الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مؤتمر مراكز الأبحاث السياسية والإستراتيجية العربية يطرح قضايا التمويل والاستقلالية
نشر في سودانيل يوم 15 - 12 - 2012

عزمي بشارة: نحو إنشاء شبكة لمراكز الأبحاث العربية لتفعيل مساهمتها في صنع القرار
الدوحة، قطر/ 15-12-2012
انطلقت في الدوحة اليوم أعمال "المؤتمر السنوي الأوّل لمراكز الأبحاث السياسيّة والإستراتيجيّة في الوطن العربيّ" تحت عنوان "التحوّلات الجيوستراتيجية في سياق الثورات العربيّة" الذي ينظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بمشاركة أكثر من 160 باحثًا بينهم مديرو نحو 70 مركز أبحاث عربيّ، وتستمرّ أعمال المؤتمرلمدّة ثلاثة أيّام (15-16-17/12/2012). وأوضح الدكتور محمد المصري الباحث في المركز العربي في جلسة تقديميّة للمؤتمر أنّ الهدف من عقده هو جمع مراكز الأبحاث العربيّة لتمكينها من التواصل والتنسيق فيما بينها وتتعاون في النهوض بالمهامّ الجسيمة التي أصبحت على عاتقها في سياق الثورات العربيّة. وأكّد الدكتور عزمي بشارة المدير العامّ للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في كلمة استهلاليّة على ضرورة أن يخرج المؤتمر بمشروع إنشاء شبكة لمراكز الأبحاث العربيّة، وأن تخلص أعماله إلى تقديم مرجع أوّل عن القضيّة الرئيسة التي يناقشها وهي تأثير الثورات العربيّة في التحوّلات الجيوستراتيجية.
وقال عزمي بشارة إنّ المنطقة العربيّة تمرّ بمرحلة مهمّة جدًّا، لأنّنا نشهد ظهور الرأي العامّ العربيّ ككيان يتشكّل أمامنا، وينبغي لمراكز الأبحاث أن توجّه أبحاثها لفهمه، وعلى الحكومات أن تأخذ بعين الاعتبار دور مراكز الأبحاث لفهم الرأي العامّ.
وأوضح أنّ المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات بادر إلى الدعوة لهذا المؤتمر لخلق تواصل بين مراكز الأبحاث. وقال: "لا نرى أن يكون هذا التواصل أيديولوجيًّا أو في إطار خطّ سياسيّ ما، حتّى فيما تعلّق بالقضايا العامّة، ولكنّنا ننطلق في السعي إلى إيجاد هذا التّواصل من الافتراض أنّ هناك ما يجمع المجتمعات العربيّة، وأعتقد أنّه الثقافة واللغة أوّلًا، والأمن العربي الموحّد، وقد تقولون التاريخ والمصير أيضًا".
وأضاف بشارة أنّ النجاح في إيجاد هذا التنسيق والتواصل يأتي من خلال سيرورة وليس من خلال نجاح هذا المؤتمر الذي يضع اللّبنة الأولى في هذا المسار، وقد لا يصحّ تقييم هذا النجاح قبل مرور جيلٍ كامل.
وعند حديثه عن أجندة المؤتمر، قال الدكتور عزمي بشارة: "إنّ من ينظر إلى مرحلة التحوّل التي يعيشها الوطن العربي حاليًّا في سياق الثورات العربية والتحوّل الديمقراطي من خلال منظور الأحزاب والتيّارات السياسيّة لا يدرك حقيقة ما يجري، فنحن اليوم أمام شيءٍ عابر للحدود وللخطوط السياسيّة، ويتعلّق أوّلًا بوجود مصالح عربيّة مشتركة، واستيعاب هذا يمرّ عبر مراكز الأبحاث. وبناءً على هذه الحقيقة ارتأينا أن يكون القسم الأوّل من هذا المؤتمر لمناقشة داخليّة لواقع مراكز الأبحاث في الوطن العربي، فيما يخصّص القسم الثاني لدراسة قضيّة رئيسة هي التأثيرات الجيوستراتيجية للثورات العربيّة".
وأوضح المدير العامّ للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أنّ المركز دعا إلى هذا المؤتمر جميع مراكز الأبحاث في الوطن العربيّ، وقد حضره فعلًا أزيد من 70 مدير مركز أو من ينوب عنهم، كما وجّهت الدعوة لشخصيّات عامّة وبعضهم اعتذر مثل الأمين العامّ لجامعة الدول العربيّة الذي شغلته التزامات عن الحضور وينوب عنه السفير محمد صبيح. وأوضح أنّ التسمية التي أُطلقت على المؤتمر هي "المؤتمر السنوي" رغبةً في أن يصبح موعدًا سنويًّا تلتئم فيه مراكز الأبحاث العربيّة. وتابع قائلًا: "نأمل أن يتمخّض عن هذا المؤتمر شبكة لا مشكلة لدينا في أن نستضيفها أو يستضيفها مركز أبحاث آخر، كما لا يهمّ أن يكون المؤتمر المقبل في قطر أو في أيّ دولة عربيّة أخرى ترغب في استضافته. ونرجو أن تتشكّل في نهاية أعمال القسم الأوّل من المؤتمر لجنة لدراسة آليّات إنشاء شبكة المراكز ونرى أن تكون لشبكة مراكز الأبحاث علاقة بجامعة الدول العربيّة".
وأكّد بشارة أنّ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مركز أبحاث أكاديمي مستقلّ ويحضر لإنشاء جامعة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة تساهم في تكوين الباحثين والخبراء القادرين على تقديم بحوث مهمّة يستفاد منها في رسم السياسات العامّة.
وبخصوص القسم الثاني من المؤتمر الذي يناقش "الأبعاد الإستراتيجية للثورات العربيّة"، أوضح الدكتور عزمي بشارة أنّ النقاشات ستنصبّ على الأبعاد الخارجيّة وليس الداخليّة. وأردف قائلًا: "اخترنا هذا الموضوع استمرارًا لنهجٍ بدأناه منذ تأسيس المركز، إذ عقدنا نحو 10 مؤتمرات كان عنوان أغلبها يتناول علاقة العرب بكياناتٍ أخرى، لأنّنا نفترض وجود كيان اسمه "العرب" له تفاعلات مع كيانات أخرى، فقد عقدنا مؤتمر "العرب وإيران" و"العرب وتركيا"، وننوي العام المقبل عقد مؤتمر "العرب والصّين" وقد باشرنا التنسيق مع الطرف الصينيّ وهم جدّ متحمّسين".
وبالعودة إلى موضوع "الثورات والتحوّلات الجيوستراتيجية"، قال بشارة: "إنّ الواضح أنّ الثورات العربية أثّرت في الجيوستراتيجيا ولكن الجيوستراتيجيا أثّرت أيضًا في نمط الثورات ومسارها من بلدٍ عربيّ إلى آخر. ومن الخطأ قراءة ما يحدث في الوطن العربي كتغيّرات اجتماعيّة وسياسيّة داخليّة فحسب، إذ له علاقة تفاعليّة مع البعد الخارجيّ والإستراتيجي".
وأشار بشارة في ختام كلمته إلى أنّ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سينشر أوراق القسم الثاني من المؤتمر الخاصّ بالثورات العربيّة والتحوّلات الإستراتيجية، والنقاشات التي أثراها الباحثون ومديرو مراكز الأبحاث في كتابٍ لاحقًا، يُؤمل أن تكون مرجعًا أوّل عن التأثيرات الإستراتيجية للثورات العربيّة.
مراكز الأبحاث وعملية صنع القرار
بعد الكلمة الاستهلالية للدكتور عزمي بشارة، انطلقت أعمال القسم الأول من المؤتمر والخاص بواقع مراكز الأبحاث العربية، وقد ارتأى منظمو المؤتمر أن تسبق الافتتاح الرسمي للمؤتمر الذي جرى مساء، نظرا لأنها تتناول نقاشا في الشأن الداخلي للمراكز. وترأّس الدكتور محمد المسفر الجلسة الأولى التي كان عنوانها: "تقييم علاقة مراكز الأبحاث والدراسات السياسية والإستراتيجية مع الحكومة وصانع القرار".
وتحدّث الأستاذ رامي خوري مدير معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركيّة في بيروت، عن تجربة المعهد الذي أطلق في عام 2007 برنامجًا لدراسة العلاقات بين الأبعاد الثلاثة لصنع السّياسات من جميع جوانبها، وهذه الأبعاد هي: أ- عمليات صنع السياسات ذاتها وكيفيّة اتّخاذ القرارات في مختلف البلدان؛ ب – منتجو الأبحاث والمعارف في المنطقة، ولاسيّما المراكز الأكاديمية والبحثيّة؛ ج- الصلة بين المعرفة وصنع السياسات، وهي عمليّة الدفاع عن الأفكار والترويج لها.
وقال خوري إنّه يقع في جوهر تحليله للمراكز البحثيّة وكيفيّة تأثيرها في صنع السياسات، مشروع الاتّحاد العربيّ لمعاهد بحوث السياسات العربيّة – الذي تأسّس منذ ثلاث سنوات تقريبًا. ويشتمل هذا المشروع على ورش دوريّة، واجتماعات، ولقاءات، ومحاضرات، ومؤتمرات وأوراق بحثيّة تستكشف العديد من جوانب عمل مراكز الأبحاث العربية.
وفي خلاصاته، أوضح الباحث أنّ المراكز لا تتفاعل وصنّاع السياسات بصورة دوريّة إلّا لمامًا، ولا لا يكاد يعرف الطرف الواحد منهما شيئًا عن حاجات الطرف الآخر ومقدراته؛ ولذلك فإنّه ليس للمراكز البحثيّة إلى اليوم سوى تأثير محدود جدًّا في صنع السياسات. وأضاف أنّ المراكز البحثيّة لا تتمتّع لدى صنّاع السياسات سوى بمصداقيّة ضئيلة لأنّها تنزع إلى تغيير بؤرة تركيز أنشطتها كلّ فترة ونادرًا ما تطوّر خبرةً عميقة من ذلك النوع الذي تقتضيه المصداقيّة ويتطلّبه وضوح الرؤية الكفيلان بالتأثير في صنّاع السياسات.
وأشار الباحث إلى أن ّغياب محاسبة المسؤولين العرب في مجال صنع السياسات، يحدّ من حاجتهم إلى اعتماد خبرة مراكز الأبحاث المحلّية.
وفي مستهلّ ورقته "علاقة مراكز البحث العلميّ بصانعي القرار في العراق" تحدّث الباحث عامر السعد مدير مركز دراسات البصرة والعالم العربي، عن دور المعرفة في بناء القوّة. وعليه، فإنّ المراكز البحثيّة في أيّ بلد تمثّل نوعًا من القوّة، إذ إنّ بمقدور القوّة المعرفيّة أن ترسم مسار النهوض والارتقاء في كلّ مجالات الحياة، وعندها يكون إنتاج البحوث مساويًا لإنتاج حركة الشعوب. لكن العلاقة بين تلك المراكز وصانعي القرار تختلف من بلدٍ إلى آخرَ باختلاف طبيعة الدولة ونظام حكمها، ونوع خططها. وفي الدولة التي تعتمد نظامًا شموليًّا يجري توظيف مراكز الأبحاث لأغراض السيطرة على الشعب. والأمر مختلف تمامًا في الدولة التي تعتمد في سياستها نظامًا ديمقراطيًّا، يتيح لمراكز الأبحاث أن تنجح وتبدع وتعمل على نحو جيّد ونافع، هنا تتّضح جدليّة خاصّة هي أنّ البحث والسياسة لا ينفصلان ويؤثّر أحدهما في الآخر في مستوياتٍ كثيرة منظورة وغير منظورة.
كانت الورقة الموالية بعنوان "تأثير وعلاقة مراكز الدراسات والبحث في الحكومة وصانعي القرار- عرض تقييمي مع إشارة خاصّة باليمن"، قدّمها الباحث محمد الأفندي.
حاولت الورقة عرض تحليلٍ تقييمي دقيق لأثر مراكز الدراسات والأبحاث في الحكومة وصانع القرار، واستعرض حالة اليمن كنموذج.وقال الباحث: "إن الباحثين متفقون على أن الوظيفة الأساسية لهذه المراكز لا يتوقف عند صناعة الفكرة كمنهج علمي أو معرفي وإنما يمتد إلى تسويق وترويج هذه الأفكار لدى صانعي القرار وتقديمها للاستهلاك وما لم يتم ذلك فلا قيمة لهذا المنتج. ولا ريب أن هذا التوصيف الوظيفي لمراكز الأبحاث والدراسات قد جاء انعكاساً عملياً لدور المراكز في العالم الغربي ، بينما لا نجد هذا التكامل في وظيفتها ومن حيث علاقتها بصانع القرار في العالم العربي".
وانتهى الباحث إلى خلاصة مفادها، أن أثر مراكز الدراسات على الحكومة وصانع القرار في العالم العربي ما زال محدوداً وضعيفاً، وأن العلاقة بينهما لا تتكئ على أسس وقواعد راسخة وموضوعية وإنما شخصية وعاطفية في كثير من الحالات وإيديولوجية في حالات أخرى محدودة.
قدم الباحث خالد اليحيى الورقة الأخيرة في الجلسة وهي بعنوان "المراكز البحثية في العالم العربي: السّعي للبقاء ولتحقيق النفوذ". وأوضح أنّ المراكز البحثية تقع في "نقطة التقاطع بين الأكاديميا والسياسات"، وهي تسعى لتقديم البراهين والأفكار الضرورية لصوغ سياسات قائمة على الأدلّة. واستعرض الباحث نتائج البحث العلمي والمسح الميداني الجديد لأكثر من 15 مركز ومؤسسة لأبحاث ودراسات السياسات العامة، والاستراتيجية في سبع دول عربية هي: قطر، الكويت، السعودية، الإمارات، مصر، لبنان، والأردن. ثم تناول في دراسته الفجوة المؤسساتية في أنظمة صنع السياسات العامة وتقييمها والحاجة المتنامية لتحديث طرق صنع القرار ولدور أكبر لمراكز محلية ووطنية تقوم بأجراء البحث والتحليل والتأثير علي عماية صنع القرار في الدول العربية.
ومن خلال مجموعة من البيانات والمعطيات حاول الباحث استنتاج ماهي أفضل النماذج التي يمكن أن تصلح لكل بلد أو إقليم في الوطن العربيّ، من أجل فاعلية أكبر لمراكز الأبحاث.
غياب الإطار التشريعيّ والتنظيميّ
أثارت مداخلات الجلسة الثانية من القسم الأوّل للمؤتمر الخاصّ بواقع مراكز الأبحاث إشكاليّة مهمّة تتعلّق بغياب الإطار التشريعي والتنظيمي لعمل مراكز الأبحاث في كثيرٍ من الدول العربيّة ما يعيق نشاطها ويحدّ من فاعليّة مساهمتها في دراسة مشكلات المجتمعات العربيّة وتقديم مقترحات الحلول لها.
وترأّس الجلسة التي جاءت بعنوان "المحدّدات التشريعيّة والقانونيّة لمراكز الأبحاث" الدكتور الصادق الفقيه. وكانت المداخلة الأولى للواء أركان حرب عادل سليمان، الذي أشار إلى أنّ الحالة المصريّة تشهد أربعة أنواع من مراكز الأبحاث، ثلاثة منها لا تواجه تحدّيات تشريعيّة لوجود إطار تنظيمي ونصوص تشريعيّة في اعتمادها وعملها لكونها رسميّة أو شبه رسميّة وهي مراكز أكاديميّة وتعليميّة (الجامعية في الغالب)، ومراكز شبه حكوميّة، ومراكز حكوميّة؛ أمّا النوع الرابع، وهي المراكز المستقلّة، فلا يوجد إطار تشريعيّ وتنظيميّ لها ولا تمتلك توصيفًا قانونيًّا تعمل ضمنه في المجتمع، وتسعى إلى اكتساب الصفة "القانونيّة" لعملها إمّا بترخيص نفسها كجمعيات أهليّة، وهو ما يعيق عملها ويؤثّر في قدراتها كونها تخضع لقيود وزارة الشؤون الاجتماعيّة، أو بالاتّجاه نحو تأسيس هذه المراكز في شكل شركات (شركة مدنيّة تعمل في مجال التفكير) بحيث يكون لها سجلّ تجاري وتخضع لقيود الدولة ومديريّة الضرائب. وتطرّق الباحث، أيضًا، إلى عددٍ من التحدّيات الأخرى التي تواجه مراكز الأبحاث ومن أبرزها صعوبة الاستمرار والتطوير بسبب القيود العديدة التي تعترضها، والتنافس الشديد ما بين مراكز الأبحاث بدل التنسيق فيما بينها.
أمّا المداخلة الثانية، فقد تحدّث فيها الدكتور أحمد الراوي، مدير مركز المستنصريّة للدراسات العربية والدولية في العراق، عن تجربة المراكز البحثيّة في بلاده، لا سيّما على مستوى المراكز الرسميّة التابعة للجامعات العراقيّة منذ تسعينيّات القرن الماضي. وأشار الراوي إلى أنّ مراكز الأبحاث العراقيّة لم يكن لها أيّ دور مهمّ في صياغة القرارات، والتي غالبًا ما كانت تصدر دون معرفة ودراية بأبعاد تلك القرارات. كما أنّ هذه المراكز- بحسب الراوي- قد واجهت وتواجه العديد من العقبات في مسيرة عملها وتعطيل دورها الرياديّ.
رأى الراوي أنّ المتغيّر السياسي كان، ولا يزال، هو الحاكم للقرارات التي تصدرها المؤسّسات التنفيذيّة والتشريعيّة.
أمّا على المستوى التنظيمي، فقد أشار أحمد الراوي إلى اهتمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بموضوعة البحث العلمي، فسعت إلى إصدار نظام للمراكز البحثيّة التابعة للجامعات العراقيّة سنة 1995، وشُكّلت هيئة غير متفرّغة للبحث العلمي تهتمّ برسم الأطر العامّة لعمليّة البحث العلمي، وتوجيه المراكز للعمل بموجبها.
وطرح الراوي أيضًا مشكلة التمويل والرعاية، إذ يفتقر العراق إلى الجهات الراعية لدعم البحث العلمي وتحويل نتاج هذا العمل إلى التطبيق لحلّ مشكلات المجتمع العراقيّ وتنمية قدراته.
انتقلت الكلمة بعد ذلك إلى الدكتور سامي الخزندار الذي تحدّث عن واقع مراكز الأبحاث والدراسات العربيّة والتحدّيات التي تواجهها، وعلاقتها بصانع القرار في الوطن العربي. ورأى أنّ طبيعة النظام السياسي ودرجة الحرّيات تحدّ من تأثير مراكز الأبحاث العربيّة في عمليّة صنع القرار، إضافةً إلى غياب الإستراتيجيات التي تهتمّ بالبحث العلمي والإنفاق عليه، إذ أشار إلى أنّ إنفاق إسرائيل على البحث العلمي يعادل إنفاق جميع الدول العربيّة.
توقّع الخزندار تطوّر دور مراكز الأبحاث في العالم العربيّ، خاصّةً في مرحلة ما بعد ربيع الثورات العربيّة، تطوّرًا نوعيًّا، سواء على صعيد زيادة الانتشار، أو على صعيد النفوذ والتأثير؛ في ضوء نموّ سقف الحرّيات، وزيادة مستوى المساءلة والشفافية، وتغيّر طريقة "إدارة الدولة"، وطريقة اختيار أو تعيين صنّاع القرار، وزيادة مشاركة الكفاءات في الإدارة العليا للدولة.
أمّا المداخلة الأخيرة في هذه الجلسة فكانت للباحث الفلسطيني مجدي المالكي، بدأها بمقولة "الحاجة أمّ الاختراع" معتبرًا أنّ هذه المقولة لا تنطبق بأيّ حال على الواقع الفلسطيني. ورأى أنّ تجربة مراكز الأبحاث الفلسطينية تتشابه مع الدول العربية مع بعض الاستثناءات التي تتعلّق بطبيعة الظروف السياسيّة في فلسطين والتي أعطت منحًا مختلفًا للمراكز البحثيّة الفلسطينيّة.
وفي نهاية نقاشه لهذا الجانب قارب المالكي نشاط مراكز الأبحاث في إطار نشاط المجتمع المدني الذي يسبق نشوء السلطة الفلسطينيّة، وهو ما حصر دور هذه المراكز في السياق "التوعوي" الذي يبتعد عن النقد الحادّ أو التأثير في سياسات السلطة الفلسطينيّة.
وفي جانبٍ آخرَ تطرّق المالكي إلى البيئة القانونيّة للمراكز البحثيّة في فلسطين، فقد ذكر أنّه لا توجد تشريعات تنظّم العمل البحثي، بل تخضع المراكز البحثيّة غير الحكومية لقانون الجمعيات الأهليّة عام 2000. ووفقًا لهذا القانون فإنّ الجمعيات الأهلية، ومن ضمنها المراكز البحثيّة، تتمتّع " بحرّية العمل" التامّ وهو ما لا يجد تطبيقه على أرض الواقع بشكلٍ كامل.
وختم المالكي باستعراض سمات وملامحَ سريعة للمؤسسات البحثية الفلسطينية، مشيرًا إلى وجود نحو 51 مؤسّسة تعرّف نفسها على أنّها مركز بحثيّ. وهو ما يضفي على النشاط البحثيّ في فلسطين صفة تشتّت الجسم البحثي وغياب التنسيق فيما بين المراكز، حتّى على مستوى المراكز الأكاديميّة في الجامعات، بل إنّ التنافس هو السّمة الرئيسة في عمل هذه المراكز. عدا عن ذلك تفتقر المراكز البحثيّة إلى التنسيق مع مراكز الأبحاث والمؤسّسات الأكاديميّة العربيّة.
صعوبات التمويل ورهان الاستقلالية
حملت الجلسة الثالثة من القسم الأول للمؤتمر عنوان "الاستقلالية الأكاديمية وقضية التمويل"، وترأسها الباحث رغيد الصلح. وعرض الباحث عمار جفال مدير مختبر البحوث والدراسات في العلاقات الدولية في جامعة الجزائر، الورقة الأولى للجلسة تحت عنوان: "البحث السياسيّ والإستراتيجيّ في العالم العربي: ظروف وآفاق الأطر المؤسساتيّة المختصة".
تحدث الباحث في المحور الأول عن واقع الحال على مستوى الأقطار العربية في ميدان الدراسات السياسية والاستراتيجية، وأهم المعوقات القائمة أمام تطور التحليل السياسي والاستراتيجي. واقترح الباحث أفكارا لتجاوز الوضعية السائدة في مجال الأبحاث والدرسات، وذلك بهدف ترقية آليات إدماج الفكر الاستراتيجي في عملية صنع القرار و صياغة السياسات العامة بالاستفادة أولا من النقاشات الثرية التي تمت في عدة ندوات حول هدا الموضوع في الشارقة و الرباط و القاهرة، وثانيا من بعض التجارب الغربية المتميزة وأهمها حالة مراكز البحث الاستراتيجي في ألمانيا.
جاءت الورقة الثانية في الجلسة للباحث جواد الحمد بعنوان: "الاستقلال الأكاديمي وقضية التمويل"، وقد أشر في مستهلها إلى أهمية الاستقلال الأكاديمي لمراكز الأبحاث الجامعية منها وغير الجامعية، الحكومية منها والخاصة على حد سواء.
وناقشت الورقة دور التمويل والكلفة المالية للأبحاث وإدارة المراكز، في التأثير المباشر وغير المباشر على الأجندة البحثية من جهة، وعلى نوع الباحثين ومستواهم من العاملين في هذه المراكز ومعها من جهة اخرى، وتناولت الورقة ما يتعرض له البحث العلمي من استقطاب بسبب المال والامتيازات التي تقدمها جهات تمويلية للباحثين ومديري مراكز الابحاث .
وختاما تناول جواد الحمد الانعكاسات الأساسية لمشكلة التمويل وضعف الاستقلال الأكاديمي على مخرجات البحث العلمي ونتائجه من جهة ، وعلى دور مراكز الابحاث في صناعة ودعم القرار بمنهجية علمية موضوعية، بعيدا عن ارضاء صانع القرار او الترويج لسياساته ومواقفه، وتقدم الورقة جملة من التوصيات يمكنها أن تساعد في تحسين الاستقلال الأكاديمي لهذه المراكز وضبط عمليات التمويل ومصادرها.
تناولت الورقة الثالثة التي عرضها الباحث عصام بن يحيى الفيلالي في الجلسة الثالثة موضوع الاستقلالية الأكاديمية وقضية التمويل أيضًا. وأشار الباحث إلى أن الأزمات المالية العالمية المتوالية قد أدت إلى تردي الأحوال الاقتصادية وخفض كبير في ميزانيات البحوث الأساسية والبحوث التي تعالج القضايا الوطنية، وإلي تقلص غير مسبوق في دعم مراكز ومعامل البحوث وبالأخص في المنح المفتوحة للباحثين. وأضاف الباحث: "شرعت الشركات والمؤسسات المدنية في تمويل مؤسسات البحوث وفقا لمصالحها وتوجهاتها السياسية، كما أن جهات التمويل الحكومية في بعض الدول غلبت عليها التوجهات السياسية وفقدت الحيادية في تمويل الباحثين ومراكز البحوث خاصة في مجال العلوم الإنسانية، والعلوم التجريبية ذات الصبغة المحلية".
وقد استعرضت الورقة نماذج للاستقلال الأكاديمي لمراكز البحوث في جامعات المملكة العربية السعودية, كبيوت خبرة لها أثر فعال في إثراء المعرفة في المجتمع خارج الجامعة، إلى جانب ما تقدمه من خدمات استشارية لمؤسسات المملكة الخاصة والعامة.
وقدم الفيلالي مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة الملك عبد العزيز كنموذج رائد وتجربة عملية من حيث الاستقلالية الأكاديمية، ويتضح ذلك من أعمال المركز والدراسات التي يجريها وإصداراته وبخاصة سلسلة مجتمع المعرفة، والاستشارات العلمية التي يقدمها والخطط الاستراتيجية التي يعدها لجهات متعددة داخل الجامعة وخارجها.
كانت الورقة الرابعة في هذه الجلسة للباحث يعقوب الكندري مدير مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، وعرض فيها تجربة المركز الذي يديره منذ تأسيسه في عام 1994 إلى وقتنا الحاضر، والخطط المستقبلية التي يتطلع إليها المركز.
وأكد الكندري على قضية التمويل، والإشكاليات الخاصة بالمدخلات والمخرجات المتعلقة بقضية التمويل، ومن ثمّ باستقلالية هذا الجهاز وعلاقة هذه الاستقلالية بالمحيط الاجتماعي للمجتمع الكويتي وارتباط هذه الاستقلالية ببعض المعطيات الداخلية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.