بسم الله الرحمن الرحمن د. أحمد المفتي المحامى مدير عام مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان (KICHR) ينتقد المواطنون في الشمال والجنوب الحكومات بسبب الفساد وعدم القدرة علي الاستجابة لاحتياجات الفقراء وغياب الشعور بانهم يرتبطون بممثليهم وبيروقراطية الدولة . وبما انه تجرى مراجعة للاشكال التقليدية للتمثيل السياسى فان آليات الديمقراطية المباشرة أصبحت اكثر قبولاً لأنها تمكن المواطنين من المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرارات التى تؤثر علي حياتهم . ولذلك اكتسبت كيفية تعبير المواطنين (خاصة الفقراء) عن انفسهم وكيفية ضمان الاستجابة المؤسسية للاحتياجات والمساءلة أهمية قصوى . وفيما يلى نتناول بعضاً من تلك التحديثات المطلوبة لكل إصلاح سياسى ، ومن خلال اعادة النظر في المشاركة لتشمل اهتمامات المواطنين والحقوق فاننا سوف نفحص عدداً من آليات المشاركة المعاصرة والاستراتيجيات التى تهدف لسد الفجوة بين المواطنين والدولة: 1. ظروف جديدة وتحديات جديدة: أدت محاولات تقريب الحكومة من المواطن الي تغيير في طرائق تقديم الخدمات وذلك بتوسيع فرص مشاركة المواطنين . وفي نفس الوقت فان خصخصة تقديم الخدمات في كثير من الاقطار أفرزت ادواراً جديدة للمستفيدين من تلك الخدمات . ولقد أصبح اولئك المستفيدين زبائنا كما اصبحت منظمات المجتمع المدنى منتجة للخدمات التى كانت تقدمها الدولة . ويرى البعض ان ذلك امراً جيداً وشراكة بين الدولة والسوق والمجتمع المدنى . في حين يرى آخرون أن ذلك امراً خطيراً لأن الدولة تتنازل بذلك عن مسئولياتها الاجتماعية للقطاع الخاص او المنظمات غير الحكومية . 2. سد الفجوة: في الماضى كان تتم الاستجابة للفجوة التى توجد بين المواطنين وأجهزة الدولة عبر واحد من طريقين: تقوية المشاركة للفقراء عن طريق اشكال جديدة من الشمول والتشاور والتعبئة تهدف للتأثير علي أجهزة الحكومة وسياساتها . والطريقة الثانية هى تقويةالمساءلة واستجابة تلك الاجهزة والسياسات وذلك من خلال تغيرات في الهياكل المؤسسية والتركيز علي هياكل الحكم الرشيد . وكل واحد من الطريقين يرى الآخر غير كاف . والتحذير الذى يبغى التنبية اليه هنا هو أن التشاور الذى لا يأخذ في الاعتبار السلطة والسياسة سوف يؤدى الي رفع الاصوات دون إحداث أى تأثير ، وان اصلاح المؤسسات السياسية دون الانتباه الي الشمول والتشاور سوف يعضد الوضع الراهن فقط . وفي الشمال والجنوب وبسبب ازدياد الوعى بالحكم الرشيد أصبح الطريقان مرغوبان وذلك بحيث ينشط المجتمع المدنى في التعبير عن مطالب المواطنين وتنشط الدولة في تقديم الخدمات . وبالاضافة الي التوافق علي دولة قوية ومجتمع مدنى فاعل هنالك الحاجة الي تنمية الديمقراطية التشاركية والحكومة التى تستجيب الي مطالب المواطنين ، والاثنان يدعمان بعضهما البعض . 3. اعادة النظر في المشاركة: تشمل المشاركة السياسية تعليم الناخبين وتنوير المواطنين بحقوقهم والضغط والترويج بحيث يكون ممثل المواطن مساءلاً امامه . اما المشاركة الاجتماعية فهى تعنى بالتقييم والتخطيط ومراقبة الأجهزة والتدريب وبناء الوعى حيث تكون المشاركة ليس لجعل المسئولين مساءلين فقط ولكن لبناء الانسان نفسه بدأ بالتعبير عن احتياجات المجتمعات المحلية وأولياتهم ومروراً باتجاه بناء منظمات محلية تعتمد علي نفسها . ولا شك ان المشاركة تجعل المواطن في احتكاك مباشر مع أجهزة الحكم وطرائقه ومن ثم مطالبتها بالمساءلة والشفافية والاستجابة ، وتلك عملية أكبر من المشاركة في الانتخابات فقط وبذلك ترتبط المشاركة السياسية مع المشاركة الاجتماعية . 4. المشاركة كحق جديد: يتطلب ردم الهوة بين المواطن والدولة اعتبار الدولة للمواطنة علي انها أمر تتم ممارسته عبر تقديم الخدمات الاجتماعية وليس حقاً مجرداً . والمشاركة الفاعلة تعنى ان المواطنين هم الذين يصيغون ويشكلون الخدمات (makers and shapers) وليس هم المستخدمون والذين يختارون فقط (users and choosers) . ويرى كثيرون ان الحق في اتخاذ القرارات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية يجب ان يكون ضمن حقوق الإنسان الأساسية لأنه يمكن الإنسان من المطالبة بحقوقه . وذلك التفكير الجديد جعل بعض المحللين يستبدلون كلمة الاستجابة من قبل الدولة (responsiveness) بكلمة الالتزام (obligation) . والبحث عن حقوق المواطنين قد يؤدى الي عزل مجموعات معينة ولذلك ظهر التركيز علي فكرة الشمول (inclusion) والعدالة الاجتماعية واشراك الأقل قوة والأضعف صوتا.ً 5. مواقع ومجالات جديدة لمشاركة المواطنين: من ذلك توسيع اماكن مشاركة المواطنين بحيث تتجاوز صناديق الاقتراع . وكذلك يمكن ان تحول الاماكن التقليدية مثل الاجتماعات العامة واللجان بعد اعطائها سلطات ومسئوليات جديدة الي مجموعات المستخدمين وتصبح مجالس المواطنين منخرطة بفاعلية في المداولات . وكذلك يمكن اجراء عمليات مبتكرة للمشاركة وذلك في الاماكن العامة التي يقضى فيها معظم الناس حياتهم اليومية . وكذلك توسع مدى المشاركة السياسات الفوقية التى تدعو الي التشاور مع المواطنين واشراكهم في التخطيط المحلى واعداد الميزانيات كما في بوليفيا والبرازيل . وكذلك نجد في المملكة المتحدة ان الحكومة المركزية تشجع توسيع قاعدة المشاركة مما ادى الي خلق ابتكارات كثيرة للتشاور فيما يتعلق بالعديد من المشروعات الحكومية الهامة . وتلك التوجيهات اعادت رسم الحدود بين الخبرة والخبراء حيث اصبح اشراك المواطنين والاستفادة من خبراتهم يغطى مجالات كانت حكراً علي آراء الخبراء . وهكذا تطور الأمر واصبحت المشاركة ليست مجرد حصر للآراء ووجهات النظر ولكنها ساحة للتحليل والنقاش ووزن الخيارات . ومن ناحية أخرى فان اشراك المواطنين في عمليات تشاور تتعلم منها كل الاطراف المشاركة يؤدى الي ظهور توافق آراء يتم التوصل اليه بأخذ مصالح كل المجموعات في الاعتبار وكذلك يوزان بين وجهة نظر المجتمعات والأجهزة الرسمية . 6. جعل المشاركة حقيقية: تمتد المشاركة من استغلال المواطن واشراكه شكليا الي اعطائه الحق الكامل في المراقبة الفعلية . وعندما زاد استخدام المشاركة بصورة شكلية لاعطاء الشرعية لقرارات تم اتخاذها ، زاد تشكك المواطنين في جدوى المشاركة . ولقد اشارت دراسات حديثة في بريطانيا علي سبيل المثال الي ان هنالك مشاركات أسمية وان ما يدور من نقاش لا يتم الأخذ به في واقع الأمر . ولا شك ان جعل المشاركة حقيقية يشكل تحدياً ويتطلب عدة أمور من بينها رغبة الأجهزة الحكومية في ذلك ، ويتسنى ذلك في الحالات التى تؤمن فيها القيادات العليا في تلك الاجهزة بأهمية المشاركة وتعمل علي خلق رأى عام يدعم ذلك داخل جهاز الدولة المعنى . ومن الأمور التى تشجع المشاركة جعل الجهاز الحكومى الذى يفعل ذلك مثالاً يحتذى ومكافأة المسئولين فيه والاعتراف بدورهم . ما ذكر هو جزء من القصة حيث ان اعظم خطط المشاركة سوف تفشل عندما يصبح المواطنون غير راغبين في المشاركة أو عندما يعقد المسئولون تلك المشاركات دون ادنى التزام بأخذ الأمر بجدية . والمراقبة من قبل المواطنين لعمليات المشاركة يمكن ان تفرض نوعاً من الجدية ولكن عمل ذلك بصورة فاعلة يتطلب قدراً من التنظيم المجتمعى والإصرار الذى لا يتوافر في كثير من المجمعات . وجعل المشاركة فاعلة يتطلب وضع تركيبة جديدة للنهج القديم للمشاركات الاجتماعية والسياسية . وخلق جيل جديد من المشاركات يتطلب ادخال مزيد من التداول في العمليات التشاورية وتمكين المواطن من معرفة حقوقه والتعبير عنها عن طريق رفض جعل المشاركة عملية لجمع الأصوات وتحويلها الي عملية تمكن الفقراء من تحليل السياسات والأجهزة التى تؤثر في حياتهم .