وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    قرار مثير لرئيس وزراء السودان    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جون قرنق دي مابيور وأنا (الأخيرة) ... بقلم: محمد عثمان إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 31 - 08 - 2009

كان الزعيم الراحل -وفق ما رأينا في المرات المتفرقة التي التقيناه فيها- دقيقاً جداً وكان يحرص على أن يستمع أكثر مما يتحدث ولعل واحدة من أكثر مميزاته الإيجابية العظيمة أنه كان يدقق فيما يسمع ويتقصى، خصوصاً إذا كان الكلام باللغة العربية الفصحى فتجده في كثير من الأحيان يسأل معاونيه عن معنى تلك العبارة أو الجملة. في مارس 2000 وزع حزب الأمة بياناً وردت فيه عبارة " أن الحركة الشعبية لتحرير السودان تسعى إلى حل سياسي شامل، هذا موقف لا يمكن الدفاع عنه !" ولعل العبارة المعقدة تعني بشكل أساسي أن حزب الأمة يعتقد أن الحركة لا تسعى للسلام وإن اعلاناتها بتأييد الحل السياسي السلمي، مواقف تفتقر إلى الحيثيات التي تسندها والوقائع التي تدعمها. أذكر أن د. جون تساءل عن معنى العبارة وإن الأستاذ نيال دينق عمل على تحري المعنى المقصود من كوادر حزب الأمة وقادته الموجودين والذين أعطوا ،للغرابة، شروحات تحمل معانٍ أخرى إيجابية بدلاً عن الدلالة السلبية للعبارة. منذ أيام عدت إلى موقع حزب الأمة وراجعت بيانات الحزب وخطابات رئيس الحزب الإمام الصادق المهدي فلم أجد لتلك العبارة على أثر، وهذا مدخل قد يفتح باباً خطيراً في مجال الرقابة على التأريخ.
بالمقابل لم يكن رجالات الأحزاب المتحالفة مع الحركة الشعبية ضمن إطار التجمع الوطني الديمقراطي يجهدون أنفسهم في فهم ما يقوله د. جون أو باقان أموم حين ينحي العربية جانباً ويتحدث بالإنجليزية، وإنما يكتفون بالإبتسام وربما الضحك كعادة البسطاء ممن يضحكون على أي حديث لا يفهمونه، تفاعلاً مع تعابير وجه المتحدث وإسرافاً في حسن الظن.
ذات فترة كان الحديث في دوائر المعارضة السودانية يدور حول تكتيك الحكومة وعملها الدؤوب على تفكيك التجمع الوطني رداً على إعلان التجمع عن إستراتيجيته في تفكيك الحكومة من خلال التفاوض وهو أمر تأتى لاحقاً للطرفين فلا الحكومة ما قبل إتفاق السلام الشامل 2005م بقيت ولا التجمع الوطني (داما). بدأت بعض القوى ممن كانت تسمي نفسها قوى السودان الجديد البحث عن بدائل وآليات عمل بديلة عن التجمع في حالة خروج حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي على المعارضة. بدأت بعض المشاورات بين قادة قوى (السودان الجديد) وتوجت تلك المشاورات بإجتماع مطول بقاعدة (ساوا) العسكرية الإرترية حضره عن الحركة الشعبية كل من قائدها د. جون والأساتذة باقان أموم وياسر عرمان ومن التحالف الوطني العميد عبدالعزيز خالد ود. تيسير محمد أحمد ومن التحالف الفيدرالي د. شريف حرير و من مؤتمر البجا الشيخ عمر محمد طاهر وشخصي فيما حضر من جائب الأصدقاء الإرتريين الأستاذ عبدالله جابر والجنرال تخلي كفلي قائد قوات مراقبة الحدود ومسئول الإتصال العسكري الأرفع مع المعارضة السودانية. كان الحديث عن ضرورة التكتم على خبر هذا الإجتماع والتوصل إلى إتفاق بشان النقاط محل البحث وقد تمت كتابة وثيقة من نسخة واحدة سلمت للأستاذ عبدالله جابر لأجل العودة إليها متى ما نضجت الظروف. كان الإجتماع ساخناً وشهد الكثير من الحدة بين بعض أطرافه وقد دعا باقان أموم إلى الحديث بصراحة لشفاء جراحنا بدلاً ان تغلق وهي بعد لم تندمل. تقصى معه د. جون عن معنى عبارته وتطوع د. تيسير بالترجمة. مرة أخرى طالب باقان بأن يتحدث الجميع دون أي "سنسرة" أي رقابة، فسأله د. جون "سنسرة يعني شنو؟" فرد عليه باقان "Censorship" فقال قرنق " و سنسرشب دة ذاتو معناهو شنو؟" ولم يشأ باقان الرد على قائده واستمر في حديثه فيما سكتنا جميعاً عن الرد على السؤال الذي ربما كان منطلقاً من مداعبات بين القائد ومساعده المقرب.
" سودان جديد ويي، إنني أشكر وأحيي الشعب السوداني كله وأطلب مساندتكم المستمرة، بارك الله في السودان، شكراً جزيلاً، إنني احبكم" الكلمات الأخيرة في خطاب أدء د. جون للقسم نائباً أولاً لرئيس الجمهورية ، الخرطوم 9 يوليو 2009
حين استمعت إلى هذه الكلمات ضمن الخطاب ( المفعم بالمشاعر) والمعد بعناية أدركت أن د. جون مثقل القلب بالمشاعر الطيبة التي استقبله بها الشعب السوداني وكنت أحس أنه بكلماته الرقيقة تلك كان يفصح بشكل عميق عن أحاسيس حقيقية تملي عليه ما يقول. ولقد لمست ذات موقف كيف كان الرجل ينفعل ويستاء من الهجوم الإعلامي المتحامل على شخصيته خصوصاً عبر المقاطع المجتزأة التي كانت يبثها برنامج (في ساحات الفداء) على التلفزيون. كانت بعض المقاطع تُخرج من سياقها فتظلمه، مثل عبارته " الحركة دة ما عندو دين" التي قالها في سياق إن الحركة الشعبية مشرعة الأبواب لجميع السودانيين بغض النظر عن دينهم ( أين حركة جون قرنق الآن؟) لكن الإبتسار (الظالم) جعله يبدو كمن يقول إن الحركة الشعبية هي ضد الدين! وقد استمعت إلى استيائه من تلك الإقتطاعات ضمن حديث مباشر معه. أذكر مرة بعد معارك بحر الغزال التي تم فيها تدمير كبري بحر العرب واحتلت فيها قوات الحركة منطقة ( ديم زبير) وهو الإسم الذي قام بتغييره د.جون بقرار رسمي (عميق الدلالة) الى (ديم السودان الجديد)، جاء د. جون الى أسمرا حيث التقيناه وقام بتنويرنا عن الوضع في الجنوب-كعادته دائما- وأشار باستياء الى أن وسائل الإعلام الرسمية في الخرطوم نشرت أنني – أي د. جون- قمت بقيادة معارك بحر الغزال شخصياً وإنني من أشرف على تدمير كبري بحر العرب وعبر عن أسفه على تدمير الجسر. قلت له إن الحكومة لا بد تريد إظهارك كشخص مدمر " They wanted to portray you as a destructive person" التمعت عيناه ونظر ناحيتي قائلاً نعم هذه هي الرسالة التي أرادت نشرها. شعرت حينها إن الرجل الذي قاد أشرس وأطول تمرد في تاريخ السودان الحديث يشق عليه أن يتهم بتدمير جسر فقط في حرب أهلكت البشر و الزرع والضرع، فكيف إذا اتهم بتهم أقسى. كان د. جون حريص على التعرف على قضايا التنمية وقد أبلغته مرة بمفارقة أن منطقة جنوب طوكر، وهي التي تضم أكبر مشروع زراعي في البحر الأحمر، هي أكثر منطقة تعتمد على الإغاثة في غذائها وأنها إحدى اكثر المناطق فقراً وعدماً في شرق السودان، وقد شهدت انه اهتم بذلك الأمر وناقشه خلال مخاطبته منسوبي مؤتمر البجا إبان زيارته لمناطق الحدود باتجاه همشكوريب. وفي خطابه خلال إحتفال أدائه القسم بالخرطوم حرص د. جون على توجيه تحية خاصة للمزارعين مشيراً إلى أنه هو نفسه مزارع ثم تعهد بجعل الزراعة أولوية لديه في عملية التنمية " سنأتي بالمدن إلى الناس بدلاً من أن نأتي بهم للمدن... وسنقضي على الجوع باستخدام أموال النفط لتمويل الزراعة" لقد كان قائداً عظيماً وصاحب رؤية نافذة، لكأنه كان يتنبأ بأن اعتماد السودان على واردات النفط ليس هو السبيل الأمثل نحو ازدهار البلاد ورفاه أهلها.
عقب المفاصلة بين جماعتي البشير والترابي وما عرف بقرارات (الرابع من رمضان) بحوالي العام وبعد مقتل القائد السابق اللواء كاربينو كوانين بول في سبتمبر 1999، زار د. جون العاصمة الإرترية أسمرا. سرت شائعة بأن د. جون سيزور الجبهة الشرقية هذه المرة خصوصاً وأن الحركة الشعبية كانت قد نقلت حوالي 3000 من قواتها من الجنوب إلى الجبهة الشرقية وهو الأمر الذي كان يرشح الحدود الشرقية لقتال مقبل عنيف. تحرى أحد زملائنا في أسمرا عن أمر الزيارة من الدكتور شخصياً لكن قرنق بحصافته الشديدة أجابه ب" نحن نوري محل جينا منو لكن محل ماشين ما نوري" أي أننا لا نصرح بوجهتنا. على كل كان مكتبنا في أسمرا يتابع الأمور مع قادة الحركة الشعبية وبعض العالمين ببواطن الأمور هناك وبالفعل جاء د. جون إلى الحدود الشرقية وقام قادة الجيش الشعبي لتحرير السودان بإبلاغنا بحضور القائد العام رسمياً فقمنا بزيارته في الصباح التالي لحضوره. كنت برفقة رئيسي حينها الشيخ عمر وكان معنا الرفيق محمد هيكل أوشيك ووجدنا د. جون وبرفقته السيدان باقان أموم وياسر عرمان ومجموعة صغيرة جداً من الحراس والمرافقين. لم تكن القرية الوادعة التي حل فيها الرجل تعلم أن جون قرنق هنا وقد بعث شيخ عمر ببعض الخلصاء من أعوانه البدو للتحرك في الخلاء حول القرية ورصد أي غرباء قد يأتون كمساهمة منه في تأمين زيارة القائد الصديق. كان في استقبالنا القائد باقان الذي كان يرتدي زيه العسكري وحين أراد الدخول إلى حيث القائد لإبلاغه بمقدمنا تبين انه لم يكن يعتمر قبعته، فأرسل من يأتيه بها، ثم وضعها بعناية ووقف ممتشقاً أمام الباب مؤدياً التحية العسكرية. كان الوقت مبكراً في الصبح لكن الجميع كانوا مستعدين وقد شربنا الشاي عندهم في راكوبة نظيفة جداً من القش. من يصدق القائد الكبير الذي تطارده كاميرات الإعلام ويتحدث إلى الرؤساء والملوك والزعماء يجلس في هذه العشة المتواضعة في هذه القرية الخاملة الذكر. كان د. جون يرتدي ملابس مدنية بسيطة وأنيقة. تحدث معنا مطولاً عن كثير من الموضوعات وسأله الشيخ عمر عن رؤيته للصراع بين الإسلاميين معرباً عن توجسه من أن الأمر ربما كان أحد حيل الشيخ حسن الترابي ليعطي النظام قوة دفع جديدة بإستبعاد مجموعة الصقور مؤقتاً، لكن د.جون كان حاسماً في إجابته وقال إن الصراع بين القصر والمنشية صراح حقيقي وإنهم ظلوا يتابعون أمر العلاقة بين الطرفين منذ فترة طويلة ، وإن الأمر هو سفور للصراع الذي لم تستطع حله مذكرة العشرة، وأفاد بان زيارة البشير إلى اديس أبابا التي سبقت حل المجلس الوطني كانت للتمويه، وأن الرئيس اعتذر عن لقاء رئيس جنوب افريقيا –حينها- تابو مبيكي وهو ما لم يكن ليحدث لو لم يكن هناك أمر جلل، فلقاء مبيكي مهم جداً لدبلوماسية الحكومة.
سألته عن ملابسات مقتل اللواء كاربينو كوانين وصلة الراحل بالقائد فاولينو ماتيب وبيتر قاديت فحكى لنا عن ذلك مطولاً وقلت له إن إحدى الصحف المحلية في الخرطوم نشرت انباء عن صلة كوانين وماتيب مشيرة إلى أنهما تصادقا في أمريكا فنفى لي الواقعة وقال إن بين الرجلين صلة مصاهرة لكن كوانين لم يسافر إلى أمريكا مطلقاً وإنه سافر مرة على نفقة الحركة للعلاج في ألمانيا (سأل باقان للتأكد من ذلك). حدثنا عن كيف تم إعدام كوانين بإشمئزاز من الحادثة بالرغم من أنه لم يكن في غالب حديثه يعبر عن أي مودة سواء باتجاه كوانين أو باتجاه ماتيب بل كان عدائياً تجاههما.
تحدثت معه أيضاً عما كنت أحسبه تناقض في موقف الحركة إزاء (السودان الجديد) وقلت له إنه في الوقت الذي تتحدث فيه الحركة وتبشر بالسودان الجديد، فإنها تتحالف مع قوى السودان القديم وقلت له إن بعضنا في (مؤتمر البجا) ينظر للحزب الإتحادي الديمقراطي باعتباره أقرب إلى جماعة الترابي من كونه أحد عناصر السودان الجديد. حاول في إجابته على سؤالي أن يخفف من إندفاعي (بحكم السن) وحماسي نحو تحقيق (السودان الجديد) وقال لي إن تحقيق السودان الجديد مرتبط بتهيؤ الظروف الملائمة لذلك، وأنه ينبغي عدم التسرع لأن أي تسرع قد يضر بالسودان كله، كما إن محاولة بتر قوى السودان القديم وإقصائها ستؤثر على مستقبل البلاد كلها و امسك بظفره وأشار لي قائلاً "إن قوى السودان القديم مثل هذا الظفر النابت المرتبط باللحم فلكي نقوم ببتره دون أن نجرح الأصبع علينا أن ننتظر حتى ينمو ويتجاوز اللحم فنقطعه دون أن نشعر بالحاجة إليه أو نحس بالألم" وقال إننا كقوى سودان جديد بحاجة إلى التحالف مع الحزب الإتحادي الديمقراطي وهم أيضاً بحاجة إلى التحالف معنا. تدخل ياسر عرمان بشكل أكثر دقة " يعني أنحنا ما بنستغلهم وهم ما بيستغلونا!". شعرت بأن د. جون كان يتناول هذه القضايا بشكل شديد الجدية والعمق إذ أنه اقتصر في شرحه لها على الحديث باللغة الإنجليزية وهي التي أعتقد أنه يفكر بها. في ختام اللقاء قمنا بدعوته لزيارتنا في مقر قيادة مؤتمر البجا وهي الزيارة التي ستكون الثالثة والأخيرة له لمقر القيادة الميدانية للتنظيم. وافق بأريحية شديدة وقال إن لديه (شغل) مع قواته هنا، لكنه طلب التنسيق بهذا الخصوص مع معاونيه.
غادرنا الرجل مودعين وفي أمسية اليوم التالي قمت مع مجموعة من المعاونين بالذهاب إلى معسكر قوات القائد (توماس سريللو) الذي انتقل إليه د. جون. دخلنا في غابة صغيرة وبعد أن تورطنا سمعنا أصواتاً عالية وأشوات إعداد أسلحة للإطلاق من أماكن مختلفة (ثااابت أووووو) فتوقفنا، وفي الظلام رأينا الحراس بعضهم على الأرض وبعضهم متسلقاً على الأشجار. أبلغناهم بوجهتنا فقاموا بالترتيبات اللازمة للسماح لنا بالدخول حيث دخلنا وأبلغنا مسئول الإستخبارات المعني بأننا اعددنا كل شيء لإستقبال الرجل غداً في الصباح، لكن مسئول الإستخبارات إعتذر وقال أنهم يحتاجون إلى تفتيش الشارع في الصباح وهذا قد يستغرق بعض الوقت لذا فانه يقترح أن تتم الزيارة ظهراً. اتفقنا معه على عدة ترتيبات لتأمين الشارع وسرية التحرك والزيارة بالطبع.
في اليوم التالي كنا قد أعددنا عدتنا لاستقبال القائد العظيم حيث وصل بعد الظهر بقليل وكان يرتدي زياً عسكرياً باللون البني الصحراوي المبرقع ، كان الزي ضيق المقاس عليه بعض الشيء وقد أدى الحراس له تحية (السلام العظيم) العسكرية وتوقف منتصب القامة ورد على تحيتهم. كان معه عدد كبير من الحراس هذه المرة، فيما قمنا بنشر عدد كبير أيضاً حول المعسكر ومقر الضيافة وهذه هي المرة الأولى التي عرف فيها جنود مؤتمرالبجا وعدد من قياداته أن د. جون في زيارتهم هنا. لم يتجاوز الحديث التحية وتبادل عبارات المجاملة والوليمة وفي تلك اللحظة التي كان الناس يتناولون فيها الغداء غادر (الترزي) الذي قام بأخذ مقاسات الدكتور بالنظر إليه فقط إلى مكان قصي كان قد تم إعداده بماكينة خياطة تم إحضارها من قرية مجاورة، وفي زمن قياسي قام الترزي بمعاونة بعض الجنود بتجهيز زي بجاوي كامل للضيف الكبير.
تم تقديم الهدية للرجل وساعده الشيخ عمر في لبس الزي الجديد وفي (لف) العمامة حول رأسه ثم غادرنا إلى مقر المدرسة حيث احتشد الناس للإستماع للرجل. داعب د. جون مصوريه قائلاً " يا جماعة بعدين ما تمشوا جنوب تقولوا انا أسلمت، دة لبس بتاع مهمشين" أحسن الشباب استقباله هناك وألقى الأديب الأستاذ حسين ولي محمد أركاب كلمة رصينة بديعة خاطب فيها د. جون باسم أدروب قرنق دي مابيو وهتف البعض (إيتانينا جون قرنق) أي مرحباً جون قرنق، ثم خاطب الضيف الحشد باللغة العربية وكان أحد الشباب يقوم بالترجمة وهو ما أثار استغراب د. جون الذي قال من يصدق إنني انا العربي هنا الذي يحتاج حديثه للترجمة فيما يحسب الناس أن السودان الشمالي كله عربي قح وتحدث باختصار عن صعوبة التفرقة بين السودانيين على أساس عرب وأفارقة. بعد إنتهاء الإحتفال طلب منا إثنان من معاوني الدكتور المرموقين الإحتفاظ بتسجيل هذه الزيارة سراً وعدم نشره وقد كان.
لم تن هذه خاتمة لقاءاتنا بالدكتور فقد جاء بعدها إلى مصوع وأسمرا ثم القاهرة لكنه في كل الأحوال كان نفس الرجل النقي الحاذق صاحب الرؤية العميقة والإصرار والعزيمة وبفقده خسر السودان رجلاً نعتقد أنه كان خلاصة نقية للذكاء الوقاد والموهبة الهائلة والدأب المثابر والعزم الأكيد وأنه كان نتاجاً متميزاً لرحم السودان الذي سيحتاج لسنوات طويلة ليحصل على زعيم بحجمه الكبير ومزاياه الفريدة.
نأمل أن نكون قد قدمنا صورة مقربة للرجل العظيم فإن كان الأمر كذلك فلعلها مناسبة نهدي فيها هذه السلسلة للصغيرة (أتونق)، آخر عنقود الزعيم الراحل، والتي لم يتيسر لها التعرف على أبيها الرجل العظيم لكنها ستحبه أبداً في غيابه الكبير وفي حضوره الأبهى في ذاكرة الكثير من السودانيين، كرجل قدم له كل حياته وحاضره من اجل مستقبلهم. وداعاً د. جون في ذكراك الرابعة.
عن صحيفة ( الاحداث)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.