يعرف الاقتصاد الخفى بأنه مجمل النشاطات الصغيرة أو الكبيرة المستقلة التي يمارسها عمال أجراء وغير أجراء، والتى تمارس عادة بمستوى تنظيمي وتكنولوجي ضعيف، ويكمن هدفها في توفير فرص عمل لأولئك الذين يعملون بها، كما أن هذه النشاطات تمارس دون موافقة السلطات الرسمية، ولا تخضع لمراقبة الآليات الإدارية المكلفة بفرض احترام التشريعات في مجال الضرائب، والأجور الدنيا والأدوات المشابهة الأخرى المتعلقة بالقضايا الجبائية وظروف العمل . بعبارة أخرى فالاقتصاد الخفي هو قطاع إنتاج السلع والخدمات بصورة أكثر دينامكية ولكنه بمعزل عن أي ضريبة، حيث يتم من خلاله إنشاء قيمة مضافة أكثر ارتفاعا وبالتالى مداخيل مرتفعة جدا. ونظرا لتنوع مجالات عمله يطلق عليه أسماء متعددة حسب مجال العمل الذي يمارس. فإذا كان ذلك الاقتصاد الخفي يتعامل مع سلعة محرمة الاستخدام مثل الأسلحة أو المخدرات أو سرقة الآثار وغيرها فيسمي حينها ب "الاقتصاد الأسود" أو "الاقتصاد الجريمة"، أما عندما ينتج سلعة من خلال معامل غير مرخصة ( مثل الورش والمحلات غير المرخصة وغيرها) فيسمي حينئذ ب "الاقتصاد غير الرسمي". يحقق الاقتصاد الخفي أهدافا رئيسة مثل تحقيق مداخيل في السوق، وسهولة الدخول فيه دون حواجز، وعدم احترام لقواعده وانعدام تشريع العمل، ويكون غالبا ذاتي التمويل، ولا يقوم بدفع أي رسوم أو ضرائب ومنتجاته مقلدة وأسواق غير محمية. يشارك كل فرد من المجتمع بشكل ما في أوجه نشاط هذا القطاع المختلفة، متعمدا أو غير متعمد، وسواء أكان يدرك أو لا يدرك أنه يتعامل في هذا الاقتصاد الخفي. تخفي مكونات "الاقتصاد الخفي" الأساسية في كثير من خصائصها مكونات جريمة غسل الاموال وأعراضها وأهمها تجارة المخدرات والفساد الاداري والمالي، والرشوة، ومخالفات العقود والتسيب الوظيفي، وتدني أداء بعض الاجهزة الحكومية ، والتعاقدات الوهمية ، والاختلاسات والتفريط في المال العام وتضخيم ارصدة العهد وحسابات الامانات والمخزون ومخالفات مخصصات الميزانية، واستغلال النفوذ وسرقة ممتلكات الدولة والتلاعب في عقود المشاريع الحكومية وجرائم النصب والاحتيال المالي والتهرب الجمركى والتهرب الزكوي والضريبي والتستر التجاري والغش التجارى ومخالفة نظام الاقامة للعمالة الأجنبية والعمل وغير ذلك. إن هنالك اثارا اقتصادية واجتماعية مهمة تنتج عن "الاقتصاد الخفي" ويمكن قياسها بالملاحظة وبالمقارنة بين الشواهد من خلال الحقب الزمنية السابقة ، بالإضافة الي مستجدات العولمة والانفتاح التكنولوجي الكبير، ومن أهم تلك الاثار الاجتماعية ما هو خاص بسلوك المستهلك ، حيث تفترض النظرية الاقتصادية أن سلوك المستهلك يتسم بالرشد وبالتالي فهو يحاول تعظيم المنفعة التي يحصل عليها من إنفاقه لدخله المحدود، أي أنه يوزع دخله علي السلع والخدمات المختلفة بشكل يحقق له أقصى إشباع ممكن. إلا أن السلوك الاستهلاكي لممارسي الاقتصاد الخفي لا يتسم بالرشد ومن ثم يسقط الفرض الأساسي لنظرية سلوك المستهلكين، إذ أنهم يتجهون غالبا إلي أنماط من الاستهلاك تتسم بالتبذير وقد يصل الأمر للإنفاق علي الخمور والمخدرات وغيرها من مجالات غير مشروعة قانونا، ويغلب على إنفاقهم علي السلع والخدمات المشروعة النمط الاستهلاكي الترفي. كما يمكن أن يمتد هذا النمط من السلوك الاستهلاكي إلي باقي الأفراد من خلال ما يعرف باسم أثر المحاكاة وتصبح عدم الرشد في الاستهلاك هو الأساس في سلوك المستهلك الفرد. والأثر الثانى والشديد الأهمية هو تعطيل آلية جهاز الثمن ،حيث أن الوضع الطبيعي أن التوازن في السوق يتحدد من خلال تفاعل قوى العرض والطلب، وذلك حينما تتحدد قوى العرض بسلوك المنتج محفوزا بدافع الربح، وتتحدد قوى الطلب بسلوك المستهلك مدفوعا بحافز تعظيم منفعته أو اشباعه، وحيث أن الدافعين (تعظيم الربح والمنفعة) قد انتفيا نتيجة لسلوك فئة ممارسي "الاقتصاد الخفي" علي النحو السابق بيانه، فإن هذا يؤدي إلى تعطيل ميكانيكية جهاز الثمن وما يترتب على ذلك من سوء تخصيص الموارد في أسواق السلع ، بل وفي أسواق خدمات عناصر الإنتاج وبالتالي تشوه أسعارها. كذلك من الآثار الاقتصادية الواضحة للاقتصاد الخفي هو أن بعض الأموال التي يمارس بها النشاط الاقتصادي الخفي تنتج عن التهرب من سداد الضرائب المستحقة للدولة، وهذا يعني بالضرورة نقص الموارد المتاحة للدولة لتمويل برامجها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يؤدي بالتالي إلي زيادة الدين العام الداخلي والخارجي وزيادة عجز الموازنة العامة للدولة، وانخفاض الدخل المسجل في الحسابات القومية، الأمر الذي قد تضطر معه الحكومات إلي اللجوء إلي فرض ضرائب جديدة أو زيادة في الضرائب المفروضة، ومن ثم زيادة العبء الضريبي علي عاتق أفراد المجتمع . كذلك يؤثر "الاقتصاد الخفي" سلبا علي الادخار والاستثمار وذلك من عدة وجوه . فمن ناحية ، تؤدي هذه العمليات إلي هروب رأس المال الوطني إلي الخارج عن طريق التحويلات النقدية بين البنوك المحلية والخارجية، ويعد هذا تسربا لجزء من الدخل القومي ويؤثر سلبيا علي الادخار المحلي فيؤدي إلي عجز المدخرات المحلية عن الوفاء باحتياجات الاستثمار، وتتسع الفجوة التمويلية ، بينما يتم إيداع رؤوس الأموال الوطنية في البنوك الأجنبية عوضا عن أن تأخذ طريقها إلي مجالات الاستثمار المختلفة داخل البلاد. كذلك ينتج من تهريب رأس المال الوطني أن يزيد معدل الاستهلاك دون حدوث زيادة مماثلة في الناتج، وقد تلجأ الدولة لتعويض هذا النقص في المدخرات المحلية عن احتياجات الاستثمار إلي الاستعانة بالموارد الأجنبية سواء في صورة قروض أجنبية وما سيتتبعه ذلك من زيادة المديونية الخارجية الأمر الذي سيسفر عنه آثارا اقتصادية وسياسية غير حميدة علي البلد المقترض. ومن الأمثلة الحية على ذلك مثال هو في حالة شراء الذهب والعقارات والتحف الفنية لا بقصد الاستثمار ولكن بقصد المضاربة علي أسعارها فهذا يؤدي بدوره إلي انخفاض القدر الموجه إلي الادخار المحلي. كما تجدر الإشارة إلي أن المشروعات والشركات التي يتم تأسيسها بأموال غير مشروعة لا تهتم بدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروعات ولا بتطبيق معايير الاستثمار ، الأمر الذي يؤدي إلي سوء تخصيص الموارد علي المستوي القومي ، كما أنها لا تستهدف تعظيم الأرباح وتكون قادرة علي عرض سلعها وخدماتها بأسعار تنافسية أكبر من المشروعات الجادة والشريفة، فضلا عن قدرة المشروعات غير المشروعة في التهرب من الضرائب ومن ثم تدخل في منافسة غير متكافئة وغير عادلة يضطر معها المستثمر الجاد إلي الخروج من السوق ، وقد يدفعه ذلك إما إلي التحول إلي الأنشطة غير المشروعة أو استثمار أمواله في الخارج ، بما يؤثر سلبا علي برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. إن طبيعة "الاقتصاد الخفى" في السودان تختلف عن طبيعته في غيره من الدول المشابهة حيث أنه في تقديري ليس ناجما عن التهرب الضريبي وحده ولا عن قصور في السياسات الاقتصادية وحدها ، وإنما يعود بدرجة كبيرة الي ضعف تطبيق الأنظمة في سوق العمل وفي سوق السلع والخدمات ، بالإضافة الي قضايا التستر التجاري والغش التجاري، إضافة الي قضايا الفساد الاداري والمالي الناجمة عن قصور عملية المراجعة والتدقيق، مع توسيع دائرة الانشطة الخفية العابرة للحدود. فالدولة تساهم بصورة واضحة في تحويل العاملين من الأنشطة الاقتصادية الانتاجية الي ممارسين في "الاقتصاد الخفي" وذلك من خلال فرض المزيد من الرسوم الحكومية غير المنضبطة حتى علي أصحاب المهن البسيطة ، فيلغي المستثمر نشاطه الرسمي فيمارسه من خلال آخرين أو يتحول إلى مهنه "وسطاء السوق". NAZIK ELHASHMI [[email protected]]