الدفع بالدولار .. تعرّف على الأماكن المرغوبة لشراء العقارات بالخرطوم وخيارات المغتربين    الأهلي شندي يعود للتدريبات بقوة    طعن فى جمعية هلال الساحل.وسحب الثقة .واللبيب بالاشارة يفهم …    بعثة المنتخب تودع الخرطوم متوجهة إلى المغرب    الدفع بالدولار .. تعرّف على الأماكن المرغوبة لشراء العقارات بالخرطوم وخيارات المغتربين    تنفيذ برنامج الرماية التدريبي لقوة حفظ الأمن بدارفور    الدفاع المدني يحتوي أكبر حريق في ميناء سواكن    ابراهيم جابر يختتم زيارته لكل من جمهوريتي الغابون وغانا    البرهان من الحدود الشرقية: القوات المسلحة لاتحتاج وصية    شاهد بالفيديو.. المذيعة السودانية رشا الرشيد تغني لأول مرة بأجمل الأغنيات السودانية (مبروك عليك الليلة يا نعومة) وهذا رأي الجمهور في صوتها    شاهد بالفيديو.. طفل سوداني بدع في العزف على آلة الإيقاع.. الفنان يبدي اعجابه الكبير به وجمهور مواقع التواصل يتنبأ له بمستقبل باهر    شاهد بالفيديو.. خلال بروفة لإحدى حفلاتها الجماهيرية.. الفنانة هدى عربي تظهر بأزياء مثيرة للجدل وتنال حظها من الردم    شاهد بالفيديو والصورة.. عريس سوداني يعرض لحظات رومانسية له مع عروسته يتبادلان فيها الأحضان واللحظات الجميلة والخلافات تضرب مواقع التواصل بسبب المقطع    الغرف التجارية: جهود لزيادة حجم التبادلات التجارية بين السودان وتركيا    الالية الثلاثية تلتقي توت قلواك مبعوث الرئيس سلفاكير    بعد حسم صلاح أمره مع ليفربول.. ماني يرد على "سؤال الاستمرار"    اتحاد الكرة يؤكد اهتمامه بتطوير التحكيم ورفع قدراته    ضبط أدوية غير مسجلة بالجزيرة    الكشف عن أرقام صادمة لضحايا حوادث الطرق    شاهد بالفيديو.. الفنانة ندى القلعة تغني (كدة كدة يا التريلا) وتضيف لها أبيات جديدة قام بصياغتها أعلى المسرح    خطر يهدد هواتف آيفون عند إغلاقها    اختلاف مستوى ضغط الدم في اليدين ينذر بمرض خطير    28 لاعبا في قائمة الأهلي المصري لمواجهة الوداد بنهائي دوري الأبطال    شاهد بالفيديو.. نشوب حريق هائل بميناء سواكن يخلّف خسائر فادحة    سوداكال يضع شرطا لسداد مديونيات المريخ    إحباط مخطّط لاغتيال"جورج بوش"    المالية توكد حرص الدولة على تطوير القطاع الزراعي بالبلاد    القضاء يعيد ألف ضابط شرطة للخدمة    مؤتمر صحفي للإرصاد حول التوقعات الموسمية للأمطار الأحد المقبل    الشؤون الدينية بالنيل الأزرق توزع مكتبات للمجمعات الإسلامية    أردول: خلافات الحرية والتغيير (وقفّت) البلد    تراجع شراء الدقيق من المطاحن ل(40%)    واقعة أليمة .. وفاة أب مصري بعد نصف ساعة من رؤية جثمان ابنه    سعر صرف الدولار والعملات بالسوق الموازي مقابل الجنيه في السودان    المريخ يعلن نهاية أزمة"أديلي"    اختيار الفيلم السوداني (إبرة وخيط) لمهرجان سينمائي عالمي    الإعدام شنقاً للمتهمين في قضية إغتصاب طفلة ووالدتها بأبوحمد    إدارة خزان سنار : جاهزون لري العروة الصيفية بالجزيرة    بعد رفضها الغناء.. الشركة المنظمة ألغت الحفل إيمان الشريف: (كترة الطلة بتمسخ خلق الله)    تدابير صحية عاجلة بالبلاد لتلافي مرض جدري القرود    مقتل 3 أشخاص وجرح 3 آخرين في اشتباك قبلي بكسلا    واشنطن تطالب بتحقيق "شامل وشفاف" في اغتيال شيرين أبو عاقلة    المحكمة: عقوبة مدبري انقلاب الإنقاذ قد تصل للإعدام    4 نصائح للتخلص من معاناة "القلب المكسور"    جريمة مروعة بمدينة دنقلا .. رجل يقتل زوجته وجنينها ضرباً    "السحائي" يطرق أبواب الخرطوم والسلطات السودانية "تتأهب"    الانتباهة: إصابة الزعيم"باكوبي" بالرصاص وهروبه    طرد محامٍ شكّك بإجراءات المحكمة في قضية انقلاب الإنقاذ    شاهد بالفيديو: أستاذ رياضيات يقدم شرحا لطلابه بطريقة مذهلة يحظى بالإعجاب والإشادة ومتابعون"عايزين نرجع المدرسة تاني"    شاهد بالفيديو.. نجم تيك توك "فايز الطليح" يكشف عن ظهور "معجزة إلهية" بالشمالية    تاج الدين إبراهيم الحاج يكتب: عندما يموت ضمير الإنسان    خبر غير سار من واتساب.. لمستخدمي iOS 10 و11    غوغل تطور نظارة للترجمة الفورية باستخدام الذكاء الاصطناعي    رويترز: مقتل رجل بسفارة قطر في باريس    الدفع بمقترح للسيادي لتكوين مجلس شورى من الشيوخ والعلماء    الداعية مبروك عطية: «الفيسبوك» مذكور في القرآن    هل ستدخل شيرين أبو عاقلة الجنة؟.. أحمد كريمة يجيب على سؤال مثير للجدل: «ليست للمسلمين فقط»    الأمم المتّحدة تحذّر من خطر تجاوز الاحترار عتبة 1.5 درجة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشعر الغنائي في السودان المعاصر ... بقلم: د. أحمد عكاشة أحمد فضل الله


باحث في الثقافة والفكر السودانيين
لاهاي/ هولندا
مقدمة
هذه هي معالجة نظرية موجزة بشأن هذا الشق من شعر وثقافة السودان إبان القرن العشرين وبالطبع لا تحوي هذه المقالة آراء قطعية إنما آراء أولية تحتمل الصواب والخطأ و تخضع لأي مراجعات قد يطرحها القراء أو المتخصصون، ويجري التركيز في الأساس على ما يعرف بأغنيات " حقيبة الفن" ويطلق هذا اللفظ أو التعريف على الشعر الغنائي الذي نظم خلال الفترة من 1918 إلى منتصف الأربعينيات من القرن العشرين وشكلت هذه الأشعار والأغنيات جزءا هاما وكبيرا من فن الإمتاع في السودان ولا يزال هذا شأنها.
دلالات مفهوم أغنية الحقيبة :
لا يدل هذا المفهوم على أشعار وأغنيات سبق أن نظمت قبل حلول القرن العشرين أو لا تحمل آثار الاحتلال البريطاني ووقوع أدب وثقافة المجتمع السوداني تحت التأثير الغربي...كذلك يرتبط هذا المفهوم باسرة مؤسس الكلاسيكية الشعرية السودانية المعاصرة الشاعر أحمد محمد صالح (المتوفى في عام 1973) وابنه الإذاعي والدبلوماسي السوداني صلاح أحمد الذي شرع في إذاعة الأسطوانات التي كان يجمعها خاله بشير كرم الله والذي بحفظه للأقراص الموسيقية، أسدى خدمة للأدب والثقافة.) المصدر روائع حقيبة ندرمان دار عزة للتأليف والنشر 2005 ص 39( اذ سهلت الوقوف على حقيقة أن الكثير من هذه الأغنيات كان يسجل في أقراص صوتية ) أسطوانات( وسهل هذا استخدامها إذاعيا الأمر الذي عرف بها وضاعف في انتشارها ومن ثم تطورت سبل حفظها ) التسجيلات الإذاعية في أشرطة ممغنطة أو سبل الحفظ الرقمية( وساعدت هذه السبل الإعلامية على حدوث كافة التطورات الهامة لهذا النوع من فن الإمتاع ووسعت وعمقت آثار ذاك الفن الشعري والموسيقي في حياة وثقافة السودان المعاصر .
هناك إشارة هامة لا بد من إبدائها وتتمثل في ما يلي :
- إن ما أوردناه أعلاه من حقائق حول وجود وتطور هذا النوع من الشعر والغناء تشتمل على مصادفات تاريخية محظة ومفاجئة: مثل ارتباطها بافراد الشاعر السوداني الهام أحمد محمد صالح وهو مؤسس الشعر السوداني المعاصر المنظوم باللغة الفصحى ان يسبق لصهره جمع المسجل منها في أقراص صوتية / أسطوانات اشتملت على أغاني رواد ذاك الغناء وان تعرف الاغنيات إذاعيا بواسطة إبنه الإذاعي صلاح أحمد.
- لا تقتصر المصادفة التاريخية على بعث ذاك الفن الإبداعي إنما يمتد الامر إلى انطلاقته التاريخية التي تعود إلى امتناع ) إضراب الطنابرة( في عام 1918 وهذا ما شهد به الشاعران المرحومان عبيد عبد الرحمن (المولود في عام 1916 ) وإبراهيم العبادي المولود في 1894 ) المصدر دار عزة 2005 ص 39(.
- عند التطرق إلى بدايات الغناء السوداني المعاصر يعتقد إنه أول أغنية تدخل ضمنه هي تلك التي أداها بشير الرباطابي بالعزف على آلة الطنبور وهي تلحين قصيدة أبي صلاح ) المولود سنة 1902( " لو تجازي أو تمحي....منى ريدك ما بتمحي..." وفيما يتعلق بتسجيل الأغنيات فإن أغنيات كثيرة سجلت بدءا منذ عام 1928 )نفس المصدر الصفحات 35 و36(.
فيما يتعلق بالتطور اللاحق بالشعر الغنائي المعاصر يجب الأخذ في الإعتبار بالحقائق الآتية :
- تمايزه المضطرد على الشعر الغنائي السالف ) الطنبور ، الدوباي، الرميات...الخ( والإنشاد الديني )المدائح(.
- الارتباط الوثيق بين تطوره والتطور الموسيقي ) من الصفقة والشيل إلى التضمين المتدرج للآلات الموسيقية الحديثة(.
- المزج بين النظم الشعري الغنائي والإيقاعات الحديثة والآلات الموسيقية الحديثة أو تلك المتطورة.
وأخيرا فإن الشعر والغناء المعاصرين كانا في البدايات محصورين في الدوائر الخاصة وانتشرا نتيجة أن أصواته وأنغامه وسبل أدائه كانت رائعة كذلك ساعد تسجيله في أسطوانات لأغراض ترفيهية أو تجارية، إلى جانب البث الإذاعي في انتشارهما وأضحيا ترويحا وإمتاعا لقطاعات سودانية واسعة .
اختلافه عن الألحان والأنغام والأشعار التاريخية :
المعنى بما هو تاريخي أو فلكلوري كل ما نظم ولحن وتغنى به بالعامية ) المشابهة للغة الفصحى( أو باللغة العادية الدنيا ) المتحدث بها في عهود انعدم فيها أثر التقدم وكذلك انعدمت قيم الإنسانية المعاصرة ( .
ومؤخرا بعدت الثقة بين الغناء العاطفي بين كافة انواع الإنشاد من طنبور ودوباي، أغنية فلكلورية ، أو مدائح نبوية ويختلف الشعر والغناء العاطفين للقرن العشرين على الأوجه التالية:
- تبقى معظم الأشعار والألحان الموسيقية مدونة تحريرا أو رغميا ومؤخرا على عبر سبل الإعلام الحديث.
- لدى كل قصيدة ،او أغنية أو لحن موسيقي نص واحد محقق ) معروف الشكل والمحتوى ويصعب أن تطرأ عليه تغييرات رئيسية(.
- خلو نصوصه من التكرارات وتداخل المحتويات على نحو متبادل interjections.
- توجيه الأشعار على نحو رئيسي نحو الموسيقى أو الأداء music and beat
- النأي عن التطويع لأغراض الرقص أو تمايلات الرقص.
هذه هي الخصائص التي ميزت الشعر والغناء العاطفين من التراث الشعري والموسيقي التاريخي للسودان ما قبل مجيء الحكم الاستعماري.
طبيعة الشعر والغناء إبان القرن العشرين
زاد الشبه فيما بينهما ومثيلهما في العالم المعاصر فأضحى الشعر الغنائي أو العاطفي نظما شعريا يعبر عن مشاعر شخصية أو عاطفية للشاعر ، وهو يتميز بنظم تقفية خاصة a special rhyming system ويقصد إن يلحن أو أن يتغنى أو يؤدى استعراضيا ) أعمال موسيقية أو عروض او أداء لحني(.
ومنذ عام 1918 ) البداية التقريبية لأغنيات حقيبة الفن( أضحى يشكل أسلوبا أدبيا منفصلا يحيد عن الرباعيات الشعرية واتسمت الأشعار بالقصر والإيجاز والاهتمام بالإيقاعات والتعابير وتشتمل الأشعار على كوبلهات تشترك في القافية أو تجمع بينها قافية موحدة، ويبقى الموضوع الرئيسي لمعظم هذه الأشعار هو الحب واستكشاف المشاعر الروحانية والعواطف الجياشة وأكثر ما يميزها هو طبيعتها اللحنية والموسيقية.
مختلف القضايا البحثية للشعر العاطفي المعاصر :
أول مسألة يجري تناولها هي شأن أهل الغناء العاطفي السوداني الذي بدأ بحلول نهايات العقد الثاني من القرن العشرين، وفيما يتعلق بهم فإن السودانيين يفرقون بين شعراء الحقيبة ومغنيها وشعراء ومغنيي الشعر العاطفي الحديث وخالفهم الباحثون بحيث يشير محمد حسن الجقر) دار عزة للتأليف والنشر 2005( إلى رواد الكلمة ورواد النغم، والغبار الوحيد على مثل هذا التقييم هو إهماله للموسيقيين : اصحاب المقدرة على تأليف القطع الموسيقية ووضع الألحان ويقدرون على الاختيار الجيد للموسيقى وآلاتها المصاحبة ، وحقا عرف تاريخ الغناء العاطفي في السودان تعاون الشعراء والملحنين والمغنيين )ما يعرف بالفنانين(.
ولا بد لي من الاعتراف بضحالة معارفي الموسيقية ويشكل هذا سببا كافيا للامتناع في الخوض في مشكلات الموسيقى السودانية : وعوضا عن هذا نركز على المسائل المتعلقة بشعراء الأغنية فقط.
مسألة الريادة الشعرية في حقل الغناء
في بدايات القرن العشرين كان أكبر تحد للسودان المتأثر بالعصر الحديث هو إيجاد شعر وموسيقى معاصرين قادرين على الإمتاع حقا. وقد تطلب هذا اختيار أصوات حلوة والجمع بين النصوص الشعرية العاطفية والقيام بتلحينها وتأليف موسيقى تصاحب أدائها غنائيا.
وفي نهايات العقد الثاني من القرن العشرين كان واضحا أن هنالك وجود لما قد يشكل avant-garde أي طليعة شعراء ومغنيين مما كان نظمهم للشعر العاطفي أو كان أداءهم الغنائي كان تجريبي فيها الكثير من الاختبار وتحمل تجديدا واضحا وأسهموا في تحقيق تقدم فيما يتعلق بالثقافة والفن، وعادة ما يتحدى هؤلاء الأدباء والفنانون المحدثون القواعد المرساة سابقا والوضع القائم في المجال الثقافي ، ومنذ عام 1918 أضحى ممكنا الحديث عن شعر وهو في الأساس نتاج العصر الحديث وعلى مقدرة من أن يفزز تطورات ورقيا من وحي وفكر وإبداع القرن العشرين وهناك عوامل هامة أدت إلى بروز هذا الفن الرفيع ومن بينها:
- دفئ المناخ الذي أدى إلى وجود الخمائل والأزهار وضوء القمر وتلألأ النجوم وكل هذا يؤجج الحب ويثير الشجون ويسهل اللقيى وهذا ما صرحت به الأغنيات ذاتها .
- هناك عامل قيمي )أخلاقي( وهو الجمع بين العاطفة passion وبين الفضول الحي والصراحة الحسية والمرح وقد ميز هذا أغلب الأغنيات السودانية المعاصرة.
- هناك حقيقة أن اللغة عربية فصحى أم دارجة سودانية بإمكانياتها التعبيرية وثراء مفرداتها وحساسيتها هي التي مكنت العاشقين وشعراء الأغنية السودانية من فتح كل باب سبق أن احكم اغلاقه والتجول عبر الممرات الضيقة : دروب الأدب والحياء والخفر.
وأخيرا هنالك التاريخ السوداني البالغ في القدم أو المعاصر والذي صاغ على نحو فريد أنواع العشق في السودان.
هذه هي مجمل العوامل التي أفرزت مصدرا هائلا للإبداع والإمتاع في حياة السودانيين حياة من جاورهم.
الشاعر الأول والمغني الباكر
مما أورده مؤلف " روائع حقيبة أمدرمان" )دار عزة 2005( من سير أكثر من عشرين شاعر من شعراء تلك الأغنيات ويمكن أن نخلص إلى ما يلي :
- مال أغلبهم إلى أن يحيا حياة خاصة ، _ كذلك كان لديهم الميل الواضح إلى نظم الشعر فيما يتعلق بالتقلبات في حياتهم وشملت هذه الآثارة والمتع والأفراح والاكتئاب والمتطلبات المتوحشة لإشباع الرغبات او متطلبات حياتهم العاطفية : الحب، العاطفة، الشوق، الانبساط والغضب، الفوز برضا المحبوب، أو الأحزان وفقدان الآمال.
- مواجهة متطلبات المجتمع )كيف ينظر إلى وما يرسيه من قواعد وما يصدره من أحكام( إزاء الفن والأدب والسلوك الشخصي لهؤلاء المبدعين.
- نسبة الشواهد والحقائق تصعب الاشارة إلى رائد ما للنظم أو الغناء إبان تلك الفترة الباكرة من تاريخ الأغنية السودانية غير أنه يمكن أن نشير إلى طبيعة الأغنية الباكرة.
- تكونت من أشعار موجزة وبدت العواطف فيها ذات طابع شخصي.
- وحينما ألفت القصيدة تلك وقصد في الأساس أن تلحن ومن بعد أن تغنى.
- أنتمت على نحو واضح إلى نوع musical verse وهو نوع يضع ذاته رهن الاداء الموسيقى music أو رهن ال beat.
- في تلك المرحلة الباكرة لأغنية الحقيبة لم تكن هناك ضرورة للتنسيق بين الأشعار والألحان او الموسيقى المصاحبة.
استحالة التمايز نقديا بين شعراء أغنية الحقيبة
يجمع السودانيون على أن ود الرضي) 1892م( خليل فرح ) م1894(، والعبادي)م1894(، أبو صلاح )1902(، سيد عبد العزيز ) م 1903( وجميع من شملتهم قائمة الجقر "شجرة رواد الكلمة" أبدعوا النظم وتطرقوا بإبداع لكل موضوع غزلي أو وجداني وفي الإجادة الفائقة لكل واحد منهم تكمن صعوبة التقييم وفي الإجادة الفائقة لكل واحد منهم تكمن صعوبة التقييم النقدي من هو المجيد منهم ومن منهم قد يشار إلى امتياز شعره على نحو واضح ؟
وتنتمي معايير الجودة والامتياز إلى مسألة ال canonisation أي وضع قوائم مجازة لشعراء الأغنية العاطفية السودانية وقد فضل عامة السودانيين طرق أبواب أخرى لتقييم ذاك الشعر وناظميه وحتى من قام بأدائه من رواد النغم وأرسوا تقييمهم النقدي على الأسس التالية:
- الاعتراف بحقيقة أن كل واحد ممن شملته أي من القائمين قد اختار التقنيات الشعرية الأكثر تقدما وتجديدا وروعة وتجنب الموضوعات المألوفة ووجهات النظر المعروفة واللغة المألوفة وكذلك ابدع كل مغني صدح بهذه الاشجار.
- الإغرار بصعوبة التفضيل فيما بين الشعراء والمغنيين وعوضا عنه فاضلوا فيما بين الأشعار والألحان وآدائها الفني وهذا التفضيل ينهض به أغنية بأغنية.
وأخيرا الاعتراف بجهد جمعي لكافة شعراء وفناني الأغنية العاطفية السودانية الشمولية المشمولة في القائمين بأنهم دفعوا بالأغنية السورانية نحو الأفضل وطوروا تقاليد الشعر والموسيقى في السودان المعاصر.
وعلى النقيض من الرأي العام الأدبي قام الشعراء والملحنون والمغنون انفسهم بإعطاء ألقاب تشهد بالامتياز شعريا أو لحنيا أو غنائيا على بعض منهم : مثال : أطلق على أبي صلاح الشاعر الفحل وعلى عمر البنا الشاعر الصداح ،وعلي العبادي " الشاعر الداهية" وعلى يوسف حسب الله " سلطان العاشقين" وإذا ما جاز لنا فإننا نتطوع ببعض عناصر هذه التصنيفات النقدية.
الشعراء الفحول: تنطبق المعايير بقدر متفاوت على جميع من شملتهم قائمة الجقر (2005) وتمتاز أشعارهم بالجودة وتتألق تعابيرهم والألفاظ التي يستخدمونها، كذلك يحسن ترتيب قصائدهم وقدرتهم الفائقة على خلق صور شعرية تأسر العقول وتؤجج العاطفة.
وكثيرا ما تكونه للفكرة الرئيسية لقصائدهم أهمية تتعدى خلق الصور الشعرية إلى عكس حقائق عن الحالة الإنسانية.
الشاعر العشوق أو سلطان العاشقين : هما من تأججت مشاعر الحب لديهما أي أنهما عانيا فورة أو جنون الحب وهذه هي مشاعر قوية تولد العزم على مقاومة أي صعاب تحول دون الوصال اوالسلوى. ويؤدي هذا إلى تجربة شعرية فيها الكثير من تضخيم المقدرات على دحر جميع العزال أو ما يمنع اللقاء أو الظفر بالحبيب، وهي مهمات من الصعوبة بمكان خاصة في مجتمع يكبت العواطف وينعزل فيه الجنسان .
الشاعر المخلص للحب : أثر أغلب شعراء أغنية الحقيبة البقاء عاشقين ومخلصين للحب والبحث عن سبل تدعيمه.والتفوا بعذرية الحب )عشق ابن الملوح( أو بحب حقيقي أو علاقات حب دائمة أو إقامة مشاعر حميمية قوية، ويوضح الشعر أغلبهم أنهم على فهم بأنه لكل علاقات الحب هذه أهداف حياتية مشتركة
كذلك فرقوا بين الحب والجنس على الرغم من حسية )شهوانية(بعض نظمهم وأخيرا يبدو أن أغلبهم حسب الحب مسؤولية وليس خيارا.
الشاعر الأمير : لقب التصق بسيد عبد العزيز وشكل إقرارا بمقدرته العالية على نظم مختلف الأشعار وثراء المفردات ورقي المجازيات والرمزية ولعل في اقتصار الإشارة على سيد عبد العزيز وحده فإن الظلم لا محالة يلحق بعبيد عبد الرحمن ومحمد بشير عتيقة وحدباي وعلى المساح....الخ الذين احتفوا باللغة ولاحت أشعارهم القلوب وأججت العواطف وحركت الخيال وعظم أثر شعر كل واحد فيهم على الشعراء أنفسهم .
الشعراء والغناء والألحان والموسيقى: هناك من الشعراء وهم قلة من ملك مقدرة على الربط بين الإيقاع والصوت الشعري والمقدرة على الأداء إنشادا أو موسيقيا ومن بين هؤلاء عمر البنا وعبد الرحمن الريح وعرف آنذاك الشاعر/ الملحن/ المغني/ الموسيقار -)في حالة البنا الشاعر الصداح( وفي الحالتين هناك فوارق في الميول والمقدرات فقد جمع البنا بين النظم والغناء وعلت مقدرته على نظم الشعر على مقدرته على الإنشاد.
أما عبد الرحمن الريح فقد جمع بين المقدرة الكبيرة على النظم والتلحين وعرف عنه العزف على العود.
هنالك ما جمع بين سائر هؤلاء أن جميعهم أشاروا إلى المحبوبات أن كن حقا كذلك أو كن وهميات كرموز للجمال والطهر وكما تدل اغلب أشعار الحقيبة فإن النساء قد لقين الكثير من الاحترام وقد نهى عن التحرش بهن ومنعت سائر الاعتداءات الجسدية أو اللفظية عليهن.
وعدهن شعراء تلك الأغنية جديرات بالتقة ودعوا لملاطفتهن ومغازلتهن وبنفس القدر فإن النساء كذلك عشقن وتعرضت أفئدتهن لسهام كيوبيد.
هنالك أشعار كثيرة تعمر بعبودية العاشقين وتدريجيا تم التخلي على الزعم بدنو الأجل من جراء الهجران وآلام الصدود وفي حالة الشاعر الغنائي الحديث ) بدءا من نهايات الأربعينيات من القرن العشرين(الذي لم يقدم روحه فداءا لأجمل الفاتنات ولم يعهد لإحداهن بفؤاده فهو لا يتوسل إلى ولا يستعطف محبوبة ما وكثيرا ما عبر الشعراء المحدثين عن عرفهم التحرر من أسس وقيود الغرام بألحان بل عبر إسماعيل جن في أغنية "........بعد ايه....." إن يعلن انصرافه بدون أسى يذكرعن حب كان من العمق بمكان بدون وجل أو قلق ما.
الجمال والغرام : كيف كان محبا الخنتيلات أو بنات ملوك النيل أو ظبيات الأحياء؟ وأي سمات جميلة يفعلن فعلن فعل السحر ) الظفر بالإعجاب وأن تضحي هدفا للهوى والغرام؟تارجحت أوصافهن إزاء ميل بعض الشعراء لمعاملتهن كرموز للجمال المثالي وميل البعض الآخر من الشعراء للتركيز على الجاذبية العضوية.
يدل شعرهم على أنه الجمال قد يكون قيمة مثالية : ومن أنواعه الجمال المعذب الذي يولد الآلام أو أن يولد عكسها السرور .
وفي حالة هذا الجمال فإن الحبيب يسير محاطا بالجمال وقد يجسده كاملا، كذلك كما أن هناك جمال مثالي فإنه يوجد حب أمثل وخير من يجسد الجمال والحب الأمثل هن العذارى اللائي هن ملائكة براءة وطهرا وجمال منظر، وكل هذا يؤفر فيضا من الفرح ويخلب الألباب.
كذلك تدل أشعارهم على وجود مواصفات للجمال ) الجمال كوصف لمظهر المرأة أو الجاذبية العضوية( فقد أشير إلى ملاحة الوجه، دقة الملامح، سحر العيون كحالة ونعاس الأجفان وكثافة الرموش، روعة القامة والقد، سحر البسمات وتمايل القامات....الخ.
هناك أمر آخر له أهميته القصوى هو أن بعض أهل الشعر والغناء في سودان القرن العشرين كان لهم مفهوم مزدوج للعشق والهيام، مفهوم نقي وطاهر للجمال وعشقه ومفهوم آخر يقوم على النهم العاطفي والتحرر الحسي وهنالك احتمال أن يكون هذا هو المتبع في حياتهم الحقيقية.
فمنهم من دأب على التغني بالمحاسن علا شأنها أصلا
وهناك من أحب حبا عذريا وآخر لا يتطلب الارتباط )الزواج أو العيش المشترك مع المحبوبة الصحبة(. وما بين الfin amor و carnal loveتأرجح الشعر العاطفي السوداني وفي هذا الإطار نشد أهل الشعر والطرب المشاهدة عبر الحيشان او المغازلة من الكوات أو المخاطبة بلغة العيون وسؤال كف الصدود وانقاص اللهو البريء.
إن مثل هذا الاستقراء لا يمنع التساؤل المشروع عما إذا
هل من الشعراء من يعجز عن نظم الشعر إذا لم يعمر قلبه بالحب؟
وكان أغلب من تغنوا بهم من الصبايا على ذاك القدر الكبير من الجمال والفتنة والإغراء؟ ___________________________
هناك من يؤكد صدق ما نظم من أشعار بشأن مختلف المحبوبات ويدلي بمثل هذه المزاعم على الرغم من أنه كان من الواضح لمن عاصروهم إن القيم الأثيرة والعالية وكذلك متطلبات الfin amor لا يمكن الإيفاء بها وأدى التصنع في الحرص على القيم إلى وجود بعض التملق والمبالغة في الأمور وكلها مؤشرات تبزز حقيقة أن مجمل الشعر العاطفي السوداني لم يرتقي لمستوى القيم والمثل العليا وكذلك لم يتعارض معها على نحوبين:
إذا لم تمنعهم التقاليد المحافظة في المجتمع والثقافة في السودان من التفكير والتحدث ونظم الأشعار بشأن العشق والغرام والمسائل الحسية.
غنى شعراء العاطفة السودانيون بإلحاح وعلى الدوام بالحب
كانوا خاضعين وخانعين كعشاق
عبروا عن أحزان وآلام تنجم من صدود الأحبة ازاء الحب العميق والاخلاص.
سعوا إلى أن تخلف الكلمات والألهان أبعد الأثر على الحبيب إذ لم تجهل المرأة المعنية الإشارات التي تضمنتها الأشعار وكذلك سعوا لإمتاع جمهور الغناء والشعر.
تنوعت روح النظم الشعري: إشاع بعض الشعراء روح الود أو الدعابة فيما بين الأقران من الشعراء، هناك أنيات أبرزت إجلالهم للحب وأقروا بمتعتهم من جرائه هناك من أبدى شهوانية وحسيه ظاهرة إلا أنها لم تهوى بالحب إلى مراتب الشهوات بل هدف إلى امتاع الأرواح .
لم يتظاهروا بوجود حب عذري وكذلك لم ينفوا وجود الخطايا (العربدة).
ما ميزه عن سائر الآداب السودانية هو الارتباط الوثيق بينه وبين التطور الموسيقي :
هناك أحداث للتعاون والتخاصم بين الشعراء والمغنيين والملحنين مما يدل على ترابط وثيق في مجال الفن الغنائي ومن بينها :
قيام عمر البنا بغناء شعر أبي صلاح " يا ربيع في روض..." المصدر دار عزة 2005 ص 89 .
الخصام ما بين الخليل وسرور بشأن تلحين وأداء " عزة..." وكذلك حقيقة دراسة الخليل شيئا من علوم الموسيقى ) المصدر دار عزة 2005 ص 151( وكما يدل إنشاده ل " عزه.." على قدرته على أداء الألحان وأخيرا هناك الحقيقة الواسعة الإدراك عن قيام عبد الرحمن الريح وهو الشاعر بتلحين أغنيات عديدة بل وقيامه بالعزف بمصاحبة الفنان عمر أحمد حين أداء " ...كان بدري عليك...".
وقبل مناقشة التطور الموسيقي في سودان القرن العشرين لا بد من التوقف لبعض الوقت لمعالجة ظاهرة خليل فرح والذي بدا شاعرا يغطي ذكره على ذكر معاصريه من الشعراء وذاع صيته وتوسع انتشار أشعاره وأغانيه وفي هذا الشأن نركز على الملاحظات الآتية:
لقد كان الخليل قادرا على فرض شعره وموهبته على عصره وهو الثلث الباكر من القرن العشرين وقد احترمه في حياته وموته شعراء وأدباء كثيرون.
لا تعود أسباب مجد شعره إلى المقدرة الفائقة على نظم الشعر إنما إلى تمكنه من اللغة الفصحى وكذلك الدارجة السودانية التي طوعها وطورها لأغراض النظم الشعري.
كان في مقدوره لما تمتع به من معارف أدبية وثقافة عصرية الوقوف بجلية على مشاعر السودانيين والتي كانت ثائرة وأكثر دفئا وعبر عنها باحسن النظم الشعري فأضحى الشاعر المحبذ )الشاعر عالي التقدير(.
تدل أشعار الخليل على أنه قد استسقى مادته من الحياة السودانية كما لحظها وعايشها وأدى هذا إلى عمق إحساس السوداني على نحو أعمق بشعره وأغانيه.
استخدم الخليل مفردات يعبر بها سائر السودانيون مما سهل تفهما والتجاوب معها.
كان الخليل على مقدرة فائقة في استخدام اللغة لأغراضها المطلوبة بالذات لأغراض النظم والإبداع .
كان للخليل أشعارا تركت ابعد الأثر أغنيات شهيرة ، احتوت على مجازيات ورمزيات قل استخدامها سابقا من قبل شعراء الزمن الباكر من القرن العشرين.
وأخيرا حينما ركزت قصائد الشعراء الآخرين على عواطف ذات طابع شخصي، حملت أشعار الخليل عواطف تعود في الدرجة الأولى للوطن وسائر السودانيين.
كان لا بد من توضيح المسائل المتعلقة بالدور التاريخي لخليل فرح في تطور الشعر السوداني وكذلك في مجال الفن.
فيما يتعلق بالتطور الموسيقي في سودان القرن العشرين فإن حقيقة أن وعيي بهذه المسألة على قدر كبير من التواضع ولهذا لا أملك غير تسجيل بعض الملاحظات في هذا الشأن:
كان ولا يزال الغناء في السودان من أكثر الأمور متعة وإمتاعا في السودان المعاصر.
من حيث التأليف الموسيقي فإن التطور التاريخي قام على سبل الاداء الموسيقي.
_الآلة المفردة : الرق، التصفيق المرادف، او المثلث
_الآلات وترية : العود والكمان
_الجمع بين الآلات لصنع الموسيقي ، وما يصاحب الغناء من سبل التصفيق، الطبول ، آلات نحاسية ، آلات ميكانيكية، الأكورديور، ال keyboard
_التوزيع الموسيقي
يقتصر التطور الباكر على الآلة المفردة والسبل المصاحبة ثم تضاف الآلات الوترية وقد استخدم العود لإنتاج ما يعرف ب a writen out accompanyment.
(شكل هذا أول أثر للحضارة الغربية على الغناء السوداني وسبل أدائه) وقد استخدمت الدربكة ) طبل شرق أوسطي لتنظيم الإيقاعات التقليدية (
يعتقد أن أول نموذج للفرقة الموسيقية السودانية قد شكلت باستخدام آلة الأكورديون والكمان) وهبة والسر عبد الله( وهناك ممن يرجع الفضل لإبراهيم الكاشف في تشكيل مثل هذه الفرقة وهذا يلزم بالمزيد من البحث إلا أنه من المحقق هو أننا النغمات والإيقاعات اضحت سبيلا لأداء الألحان بجانب الأصوات.
_أضحى للغناء الحديث vocal requirement إلى جانب حلاوة الصوت. _وتنوع الأداء الصوتي إلى solo single و choral singing وفي الحالتين وجب على المغني البقاء في تناسق مع النغمات والبقاء متوافقا مع musicline .
شملت جمهور التطور اللاحقة للغناء السوداني : سبل تجويد الأداء الارتقاء بتفاعل المغنيين مع الآلات الموسيقية المصاحبة، وتطوير الأصوات (والتعامل مع خصائص الصوت وأبعاده) طرح امكانيات الهواية والاحتراف.
التوسع في إضافة الآلات الموسيقية : مثل الكمان ، الأكورديون الجيتار الكارلينيت، الأرغون pipe organ ال electronic piano و ال drums ، مؤخرا synthesizers
إن الخوض في هذه المشكلات يتطلب تخصصا لا يمكني الإيفاء بمتطلباته وكل ما همنا هو أن لشعراء الحقيبة عصرهم الزاهي ومقدرتهم الشعرية الفائقة وقد طواهم الردى وتبدل المجتمع الذي برزوا فيه واختفت القيم الثقافية التي حكمت شعرهم وفنهم وكان أثرهم على التاريخ الثقافي للسوادن المعاصر عميقا بدون أدنى شك وخلفوا ورائهم معاني نبيلة للحب والجمال والإبداع والإمتاع.
mahmoud yassir [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.