شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يا لذاك الزمان: الأناشيد القديمة .. بقلم: د. عبدالله محمد سليمان
نشر في سودانيل يوم 09 - 12 - 2012

لماذا لا تخلد القصائد والأناشيد التي تدرس لأبنائنا وبناتنا في مدارس الأساس هذه الأيام مثلما خلدت وبقيت في ذاكرة الأجيال المتعاقبة التي تلقت في بداية مرحلة التعليم العام تلك النصوص الشهيرة التي درسناها؟ بعد كل هذه السنوات الطوال لا يكاد أحدنا يذكر مطلعا من مطالع تلك النصوص الباقية في أي محفل من المحافل إلا ويكمل زملاؤه ومجايلوه القصيدة أو النشيد كاملا ، وقد يؤدونه بلحنه نفسه الذي كان معروفا في كل المدارس على امتداد السودان الواسع.من من جيلنا لا يذكر كتاب الأناشيد والمحفوظات للسنة الرابعة الأولية الذي أقرته شعبة اللغة العربية ببخت الرضا وقام بنشره دار النشر التربوي وصدرت طبعته الأولى عام 1949م؟ جاء في مقدمة التلميذ لذلك الكتاب ( أيها التلميذ المجد: لاشك أنك قد قرأت كتابك "الأناشيد والمحفوظات الجزء الثالث" ، وحفظت وأنشدت كثيرا من قصائده.وهذا كتابك الجديد جمعنا لك فيه عشرين قصيدة ألف بعضها شعراء من مصروأثنتان من هذه القصائد تمثيليتان، يمكنك أن تمثلهما مع أصدقائك في المدرسة أو خارج المدرسة وكثير منها أناشيد ستعرف تلحينها الجميل من مدرسك الذي سيشرح لك كل الكلمات والمعاني التي تصعب عليك)
بهذه المقدمة المختصرة المفيدة يتضح أن المنهج في الأناشيد والمحفوظات في أولى عتبات التعليم العام – المدرسة الأولية حينذاك- كان يهتم بعدد من الجوانب.فهو لا يعنى بالحفظ وحده وإنما الإنشاد كذلك ولهذا ينبه الكتاب التلاميذ في هذه المقدمة لمعرفة التلحين الجميل لكل نص في المنهج.وهذا في الحقيقة هو دور المعلمين الذين كانوا يقرأون النص قراءة متأنية واضحة أولا ، وكنا نقرأ معهم فرادى وجماعة ومن ثم يشرحون الكلمات ويوضحون المعاني. بعدها ينشد المعلم القصيدة بصوت جميل فنتبعه بالإنشاد. ولم يكن المعلم ينسى أن يتيح لأصحاب الأصوات الجميلة من الطلاب فرصة أداء الأناشيد وقد يتبعهم زملاؤهم ليستعرض بذلك مهارات التلاميذ الفردية من جهة ، ويثبت النص في أذهان تلاميذه الآخرين فيحفظونه في أغلب الأحيان بأنتهاء الحصة من جهة أخرى.ويشتمل المنهج إالى جانب الأناشيد على تمثيليات شعرية ، ومقدمة الكتاب تدعو التلاميذ للاهتمام بالتمثيل مع زملائهم داخل الفصل كما تشجعهم على أداء هذه التمثيليات مع أقرانهم خارج المدرسة.وهذه فرصة أخرى لتنمية ملكات التلاميذ التمثيلية والمسرحية . ولا شك أننا استفدنا كثيرا ونحن نعيد تمثيل هذه النصوص الشعرية خارج المدرسة في أماكن السكن وأندية الأحياء وغيرها.
وجدير بالملاحظة أن لكل نص من نصوص ذلك المنهج في الأناشيد والمحفوظات فكرة محورية ، يدل عليها عنوان النص.فمن منا لايذكر "نشيد الصباح" أو "الله" أو "النيل" أو "صديقنا منقو" أو "يا كنار "أو"الوردة" أو "نداء الجيل": أو "المذياع" إلى غير ذلك من النصوص الخالدة التي يتناول كل منها فكرة أو قيمة أو مجموعة من قيم الحياة ترسخت في الأذهان بفضل جهود معلمينا الأفذاذ وتلك الألحان الأثيرة التي تميز كل نص منها وذلك الإنشاد البديع الذي كنا نؤديه فرادى أو جماعات. لهذ ليس مستغربا أن بقيت هذه الأناشيد في الذاكرة ما زلنا نذكرها بنصوصها وألحانها.
مثله مثل كل المناهج عندما كان التعليم في بلادنا يحظى باهتمام كبير ويتوفر عليه ذوو التأهيل والخبرة والدربة من أفذاذ التربويين، كان منهج الأناشيد والمحفوظات للمرحلة الأولية وبصورة خاصة في الصف الرابع في زمان مضى كما ذكرنا ، كان يقوم على فلسفة تربوية محددة . تستهدف تلك الفلسفة التربوية توصيل معارف وأفكار وقيم معينة للتلميذ ، وترمي لتنمية مهارات منها الحفظ وتجويد فنون القراءة والإلقاء والتلحين والإنشاد والتمثيل والأداء المسرحي لبعض نصوص المنهج . وفي الوقت الذي كان فيه المعلمون يهتمون اهتماما كبيرا بالأداء الجماعي في قراءة النصوص واستظهارها وإنشادها ، لم يكونوا يغفلون عن تشجيع القدرات الفردية للتلاميذ، وتنمية وتشجيع ذوي المواهب للقيام بقراءة النصوص وأداء الأناشيد أمام زملائهم.وقد كان هذا حافزا كبيرا لهم للأهتمام بمواهبهم في مقبل الأيام.ونستطيع أن ندلل على أثر هذه التربية الفريدة في تجربة عدد من الفنانين والمبدعين السودانيين ممن أفادوا من ذلك المنهج ، ومن الذين ظهرت مواهبهم وتجلت قدراتهم في مجال الغناء والمسرح والشعر وغيره من ضروب الأدب لاحقا ، ونعود بها إلى تلك البدايات في سنوات الصبا الباكر عندما كانوا تلاميذا وتعهدهم معلموهم بالرعاية والتشجيع . ولا شك أن الكثيرين منهم يشكرون لأولئك الأساتذة أن أتاحوا لهم الفرص أمام أقرانهم وفي المناسبات المدرسية المختلفة التي يؤمها الآباء وأولياء الأمور وغيرهم .
في ذلك الزمان لم يكن هذا الأمر قاصرا على أولى عتبات مرحلة التعليم العام وكانت تعرف بالمرحلة الأولية ( وهي الإبتدائية والأساس كما سميت فيما بعد) وإنما كان يمتد ويستمر في المرحلتين الوسطى والثانوية بنصوص مختلفة وبأساليب أخرى تنمي القدرات والمهارات ، بصورة تتناسب مع تقدم أعمار التلاميذ وتدرجهم في مراحل التعليم.وقد أشرنا في هذا المثال الذي اعتمدناه وهو منهج ( الأناشيد والمحفوظات للصف الرابع الابتدائي) إلى أن كل نص تم اختياره في المنهج إنما أختير بعناية ووفق رؤية تربوية ، ليقدم للتلاميذ فكرة محورية أو قيمة أو مجموعة من القيم.فنجد على سبيل المثال أن أول نص في الكتاب وهو ( نشيد الصباح) تدور فكرته حول الأمور التي ينبغي أن نفعلها كل يوم حين نصحو من النوم باكرا:نحن إن أشرق صبح نترك النوم ونصحو/ ثم نمضي فنصلي إن تقوى الله ربح/ونحيي أبوينا فرضا الآباء فتح/ولدار العلم نسعى وإلى العلياء ننحو/ ولنا كل صباح أمل في الله سمح.
لست متأكدا إن كان هذا النشيد ما زال في منهج مرحلة الأساس ، وأرجو مخلصا ألا تكون قد طالته بالحذف يد التربويين الجدد.فمهما يكن من شئ لن يقنعني أحد بأي نص بديل لهذا النشيد البسيط في عبارته ومفرداته وسلاسة معانيه ليكون في مقدمة كتاب الأناشيد والمحفوظات لتلاميذ في الفئة العمرية بالصف الرابع. ما زلت أعتقد أن الأمور التي نص عليها وبالترتيب الوارد في النشيد هي ما نريد تعريف أطفالنا بها.ولئن كانت فاتحة المنهج هي هذه المجموعة من المعاني والقيم التي تلخصها هذه الأبيات القليلة لنشيد الصباح ، فإن في بقية الأناشيد والمحفوظات التي اشتمل عليها المنهج غير قليل من المعاني والأفكار والقيم التي يعرضها للتلاميذ في إطار متنوع وبديع مما سنستعرضه في فرصة لاحقة.
يا لذاك الزمان: الأناشيد القديمة .. بقلم: د. عبدالله محمد سليمان
(2-2)
د.عبدالله محمد سليمان
بأسلوبه التربوي الفريد يمضي منهج الأناشيد والمحفوظات للصف الرابع في ما كان يعرف بالمدرسة الأولية، في تقديم النصوص لناشئة التلاميذ.نصوص تم اختيارها بعناية ، يهدف كل منها لتعريفهم بمعانٍ وأفكار معينة ولغرس مجموعة من القيم والفضائل في نفوسهم.فبأسلوب سلس وطريقة هادئة فيها عفوية محببة بعيدة عن التكلف والعسف الذي نشهده اليوم ، كان يتم تقديم الواجبات الدينية من خلال تلك الأناشيد إضافة لما يتلقاه التلاميذ في منهج الدين .يعرف التلميذ مثلا من خلال نص "نشيد الصباح" ، أن عليه أن يصحو باكرا وأول ما يفعل الصلاة لأنها من تقوى الله. ثم يقوم بواجب تحية الوالدين ويسعى من ثم للمدرسة لينهل العلم النافع الذي يعينه للتطلع للعلياء ، ويملأ نفسه بالأمل في المستقبل الواعد.وفي نشيد "الله" يدعو المنهج التلاميذ للتفكر في خلق الله :أنظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة / كيف نمت من حبة وكيف صارة شجرة؟ ثم يدعوه للتأمل في الشمس التي تشرق كل صباح: وأنظر إلى الشمس التي جذوتها مستعرة / فيها ضياء وبها حرارة منتشرة؟ ويدعوه للتساؤل : من ذا الذي أوجدها في الجو مثل الشررة؟ ثم يدعوه للتأمل في الليل والتساؤل أيضا: وأنظر إلى الليل فمن أوجد فيه قمره/وزانه بأنجم كالدرر المنتثرة؟وكذلك يدعوه للتأمل في الغيم والسحاب: وأنظر إلى الغيم فمن أنزل منه مطره/ فصير الأرض به بعد أغبرار خضره؟
ثم يأتي النص في الخاتمة للإنسان نفسه: ويدعو التلميذ للتأمل والتساؤل: وأنظر إلى المرء وقل من شق فيه بصره/ من ذا الذي جهزه بقوة مفتكره؟ ولا يترك المنهج في هذا النص البديع التلاميذ إلا بعد ترسيخ حقيقة كبرى ، وهي أن الله تعالى هو الخالق المدبر، فتأتي نتيجة تأملهم لخلق الله وتساؤلاتهم حول من أوجدها بحقيقة ما يقرره النص: ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة / ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة ! ولن يغيب عن فطنة القارئ الكريم أن هذا الأسلوب لا يقف فقط عند تقرير هذه الحقيقة الكبرى إزاء الخالق العظيم ، وإنما تكمن فيه قيمة أخرى هامة وهي تدريب ناشئة التلاميذ على أهمية التأمل والتفكر في كل ما حولهم وطرح التساؤلات للوصول للحقائق وليس الاعتماد فقط على التلقين.
ونص آخر يستوقفنا في أسلوب منهج الأناشيد والمحفوظات لتقديم القيم الدينية لناشئة التلاميذ في تلك المرحلة وهو نشيد "الخالق" الذي يبدأ بالتساؤل أيضا: من مد للطير جناحيه فطار/ يلتقط الحب يغذيه الصغار؟ والنحل من علمه رشف الزهر/ يخرجه شهدا شهيا يدخر؟ من ألهم الحنان قلب البقرة/ حتى غدت لعجلها مسخرة؟ من ذا الذي علم ذا الدود الحقير/ أن يصنع الريق خيوطا من حرير؟ وبعد أن يستغرق التلاميذ في التأمل والتفكر في كل ما تصنعه هذه المخلوقات التي يعايشونها في بيئاتهم المختلفة، وتدور هذه التساؤلات في رؤوسهم وهم يبحثون عن الإجابة يأتيهم النص مؤكدا لها: هذا صنيع الله رب العالمين؟ وخالق الإنسان من ماء وطين! وبهذه التأملات والنفحات الإيمانية التي يسوقها المنهج بهذا الأسلوب المتفرد الرزين الهادئ وبجهود أساتذتهم الأجلاء ، يتهيأ التلاميذ لتلقي جماليات الكون ومباهجه. فما دام الخالق هو الله فلا شك أنهم سيبتهجون وهم يطالعون ويحفظون مناجاة أستاذنا الكبير ضرار صالح ضرار حفظه الله في أنشودته الرائعة " يا كنار": يا كنارا قد تغنى في القفار/ ينشد الألحان آناء النهار؟ في حقول القطن زاهي الإخضرار ! كما أنهم سيسعدون وهم ينشدون بذلك اللحن الخفيف المتوثب نص الشاعر محمد الراوي "الوردة ": يا وردة نبتت على غصن جميل ناضر/ ما أنت إلا بهجة ومسرة للناظر/ فيك الندى كالدر يلمع في الضياء الباهر/ من ذلك النهر أشربي ومن الغمام الماطر/ في الصدر أنت جميلة مثل الوسام الفاخر! وقبل ذلك فإنهم سيستمتعون بمناجاة " النيل" وهم ينشدون: تدفق أيها النيل وفض بالخير والرزق/ وطف بالزرع عطشانا وروِ حقوله وأسق/ جعلت بمائك الصحراء بعد الجدب بستانا/ به الأزهار والأشجار أشكالا وألوانا ! هذه أمثلة للمعاني والقيم التي يرسخها ذلك المنهج الفريد من خلال نصوص مختارة ينشدها التلاميذ بألحان جميلة تحببها لنفوسهم.
ونختتم حديثنا عن منهج الأناشيد والمحفوظات كمثال بارز للمناهج السودانية في أزمان سابقة كانت العملية التربوية تحظى فيها بإهتمام كبير ومثابرة للتجويد تبذل فيها جهود مهنية متميزة.فقد أشرنا فيما سبق لكيف كان ذلك المنهج يحفز التلاميذ للتأمل والتساؤل حول حقائق الكون الكبرى ، ليروا الأشياء بعين ناقدة وبصيرة نافذة ولا يكتفي بالتلقين.ونأتي من بعد هذا لحب الوطن الذي عمد المنهج لترسيخه في أذهان التلاميذ من خلال عدد من الأناشيد منها (صديقنا منقو) للشاعرالأستاذ عبداللطيف عبدالرحمن:أنت سوداني وسوداني أنا /ضمنا الوادي فمن يفصلنا/ نحن روحان حللنا بدنا/منقو قل لا عاش من يفصلنا/هاهو النيل الذي أرضعنا/وسقى الوادي بكاسات المنى/فسعدنا ونعمنا هاهنا/وجعلنا الحب عهدا بيننا!ولاشك أننا نذكر ذلك اللحن الأثير الذي كان التلاميذ يؤدون به هذه المعاني الوطنية الباذخة.تلك المعاني التي لو أننا حرصنا عليها ورسخناها في ممارساتنا السياسية ، مثلما رسخها منهج الأناشيد لما وقعت كارثة الإنفصال!
ويمضي المنهج في ترسيخ حب الوطن من خلال أناشيد أخرى رائعة.فها الشاعر هو مصطفى التني في نشيد (نداء الجيل):المجد للوطن هذا نداء الجيل؟ يبقى على الزمن إلى العلا دليل.وهاهو الشاعر محمد آدم الطيب في (نشيد الوطن): مرحبا مرحبا بنداء الوطن/ كلنا عن حمى حوضه ذائدون/ يا بني السودان هبوا/أتركوا النوم ولبوا دعوة الوادي الحزين.ونجد في المنهج (نشيد السودان) للشاعرمصطفى عوض الكريم:سوداننا الحبيب فداؤه النفوس/فداؤه القلوب فداؤه الرؤوس/هبوا بني السودان يا أيها الأبطال/ بالعزم والإيمان للجد والنضال.ولا يقف المنهج عند نصوص الشعراء السودانيين وإنما يورد أنشودة (بلادي) للشاعر مصطفى صادق الرافعي التي لا تخلو منها ذاكرة كل من درسوا ذلك المنهج المتفرد : بلادي بلادي فداكي دمي وهبت حياتي فدىً فأسلمي/غرامك أول ما في الفؤاد ونجواك آخر ما في فمي/سأهتف باسمك ما قد حييت تعيش بلادي ويحيا الوطن.
من الطرائف أن ذلك المنهج يورد نصا عن الراديو الذي كان آية ذلك الزمان فيترنم التلاميذ بنشيد( المذياع): هو في الحياة مرفه ومنعم ومعلم ينبيك ما لا تعلم/يطوي بك الدنيا وإنك هاهنا لم تنتقل وكأن رأسك يحلم! فمن يا ترى سيأتي لتلاميذ اليوم بأنشودة طريفة حلوة كهذه تحدثهم عن معجزات العلوم في زماننا هذا .والمنهج لا يغفل المناسبات فلها فيه مكان.فهذا نشيد بمناسبة بدء محاربة محو الأمية : يا بني السودان هذا يوم عيد/ يوم هب الشعب في عزم أكيد/ أشعل الحرب على الجهل العنيد/ وسعى للعلم والنور المبيد.وهذا نشيد (العيد): أقبل العيد فأهلا بتباشير السعود/ قد نعمنا بسرور ما عليه من مزيد/ وحبانا أبوانا بالهدايا والنقود/ وخرجنا نتحلى فيه بالثوب الجديد! وللغة العربية في هذا المنهج الفريد مكان فهاهو نشيد (اللغة العربية) يترنم به التلاميذ تمجيدا للغة الضاد:لا تلمني في هواها ليس يرضيني سواها/ لست وحدي أفتديها كلنا اليوم فداها/نزلت في ظل نفسي وتمشت في دماها / فبها الأم تغنت وبها الوالد فاها/وبها الفن تجلى وبها العلم تباهى!
ومما نعده عبقرية لذلك المنهج أن قيم الخير والجمال جاءت كلها في صورة نصوص شعرية للإنشاد لتبقى وتخلد. أما الصفات الذميمة فقد تعرض لها المنهج بنصوص شعرية منظومة ليمثلها التلاميذ ويدركون من خلال التمثيل وتبادل الأدوار قبحها ونتائجها السيئة فيحذرونها. ففي تمثيلية ( عابد الذهب) نجد أن الموضوع هو الطمع . هذا إنسان يطمع في اكتناز الذهب حتى يكاد أن يجن ( الذهب الذهب يكاد عقلي يذهب!) فيصادفه ملاك ويحقق منيته فيتحول كل شئ يلامسه لقطعة من الذهب حتى بلغ ذلك غذاءه بل إبنته التي حين لامسها تحولت لصنم من الذهب.عندها يدرك ذلك الإنسان خطيئته الكبرى ، ويتمنى على الملاك بخلصه مما ابتلاه به وأن يعيد إليه إبنته كما كانت، ويدرك أن الطمع وجمع المال ليس هو كل شئ في الحياة. وفي تمثيلية (الراهب والنمر) نجد أن محور النص هو الغدر وعدم الوفاء لمن يصنع خيرا.فالراهب يمر بالنمر المحبوس في القفص ويألم لحاله ويطلقه. وبدلا من أن يشكر النمر الراهب يتأهب ليقتله.ولا تسعف الراهب وساطة التمساح ولا الثور ولا النسر ولا الحصان فكلهم يدعون النمر لقتله،ولا تنقذ الراهب إلا حيلة ماكرة من الثعلب يعيد بها النمر للقفص سجينا.
وأخيرا فهذه خواطر عجلى حول الأناشيد القديمة التي تربت عليها أجيال وأجيال واحتوت على معانٍ وقيم متجددة خلدت بها في وجدان كل من كان لهم فيها نصيب ، وتتلمذوا على أيدي أساتذة أجلاء أفذاذ درسوهم ذلك المنهج المتفرد.
Abdalla M. Suliman Badr [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.