إرهاصات الثورة المهدية الفلاحون والتجار في منطقة شندي 1821 – 1885 " الفونج " أكثر انفتاحا على القبائل والجعليون سيطروا على مملكتهم في شندي الجعليون يزعمون الانتماء الى العباس وشجرة العائلة غضت الطرف عن تمازجهم بالدم النوبي نقص الأراضي سمة بارزة على شاطئ النيل والثروة معيار الشرف والشياخة والسلطة ما الذي جعل تاريخ مملكة الجعليين أكثر ثراء من حقبة الحكم الثنائي؟ المؤلف أندراس بوركيلو المحرر العام جي أم لونسديل مستشار التحرير تشارلز بوس استاذ علم الاجتماع بجامعة ليفربول طبع بالتعاون مع مركز الدراسات الأفريقية جامعة كامبيردج ترجمة د. عبد المطلب صديق مكي أستاذ إعلام ومدير تحرير صحيفة الشرق القطرية الحلقة الأولى مقدمة المترجم قدم الدكتور محمد سعيد القدال ترجمة مبدعة لعنوان هذا الكتاب ، Prelude to the Mahdyya ، مستخدما لذلك: ارهاصات الثورة المهدية، ولم أجد تعبيراً أفضل من هذه الترجمة ، ولم يقدم الدكتور القدال ترجمة للكتاب بكامله ، وربما شغلته مهام اخرى عن ذلك، لذلك أجد نفسي قد تطاولت على أساتذتي في العلوم الإجتماعية والتاريخ بأن أقحمت نفسي في هذا المعترك بغير سلاح سوى شهادة عليا في الترجمة من جامعة الخرطوم ، وعشق قديم لسير الامم والشعوب، وتقدير حفظته في نفسي للباحثين الاوروبين الذين أعملوا يراعهم في القضايا الإجتماعية السودانية ، ولم أعتبرهم أبداً مستشرقين ولا متسودنين، بل باحثين عن الحقيقة وموثقين لأحداث أبطالها من إخوتهم في الانسانية في السودان متى صدقت نواياهم في ذلك العمل ، والجهد الذي قاموا به ؛ لم يقم به أبناء السودان أنفسهم للأسف. وملخص القول أن المؤلف والباحث الإجتماعي المتفرد اندرس برجيكلو، قد قدم نموذجا يحتذى في قراءة التاريخ الإجتماعي للشعوب، من زاوية منصفة بعيدة عن التعالي والإساءة وبخس الناس أشياءهم. والكتاب ثمرة دراسة بحثية متعمقة، وقد طبعه مركز الدراسات الأفريقية بجامعة كامبريدج ، ويملك كذلك حقوق ملكيته، لكن هذا الحق لا يحول بيننا وبين النهل من قطوفه اليانعة دون الوقوع في شراك التغول على حقوق الملكية الفكرية. ويمثل الكتاب قراءة متجددة لواقع الحكم في السودان، وعلى الرغم من الشقة التاريخية الواسعة بين سودان الامس واليوم، الا ان الازمات والصراعات ومراكز القوى تبقى تجتر ماضي ذكرياتها من وقت الى اخر ، فتصبح ارهاصات الثورة قائمة تهدد النظم السياسية والإجتماعية القائمة على قدر حالات الإختناق التي تمسك بتلابيب الأنظمة. يقع الكتاب في 184 صفحة وغير قليل مما ورد فيه معروف لعامة الناس من دارسي تاريخ السودان ناهيك عن المتخصصين والباحثين في الشأن الإجتماعي والقبلي، ولكن الكتاب زاخر أيضا بالكثير من القصص التاريخية والاجتماعية والرؤى التي يتم الإفصاح عنها للمرة الأولى . وسيجد فيها القارئ متعة لا تدانيها متعة. لذلك لم تأتي ترجمة هذا الكتاب مطابقة بالكامل للأصل ولا وقوع الحافر على الحافر في النص ، اذ لا حاجة لنا في ترجمة ما هو معلوم عند الناس الا اذا اقتضت ضرورة السياق ذلك. حوت قائمة موضوعات الكتاب عناوين ثرة في مقدمتها: مملكة الجعليين في شندي وقصة انهيارها. واقتصاد منطقة شندي خلال الحكم التركي، والجعليون تحت ادارة الحكم التركي. التغيير في علاقات الانتاج والتحول الزراعي. النظام الضريبي والتغيرات التي طرات على الممارسات التجارية. وثائق لثلاثة اتفاقيات من أرشيف عبد الله بك حمزة ، وهو من وجهاء المتمة ، شخصية قيادية وتاريخية بارزة بمنطقة شندي خلال حقبة الحكم التركي. مقدمة المؤلف: تميزت منطقة شندي بحراك اقتصادي وإجتماعي ملحوظ في السودان القديم، وتركزت الانشطة الإنتاجية على المزاوجة بين الزراعة والرعي واستخدام الحيوان في النشاط الزراعي. كان النقص وعدم العدالة في مقومات الحياة هي السبب في دفع السكان الى البحث عن انماط حياتية جديدة على الدوام. وتمثل ذلك في الرحلات التجارية الطويلة بين مصر والسودان. وتفجر وقتها أيضا الصراع التاريخي بين المزارعين والبدو. وتكون النسيج الإجتماعي لمنطقة شندي المتمة والدامر باعتبارها مناطق سكن الجعليين الرئيسية من التجار والحرفيين والسماسرة والمزارعين وموظفي الادارة التركية بجانب عامة الناس والخدم والرقيق.وقد برزت هذه القوى كنتاج طبيعي لوجود مقومات الانتاج المتمثلة في الزراعة. وكان لموقع شندي الجغرافي المتميز على شاطىء النيل ومرور القوافل التجارية بها دور كبير في إنعاش المنطقة. وقد كن لهجرة الجعليين وقبائل شمال السودان الأخرى دورا في نقل الثقافة العربية الإسلامية الى أقاليم السودان الأخرى، ولا تزال هذه الهجرات تفعل ذلك. وأصبحت منطقة الدامر مقرا للمدراس القرانية التي انتقل منها الفقه الاسلامي الى بقية المدن. لقد كانت الهجرة والتجارة في مناطق الشتات عادة تاريخية فمن الطبيعي أن يسعى الإنسان الى تحسين وضعه الإقتصادي ،فضلا عن أن سنوات قليلة من التجارة في الشتات كفيلة بحل تلك المشكلات الطارئة بقياس ذلك الزمان. وكانت هجرة الجعليين سببا في نقل التراث الاسلامي الى المساحات الشاسعة المعروفة اليوم باسم جمهورية السودان . لقد كانت مدينة الدامر التي أسستها قبيلة المجاذيب المنتمية الى الجعليين مركزا لتدريس التعاليم الاسلامية وقد علا شانها بين السودانيين خاصة وانهم يعطون مكانة سامية للفكي ورجل الدين في حياتهم اليومية وقد ارتفعت القباب في المنطقة وهي المقابر التي تحوي الصالحين وأصحاب الكرامات من الناس. السياق السياسي والاجتماعي نولي إهتماما خاصا في هذا السياق بالزراعة والتجارة والتحولات التي حدثت والظروف التي حكمت هذه الأنشطة. وأصبح للجعليين مكانة مرموقة وعلو على عامة السكان ما بالوراثة او لملكيتهم للأراضي .وقد اختص العبيد والفلاحين بزراعة الارض وفقا لاتفاقيات محلية معروفة لكل الأطراف. كانت القرى تتكون من أسر الفلاحين وتتنوع الاختلافات بينهم وفقا لمقومات الثروة والسلطة وملكية الاراضي وتنعكس اثار ذلك على عدم العدالة في تملك الأراضي الزراعية ومصادر المياه والحيوانات وعدد الرقيق ، وتؤهلهم تلك الاملاك ليصبحوا شيوخا وزعامات قبلية وقد تسمو بهم الرتب الى درجة أعلى تجعلهم لا يمارسون الزراعة مثل أترابهم وكان والملوك النبلاء يتملكون الأراضي كالتكايا وفقا لقانون محلي وتخصص الأرض لمكانته وليس لشخصه. ويتم فلاحة هذه الأراضي بواسطة الرقيق أو الفلاحين البسطاء. وتمتد سلطات هؤلاء الأشراف الى القرى الاخرى بغرض فرض سلطة القانون والإشراف على الأسواق ويجمعون الضرائب والمكوس. ويحاولون تشجيع القادمون الجدد للعيش في الاماكن التابعة لهم. واعتمدت مملكة شندي على السلطة القبلية القائمة على المشايخ لبسط النفوذ على الاتباع كمقاطعة شمالية تابعة لسلطنة الفونج. وعرفت الفونج بانها سلطنة اقطاعية وتدل على ذلك كثير من المؤشرات، وحدة القبيلة وتبدو المملكة حكر لملاك الاراضي أكثر من كونها دارا لعامة الناس. والفارق بين شندي التي هي دار لقبيلة الجعليين فان مملكة الفونج ضمت خليطا من القبائل. وكان الانتماء الى القبيلة هو الطريق الى تملك الاراضي والمزارع وما تبقى من وسائل الانتاج. وكان ما يؤخذ من خراج من المزارعين يمثل ايجارا للارض أكثر من كونه علاقة مع صاحب اقطاع والسبب في ذلك يعود الى ان الارض هنا تملكها السلطنة وليست ملكا لافراد من النبلاء. وكثيرا ما يدفع الفلاحون الأتاوات الى جامعي الضرائب المحليين والى ملاك الأرض في ذات الوقت. وفي حالات نادرة يتم التحصيل لمصلحة الملاك الإقطاعيين. ولم يكن الفلاحون يتمتعون بالحرية حيث انهم بالقانون كانوا يعملون في بعض الحالات لمصلحة الدولة. نقص الأراضي سمة بارزة على مجرى نهر النيل ويتم تقسيم الأراضي بين أسر الفلاحين على اسس الحيازات المجمعة التي تحفظ لكل أسرة حقوقها على ضوء مساهمتها في مدخلات الإنتاج. وظل سكان شاطئ النيل عبر التاريخ يمتهنون التجارة و الصياغة في البدء لمجرد زيادة دخلهم الاسري وشيئا فشيئا أصبحت مهنهم الرئيسية. واصبح الجعليون يمارسون هذه الحرف في بلدهم او في المدن التي رحلوا لها في الشتات بينما تركوا الفلاحة لكبار السن والرقيق. وكان التطور الذي حدث لمنطقة شندي والمتمة في نهاية القرن الثامن عشر جزء من هذا التحول الاقتصادي والاجتماعي. ولم يعد من النادر ان يكون في كل أسرة اثنين من التجار او من المشاركين في الرحلات التجارية عبر الجمال كمرشدين للقوافل التجارية.وعلى الرغم من الفوارق الكبيرة بين الزراعة والتجارة ربطت الكثير من القواسم والصفات بين المهنتين. لقد ركزت الدراسات التاريخية للمنطقة في القرن التاسع عشر على القادة الاقتصاديين والاداريين البارزين، ويعود السبب في ذلك الى توافر تلك المصادر بدرجة أكثر من المصادر الدالة على طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وقد حدثت طفرة نوعية في مصادر المعلومات والوثائق الخاصة باستكشاف الواقع الإقتصادي والإجتماعي للملكة الجعليين ومن ضمن ذلك الوثائق التي حصلت عليها شخصيا، خلال الفترة بين عامي 1980 – 1984 . خاصة وان بعض الوثائق العربية كانت تستعرض فقط الانشطة التجارية خلال العهد التركي في هذه المنطقة. وكنت اتمنى ان تجلب هذه الفترة التاريخية المزيد من المراقبين والباحثين لسبر غور تاريخ هذه المملكة. ولعبت هذه المرحلة دورا حاسما في تاريخ السودان بدرجة اكبر حتى من فترة الحكم الثنائي التي استمرت من 1998 الى 1956. مملكة الجعليين في شندي وسقوطها يزعم الجعليون انهم ينحدرون الى العباس عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم،ليشمل ذلك مجموعات الجعليين المقيمين في النيل الأبيض وكردفان. وفي الوقت الذي لا ينتسب فيه الدناقلة الى الجعليين على الاطلاق نجد على ضفاف النهر خمس قبائل تنتمي اليهم وهم : الشايقية وتقع مناطقهم بين كورتي وحوش الجروف.والمناصير من حوش الجروف الى جزيرة الحويلة. والرباطاب من الحويلة الى جزيرة العشائر والميرفاب من العشائر الى نهر عطبرة . والجعليين من نهر عطبرة وحتى الشلال السادس. وعلى الرغم من ان الجعليين يعترفون اليوم بتزاوجهم من النوبيين الا ان شجرة العائلة الخاصة بهم أهملت انحدارهم من النوبيين. وشاع في بعض الدراسات ان لقب جد الجعليين جعل ربما يسلط الضوء على أصول القبيلة وأكثر التفسيرات شيوعا لهذا المصطلح ما ورد بان جدهم ابراهيم حصل على الاسم لكونه كان يقدم العون لاهله الذين ضربتهم المجاعة، وذهب تفسير اخر الى انه انما سمي بذلك لشدة سواد لونه، وان جدته كانت تناديه جعل او الخنفساء السوداء.ودلت كثير من العادات على علاقة النوبة بالعرب لكن معرفة كيف أصبح النوبيون عربا يبقى سرا في طيات هذه الدراسة. عزز الفونج حكمهم على سنار الواقعة على ضفاف النيل الازرق في بدايات القرن السادس عشر، وفي ذلك الوقت دلت المؤشرات على وجود قبيلة باسم جعل عاشت في المناطق التي تقع دون الشلال السادس ويحكمها ملك عربي عرف باسم ابوعقرب. وقد بسط سيطرته على المنطقة الممتدة حتى صحراء بيوضة. ومع ذلك كان يعمل في اطار سلطة الفونج حيث ان ملك الفونج كان يرسل اليه الاوامر وقد طلب منه نقل الرحالة ديفيد روبني الى حدود منطقة دنقلة عام 1523. وكان فشل المجموعات النوبية على شاطئ النيل سببا في انتقال بعض الجعليين للعيش في كردفان وكان ذلك من المؤشرات الأساسية التي ظهرت كارهاصات لقدوم المهدية. abdalmotalab makki [[email protected]]