والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضد الدولة الفاشلة ... بقلم: محمد عثمان إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 03 - 07 - 2009


[email protected]
قبل المقال:
كعادتها، في مثل هذا الوقت من كل عام، أصدرت مجلة (فورين بوليسي) و مؤسسة (صندوق السلام) الأمريكيتين، قائمتهما للدول الفاشلة حول العالم، وكعادتهما وضعتا السودان ضمن أفشل ثلاث دول حول العالم، وفقاً للمعايير التي وضعتها الدكتورة باولين بيكر أستاذة العلوم السياسية ورئيسة صندوق السلام منذ عام 1996. في هذا المقال نريد أن نقول إنما أتت به المؤسستان الأمريكيتان خطأ (كامل الفضيحة) وإن المعايير التي وضعتها الدكتورة (الداعية إلى تقسيم العراق من أجل تيسير التجارة معه مثلاً) لا تهدف لخدمة الحقيقة وإن هدفت إلى خدمة المصالح التجارية للولايات المتحدة. إن هذا السجل –في تقديرنا- هو واحد من أوضح وسائل إستخدام المعرفة والإعلام خزياً وأحد أكثرها بشاعة ومفارقة للأخلاق والقيم الإنسانية.
في مالابو العاصمة وحدها يعيش ستون ألف شخص دون أن تتوافر لديهم شبكة مواصلات عامة .
و في مالابو و غيرها من المدن لا تصدر الصحف، و يعتمد الناس الذين يعيشون هناك ويموتون دون أن يكملوا الخمسين عاماً كعادتهم، دائماً علي محطة إذاعية قصيرة المدي قامت بإبلاغهم ذات يوم ضمن برنامج اسمه (بيزي ندوان ) أو (اطفئوا النيران) " إن صاحب الفخامة الرئيس تيودورو أوبيانغ نغوما مبساغو يستطيع أن يقتل أي شخص دون أن يخضع للحساب و دون أن يتعرض لدخول جهنم لأنه هو نفسه ( إله )، ولأنه علي إتصال مباشر بالله سبحانه و تعالي".
و الإله الحاكم في غينيا الإستوائية، الدولة الصغيرة التي لا تلفت إليها النظر في غرب إفريقيا، هو إله فريد فهو رجل ناعم الصوت و خفيضه للدرجة التي يضطر معها جلساؤه إلي إحناء رؤوسهم حتي يسمعوا ما يدلي به. و الرجل ذو كلمة تسوى ذهباً، فهو يحكم ثالث أكبر دولة منتجة للنفط في أفريقيا بعد أنجولا ونيجيريا. دولة يفترض أن يكون مواطنوها الأغنى في القارة السمراء و ثاني أغنى سكان الكوكب الأرضي إذ يبلغ نصيب الفرد منهم - و هذا علي الورق فقط – 26,000 دولاراً امريكياً تقريباً في العام، أي أفضل مثلاً من الأمارات العربية المتحدة التي يبلغ نصيب الفرد فيها من الدخل القومي ( 21,040) دولاراً.لكن الغينيون الاستوائيون و الذي يتجاوز تعدادهم نصف المليون نسمة بقليل يعيشون في ملكوت فخامة الدكتاتور أوبيانغ علي حوالي دولار و احد في اليوم أي إن المواطن السوداني (البائس) يتلقي أرزاق(17 ) شخصاً من مواطني غينيا الإستوائية تقريبا بنصيبه البالغ 2,400 دولار في العام.
لكن غينيا الإستوائية غير موجودة في ال 35 دولة الأولي في قائمة الدول الفاشلة التي أعدتها مجلة (فورين بوليسي ) الأمريكية الواسعة التأثير بالتعاون مع مؤسسة (صندوق السلام) والتي تصدّرها السودان للمرة الثانية علي التوالي.
و (الرأس الكبير )، أو كما يسمي الرئيس أوبيانغ نفسه، ليس ناعماً في الفعل كما في الصوت فقد أخرس دون حساب عدداً هائلاً من مواطني بلاده دون أن يهتم بذلك أحد. و بالرغم من ذلك لم يدخل أوبيانغ يوماً في قائمة أعظم خمسة من ديكتاتوريي العالم و التي تصدرها كل عام مجلة (بارايدParade )الأمريكية المرموقة.
و أوبيانغ الذي يقل وزنه عن ال 50 كيلوجراماً و الذي يضطره المرض للسفر للخارج كل أسبوعين لتلقي العلاج لا يعيش في الخفاء فقد قدم العام الماضي عرضاً محضوراً في مبني وزارة الخارجية الأمريكية.
فيً حلة بالغة الأناقة رسمية و زرقاء و قميص ملكي أبيض و ربطة عنق يتقاطع فيها اللونان الأزرق والأحمر، ظهر الرجل في تمام العاشرة صباحاً من اليوم الثاني عشر من أبريل السنة الماضية، برفقة أقوي امرأة علي كوكب الأرض.
تقدمت الدكتورة كوندوليزا رايس بخطوة واحدة علي (أعظم قائد لفرقة اليفانفارون العسكرية و رب جزر بيوكو العظيمة كما يقول أحد ألقابه الرسمية) و تحدثت للصحفيين قائلة : " إنني شديدة السرور اليوم لأن أرحب برئيس غينيا الإستوائية الرئيس أوبيانغ ... شكراً لك جزيلاً علي حضورك هنا ، إنك صديق عزيز ونحن نرحب بك " وكانت الدكتورة رايس صادقة تماماً وهي تصفه بالصديق لأن 80 % من نفط بلاده الذي تنتجه شركة إكسون موبيل الأمريكية يذهب إلي بلادها المتعطشة دوماً للنفط فيما يستورد هو 24% من إحتياجاته أو إحتياجات بلاده -لا فرق – من بلادها البعيدة.
لم يضع أوبيانغ الفرصة، تحدث بالإسبانية التي جود معرفتها إبان دراسته في كلية (فرانكو! ) العسكرية فقال " ظلت بلادي منذ وقت طويل علي علاقة جيدة بالولايات المتحدة و زيارتي اليوم، وببساطة، تجيء لتدعيم هذه العلاقات و لإقامة مزيد من روابط التعاون مع بلادكم ". أعتقد أن الدكتورة رايس منحت الرجل إبتسامة خفية و واسعة حين أكد علي رغبته في المزيد من التعاون.
لم يسأل أي من الصحفيين و لو عن طريق الخطأ سؤالاً واحداً عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلد الملقب ب (كويت أفريقيا) بل لم يتحدثوا عن ذلك علي الإطلاق. منح هؤلاء الصحفيون فرصتين للسؤال فسألوا عن إيران و عن التهديد النووي الذي تمثله.
إذن من الواضح فإن الصحفيين الذين يقومون بتغطية أنشطة وزارة الخارجية الأمريكية لا يعرفون شيئاً عن إنتهاكات حقوق الإنسان هناك بينما نعرف نحن ذلك. .إذا كانوا يعرفون فقد كان بوسعهم أن يسألوا وكلنا يعرف شغف الإعلام الأمريكي بأوضاع حقوق الإنسان في العالم كله من الصين الكبرى وحتي ميكرونيزيا الصغري.
في الوقت الذي سمح فيه للرئيس أوبيانغ بتلك الخطوات الحرة، حرم نظيره السوداني حتي من متعة التجول في العالم الجديد، و ظل رهيناًً هو ورفاقه لمحبس لا يزيد عن عشرة كيلومترات حول مبني الأمم المتحدة في نيويورك حين زار أمريكا منذ عامين أو ينيف. لسنا معنيين بذلك لكنا نريد المقارنة هنا علي أكثر من مستوى.
لماذا يحرم البشير مثلاً من التجول و قد ظلت أبواب البيت الأبيض و الكابيتول هيل وبالطبع البنتاغون مفتوحة أمام ديكتاتوريي العالم من كل العصور رؤساء و ملوك و أمراء و مني أركو مناوي (مع التقدير والإحترام).
إن الأمر ليس علي صلة دائمةً بالنفط لكنه علي الدوام بقي بعيد الصلة عن الأخلاق و القيم.
أن الحضارة الغربية أو "البيضاء" والتي تتربع و اشنطن اليوم علي قيادتها، أثبتت دائماً إنها خطرة وإنتقامية و غير أخلاقية ، أذكر أنني قرأت ذلك مرة لمؤسس مجلة (فورين بوليسي ) البروفيسور صمويل هنتنجتون.
إن الطريق شديد الوعورة فحين تسعي للدفاع عن وطن تحمله في الخاطر و تم وصمه خطأً و بسوء نية بأنه دولة فاشلة تبدو وكأنك في حالة دفاع عمن يحكمه و هو أمر يستوجب التبيان بأن الدفاع عن السلطة أياً كانت ليس ما يشغلنا فقد اضطررنا لمغادرة هذا البلد قبل إحدي عشرة سنة و لم نعد حتي الآن..إنتهي البيان!
قبل إثني عشرة سنة كنت أقرأ في مكتبة البشير الريح العامة بأم درمان كتاب ( الإستشراق ) للبروفيسور إدوارد سعيد و ترجمة الدكتور كمال أبوديب و ما زلت أذكر كيف كان الغضب يتنامي بداخلي بسبب ما كنت أحسبه نظرة متعسفة ينظر بها الغرب للشرق حتي صدمني البروفيسور سعيد بأنه يأمل ألا يكون الرد علي كتابه هذا هو كتاب آخر بعنوان(الإستغراب) و فهمت أن الرجل يريد للشرق أن يعيد تقديم نفسه من جديد للغرب بأدوات الغرب.
كوندوليزا رايس المرأة المعجزة لم تتسرب لقمة المجتمع الراقي الذي يسيطر عليه البيض ، بأدوات السود (التظاهر و حمل رايات الحقوق المدنية و الرفض و غير ذلك) لكنها فرضت نفسها علي ذلك المجتمع باستخدام أدواته.
إذن نستعير الآن هذه الفكرة و نقول إن محاولة نزع ديباجة (الفشل ) من علي صدر السودان لا تعني بالضرورة إلصاق تلك الديباجة بصدر الولايات المتحدة. هذا مناف للعدل يكفي فقط رمي تلك الديباجة البائسة بعيداً.
حددت مجلة ( فورين بوليسي ) إثني عشر معياراً لتحديد ما إذا كانت الدولة فاشلة أم لا ونوردها هنا باختصار :
تزايد الضغوط و التغيرات السكانية
حالات لجوء و نزوح داخلي واسعة تتسبب في أوضاع إنسانية معقدة.
وجود تراث من الرغبة في الإنتقام الجماعي و المظالم الجماعية و الرعب الجماعي.
نزوح جماعي حاد و هروب للأدمغة و الكفاءات و نشوء لجاليات في المنفي.
عدم المساواة في النمو الإقتصادي بين المجموعات السكانية.
التدهور الإقتصادي الحاد.
تدهور مشروعية الدولة.
التدهور المتصل في الخدمة العامة.
تعليق القانون أو استخدامه بشكل عشوائي و إنتشار إنتهاكات حقوق الإنسان بشكل واسع.
أن تعمل الأجهزة الأمنية كدولة داخل الدولة.
صعود النخب المتخاصمة.
تدخل الدول و القوي الأجنبية .
و بالرغم من أن هذه المعايير يمكن تفسيرها بطرق مختلفة، وتطبيقها علي العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة إلا أن هذا لا يخدم غرض ما نخوض فيه الآن، لكننا نريد أن نقول: ومن قال للمجلة الرفيعة (فورين بوليسي) إن ما ذكرته من معايير يجد قبولاً كونياً ؟
في كتابه الرائع ( الدول الفاشلة ، إساءة إستخدام القوة و الإعتداء علي الديمقراطية ) الصادر بالإنجليزية وضع البروفيسور ناعوم شومسكي (أهم مفكر علي قيد الحياة حسب وصف جريدة النيويورك تايمز) معاييره الخاصة لتحديد الدول الفاشلة.
و في هذا الكتاب يجادل شومسكي بأن بلاده الولايات المتحدة بدأت تأخذ ملامح الدول الفاشلة التي لا تستطيع حماية مواطنيها من العنف فيما تسيطر عليها حكومة تعتقد أنها فوق القانون سواء علي الصعيد الداخلي أو الدولي.
رمز أمريكي آخر من الضفة المقابلة لشومسكي في الفكر و السياسة عالج أيضاً موضوع الدول الفاشلة . في كتابه ( بناء الدولة ، الحكم و النظام العالمي في القرن الواحد و العشرين) يوضح فرانسيس فوكوياما أن " الدول الضعيفة أو الفاشلة تتسبب في كوارث إنسانية و تدفع بموجات بشرية هائلة نحو الهجرة و تعتدي علي جيرانها و توفر المأوي للإرهابين".
و لا نحسب بالطبع إن المفكر الرفيع و التائب عن أفكار (المحافظين الجدد) قد وضع هذه المعايير حتي تلائم بلاده، لكنه سيكتشف عما قريب أن بلاده أثبتت أنها تمثل أكبر خطر محتمل و كامن يهدد العالم . ستنقل وسائل الإعلام كيف أن بوسع واشنطن –و قد فعلت- أن تقتل مئات الآلاف من البشر، تدفع بالملايين لترك ديارهم و تهاجم أي بقعة في هذا الكوكب دون أن يبدو عليها (أي على النخبة الحاكمة فيها) أي مظهر من مظاهر الحسرة أو الندم.
نحن لا نجادل هنا بان الولايات المتحدة صارت دولة فاشلة لكن المصادفة هنا جعلتها تلائم المعايير التي صاغها صاحب (نهاية التأريخ و الإنسان الأخير) . أما بالنسبة لمعيار توفير المأوي للإرهابيين فليس سراً أن الولايات المتحدة توفر مأوي كريماً لقتلة مثل (أورلاندو بوش) و (بوسادا كاريل) اللذان تطالب فنزويلا بتسلمهما دون جدوي رغم القانون و الشواهد و الأدلة كما أشار لذلك ناعوم شومسكي في حوار رائع نشر علي الموقع الإلكتروني (الديمقراطية الآن) مع الصحفية المعروفة (آمي قودمان) التي حسبها مدير تحرير صحيفة الرائد (د. ياسر محجوب الحسين) رجلاً فقال عنها لحظةً تباهى فيها بما لا يعرف (الصحفي المرموق).. لا علينا الآن بهذا.
في ذلك الحوار إتهم (المواطن الأمريكي الأكثر فائدة)حسب وصف صحيفة (بوسطن غلوب) له بلاده بالخطورة و إنها تدفع باحتمالات نشوء حرب نووية. و حين يتحدث شومسكي أو فوكوياما يصمت الجميع.
ماذا لو نظرنا فيما يلي علي أنها معايير لتحديد الدول الفاشلة:
أكثر من نصف السكان علي قناعة بأن حكومتهم تقوم بخداعهم و أنها تتصرف بشكل يتعارض مع مصالحهم.
تشعر غالبية السكان بعدم الأمن في الخارج و خصوصاً إذا طلب منها التصريح علناً بالبلد الذي تنتمي إليه .
تورط رموز السلطة في فضائح سواء في المحاكم أو في وسائل الإعلام أو في تصورات المواطنين.
تعتقد الغالبية من السكان أن الحكومة تتصرف بشكل سري و تخفي عنهم الحقائق بإستخدام أساليب الحيلة و الخداع.
لا تجد الحكومة موافقة المواطنين في غالبية قراراتها و ممارساتها.
تعتبر الدولة خطيرة و لا يمكن التنبوء بتصرفاتها سواء من قبل المواطنين أو الدول الأخري.
تعيش الدولة كلها في حالة من الرعب و تقوم الحكومة بالإستفادة من استثمار هذا الرعب.
تزايد المشاكل الإجتماعية في الدولة مثل : المخدرات ، الإيدز ، الإدمان ، البطالة ، الهجرة غير الشرعية إلخ ...
تقوم الدولة بالتعامل بقسوة إزاء معارضيها أو منتقديها.
الضرائب العالية التي تدفع بالإستثمارات المحلية الكبيرة للهروب بأعمالها للخارج أو تخريب النظام الإقتصادي و المالي.
و يمكن أن تطول القائمة كما يمكن لأي شخص أو مؤسسة تتوافر لديها الرغبة أن تضع معاييرها وأن تدعي بأنها اتبعت منهجاً أكاديمياً صارماً في صياغة هذه المعايير دون أن تفكر مسبقاً في أن تستوعب هذه الدولة أو تلك من الدول (العاصية).
لنعد إلي معايير (فورين بوليسي ) التي تحدد فيها خمس مؤسسات هامة باعتبارها جوهر الدولة وهي القيادة ، الجيش ، الشرطة ، القضاء ، و الخدمة المدنية.ففي تقريرها إياه، تقول المجلة أن السودان فيه قيادة أفضل من تلك التي في تشاد لكنها شبيهة بالقيادة العراقية. هل سمعتم أحداً يقول أن السودان والعراق يحكمان الآن بمستوي واحد من القيادة؟ دعوا وزراء المؤتمر الوطني بعيداً هل يوجد الآن في الحكومة العراقية من يتمتع بمؤهلات و قبول و مساندة سلفاكير و دينق ألور و تابيتا بطرس علي سبيل المثال؟
في يوم ما قبل عدة أشهر قررت المعارضة التشادية إقصاء الرئيس إدريس ديبي عن السلطة . و بمساندة واضحة من السلطات السودانية قضي عساكر المعارضة نصف يومهم ذاك أمام مبني البرلمان التشادي في قلب العاصمة إنجمينا و لم يتمكن أحد سوي فرنسا (العضو الدائم في محلس الأمن ) من حماية ديبي ونظامه لكن المجلة صنفت الجيش التشادي بأنه أفضل من السوداني و لم تقف عند هذا الحد بل قالت أن الجيش العراقي أفضل كذلك من الجيش السوداني (حرام عليكم!).
بالتأكيد لا تقصد الصحيفة جيش العراق إبان دكتاتورية صدام و لكنها تقصد الجيش الحالي الذي أثبت حتي الآن وبمساعدة حوالي مائة و أربعين ألفاً من الجنود الأمريكيين عجزه عن حماية المنطقة الخضراء في بغداد إبان مؤتمر صحفي يعقده رئيس الوزراء و ضيفه الأمين العام للأمم المتحدة.
و عن الشرطة يقول التقرير أن السودانية و رصيفتها العراقية تتساويان في الضعف أمام التشادية الأقوي فيما تعتبر الخدمة المدنية و القضاء التشاديين أفضل من رصيفيهم القائمين علي خدمة الشعب السوداني ، كما كتبت الصحيفة دونما حياء.
يضع التقرير ثلاث وعشرين دولة بين السودان وسريلانكا بالرغم من أن العالم ظل يستمع إلي أخبار حركة متمردة هناك تقوم بإستخدام الطائرات الحربية و طائرات التجسس في حربها ضد الحكومة المركزية.
أذكر هذا علي سبيل المثال و لا أريد أن أزعج القاريء بمقارنات مع دول مثل هايتي أو جزر سليمان اللتان تجدان موقعاً أفضل من السودان في قائمة المجلة المرموقة.
أن الولايات المتحدة دولة تستمد قوتها من أعظم أرصدتها و هو التنوع و التعدد. هناك مجتمع متعدد و قوي و هذه حقيقة تتعرض الآن للتهديد. لقد أشرنا فيما سبق لمجلة (بارايد) و (فورين بوليسي) مثلاً ، إذن لنمض قدماً فنتصفح كتاب المعلومات الذي تضعه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية علي شبكة الإنترنت وفي هذا الكتاب نجد كماً هائلاً من المعلومات عن السودان من نظام الحكم إلي عدد مستخدمي الهاتف لكن بالمقابل فإن هناك القليل جداً عن حقوق الإنسان في غينيا الإستوائية نقرأ فيه سطران يشيران في اقتضاب إلي أن عائدات النفط لم تسهم في تحسين حياة الناس .
دعونا نقول بشيء من الثقة أن السودان ليس دولة فاشلة لكن الحكومة التي تسيطر عليه الآن ليست حكومة ناجحة تماماً، لا شك في ذلك.
لن نعود إلي الوراء كثيراً لإثبات ذلك لكن منذ إنقلاب يونيو 1989 م قادت النخب الإسلامية المتصارعة البلاد بطريقة واحدة ، متشابهة و مكررة تتفق علي شيء واحد هو (تجاهل المواطنين و تجاهل حقوقهم و تطلعاتهم ) و لهذا يحسن بالسودانيين دائماً أن يتذكروا قول جورج أورويل " إن الشخص لا يقيم نظاماً دكتاتورياً من أجل حماية الثورة بل يقوم بالثورة من أجل إنشاء نظام دكتاتوري" ، و قد أثبت المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان و حركة مني أركو مناوي و حركة خليل إبراهيم و التجمع الوطني الديمقراطي أن السيد أورويل كان علي حق تماماً.
و منذ أيام الدكتور حسن الترابي لم يسع (ى) الإسلاميون للحصول علي مساندة الشعب بل عمدوا إلي قهره و لم يتجاهلوا الرأي العام فحسب بل نظروا إليه باستخفاف و احتقار.
من جهتها أولت الحركة الشعبية أقل إهتمام ممكن لمستحقات شراكتها في السلطة مع المؤتمر الوطني وساهمت في تحويل إتفاقيات السلام إلي عقود لتقاسم السلطة، وليس الشراكة فيها، هذا إذا اغفلنا ما ظلت الحركة ترفد به الإعلام و مجالس المدينة من أخبار عن خلافاتها الداخلية المتصلة.
هكذا تقاسم الأقوياء السلطة و خسرت الجماهير رهاناتها علي تحقيق السلام. فيما يثبت مطلع كل صبح جديد إن تجاهل مساندة الجماهير والتغاضي عن مطلوبات التعاطي الإيجابي مع الرأي العام الشعبي تجعل الحكومة أكثر عرضة و ضعفاً أمام الضغوط الدولية.
ليس هناك غالبية كبيرة من الناس تعير إهتماماً لما يحدث للبلاد بسبب الشماتة في السلطة و نظراً لنجاح الحكومة في إحتكار الدولة لصالحها وما لم يتم فك هذا الإحتكار فإن البلاد ستظل تصاب بالسوء.
ما لم تتم إعادة الدولة ( و ليس السلطة أو الحكم ) للمواطنين فسنظل نترقب البلاد و هي تتجه نحو الفشل الكامل و حينها لن نكون فخورين بذلك.
* نشر المقال للمرة الأولى على نطاق محدود في أغسطس2007 ، ونعيد نشره الآن لملاءمته لمقتضى الحال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.