رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    القوات المسلحة رصد وتدمير عدد من المسيرات المعادية ومنظوماتها بدقة عالية    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خالد المبارك: صناعة الوهم وترويجه! .. بقلم: فتحي الضَّو
نشر في سودانيل يوم 13 - 09 - 2009

تحت عنوان (فساد مالي في منظمة حقوق الإنسان) كتب د. خالد المبارك مقالاً على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 2/9/2009) معقباً على مقال لنا (الأحداث 9/8/2009) والذي سبقته ثلاث مقالات أيضاً، تناولت جميعها الأوضاع غير الطبيعية في المنظمة السودانية لحقوق الإنسان فرع القاهرة، والتي يرأسها د. محجوب التيجاني. ومن خلال بحثنا واستقرائنا توصلنا إلى أن هذه المنظمة لا وجود لها منذ العام 2003 إلا في مخيلة رئيسها المذكور، في حين أنه ظل يتلقى دعماً مالياً من عدة جهات ذكرنا منها بالاسم (صندوق دعم الديمقراطية) وهو مؤسسة أمريكية ناشطة في هذا الحقل. وبينَّا أن د. محجوب التيجاني تسلم نيابة عن المنظمة ما يزيد عن نصف مليون دولار من هذا الصندوق، وطالبناه ببساطة أن يبين للشعب السوداني المقهور، والذي تمارس المنظمة أنشطتها باسمه أوجه صرفها بشفافية مثلما هو معروف في مثل هذه الحالات. لكن التيجاني تدثر بصمت القبور، الأمر الذي حدا بنا إلى تحويل الملاحظة إلى اتهام صريح إمتثالاً لمقولة سائدة في الثقافة السودانية العامة، تؤكد أن (السكوت علامة الرضا) وهذا قد يعني أن تلك الأموال ضلت طريقها نحو مصارفها الطبيعية واستقرت في يد وجهتها نحو انشطة لا علاقة لها بالعمل الانساني الذي تدعيه المنظمة. وكنا قد ذكَّرنا التيجاني بأن المقال المشار إليه سيكون خاتمة المطاف لأن القضية بعده ستكون بين يدي مانح مقتدر، وهو الجهة التي بعثرت المنظمة السودانية – التي لا وجود لها على أرض الواقع – أموالها، بمثلما ضللت الذين توسموا فيها خيراً ومنحوها ثقتهم وتوخوا عدلاً وإنصافاً في قضاياهم!
في مقاله المشار إليه بدا لي أن د. خالد المبارك اشبه بشخص دخل الاستاد لمشاهدة مبارة لكرة القدم منذ انطلاق صافرة البداية، ولكن عندما أطلق الحكم صافرة النهاية إلتفت إلى جاره الذي يجلس بالقرب منه وسأله عن نتيجة المبارة! تجلي ذلك ابتداءاً في قوله «إن الجدل حول منظمة حقوق الانسان بين د. أمين مكي مدني والأستاذ فتحي الضو يثير قضايا كثيرة أوسع نطاقاً من تاريخ وحاضر المنظمة» ففي واقع الأمر لم يكن ثمة جدل يذكر بيني وبين د. أمين، فالذي حدث أن الرجل ادلى برأيه وشهادته من واقع مسؤوليته ونشر ذلك في ذات الصحيفة (الأحداث 17/8/2009) ولن يجرمنه شنآن إنتقاص خالد من قدره في مقاله المذكور. والحقيقة لم يكن خالد في حاجة لأن يتكيء على مقالي حتى يبين وجهة نظره، لا سيما، وأن الموضوع الذي تناوله يختلف تماماً عن القضية التي أثرتها، أي كان يمكنه أن يفعل ذلك دون مرجعية. فمن جانبي تحدثت تحديداً عن التجاوزات المالية المشار إليها في المنظمة السودانية فرع القاهرة ورئيسها التيجاني، في حين أن خالداً طفق يتحدث عن المنظمة السودانية لحقوق الانسان فرع لندن بصفة خاصة، وعن عمل المنظمات وأدوارها المشبوهة بصفة عامة. ومع ذلك كان يمكنني أن استحسن تناوله قضية فرع المنظمة المذكور لو أنه اتبع نفس الشفافية التي اتبعتها في تشخيص الأوضاع في المنظمة السودانية فرع القاهرة، وكان يمكنني أن أزيد من استحساني لو أنه هو نفسه خالد الذي ألهب ظهر هذا النظام بأقلام حداد، ولكنه يعلم أن شهادته الآن اصبحت مجروحه حتى لو أزكمت رائحة فساد تلك المنظمات أنوف البشر، فمن من ذا الذي يمكن أن يسمعه الآن بعد أن تبوأ منصباً في النظام الذي تناوئه المنظمات؟ ومن ذا الذي يمكن أن يسمعه بعد أن تماهى خطابه وخطاب النظام الذي سبق وناهضه؟ ومن عجب فقد أصبح بين عشية وضحاها مدافعاً ومروجاً لاطروحاته، وكأنه غير عابيء بالتناقضات المريرة التي إلتصقت بشخصه!
يعجب المرء اشد العجب في الغموض والابهام الذي لجأ إليه خالد، ذلك لأن الخندق الذي يأويه يحتم عليه أن يفصح بأقصى درجات الوضوح – إن لم يكن التشهير - عن الذين أصبحوا خصومه المفترضين، فهو على سبيل المثال يقول في ملاحظته الأولى إن اتهامات الفساد في المنظمة (فرع لندن) ليست جديدة وأنها سبق ونوقشت وأقترح البعض لجنة تحقيق برئاسته لكنها لم تقم «لأن البعض اعترض على اسمي» على حد تعبيره. ويزيد بلزوم ما لا يلزم ويقول إن الذي «زكَّاه لعضوية تلك اللجنة أسقط الحزب عضويته» ويتوغل أكثر في بحور غموضه ويقول «أعرف منظمة كانت لي بها صلة في التسعينات لا يزال على رأسها اليوم الشخص المؤسس – وله آراء جريئة حول أن قيادات الأحزاب السودانية لا تتغير ولا تستبدل إلا عند الوفاة!! فهو ينهي عن فعل ويأتي مثله ولا يضرب مثلاً في تعليم الممارسة الديمقراطية» ثم يجتهد في تفسير ماهية الظاهرة بقوله «ربما يكون السبب هو التمويل الخارجي السخي لأن المانحين يعرفونه شخصياً ويطمئنون إلى تقاريره (والتقارير هي أساس استمرار المنح) فبئس المثل الأسفل وليس الأعلى» فما الذي سيستفيده القاريء أو المراقب من هذه الطلاسم؟ ولا أدري ما الذي يدعوه على التستر على اسماء في قضية تتطلب قدراً كبيراً من الشفافية؟ كأنه لا يعلم أن الغموض سيضعف من مصداقيته حتى وإن كان مبرأ من شبهة الانتماء للعصبة أو الترويج لأفكارها!
أما النقطة الثانية التي شاء خالد التداخل فيها، قال إنها باختصار عن «علاقة المنظمات بالمانحين وأثر التمويل على النشاط، ودور المنظمات في التغيير الاجتماعي وتعلم الممارسات الديمقراطية التي تفتقدها معظم دول العالم الثالث» وضرب مثلاً بناشط تنزاني واقتبس منه قوله «يحدد الذين يمولوننا – بعدة وسائل مباشرة أو غير مباشرة – أجندة عملنا ويرسمون حدودها أو يغيرون مسارها» ثم يتساءل خالد قائلاً «والسؤال هو هل تختلف أهداف التمويل الأحنبي في تنزانيا عن أهدافه في السودان! هل رنين الدولار في دار السلام مختلف عن رنينه في دارفور أو شارع كذا بالعمارات بالخرطوم؟» ونمضي إلى ابعد من ذلك ونتفق معه في أن «تأثير المانحين على السياسات أمر لا يختلف عليه عاقلان» ولكننا نختلف معه في أن هذا الخطاب الذي يروج له خطاب ملغوم، وهو من صميم صنع العصبة ذوي البأس او السلطة الحاكمة في الخرطوم، ليس لأنها تنهي عن خلق وتأتي بأسوأ منه، ولكن لأن خالداً الذي تطابق خطابه وخطابها يتعمد طعن ظل الفيل ويتحاشى الفيل نفسه. وهنا ثمة تساؤلات نقتلعها من إحشاء عباراته سالفة الذكر، ونرجو أن يتأملها قبل أن يجيب عليها!
ترى ما الذي دفع المانحين للقدوم إلى بلد معين إن كان هدفهم التأثير على سياساته؟ هل ثمة بلد بعينه في خارطة هذا العالم التزم حدوده بالمعايير الدولية ومارس الديمقراطية بأطرها السياسية وحافظ على حقوق مواطنيه بالأسس الأخلاقية، وبعد كل هذا جاءه من يريد أن يؤثر على سياساته؟ ما الذي حدا بمواطني قطر معين للجوء للمنظمات المانحة ابتداءاً؟ لو أن بلداً معروفاً كان ينعم بنور الديمقراطية هل يمكن أن تجرؤ جهة ما لتفرض على منظماته أجندة خاصة في الظلام؟ أليست الأنظمة الديكتاتورية ومنها نظام العصبة ذوي البأس الذي يمثله سبباً في قدوم منظمات المانحين؟ أولم تكن ذات الأنظمة هي من ينطق بلسانين، حين تعلن حربها (الدنكيشوتية) على المنظمات في العلن وتبسط لها جناح الذل من الرحمة في الخفاء؟ لو كانت أنظمة السوء تلك تقوم بحقوقها كاملة تجاه مواطنيها هل يعتقد خالد أن المنظمات المذكورة ستخترقها أو توقع أبنائها المخلصين في شراكها؟ وما هي تلك الأجندة المزعومة التي تدعي أنظمة السوء أن المنظمات تسعى لتطبيقها وتكريسها؟ وهل أجندة حقوق الإنسان قضية كونية أم شأن قطري في الأصل؟ ألم يكن خالد يعلم أن دعماً سينهال على المنظمة السودانية لضحايا التعذيب عندما كان أحد مؤسسيها في كامبريدج العام 1993 كما أشار؟ هل كان يعلم أم علم بعد أن اعتلى سنام منصب الملحق الاعلامي أن دعماً كهذا سيؤثر على سياسات المنظمة؟ وهل أنظمة السوء هذه ليست لديها أجندة خاصة بها تؤثر في سياسات منظمات تستظل بظلها وتشملها برعايتها الكريمة؟ وما الفرق إذن بين الوطني والاجنبي إن كان للأثنين أجندة خفية؟ وبحسب قوله «إن منعة منظمات المجتمع المدني في تجذرها في المجتمع الذي تنتمي إليه» كيف يمكن لهذه المنظمات أن تتوخي دعماً وطنياً في ظل مناخ الاستقطاب الذي تمارسه أنظمة السوء تلك؟ وأخيراً وبنفس المنطق الذي ساقه من قبل، لابد وأن يتساءل المرء: هل رنين دولار المنظمات يختلف عن رنين دولار أنظمة السوء التي تجود به على منسوبيها حتى لو كان ذلك راتباً شهرياً؟
إننا نسوق كل هذه الحجج لتوضيح خطل المنطق الذي تروج له العصبة ذوي البأس وأصبح د. خالد المبارك بقدرة قادر حامل لوائه، ونعلم أن أنظمة السوء تفعل ذلك حتى يتسنى لها ممارسة هوايتها في انتهاك حقوق مواطنيها بعيداً عن أي عين راصدة أو يد مؤازرة، سيما، وأن موضوع حقوق الانسان قضية كونية، بحيث اصبح المساس بحقوق أي فرد في هذا العالم العريض يستدعي تداعي وسهر الكون كله، ولنا في قضية السيدة لبنى أحمد حسين أسوة حسنة حيث أجبر الاهتمام الدولي السلطة الحاكمة على حياكة سيناريو مفضوح للخروج من مأزق صنعته بيدها. وبناءاً عليه وعلى عكس ما ذهب خالد ليست لدينا أي تحفظات على الدعم الذي تقدمه المنظمات المانحة بشرط أن يذهب إلى مصارفه المحددة، وتمارس عليه الرقابة المفترضة، ويعلن على الملأ أوجه صرفه بشفافية كاملة. بل نرى أن ذلك الدعم واجب إنساني من باب التعاون في قضية كونية كما أشرنا، وفي ظل أنظمة قمعية وديكتاتورية تكمم الأفواه وتصادر الحريات، ونعتقد وبإيمان كامل ألا احد يستطيع أن يفرض أجندته الخاصة على أحد ما، ما لم يكن هذا (الأحد) مهيأ لذلك، حتى وإن حدث أمر كهذا ينبغي توجيه السهام للجهة التي ضعفت أمام المانح وسمحت له بالتأثير عليها، لا محاسبة المانح نفسه. وعليه نخلص للقول أن لخالد دينه في التعقيب ولنا ديننا في المقال، وليس ثمة رابط بين الأثنين، بل أن ما يُفرِّق أكثر مما يُجمِّع!
بيد أنني أعترف أن كل هذا لم يكن دافعي الحقيقي في هذا الرد، ذلك لأن الذي استفزني وحرضني بل جعل الدم يغلي في شراييني عبارة واحدة وردت في سياق نقده لاستمرار المنظمة السودانية لضحايا التعذيب ممارسة نشاطها استجابة لأجندة خارجية، إذ قال «رغم التحول الديمقراطي وانعدام شبهة التعذيب في السودان» فأن ينخرط خالد في نظام هذه العصبة فذلك شأن يعنيه، ولكن أن يروج لمزاعم تحول ديمقراطي وإنعدام شبهات التعذيب فذلك أمر يعنينا. ذلك لأنه كذبة بلقاء، وهذه ليست من بنات أفكاري نكاية في العصبة ونظامها، ولكنها أمر إعترف به وأقره (أتراك) العصبة نفسها وإن نفاها (المُتورك) الجديد! ففي بادرة غير مسبوقة على حد توصيف (الأحداث 1/9/2009) تقدم د. مندور المهدي أمين الأمانة السياسة بحزب المؤتمر الوطني «بالاعتذار لكل القوى السياسية جراء مواجهتها تجاوزات وتضييقاً في الحريات وحث الحركة الشعبية على إتاحتها في الجنوب وأضاف الحرية لنا ولسوانا» كذلك كشف السيد على عثمان طه أثناء مخاطبته المؤتمر الوطني الثالث للشباب (الصحافة 10/9/2009) عن أن «الأيام القادمة ستشهد اجراءات وترتيبات رسمية في اجهزة الدولة لمزيد من تعميق بسط الحريات وتهيئة المناخ للحوار السياسي المثمر المفيد» وهو قول يعني أن البون شاسع بين الواقع والتحول الديمقراطي على عكس ما إدعى خالد وروج له!
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر واتصالاً مع ذلك، لم أصدق عيناي ذات يوم وأن أشاهد لقاءاً جرى على شاشة الفضائية السودانية يوم 30/5/2009 على هامش مؤتمر الإعلاميين السودانيين بالخارج، وكان طرفاه د. خالد المبارك الملحق الإعلامي بسفارة السودان بلندن، والسيد سيف الدين عمر الملحق الاعلامي بسفارة السودان بواشنطن، والأخير على الرغم من انتمائه الأيدولوجي للعصبة الحاكمة، إلا أنه وللأمانة كان أكثر انفتاحاً وموضوعية في تناوله قضايا المؤتمر وذيولها، في الوقت الذي بدا فيها خالد متهافتاً ومزايداً بالحدبث عن الغرب ومؤامراته والمحكمة الجنائية وحبائلها، وأكثر ما أدهشني قصة رواها عن صحفي بريطاني شرح له ملابسات وجود صورة الرئيس البشير في مكتبه في حين لم تكن موجودة في زيارة سابقة لهذا الصحفي، وقال له إنه عندما يذهب إلى السودان الآن سيجد صورة السيد الرئيس في الشوارع والمكاتب والمنازل تعبيراً عن رفض الشعب لقرار المحكمة الجنائية الجائر، وعجبت لأن خالداً يعلم لو أن الصور المبثوثة دليل على محبة الناس وإلتفافهم حول قيادتهم لكان صدام حسين أو كميل سونغ أو ماو تسي تونغ قد كتب لهم الخلود في هذه الفانية!
كذلك بنفس المنطق الذي سبق وذكره خالد في أن المنظمات الغربية تفرض أجندتها على الذين تغدق عليهم المنح والهبات، لماذا لا نقول إن النظام الذي عين خالداً فرض عليه أجندته ثمناً، وهذه ليست فرية نسوقها في حقه، ولكنها إعتراف إنثال كما الماء الرقراق من حبر قلمه، فهو يوضح في مقال له على صفحات (الرأي العام 2/12/2007) حديث أدلى به لهيئة الاذاعة البريطانية حول ملابسات قضية المعلمة البريطانية جيليان جيبونز التي حوكمت بالسجن 15 يوماً، بالرغم من قوله أن التوضيح جاء على خلفية أن البعض أساء فهم تصريحاته، فتأمل قوله يا صاح «بإختصار - ما يقال للخواجات – يختلف عما يقال داخل السودان. والخط الاعلامي ليس اجتهاداً فردياً بل يعتمد على تشاور وتوجهات يتفق عليها لاحراز أفضل النتائج للوطن وتعزيز العلاقات السودانية البريطانية والحؤول دون أن يؤثر خطأ فردي ناجم عن الجهل على وشائج مهمة وحيوية» وهذا المقال تحديداً بدا لي أشبه ب (المانفستو) الذي قدم به خالد أوراق اعتماده لنظام العصبة ذوي البأس فهو يقول مروجاً لاطروحاتها «ما حرصت عليه هو ادراك الفرق بين الجمهور المتلقي الغربي (البريطاني) الذي نستهدفه وبين الخطاب للساحة السودانية المحلية، وهذا هو ما دفعني لأن اقول ما يبين زوايا قد لا تلتفت لها وسائل الاعلام الغربية» ثم لا يفتأ أن يمارس فعلاً برعت فيه العصبة تدليساً وتضليلاً «إن مجرد وجود المعلمة بالسودان دليل على أن بلادنا بها مدارس مسيحية أو مسيحية الادارة وأن المسلمين لا يرون غضاضة في أن يتعلم ابناؤهم وبناتهم بها وأن هذه المدارس لم تحرق أو تدمر بعد استقلال السودان وحتى يومنا هذا». واضاف «ذكرت ايضاً أن وجود جيليان جيبونز في السودان ناجم عن الاهتمام المتزايد باللغة الانجليزية وعن حرص حكومة الوحدة الوطنية على نعزيز مكانة اللغة الانجليزية كلغة تعليم وادارة مثل اللغة العربية، الامر الذي سوف يصب في مصلحة عملية التنمية والإنفتاح على احدث التقنيات العالمية. ذكرت أيضاً أن القانون الذي اعتقلت بموجبه المعلمة لم يفصل للمسلمين وحدهم بل يرمي إلى حماية وتوقير المسيحية واليهودية والاديان الأفريقية الارواحية» ولا تعليق!
إذاً للفساد ألف وجه، فالدكتور خالد المبارك لا يصنع الوهم وحسب وإنما يبعثره في الهواء الطلق مثلما بعثر التيجاني أموال المنظمة. مع فارق أن خالد يروج لمفاهيم العصبة من قلب الامبراطورية التي ينسب لها العالم الريادة في الديمقراطية اللبيرالية، ومن المفارقات المضحكة والمحزنة في آن معاً، بل كثير ما حيرتني كلما تأملتها، وهي أن د. خالد يجلس على ذات الكرسي الذي سبق وأن جلس عليه د. عبد الوهاب الأفندي، والمعروف أن الأفندي إنتبذ مكاناً طرفياً من عصبته، وهو إبن سرحتها وكادرها الذي تربى في كنفها، ومع ذلك لم يكتف بترك المنصب، ولم يؤثر الابتعاد فحسب، وإنما بدا يرسل لها شواظاً من لهب في مقالات راتبه ينتقد فيها سياساتها الخرقاء في القضايا المختلفة (بغض النظر عن مسؤوليته فيما سبق)، في حين نجد أن خالداً الذي تسنم ذات منصب الملحق الإعلامي، والذي استهلك جلَّ عمره كمثقف ليبرالي مناهض للثيواقراطية وحامل لواء العلمانية، يجد نفسه محمولاً على ظهر المشروع الظلامي ذاته ومدافعاً عنه ومروجاً له في الملمات...أليس هذا سوء المنقلب نفسه!!
عن (الأحداث) 13/9/2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.