بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي - لندن القراء الأعزاء من علي البعد يعيش سودانيو المهاجر مع أهلهم وأحبائهم من الجيران والصحاب الحياة حلوها ومرها وتنعقد ألسنتهم مع أهليهم كل يوم بل كل دقيقة وثانية من مرارة الغلب والفقر والغلاء وصعوبة الحصول علي الغذاء والدواء. فالأيام دول والتاريخ يعيد نفسه في بلد كتب الله علي أهلها الشقاء وعلي شبابها عماد المستقبل البطالة والفناء وللشيوخ الهرمين العاجزين الهيمنة و البقاء. بمناسبة عيد الأضحي أحجم هذه السنة (مضرباً) عن إرسال المبلغ الذي اعتدت إرساله سنوياً للأشقاء في الخرطوم لكي ينوبون عني وينحرون خروف الأضحية ، أضرب مشاركاً بذلك أهلنا الذين تحرم عليهم الذبيحة هذه السنة العجفاء. أعيِّد عليكم أعزائي القراء وأهديكم كلمات رسالة حقيقية مؤثرة (أدناه) جاءتني وأنا اعمل وقتها طبيباً مبتدئاً بدولة الإمارات العربية المتحدة. أترك لكم المقارنة والحكم وكل عام وأنتم بخير: رسالة من الشيخ محمد أحمد عبدالله (وصلتنى فى آخر سنوات حكم النميرى للسودان) بسم الله الرحمن الرحيم 17/2/1983 إبنى عبدالمنعم ... إليكم تحية طيبة ناشئة من قلب لا شبهة فى صدق عطفه ودوام إشتياقه وأرجو أن تكون بعافية ونحن بحمد الله بعافية وإن كتابك وصلنى ومعه مبلغ 15000 بواسطة الإبن سيف الدين مع والدك عند قدومه من الخرطوم وعلمت أنه إلتقى بك وأنى شاكر على ما قدمته من عون وقد جاء فى وقت إشتطت فيه عوامل غلاء الأسعار حتى كادت تضع المتصرف مكتوف الأيدى حاير الفكر وشكّل المبلغ إنقاذاً للموقف أسأل أن يديم عونه عليكم وعلينا. إن تفهمك للحالة الراهنة يبرهن على الإرتباط والتفاهم في صميم الحياة وتلك مرتبة تقدر لك وتدل على مباشرة الحياة بموازين دقيقة ووضوح ملتزم ولا بأس أن نعتبر هذه الرسالة جلسة للأنس وشرح الأحوال. فنحن منذ حضورنا من بورتسودان نعيش بتحفظ في حدود المرتب بعد أن يئسنا من وفر فيه وظلت زيادات الأسعار تلاحقه بمعدل %20 إلى %30 إلى %50 إلى %100 وفى السنتين الأخيرتين أصبح لا يغطى إلا لقمة العيش مجردة عن أى شئ من الكماليات. منذ شهر أغسطس الماضى إبتدأنا نكمل من مدخر الطوارئ التى لا تعفى الإنسان ولا تضرب معه موعد كطوارئ "المرض والأحداث" التى لا يتوقعها الإنسان. منذ ثلاثة أشهر عقدنا جلسة مجلس شعب "منزلى" إشتركنا فيه صغاراً وكباراً وعرضت فيه الميزانية "بشقيها" الدخل والصرف ونوقشت بصراحة ووضوح. تبين أنها لا تكفى إلا للمواد التى تكفل الكسرة بالملاح بالطريقة البلدية القديمة وكان ذلك بعد أن جهزنا للإبن فيصل عند قبوله بالجامعة ما إستطعناه بعد الإقناع والإقتناع تم التخطيط كالآتى لا يصرف شئ من المدخل إلا للملابس الضرورية كمعايشة للواقع يحول مرتب اللحم من ضانى إلى بقرى ليُوَفِّر الفرق بينهما يحدد الخضار أربعة أيام خضار وثلاثة ويكة فى الأسبوع يحذف نصف المرتب من اللبن ليكون شاى اللبن فى الصباح فقط أترك أنا وجبة الفطور لتساعد فى فطور الأولاد فى المدارس وأكتفى بوجبتي الغداء والعشاء. يحذف ترحيل البنات بالعربات للمدرسة وليساعد فى ترحيلات سامر إلى المدرسة الثانوية. يحذف البن وتترك القهوة نهائياً والقليل من الطحينية والرز الذى كان مرتباً بذلك تكون الميزانية بحساب المليم تنحصر فى الذرة الزيت واللحمة والخضار والرغيف والشاى والوقود ولا تزيد على ذلك هذه صورة واقعية لحياة الفرد الذى يعيش على المرتب فى البلد. أما موضوع الأرزاق فهو غيب عند الله ومحدد بطريقة لا دخل للإنسان فى أمرها. أما فيصل "إبننا" فقد أخبرنى أن الإبنين الصادق وسيف الدين تعهدا له بما يلزمه من مصاريف الدراسة فى الجامعة. وقد إقتضى قبوله "بمصاريف" حرمانه من إعانة الطالب بالجامعة فأسأل الله أن يجزيهما خيراً وأن يعينهما في أمور دينهما ودنياهما وأن يعين فيصل في طريقه ونسأل الله له التوفيق حتى يقطع الشوط. سيكون "سامر" فى الإمتحان الأخير فى العام القادم "وهدى" فى إمتحان العالى هذا العام وهم مجتهدون ومن الله التوفيق. سامر سيقدم للجامعة كما يذكر ونُسَيْبَة منقولة لثانية عام أرجوألا تزعجك هذه القصة واعتبرها جلسة أنس ولا بأس ولا عار أن تعلم ما نحن عليه فإنه إن سترعلى غيرك فلا غضاضة فى شرحه لك والإطمئنان بما عند الله متوفر بحمد الله والإنسان يقرب كل يوم من النهاية ولا يفوته شئ من رزق ولا يدرك غيره فقط. المهم أن نسأل الله جميعاً أن يتولانا ويتولى الأولاد من بعدنا وأن يسترنا بستره فى الدنيا والآخرة وأن يجمع على الخير فى أوقات الهناء وإنى والله ملتزم بالدعاء لكم جميعاً كل ليلة تمر أسأل الله أن يتقبل ويمن بالإجابة وذلك منذ عهد بعيد وإن ما مضى من القصة هو أنس الوالد مع ولده لا خوفاً من آت ولا شكوى من ماض أو حاجز فقد علمتنا مدرسة الدهر الكثير من البراهين والدلائل ما يصبح ذخراً لمواجهة أي حالة البلد هنا تسير على غير قاعدة ويصبح الإنسان فى مسابقه للحصول على حبة البنضورة بريال وشقة القرع بخمسين قرشاً والرغيف بالصف والمكابسة، وفنجان الويكة بعشرين قرش والهيصة كبيرة جداً هنا. أطلت عليكم فتحياتى ختام وإلى اللقاء تقبل تحيات سامر وإخواته ووالدتهم وبلغ تحياتى وأشواقى لمولانا الطاهر أحمد الطاهر وأنى لا أنسى الفترة التي جمعتنا سابقاً وقل له "تحصَّل لى على عقد عمل وسأوكل من ينوب عنى فيه "وليعتبرها نكتة" والدكم محمد أحمد عبدالله توضيح : مولانا الشيخ الطاهر أحمد الطاهر كان وقتئذ قاضى سوداني شرعى يعمل بمحكمة رأس الخيمة - الأمارات العربية المتحدة. كاتب الرسالة توفي بعد سنتين من تخريج إبنه فيصل - كلية الطب بجامعة الخرطوم. وفي نفس الشهر من السنة التي تلت وفاة الوالد يلحق الطبيب الشاب فيصل بوالده فتنطفئ شمعة وقّٓادة وتظلم الدنيا كلها في عيني أمه المكلومة بل وبقية أفراد الأسرة الممتدة. الأسماء الحقيقية في الرسالة أعلاه كانت لأشخاص عفيفين يعملون بجد في وظائف الخدمة المدنية ذات الأهمية والمسؤولية المباشرة .... يصدقون في قولهم وفعلهم وقط كانوا لا يسرقون ولا يتجسسون أو يتحسسون.... تحسبهم أغنياء من التعفف .....كانوا أهل جنة عاشوا علي الأرض الخراب فصبروا عليها إلي أن صعدوا شرفاء إلي السماء، لقد بدلتها قصداً بأسماء وهمية وحذفت أسماء الأماكن المعروفة داخل السودان .... أما كل كلمات الرسالة فهي نفسها التي خطها يراع والد الدكتور فيصل. اللهم أرحمهما وأرحم اهل السودان جميعاً إنك سميع مجيب الدعاء. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي [email protected]