شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خالد المبارك: صناعة الوهم وترويجه! .. بقلم: فتحي الضَّو
نشر في سودانيل يوم 13 - 09 - 2009

تحت عنوان (فساد مالي في منظمة حقوق الإنسان) كتب د. خالد المبارك مقالاً على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 2/9/2009) معقباً على مقال لنا (الأحداث 9/8/2009) والذي سبقته ثلاث مقالات أيضاً، تناولت جميعها الأوضاع غير الطبيعية في المنظمة السودانية لحقوق الإنسان فرع القاهرة، والتي يرأسها د. محجوب التيجاني. ومن خلال بحثنا واستقرائنا توصلنا إلى أن هذه المنظمة لا وجود لها منذ العام 2003 إلا في مخيلة رئيسها المذكور، في حين أنه ظل يتلقى دعماً مالياً من عدة جهات ذكرنا منها بالاسم (صندوق دعم الديمقراطية) وهو مؤسسة أمريكية ناشطة في هذا الحقل. وبينَّا أن د. محجوب التيجاني تسلم نيابة عن المنظمة ما يزيد عن نصف مليون دولار من هذا الصندوق، وطالبناه ببساطة أن يبين للشعب السوداني المقهور، والذي تمارس المنظمة أنشطتها باسمه أوجه صرفها بشفافية مثلما هو معروف في مثل هذه الحالات. لكن التيجاني تدثر بصمت القبور، الأمر الذي حدا بنا إلى تحويل الملاحظة إلى اتهام صريح إمتثالاً لمقولة سائدة في الثقافة السودانية العامة، تؤكد أن (السكوت علامة الرضا) وهذا قد يعني أن تلك الأموال ضلت طريقها نحو مصارفها الطبيعية واستقرت في يد وجهتها نحو انشطة لا علاقة لها بالعمل الانساني الذي تدعيه المنظمة. وكنا قد ذكَّرنا التيجاني بأن المقال المشار إليه سيكون خاتمة المطاف لأن القضية بعده ستكون بين يدي مانح مقتدر، وهو الجهة التي بعثرت المنظمة السودانية – التي لا وجود لها على أرض الواقع – أموالها، بمثلما ضللت الذين توسموا فيها خيراً ومنحوها ثقتهم وتوخوا عدلاً وإنصافاً في قضاياهم!
في مقاله المشار إليه بدا لي أن د. خالد المبارك اشبه بشخص دخل الاستاد لمشاهدة مبارة لكرة القدم منذ انطلاق صافرة البداية، ولكن عندما أطلق الحكم صافرة النهاية إلتفت إلى جاره الذي يجلس بالقرب منه وسأله عن نتيجة المبارة! تجلي ذلك ابتداءاً في قوله «إن الجدل حول منظمة حقوق الانسان بين د. أمين مكي مدني والأستاذ فتحي الضو يثير قضايا كثيرة أوسع نطاقاً من تاريخ وحاضر المنظمة» ففي واقع الأمر لم يكن ثمة جدل يذكر بيني وبين د. أمين، فالذي حدث أن الرجل ادلى برأيه وشهادته من واقع مسؤوليته ونشر ذلك في ذات الصحيفة (الأحداث 17/8/2009) ولن يجرمنه شنآن إنتقاص خالد من قدره في مقاله المذكور. والحقيقة لم يكن خالد في حاجة لأن يتكيء على مقالي حتى يبين وجهة نظره، لا سيما، وأن الموضوع الذي تناوله يختلف تماماً عن القضية التي أثرتها، أي كان يمكنه أن يفعل ذلك دون مرجعية. فمن جانبي تحدثت تحديداً عن التجاوزات المالية المشار إليها في المنظمة السودانية فرع القاهرة ورئيسها التيجاني، في حين أن خالداً طفق يتحدث عن المنظمة السودانية لحقوق الانسان فرع لندن بصفة خاصة، وعن عمل المنظمات وأدوارها المشبوهة بصفة عامة. ومع ذلك كان يمكنني أن استحسن تناوله قضية فرع المنظمة المذكور لو أنه اتبع نفس الشفافية التي اتبعتها في تشخيص الأوضاع في المنظمة السودانية فرع القاهرة، وكان يمكنني أن أزيد من استحساني لو أنه هو نفسه خالد الذي ألهب ظهر هذا النظام بأقلام حداد، ولكنه يعلم أن شهادته الآن اصبحت مجروحه حتى لو أزكمت رائحة فساد تلك المنظمات أنوف البشر، فمن من ذا الذي يمكن أن يسمعه الآن بعد أن تبوأ منصباً في النظام الذي تناوئه المنظمات؟ ومن ذا الذي يمكن أن يسمعه بعد أن تماهى خطابه وخطاب النظام الذي سبق وناهضه؟ ومن عجب فقد أصبح بين عشية وضحاها مدافعاً ومروجاً لاطروحاته، وكأنه غير عابيء بالتناقضات المريرة التي إلتصقت بشخصه!
يعجب المرء اشد العجب في الغموض والابهام الذي لجأ إليه خالد، ذلك لأن الخندق الذي يأويه يحتم عليه أن يفصح بأقصى درجات الوضوح – إن لم يكن التشهير - عن الذين أصبحوا خصومه المفترضين، فهو على سبيل المثال يقول في ملاحظته الأولى إن اتهامات الفساد في المنظمة (فرع لندن) ليست جديدة وأنها سبق ونوقشت وأقترح البعض لجنة تحقيق برئاسته لكنها لم تقم «لأن البعض اعترض على اسمي» على حد تعبيره. ويزيد بلزوم ما لا يلزم ويقول إن الذي «زكَّاه لعضوية تلك اللجنة أسقط الحزب عضويته» ويتوغل أكثر في بحور غموضه ويقول «أعرف منظمة كانت لي بها صلة في التسعينات لا يزال على رأسها اليوم الشخص المؤسس – وله آراء جريئة حول أن قيادات الأحزاب السودانية لا تتغير ولا تستبدل إلا عند الوفاة!! فهو ينهي عن فعل ويأتي مثله ولا يضرب مثلاً في تعليم الممارسة الديمقراطية» ثم يجتهد في تفسير ماهية الظاهرة بقوله «ربما يكون السبب هو التمويل الخارجي السخي لأن المانحين يعرفونه شخصياً ويطمئنون إلى تقاريره (والتقارير هي أساس استمرار المنح) فبئس المثل الأسفل وليس الأعلى» فما الذي سيستفيده القاريء أو المراقب من هذه الطلاسم؟ ولا أدري ما الذي يدعوه على التستر على اسماء في قضية تتطلب قدراً كبيراً من الشفافية؟ كأنه لا يعلم أن الغموض سيضعف من مصداقيته حتى وإن كان مبرأ من شبهة الانتماء للعصبة أو الترويج لأفكارها!
أما النقطة الثانية التي شاء خالد التداخل فيها، قال إنها باختصار عن «علاقة المنظمات بالمانحين وأثر التمويل على النشاط، ودور المنظمات في التغيير الاجتماعي وتعلم الممارسات الديمقراطية التي تفتقدها معظم دول العالم الثالث» وضرب مثلاً بناشط تنزاني واقتبس منه قوله «يحدد الذين يمولوننا – بعدة وسائل مباشرة أو غير مباشرة – أجندة عملنا ويرسمون حدودها أو يغيرون مسارها» ثم يتساءل خالد قائلاً «والسؤال هو هل تختلف أهداف التمويل الأحنبي في تنزانيا عن أهدافه في السودان! هل رنين الدولار في دار السلام مختلف عن رنينه في دارفور أو شارع كذا بالعمارات بالخرطوم؟» ونمضي إلى ابعد من ذلك ونتفق معه في أن «تأثير المانحين على السياسات أمر لا يختلف عليه عاقلان» ولكننا نختلف معه في أن هذا الخطاب الذي يروج له خطاب ملغوم، وهو من صميم صنع العصبة ذوي البأس او السلطة الحاكمة في الخرطوم، ليس لأنها تنهي عن خلق وتأتي بأسوأ منه، ولكن لأن خالداً الذي تطابق خطابه وخطابها يتعمد طعن ظل الفيل ويتحاشى الفيل نفسه. وهنا ثمة تساؤلات نقتلعها من إحشاء عباراته سالفة الذكر، ونرجو أن يتأملها قبل أن يجيب عليها!
ترى ما الذي دفع المانحين للقدوم إلى بلد معين إن كان هدفهم التأثير على سياساته؟ هل ثمة بلد بعينه في خارطة هذا العالم التزم حدوده بالمعايير الدولية ومارس الديمقراطية بأطرها السياسية وحافظ على حقوق مواطنيه بالأسس الأخلاقية، وبعد كل هذا جاءه من يريد أن يؤثر على سياساته؟ ما الذي حدا بمواطني قطر معين للجوء للمنظمات المانحة ابتداءاً؟ لو أن بلداً معروفاً كان ينعم بنور الديمقراطية هل يمكن أن تجرؤ جهة ما لتفرض على منظماته أجندة خاصة في الظلام؟ أليست الأنظمة الديكتاتورية ومنها نظام العصبة ذوي البأس الذي يمثله سبباً في قدوم منظمات المانحين؟ أولم تكن ذات الأنظمة هي من ينطق بلسانين، حين تعلن حربها (الدنكيشوتية) على المنظمات في العلن وتبسط لها جناح الذل من الرحمة في الخفاء؟ لو كانت أنظمة السوء تلك تقوم بحقوقها كاملة تجاه مواطنيها هل يعتقد خالد أن المنظمات المذكورة ستخترقها أو توقع أبنائها المخلصين في شراكها؟ وما هي تلك الأجندة المزعومة التي تدعي أنظمة السوء أن المنظمات تسعى لتطبيقها وتكريسها؟ وهل أجندة حقوق الإنسان قضية كونية أم شأن قطري في الأصل؟ ألم يكن خالد يعلم أن دعماً سينهال على المنظمة السودانية لضحايا التعذيب عندما كان أحد مؤسسيها في كامبريدج العام 1993 كما أشار؟ هل كان يعلم أم علم بعد أن اعتلى سنام منصب الملحق الاعلامي أن دعماً كهذا سيؤثر على سياسات المنظمة؟ وهل أنظمة السوء هذه ليست لديها أجندة خاصة بها تؤثر في سياسات منظمات تستظل بظلها وتشملها برعايتها الكريمة؟ وما الفرق إذن بين الوطني والاجنبي إن كان للأثنين أجندة خفية؟ وبحسب قوله «إن منعة منظمات المجتمع المدني في تجذرها في المجتمع الذي تنتمي إليه» كيف يمكن لهذه المنظمات أن تتوخي دعماً وطنياً في ظل مناخ الاستقطاب الذي تمارسه أنظمة السوء تلك؟ وأخيراً وبنفس المنطق الذي ساقه من قبل، لابد وأن يتساءل المرء: هل رنين دولار المنظمات يختلف عن رنين دولار أنظمة السوء التي تجود به على منسوبيها حتى لو كان ذلك راتباً شهرياً؟
إننا نسوق كل هذه الحجج لتوضيح خطل المنطق الذي تروج له العصبة ذوي البأس وأصبح د. خالد المبارك بقدرة قادر حامل لوائه، ونعلم أن أنظمة السوء تفعل ذلك حتى يتسنى لها ممارسة هوايتها في انتهاك حقوق مواطنيها بعيداً عن أي عين راصدة أو يد مؤازرة، سيما، وأن موضوع حقوق الانسان قضية كونية، بحيث اصبح المساس بحقوق أي فرد في هذا العالم العريض يستدعي تداعي وسهر الكون كله، ولنا في قضية السيدة لبنى أحمد حسين أسوة حسنة حيث أجبر الاهتمام الدولي السلطة الحاكمة على حياكة سيناريو مفضوح للخروج من مأزق صنعته بيدها. وبناءاً عليه وعلى عكس ما ذهب خالد ليست لدينا أي تحفظات على الدعم الذي تقدمه المنظمات المانحة بشرط أن يذهب إلى مصارفه المحددة، وتمارس عليه الرقابة المفترضة، ويعلن على الملأ أوجه صرفه بشفافية كاملة. بل نرى أن ذلك الدعم واجب إنساني من باب التعاون في قضية كونية كما أشرنا، وفي ظل أنظمة قمعية وديكتاتورية تكمم الأفواه وتصادر الحريات، ونعتقد وبإيمان كامل ألا احد يستطيع أن يفرض أجندته الخاصة على أحد ما، ما لم يكن هذا (الأحد) مهيأ لذلك، حتى وإن حدث أمر كهذا ينبغي توجيه السهام للجهة التي ضعفت أمام المانح وسمحت له بالتأثير عليها، لا محاسبة المانح نفسه. وعليه نخلص للقول أن لخالد دينه في التعقيب ولنا ديننا في المقال، وليس ثمة رابط بين الأثنين، بل أن ما يُفرِّق أكثر مما يُجمِّع!
بيد أنني أعترف أن كل هذا لم يكن دافعي الحقيقي في هذا الرد، ذلك لأن الذي استفزني وحرضني بل جعل الدم يغلي في شراييني عبارة واحدة وردت في سياق نقده لاستمرار المنظمة السودانية لضحايا التعذيب ممارسة نشاطها استجابة لأجندة خارجية، إذ قال «رغم التحول الديمقراطي وانعدام شبهة التعذيب في السودان» فأن ينخرط خالد في نظام هذه العصبة فذلك شأن يعنيه، ولكن أن يروج لمزاعم تحول ديمقراطي وإنعدام شبهات التعذيب فذلك أمر يعنينا. ذلك لأنه كذبة بلقاء، وهذه ليست من بنات أفكاري نكاية في العصبة ونظامها، ولكنها أمر إعترف به وأقره (أتراك) العصبة نفسها وإن نفاها (المُتورك) الجديد! ففي بادرة غير مسبوقة على حد توصيف (الأحداث 1/9/2009) تقدم د. مندور المهدي أمين الأمانة السياسة بحزب المؤتمر الوطني «بالاعتذار لكل القوى السياسية جراء مواجهتها تجاوزات وتضييقاً في الحريات وحث الحركة الشعبية على إتاحتها في الجنوب وأضاف الحرية لنا ولسوانا» كذلك كشف السيد على عثمان طه أثناء مخاطبته المؤتمر الوطني الثالث للشباب (الصحافة 10/9/2009) عن أن «الأيام القادمة ستشهد اجراءات وترتيبات رسمية في اجهزة الدولة لمزيد من تعميق بسط الحريات وتهيئة المناخ للحوار السياسي المثمر المفيد» وهو قول يعني أن البون شاسع بين الواقع والتحول الديمقراطي على عكس ما إدعى خالد وروج له!
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر واتصالاً مع ذلك، لم أصدق عيناي ذات يوم وأن أشاهد لقاءاً جرى على شاشة الفضائية السودانية يوم 30/5/2009 على هامش مؤتمر الإعلاميين السودانيين بالخارج، وكان طرفاه د. خالد المبارك الملحق الإعلامي بسفارة السودان بلندن، والسيد سيف الدين عمر الملحق الاعلامي بسفارة السودان بواشنطن، والأخير على الرغم من انتمائه الأيدولوجي للعصبة الحاكمة، إلا أنه وللأمانة كان أكثر انفتاحاً وموضوعية في تناوله قضايا المؤتمر وذيولها، في الوقت الذي بدا فيها خالد متهافتاً ومزايداً بالحدبث عن الغرب ومؤامراته والمحكمة الجنائية وحبائلها، وأكثر ما أدهشني قصة رواها عن صحفي بريطاني شرح له ملابسات وجود صورة الرئيس البشير في مكتبه في حين لم تكن موجودة في زيارة سابقة لهذا الصحفي، وقال له إنه عندما يذهب إلى السودان الآن سيجد صورة السيد الرئيس في الشوارع والمكاتب والمنازل تعبيراً عن رفض الشعب لقرار المحكمة الجنائية الجائر، وعجبت لأن خالداً يعلم لو أن الصور المبثوثة دليل على محبة الناس وإلتفافهم حول قيادتهم لكان صدام حسين أو كميل سونغ أو ماو تسي تونغ قد كتب لهم الخلود في هذه الفانية!
كذلك بنفس المنطق الذي سبق وذكره خالد في أن المنظمات الغربية تفرض أجندتها على الذين تغدق عليهم المنح والهبات، لماذا لا نقول إن النظام الذي عين خالداً فرض عليه أجندته ثمناً، وهذه ليست فرية نسوقها في حقه، ولكنها إعتراف إنثال كما الماء الرقراق من حبر قلمه، فهو يوضح في مقال له على صفحات (الرأي العام 2/12/2007) حديث أدلى به لهيئة الاذاعة البريطانية حول ملابسات قضية المعلمة البريطانية جيليان جيبونز التي حوكمت بالسجن 15 يوماً، بالرغم من قوله أن التوضيح جاء على خلفية أن البعض أساء فهم تصريحاته، فتأمل قوله يا صاح «بإختصار - ما يقال للخواجات – يختلف عما يقال داخل السودان. والخط الاعلامي ليس اجتهاداً فردياً بل يعتمد على تشاور وتوجهات يتفق عليها لاحراز أفضل النتائج للوطن وتعزيز العلاقات السودانية البريطانية والحؤول دون أن يؤثر خطأ فردي ناجم عن الجهل على وشائج مهمة وحيوية» وهذا المقال تحديداً بدا لي أشبه ب (المانفستو) الذي قدم به خالد أوراق اعتماده لنظام العصبة ذوي البأس فهو يقول مروجاً لاطروحاتها «ما حرصت عليه هو ادراك الفرق بين الجمهور المتلقي الغربي (البريطاني) الذي نستهدفه وبين الخطاب للساحة السودانية المحلية، وهذا هو ما دفعني لأن اقول ما يبين زوايا قد لا تلتفت لها وسائل الاعلام الغربية» ثم لا يفتأ أن يمارس فعلاً برعت فيه العصبة تدليساً وتضليلاً «إن مجرد وجود المعلمة بالسودان دليل على أن بلادنا بها مدارس مسيحية أو مسيحية الادارة وأن المسلمين لا يرون غضاضة في أن يتعلم ابناؤهم وبناتهم بها وأن هذه المدارس لم تحرق أو تدمر بعد استقلال السودان وحتى يومنا هذا». واضاف «ذكرت ايضاً أن وجود جيليان جيبونز في السودان ناجم عن الاهتمام المتزايد باللغة الانجليزية وعن حرص حكومة الوحدة الوطنية على نعزيز مكانة اللغة الانجليزية كلغة تعليم وادارة مثل اللغة العربية، الامر الذي سوف يصب في مصلحة عملية التنمية والإنفتاح على احدث التقنيات العالمية. ذكرت أيضاً أن القانون الذي اعتقلت بموجبه المعلمة لم يفصل للمسلمين وحدهم بل يرمي إلى حماية وتوقير المسيحية واليهودية والاديان الأفريقية الارواحية» ولا تعليق!
إذاً للفساد ألف وجه، فالدكتور خالد المبارك لا يصنع الوهم وحسب وإنما يبعثره في الهواء الطلق مثلما بعثر التيجاني أموال المنظمة. مع فارق أن خالد يروج لمفاهيم العصبة من قلب الامبراطورية التي ينسب لها العالم الريادة في الديمقراطية اللبيرالية، ومن المفارقات المضحكة والمحزنة في آن معاً، بل كثير ما حيرتني كلما تأملتها، وهي أن د. خالد يجلس على ذات الكرسي الذي سبق وأن جلس عليه د. عبد الوهاب الأفندي، والمعروف أن الأفندي إنتبذ مكاناً طرفياً من عصبته، وهو إبن سرحتها وكادرها الذي تربى في كنفها، ومع ذلك لم يكتف بترك المنصب، ولم يؤثر الابتعاد فحسب، وإنما بدا يرسل لها شواظاً من لهب في مقالات راتبه ينتقد فيها سياساتها الخرقاء في القضايا المختلفة (بغض النظر عن مسؤوليته فيما سبق)، في حين نجد أن خالداً الذي تسنم ذات منصب الملحق الإعلامي، والذي استهلك جلَّ عمره كمثقف ليبرالي مناهض للثيواقراطية وحامل لواء العلمانية، يجد نفسه محمولاً على ظهر المشروع الظلامي ذاته ومدافعاً عنه ومروجاً له في الملمات...أليس هذا سوء المنقلب نفسه!!
عن (الأحداث) 13/9/2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.