(هذا المقال كتب قبل عدة ايام من توقيع قوى التحالف الوطنى البديل الديموقراطى لنظام الحكم و قد منعت اجهزة الاعلام نشره فى جريدة الايام . و قد كان هذا المنع تعضيدا مباشرا لما هو مذكور فى المقال من اسباب الطلب من المعارضة عدم مخاطبة الاتحادى الاصل فى شأن عمل المعارضة لتغيير النظام باعتباره شريكا اصيلا و منذ زمن بعيد بدأت طلائعه فى توقيع اتفاقية القاهرة الخديج ) إنه مما يثير الدهشة الا ينقطع العشم عند بعض السودانيين حسني النوايا ان تتخذ قيادة الحزب الاتحادى الاصل موقفا ايجابيا يتماشى حقيقة مع رغبة الغالبة الغالبة من عضويته وان يعلن موقفا واضحا منحازا لتطلعاتهم و يساير مقاصدهم فى الابتعاد عن حمى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم كما يبتعد السليم من الاجرب ، و كن و بكل اسف يبدو ان هؤلاء حسنى النوايا لا يدركون العصب السرى القوى الذى يربط بين قيادات الحزبين و لا اقول بين اهدافهما المعلنة . فالناظر لحركة التقارب والاتباعد بينهما لا يجد من بين اسبابها اى اشارة الى الاحساس الصادق بين قضايا الوطن والوطنية . ولكن راية الوطن ومصالحه ترفع ليستظل تحتها العرايا منها ليغطوا سؤاءت مقاصدهم الشخصية . و لإن كانت مقاصد اصحاب المؤتمر الوطنى تحرسها ترسانة من العقول والسلاح والمكايد والمكيافيللية . فان بالاتحادى الاصل – تجدر الاشارة هنا الى ان إسم "الاتحادى الاصل" اصبحت هى المسمى البديل للاتحادى الديموقراطى شعبيا واعلاميا – فإن بهذا الحزب الاصل ايضا ترسانة من اصحاب المصالح الشخصية تحرسها منظومة من الاستهبالات والمعتقدات الخرافية والهاشمية . ولعل هذه المفردة الاخيرة هى التى كانت صاحبة السطوة العليا فى اتخاذ العديد من القرارات غير المدروسة والتى لا يمكن تحقيقها على ارض الواقع ويبرز هنا مثالا صارخا يتجلى فى قرار قيادة الحزب وتلك المقولة المأثورة التى قالها السيد محمد عثمان الميرغنى فى بداية شعوره بالالم عند فقد السلطة و الثروة بعد انقلاب 1989 فاعلن فى معارضته " سلم تسلم "وكان البسطاء امثالنا قد فهموا المقولة على انها تهديد للنظام الانقلابى بأن يسلم السلطة حتى يسلم من العقاب . ولكن ما حدث بعد ذلك وبعد اتفاقية القاهرة الخديج ، ان الانقاذ فهمت ما لم نفهمه فسلمت الحسيب التعويضات وبعض المقاعد الوزارية و النيابية فتحقق بيت الشعر القائل ."اجسامنا ليه جسمين وروحنا واحدة وكيف اتقسمت قسمين " وإزداد التقارب لدرجة الانصهار بعد المشاركة المخذلة للشعب فى الانتخابات المضروبة الاخيرة على رغم اتفاق المعارضة على عدم المشاركة فيها.بل وعلى رغم رفض القاعدة العريضة من الاتحاديين الديموقراطيين وبالاخص قطاع الشباب وبعض الشيوخ المخلصين للوطن و مبادئ الحزب .ولكن كان للهاشمية وهى ترى مقاصدها تلوح امام اعينها والنظام الحاكم مثل الغريق فلم لا تعمل من اجل اهدافها التى لا تراها بعيدة عن التحقق والنظام يترنح وعليه فليس هنالك ما يدعو لتغييره طالما التقت المصالح وانسجمت المواقف ولا يهم بعد ذلك الامر شيئا اذا غضب الرجرجة والدهماء وبقية اعضاء الحزب من قرارات النظام كلها طالما انها لا تضر بمصالح المشاركين الهاشميين فى الحكومة .هذا هو واقع الامر بين الاصل و الانقاذ منذ ان سلم الحسيب الراية و استلم التعويضات هكذا يقول العارفون بدواخل ما يدور بين دهاليز الحزب . بل ان بعضهم وفى حالة غضب شديد يؤكد ان للحسيب مقولة تكشف عن مقاصده واهدافه من وجود الحزب ذاته تحت اى اسم جاء ومن ذلك قوله "إنه يكتفى فقط بعشرة نواب يقدمون فروض الطاعة والولاء ويشاركون فى اى نظام ولا تهم بعد ذلك القاعدة طالما ان "للهاشمية "قوتها المؤثرة . وهكذا ظلت هذه الهاشمية هى الدائرة التى يدور حولها كل من يسمون انفسهم بالاتحاديين الديموقراطيين حتى انفرط عقد الحزب فصار اشلاءا . وظلت الهاشمية فى مقاصدها القاصدة حتى دخلت رئاسة الجمهورية واصبحت تطرب كل صباح و مساء لصوت "سرينات" السيارات الرئاسية تدخل وتخرج من الدار المحروسة . وسدت اذنها عن كل صوت لا يغرد فى سربها , هذه الحقيقة لم تك من الاسرار الكونية او الحكايات الخرافية حتى بالنسبة لولئك الذين ينتظرون اليوم ان تتنازل الهاشمية عن هاشميتها و تسمع مرة واحدة لاصوات الهامش والهامشيين داخل عضوية الحزب و ليس الهامشيين الذين يتهمهم النظام بانه عملاء اولئك الذين يقطنون الهامش فى الشمال الاقصى وفى الشرق القريب وفى الغرب المسحوق بفعل آلة الحرب و كذلك النيل الابيض .هذه الهامشية التى اخذت اليوم تتشكل وتتكتل فى موقف واضح وجلى رافضة للمشاركة التى لم تحقق مطلبا وطنيا بقدر ما وسّعت من دائرة الشقاق فى صفوف الحزب وفرزت بصورة صارخة بين الهاشميين والهامشيين . ولم يعد للهاشميين من سند او قوة سوى تلك التى يلبسونها جلابية . وقد يخلعها عنهم الهامشيون فى حال اى تغيير يطال النظام القائم . والهامشيون قد اعلنوها فى مظاهراتهم القريبة من دار "ابوجلابية" ونادوا بما نادوا من شعارات ارتجت لها حوائط الدار وتزعزعت وتزلزلت افئدة .ولذلك انبهمت الامور على احد وزراء الاصل المشاركين الذى لم يجد تبريرا منطقيا لمواصلة مشاركته فى الحكومة سوى الافادة بنه سيظل فى مقعده من اجل "الوقوف مع الشعب السودانى ومقابلة الاشاعات – يقصد المظاهرات والمسيرات – التى انطلقت فى الشارع وتعبئة المواطنين لمواجهة هذه الحقيقة " اغير مثل هؤلاءالمنبطحين من يستطيع بكل جرأة ان ان يخلق من الاشاعات حقائق ومن الحقائق المرئية و التى يعترف بها الى مجرد اشاعات وفى جملة واحدة و يريد ان يعبئ من قاموا بها ضد انفسهم . اى ان يعبئ الشعب ضد الشعب . مثل هؤلاء الذين باعوا مواقفهم مع الشعب من اجل حفنة من غرض الدنيا لن يستطيع الحسيب بل قل لن يجرؤ الحسيب على ان يطلب منهم الخروج من حكومة النظام القائم او اى نظام يجدون لهم مواقع فى سلطته . ولو حاول أمرهم بذلك فليس عسيراعليهم ان يتخلواعن الجلابية والهاشمية معا ويلبسوا كسوة المؤتمر الوطنى ايا كان لونها او مقاسها . و حينها سوف تتضح الامور و سوف ينجلى موقف الاتحاديين كلهم و تقودهم الهامشية هذه المرة و ليس الهاشمية للعودة بالحزب الى مرابعه الاولى حزبا وطنيا ديموقراطيا يعرف اهدافه و سبل الوصول اليها دون انتظار . [email protected]