سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خواطر من وحي العيد .. بقلم: محمد فقير تورنتو
نشر في سودانيل يوم 18 - 09 - 2009


Mohamed fageer [[email protected]]
أما رمضان فهو رمضان، يَهل عليك في كل عام بطعمه الخاص والفريد ..
وحتي من لا يصوم رمضان يحبه .. ويستحلي طقوسه .. ويجد فيه تغييراً من رتابة باقي شهور العام وهو رمضان حتي لو جاء في آب (الليل فيه ساعة ::: ونهاره يوم الحساب) كما قال ابن الرومي
لا يتساءل فيه الناس كيف جاء ولم جاء .. إنما يستعدون للقياه بالحب والعزيمة .. وشهية مفتوحة ..
تمر باقي شهور العام بطريقة روتينية لا يحس الناس فيها بالوقت كإحساسهم به في رمضان ..
يمر اليوم .. ربما ثقيلاً بعض الشئ .. بين إحساس مختلط ما بين الجوع والعطش و(خرمة) المكيفات ..
وما أن يقترب الإفطار حتي يشعر كل واحد أنه إنتصر علي نفسه .. أو علي الوسواس الخناس ..
وكلما مر يوم .. كلما كبر ذلك الإحساس بالإنتصار .. حتي ينقضي الشهر ويهل العيد ..
وأما العيد فأمره مختلف .. فالعيد يوحي بالتأمل ويغري بالتساؤل .. يتأرجح بك بين السعادة والحزن ..
وأصل العيد ما اعتادك من هم وشوق .. قال الشاعر (والقلبُ يعتادُه من حُبّها عيدُ)..
وعلي ذلك كان تساؤل ابوالطيب (عيدٌ بأيةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ==== بما مضي أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ)؟؟
منذ أن أطلقه الأستاذ فهو سؤال حي .. ينظر إليه الأعمي ويسمعه من به صمم .. وينقله جيلٌ الي جيل ..
سؤال يتحاوم في أذهان الناس .. وفوق رؤوسهم .. يطفو علي ذاكرتهم .. قالوه جهراً أو سراً ..
العيد يوقظ في الناس الشجون، يفتقد فيه الناس بعضهم البعض ..يتزاورون ويتصافحون ويتسامحون ..
يغمرهم فرح جميل .. والفرح الجميل دائماً مغلف بحزن نبيل ..
ذلك الحزن النبيل هو الذي يملأ قلوب الناس وداً وتسامحاً ...
في العيد يفتقد الناس موتاهم ... يفتقد الناس مغتربيهم .. يفتقد الناس كل من هو بعيد ..
ثلاثون عاماً منذ أن شهدت إحتفالات العيد في قريتي في شمال السودان ...
ثلاثون عاماً ... يااااااااه ... ياله من عمر طويل ..
ثلاثون عاماً وأنا أعيّدْ في المرافئ البعيدة الغريبة ..
ثلاثون عاماً وأنا أستيقظ في صباح العيد فلا أجد نفسي بين أهلي وعشيرتي
إستيقظت ذات صباح عيد فوجدت نفسي في الخرطوم
وإستيقظت ذات صباحات أعياد أخري ووجدت نفسي في الرياض
إستيقظت ذات صباح عيد فوجدت نفسي في باريس
وإستيقظت ذات صباح عيد ووجدت نفسي في القاهرة
وإستيقظت ذات صباح عيد ووجدت نفسي في مطار روما
وإستيقظت ذات صباح عيد ووجدت نفسي في أديس أبابا
وإستيقظت ذات صباح عيد ووجدت نفسي في شيكاقو
وإستيقظت ذات صباحات أعياد كثيرة ووجدت نفسي في تورنتو ..
تورنتو التي إتخذتها سكناً دون مدن الأرض ومازلت أتساءل لماذا فعلت ذلك ..
كل تلك الصباحات العيدية الكثيرة لا تساوي صباح عيد واحد شهدته في مسقط رأسي ..
في قرية صغيرة تتكون من سبعة أو ثمانية بيوت إسمها (قبة) ..
في شياخة صغيرة إسمها (شَبّة) .. في جزيرة في شمال السودان إسمها بدين ..
هناك بين والديّ وأخوتي .. بين عماتي وخالاتي ..
هناك كان العيد له طعم شهيٌ بهيٌ حيي .. له طعم جديدٌ مديدٌ سعيد ..
كل صباح عيد يطرق أسماعي صوت إحداهن وهي تهنئ في نبرة ملؤها الإخلاص
Koreegon aaja nalana
Salmayeenta saleemayeentan
Gem ingalg hawlingalag
Bitani onigoodani onna geegintan
Odi wayini weeri jammini
Afian koreiayeentan malleedo keroragam
(عيد سعيد وعمر مديد لكم ولأطفالكم .. وتمنياتي بزيادة الخلفة .. وشفاء المريض .. وعودة البعيد ..
يعود عليكم العيد بالصحة والعافية عاماً بعد عام .. وحولاً بعد حول ..)
تلكم تهنئة العيد .. كما كنت أسمعها ..
تلك كانت في سنين العمر الفرحة المرحة .. المليئة بالتفائل ..
لم أكن قد عشت ما عشت .. ولاجربّت ما جربّت .. ولا رأيت ما رايت .. ولا قلب لي الزمان ظهر المجن ..
كان ذلك قبل أن يماطلني زماني ما منيت نفسي به من أمال .. كما ماطل العباسي من قبل ..
حين كان (العود أخضر .. والأيام مشرقة .. وحالة الأنس تغري بي وتغريني)
كان ذلك قبل أن أعرف أن (الدنيا بتهينك والزمان يوريك===وقِلّ ْالمال يفُرْقَكْ من بنات واديك)
في ذلك الوقت لم تكن المدن البعيدة من أحلامي .. ولا كانت الهجرة من خواطري ..
لم يكن المتنبي من معارفي ...ولم يكن شِعره من معلوماتي .. ولم أكن (قلقاً كأن الريح تحتي) ..
أمّا الآن فأين المفر من كل ما كان !؟ أين المفر من كل ما تراكم !؟ أين المفر من لواعج الذكري وتباريح الحنين ..
*لَم يَترُكِ الدَهرُ مِن قَلبي وَلا كَبِدى==== شَيئًا تُتَيِّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ
*يا ساقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما ==== أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهيدُ
*أَصَخرَةٌ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني ==== هَذي المُدامُ وَلا هَذي الأَغاريدُ
*إِذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَونِ صافِيَةً ==== وَجَدتُها وَحَبيبُ النَفسِ مَفقودُ
*ماذا لَقيتُ مِنَ الدُنيا وَأَعجَبُهُه ==== أَنّي بِما أَنا شاكٍ مِنهُ مَحسودُ
هكذا قلتَ فرددتْ صدي قولك القلوب .. هكذا قلتَ فكان قولك مورداً للنفوس .. وها أنا أجد في قولك العزاء .. ها أنا أتساؤل اليوم ماذا لقيتُ من الدنيا ؟ .. أشتكي من غربتي .. وأعاني من بُعدي .. هذه الغربة اللعينة ليست أكثر من سترة حال .. أتجرع فيها كؤؤس الهم والتسهيد .. وفيها ما فيها من كُميت اللون أصناف صافية وممزوجة.. بيضاء وحمراء وصفراء، ودون ذلك وفوق ذلك مختلف ألوانها..( لا تنزل الأحزان ساحتها=إن مسّها حجرٌ مسّتْه سراءُ ) .. لها في هذه المنافي بيوت وصالات .. وأديرة وحانات .. ومقاصد ومقامات .. مبذولة لشاربها .. تسمي بآلائها وأحسن أسمائها .. من نسل الكرخية والأندرينا .. من الصهباء والحميقاء.. من أم ليلي والسلافة والمُشَعشَعة .. من البكر والشمول والراح .. من كل مدامة للأغتباق والأصتباح .. من مثل (المعتقة منذ دهرٍ في جرار:::ختموها بالأفاويه وكافور وقار) .. ومن بنات العنب زجاجات لهن هدير .. مثل التي أذهلت الأخطل .. فخرج يجر الذيل تيهاً كأنه علي أمير المؤمنين أمير .. من كل (قهوة تأتيك قبل مِزاجِها عُطلاً :: فيُلبسها المِزاجُ وشاحا) .. كل تلك متوفرة في المنافي .. تناولك إياها ممشوقات القد .. يسقينك من اليد خمراً ومن الفم خمراً فما لك من سكرين من بد .. كما لم يكن للحسن بن هانئ من بد .. كل ذلك لا يسلي ولا يفيد .. كل ذلك كان لي قبل هذا اليوم فيه هويً أطيعه وحديثٌ ذو أفانين .. كل ذلك كان في زمن مضي وعمر إنقضي .. وأنت يا سيد الشعراء لماذا سقتني إلي كل ذلك .. هلاّ حدثتني الآن بحديث آخر ..
مَا لَنَا كُلُّنَا جَوٍ يا رَسُولُ==== أنَا أهْوَى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
كُلّما عادَ مَن بَعَثْتُ إلَيْهَا ====غَارَ منّي وَخَانَ فِيمَا يَقُولُ
وَإذا خامَرَ الهَوَى قَلبَ صَبٍّ==== فَعَلَيْهِ لِكُلّ عَينٍ دَلِيلُ
زَوِّدينَا من حُسنِ وَجْهِكِ ما دامَ=== فَحُسنُ الوُجوهِ حَالٌ تحُولُ
وَصِلِينَا نَصِلْكِ في هَذِهِ الدّنيَا===فإنّ المُقَامَ فيها قَليلُ
نَحْنُ أدْرَى وَقد سألْنَا بِنَجْدٍ ====أطَوِيلٌ طَرِيقُنَا أمْ يَطُولُ
وَكَثيرٌ مِنَ السّؤالِ اشْتِيَاقٌ==== وَكَثِيرٌ مِنْ رَدّهِ تَعْليلُ
لا أقَمْنَا عَلى مَكانٍ وَإنْ طَا بَ ===وَلا يُمكِنُ المكانَ الرّحيلُ
أما أنا فأقيم بالمكان إن طاب .. وآلفه إن ألِف .. ربما مللته .. ربما رحلت عنه .. وسافرت منه ..
إلاّ انني أعود إليه .. وأقيم في ربوعه وكأنني ولدت به .. علي أن إحساس المقيم ذاك لا يدوم صافياً ..
إذ يبرق أمامي مكان آخر .. أشتاق له وأحن إليه .. مكان آخر يطوف في خاطري .. يلوح أمام ناظري ..
هو دار أبي .. التي إن دخلتها كنتُ آمناً .. ولكن أين مني دار أبي .. وأين مني الأمان .. منذ أن فارقت دار أبي فارقني الأمان .. قطعت البوادي وعبرت المحيطات .. فقط لأكتشف أن ما جئت أبحث عنه تركته ورائي هناك ..
* أمّا الفِراقُ فإنّهُ ما أعْهَدُ ==== هُوَ تَوْأمي لوْ أنّ بَيْناً يُولَدُ
* ولَقَد عَلِمْنا أنّنا سَنُطيعُهُ ==== لمّا عَلِمْنَا أنّنَا لا نَخْلُدُ
* وإذا الجِيادُ أبا البَهِيِّ نَقَلْنَنا=== عَنكُم فأرْدأُ ما ركِبتُ الأجوَدُ
* مَن خَصّ بالذمّ الفراقَ فإنّني== مَن لا يرَى في الدهر شيئاً يُحمَدُ
هذا رحمك الله شعر مجيد .. وقول فريد .. فرغم أن (البيْن) لايولد إلاّ أنه يصبح توماً للأنام .. يصطفي منهم من يشاء .. يتخير منهم من يريد .. ثم يلازمهم ملازمة الظل .. فلا يجدون منه فكاكاًً .. يذهب في فنون التفريق مذاهب، يمعن في القسوة .. ويبالغ في التجريح .. ولا يملك المرء الاّ الطاعة والإذعان .. وأنا لم تنقلني عن الأحبة تلك الجياد التي نقلتك .. ولم أقطع المسافات بالأيام والليالي .. ولم أعاني وعثاء السفر وكآبة المنظر .. ولم أصل الي محطتي أشعث أغبر .. إنما إنتقلت الي هنا بالسيارات المكيفة .. والنفاثات الفارهة .. ولم تغني عني ذلك شيئاً .. ومثلما كانت جيادك أردأ ما ركبتَ لأنها أبعدتك عن الأحبة، فإن النفاثات أردأ ما ركبتُ أنا .. فهي لم تفعل شيئاً غير أنها أبعدتي عن دار أبي .. ومنازل قومي .. عن أغنام أمي ودجاجها وحَمَامها .. عن مزرعة جدي التي أطعمتني.. و(أزيار) جدتي التي روتني .. عن شجرة اللالوب التي ظللت طفولتي .. عن تل الرمل الذي إرتميت فيه في ليالي القرية المقمرة .. عن أشجار النخيل التي تحف بيتنا الطيني الوديع .. عن الجدول وصوت البربخ .. عن الجامع والخلوة وصوت المؤذن .. عن شقاوة أطفال القرية .. عن مراتع الصبي ومرابع اللهو ..
*أتي الزمانَ بنوه في شبيبته === فسرّهم وأتيناه علي الهرم
إن قلت هذا قبل أكثر من 1000 عام فماذا أقول أنا .. هل جئت أنا الي الدنيا في (الزمن الضائع) ..
هل جئتها والزمان (شرم برم) .. هل جئتها وهي (فرندقس) أم جئتها وهي (دبنقة)
وكيف لي أن أعبر عن زماني إلاّ بمفردات لا تفهمها .. هي مفردات العصر ..
1000 عام يا صاحبي ..ألفية كاملة .. تبدلت فيها الدنيا .. تبدلت فيها المفردات .. تبدلت فيها المعاني ..
تبدل فيها الشعر كله .. هذا زمان ردئ .. أصابت رداءته حتي الشعر فأصبح حديثاً وحراً ومبتذلاً وركيكاً ..
ولكن لا عليك .. أسمِعني مما قلت .. وما أحسن ما قلت .. العزاء كل العزاء فيما قلت ..
لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ ==== أقفَرْتِ أنْتِ وهنّ منكِ أواهِلُ
يَعْلَمْنَ ذاكَ وما عَلِمْتِ وإنّمَا ==== أوْلاكُما يُبْكَى عَلَيْهِ العاقِلُ
كم وقْفَةٍ سَجَرَتكَ شوْقاً بَعدَما==== غَرِيَ الرّقيبُ بنا ولَجّ العاذِلُ
إنْعَمْ ولَذّ فَلِلأمورِ أواخِرٌ==== أبَداً إذا كانَتْ لَهُنّ أوائِلُ
ما دُمْتَ مِنْ أرَبِ الحِسانِ فإنّما ==== رَوْقُ الشّبابِ علَيكَ ظِلٌّ زائِلُ
للّهْوِ آوِنَةٌ تَمُرّ كأنّهَا ==== قُبَلٌ يُزَوَّدُهَا حَبيبٌ راحِلُ
جَمَحَ الزّمانُ فَلا لَذيذٌ خالِصٌ==== ممّا يَشُوبُ ولا سُرُورٌ كامِلُ
نعم.. أقفرت منازل قريتنا.. ديارٌ حوت طفولتنا وصبانا .. شهدت حكاوينا وغرامياتنا .. وحبنا الأول .. أقفرت كما أقفر علي عُبيْدٍ من أهلهِ ملحوبُ .. أراها من هنا .. من هذا البعد السحيق .. أراها مرة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد .. كما لاحت لطرفة ببرقةِ ثهمدٍ .. أو كما لاحت للحارث ببرقة شمّاءُ ورياضُ القطا والإبلاءُ .. لا أري من عهدتُ فيها فأبكي .. ولا يُحيرُ البكاءُ.. وأراها مرة أخري كما رآها إمرؤ القيس بسقط اللوي بين الدخول فحومل .. وأراها مرة ثالثة بعين زهير .. فتبدو كديار الرقمتين .. مراجيع وشم في نواشر معصم، ولأياً عرفت الدار بعد توهم .. وأكاد أشكو إليها وأكلمها، أكاد أسمع صوتها كما فعل ذوالرُمُّة غيلان
وأراها مرة رابعة كما رآها الشريف الرضي .. ومثلما فعلَ قلبه .. تلفتَ قلبي .. وما زال يتلفت ..
*و لقد مررتُ على ديارهم ==== و طلولِها بيد اْلبلى نهبُ
*فبكيتُ حتى ضجّ من لغبٍ ==== نضوي و لجّ بعذليَ الركبُ
*و تلفتَتْ عيني فمذ خَفيتْ === عني الطلولُ تلفّت القلبُ
أقفرت كما أقفرت ديار بالجواء علي عنترة بعد أم الهيثمِ .. وعفت كما عفت ديار لبيد في مني بحمي ضرية ومدافع الريان .. وأقوت كما أقوت دارَ ميّة علي النابغة بالعلياء والسند .. فوقف فيها أصلاناً يسائلها فعيَتْ جواباً فما بالربع من أحد .. وقفَتْ منازلنا خاوية علي عروشها .. هاجر منها من هاجر شرقاً .. وهاجر منها من هاجر غرباً .. وهاجر منها من هاجر من الدنيا الفانية .. أقفرت تلك المنازل .. ولكن لها في قلوبنا منازل آهلة بذكراها .. مليئة بالشوق إليها .. فاض بها الحنين .. وطال بها الشجن .. وكيف لا .. فبها مسقط الرأس .. وذكريات الأمس .. رونق الشباب وموطن الأحباب .. حين كان للحسان فينا إرب .. ولنا فيهن مثل الذي لهن .. وأكثر .. ولكنك تقول يا سيد القول أنّ للأمور أواخر كما كانت لهن اوائلْ .. وللهو آوانة تمر كأنها قُبَلٌ يزُوّدُها حبيبٌ راحلْ .. نعم .. ذاك يا سيدي طبع الزمن .. وسنة الحياة .. وشيمة الدهر .. وما الدهر!! ماذا قلتَ ؟؟ .. وكيف قلتَ ؟؟ ..
*وما الدهرُ إلاّ من رواة قصائدي ==== إذا قلتُ شعراً أصبح الدهرُ منشدا
*فسار به من لا يسير مُشمراً ==== وغَني به من لا يغني مُغردا
* أجِزْني إذا اُنشِدْتَ شعراً فإنما ==== بشِعِري أتاكَ المادِحونَ مُردّدا
* ودَعْ كُلّ صوتٍ غيرَ صوتي فإنني===أنا الصائِحُ المَحْكيُ والآخرُ الصدي
تماماً كما أفعل الآن .. أسير بشِعركَ مشمّراً .. ولكنه سير كسير الكسيح .. وشَمَرٌ واهٍ ضعيف .. كبيت العنكبوت ..
وأغّني بشِعركَ مغرّداً .. ولكنه غناء كغناء النائح .. لم يلجئني إليه إلاّ الحزن والشجن .. إلاّ الغربة والأسي ..
كيف لم أتخير من شعر الأستاذ إلاّ ما تخيرت .. وهل كان لديه شعر فيه فرح وسعادة .. هل كان لديه شعر فيه مرح وفكاهة .. أما كان صوته جريحاً .. ولحنه حزيناً .. وقلبه مفجوعاً .. ألم يكن شعره ممتعاً في المدح .. منصفاً في الرثاء .. ممعناً في الهجاء .. مات المتنبي في اليوم الثامن والعشرين من رمضان .. فجاء العيد بعد يومين من وفاته ..ذلك العيد كان يحمل الجديد من أمر الدنيا .. فقد مات مالؤها وشاغل الناس فيها .. قُتل فارس الشعر الأبيّ علي مشارف بغداد .. فتك به قاطع طريق إسمه فاتك بن أبي جهل الأسدي .. وما أورده الردي إلاّ قصيدة هجا بها إبن أخت فاتك، ضبة بن يزيد، هكذا قضي نحبه علي أعتاب شعره .. أودع الزمان قصائدَ من عيون عيون الشعر .. ونام قرير العين للأبد .. وما زال الدهرُ يروي قصائده .. ومازال الخلق يختصم في شعره وبشعره .. فهو الخصم في الشعر والحكم.
وكل عام وأنتم بخير


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.