق نقدية للحزب من خلال ممارسته السياسية او أنه توجد وحاول اخفاءها وكلا الامرين يجعلان من بحثه التاريخي وتوثيقه معرض لانتياش النُقاد والخصوم, لان كل التجارب السياسية السودانية بها من الاخفاق علي مستوي اداءها او مستوي تطلعاتها ووقعت جميعها بدون استثناء في تناقضات بين ماتحمل من شعارات وبين ماتمارس من افعال, فكيف تستقيم مسيرة حزب ولجت خلاياه في فترة تاريخية ليست بالقريبة ولايكون له وثائق نقدية مؤرشفة؟
شيء اخير لم يتطرق له الكاتب مطلقاً وهو المالية الحزبية, في ظل ظروف تعقيدات الاقتصاد السوداني كيف إستطاع أن يوفر حزب حديث كالبعث, تلك المنصرفات من مطابع للرونيو وأوراق ومنشوارت وبل ذكر الكاتب أن هنالك مطابع كثيرة في أماكن مختلفة من المُدن (انظر بيان الحزب في فترة مهاجمة مطبعة الفتيحاب),فالاحزاب لدينا في السودان تعاني من مسالة التمويل, الا حزاب الطائفية فانها لها من يساندها مالياً وذلك من خلال الهبات التي تُقدم للسادة والزعماء او الدعومات المُقدمة من العضوية نفسها العضوية ذات الارتباط بالاقطاع,وبإعتقادي هنالك من دفع باشتراكه ومن ترك وظيفته نتيجة الفصل من العمل,أو الاعتقال أعتقد أن هذه نقطة مهمة لم يتم ذكرها في التوثيق حتي تكون تجربة التوثيق الحزبي مكتملة, ويتم فيها ذكر الذين فتحوا بيوتهم للهاربين من أجهزة الامن هؤلاء ايضا ساهموا مساهمات مالية ,نعم لم تُدفع نقداً, ولكنها تظل مساهمات مُقدرة وأعتقد أن الجُهد المبذول هنا من الاستاذ جادين كبير وثري ويستحق التنقيب ,وهي بلاشك ظاهرة جيدة لتوثيق العمل السياسي نتمني أن تحذو حذوه كل الاحزاب الاخري,لأن هذا التوثيق يدعو الاخرين للتأمل وهو جدير بإعادة صياغة الافكار ويفتح نفاجا جديداً للحوارات الحزبية مع بعضها البعض البعض,وبالتالي يعيد النظر في اشياء كثيرة هي أحوج ماتكون اليها الحركة السياسية السودانية.
mazin alhaj [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.