سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الهمّ السوداني !!! .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي
نشر في سودانيل يوم 07 - 11 - 2013


بسم الله الرحمن الرحيم
تعليق الاسبوع
أقعدني هم ثقيل عن الكتابة لبضع أسابيع، وتذكرت أبا الطيب المتنبي عندما لامه سيف الدولة الحمداني علي طول غيابه عن قرض الشعر، خاصة في باب المديح،...فأنشده:
ولكن حمي الشعر إلا القليل همّ حمي النوم إلا غرارا
وما أنا أسقمتُ جسمي به ولا أنا أضرمتُ في القلب نارا
فلا تلزمنّي ذنوب الزمان، إلي أساء وإياي ضارا...
ولقد أساء الزمان لمعظم بني وطني الواقعين علي الضفة الأخري من النظام الإخواني الدكتاتوري الجالس علي أنفاسهم لخمس وعشرين سنة...وما زالوا يقاومونه بشراسة...كأسلافهم الذين نازلوا التركية السابقة والاستعمار البريطاني المصري ودكتاتورية عبود ودكتاتورية نميري....وهزموها جميعاً.
ولكن، هذا نظام أكثر لزوجة وتشبثاً من سابقاته...وقد وهن العظم منا في هذه الأثناء...واشتعل الرأس شيبا...ومعظمنا في غربة مرة بطعم الحنظل... استطالت لربع قرن...ولا ندري كيف ومتي ستنتهي!...وما يضاعف من الحسرة والأنين أن الحكومة بلا شك شر مستطير وبلاء مستديم (حتي الآن)...والمعارضة شر مثلها...خاصة علي نطاق رموزها وسادتها الذين راهنّا عليهم طوال سنوات التجمع الوطني الديمقراطي، وسرنا خلفهم ...فإذا بهم يتركونا فى العراء وظهورنا مكشوفة أمام شراذم الإخوان المسلمين ...ويمسكون بالعصا من منتصفها....ولا يفتح الله عليهم بكلمة واحدة عندما تساقط أبناء الشعب كالذباب أمام رصاص مليشيات النظام فى الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي...وما كل هذا إلا رضوخٌ لرغبات حفنة من المرتشين والفاسدين المندسين وسط الحركة الوطنية...عيوناً وعملاء للمؤتمر الوطني.
علي كل حال، جاء في محكم التنزيل: (و لا تيأسوا من روْح الله إنه لا ييأس من روْح الله إلا القوم الكافرون...الآية 87 سورة يوسف)...وقد علمتنا الثورة السودانية متجلية في آخر ملاحمها – انتفاضة سبتمبر – أن شعبنا ولود مخصب (حواء والدة!)،... وأن عبقريته قد تمخضت عن أشكال جديدة من النضال تجاوز بها الأطر التى حبسه فيها التجمع الوطني منذ تأسيسه في مطلع التسعينات...وأن الشارع يفرز قياداته ويصقل تكتيكاته بأساليب مبتكرة...من خلال النضال اليومي...وفي خضم التظاهرات والعمل الجماهيري والمواجهات مع جلاوزة الأمن... وداخل بيوت العزاء التي تقام للشهداء...، ومن خلال المجموعات المتجانسة والمترابطة بأدوات الاتصال الاجتماعي...بلغة العصر التى يتداولها ويجيدها شباب اليوم... و في نفس الوقت، لا تستعصي علي الوطنيين الآخرين المواكبين...والذين لم تنطفئ جذوة الوطنية فى وجدانهم بعد.
كما وضّحت لنا الملحمة الأخيرة أن سفينة المؤتمر الوطني مثقوبة فى قعرها... وفي طريقها للغرق...وقد أخذ سدنتها فى القفز من فوقها بكل الاتجاهات...بمنتهي الانتهازية...وبلا تروٍّ أو خجل...ومن مظاهر الاضطراب والتلجلج المراوحة بين العنف الهمجي المفرط فى مواجهة جماهير الانتفاضة...وبين الحديث الثعلبي الناعم هنا وهناك عن الدستور المرتقب والانتخابات والأبواب المفتوحة للجميع...والتدثر بأحلاف خبيثة مع أجنحة مغسولة الدماغ بالأحزاب الوطنية الكبري......ومهما يكن من أمر، فنحن نتذكر نصيحة محمد أحمد المرضي – أحد مؤسسي الحركة الوطنية - عليه الرحمة: "إذا لاحظت شقاً فى الحائط...فاتبعه حتى تصل لقعره ومنبعه"...ومن هنا ننظر فى الوضع الراهن، متكئين علي نظرية الثورة... وعلي الشواهد العالمية والتاريخية.
فلم يعد هناك من يقهر الناس إلي الأبد، ولقد أخذت الشعوب أمرها بيدها منذ تحطيم سجن الباستيل بواسطة كادحي باريس يوم 14 يونيو 1789...حيث انطلقت أول ثورة جماهيرية قضت علي الملكية والأرستقراطية وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية في بضع أيام...وتساقطت الرؤوس من المقصلة بالجملة والقطاعي...بما في ذلك رأسا لويس السادس عشر ومليكته ماري انطوانيت.......ولكن، سرعان ما انقلب الثوار علي بعضهم البعض وأطعموا الجيلوتين كثيراً من زملاء النضال ورفاق السلاح،... وأصبح ذلك ديدناً لكل الانتفاضات والثورات التي تأكل بنيها بانتظام......رغم ذلك، فقد توصلت البشرية لاختراع الانتفاضة الجماهيرية السلمية، أي خروج الشعب للشوارع بالسواعد والحناجر وفروع الشجر...متحدياً العروش أياً كانت...في لحظة الإجماع الوطني (الأزمة الثورية).
وظلت الانتفاضات الشعبية تتواتر عبر التاريخ البشري منذ ئذ، بدءاً بثورات 1845 التى اجتاحت أوروبا كلها، واضعة حداً نهائياً لدولة الإقطاع والأوليقاركيات المتسلطة ...وهيمنة الكنيسة...إلي أن تفجرت ثورة البلاشفة الروس عام 1917 التى قضت علي حكم القياصرة وجاءت للسلطة بتحالف العمال والمزارعين بقيادة الحزب الشيوعي...ولكن، بعد وفاة لينين قفز جوزيف ستالين للحكم فى قصر الكرملين علي جماجم رفاقه أعضاء اللجنة المركزية الذين اغتال 90% منهم، وأرسل الباقين لمعتقلات سيبريا...وأصبحت الشيوعية ملكاً عضوداً أناخ علي شعوب أوروبا الشرقية لنيف وسبعين سنة....حتي أطلت عليهم ثورات الربيع الشرق أوروبي بنهاية ثمانينات القرن العشرين...وخلصتهم من ذلك الكابوس اللعين.
وفي نفس تلك الأيام، أودت أمريكا الجنوبية بالدكتاتوريات العسكرية التي جثمت علي صدورها طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، بدعم وتحريض من الإمبريالية الأمريكية التى أحالت القارة بأكملها لإقطاعيات تسرح وتمرح فيها البيوتات والإحتكارات الأمريكية، فوق أجداث الشعوب اللاتينية المهمشة والمستضعفة... والمسلوبة الإرادة.
وتوالت ثورات البشرية: فشهدنا فى السودان ثورتي أكتوبر 1964 وإبريل 1985...كما شهدنا مؤخراً ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالأنظمة الاستبدادية فى تونس ثم مصر ثم اليمن...و لا زالت الحرب سجالاً بالساحة السورية منذ ثلاث سنوات....كما شهدت القارة الإفريقية انعطافاً ملموساً نحو الديمقراطية الليبرالية.
ولكن، علمتنا الإنتفاضات آنفة الذكر أن الأمور ليست أبيض وأسود فقط، وأن الإطاحة بنظام دكتاتوري لا تعني بالضرورة استبداله بالديمقراطية المستقرة المشفوعة بالتحول الاجتماعي السلس والتقدم الاقتصادي المستدام...فقد تأكل الثورة بنيها...وقد تتنكب الطريق...وتتحول بلدانها إلي ساحات للفوضي وحرب المدن بين المليشيات المتناحرة، خاصة تلك التى تسعي لخلط الأوراق وطمس الآثار وإسكات صوت الجماهير واستبدال الدكتاتورية التى عفا عليها الزمن بأوليقاركية دينية متطرفة....كما هو الحال في ليبيا.
لذلك، ربما تفكر القوي الوطنية السودانية فى تحصين انتفاضتها الحالية (والقادمة) إزاء الانفلات المرتقب إذا تمت الإطاحة بالنظام عن طريق السلاح...(وهو أمر يبدو ألا مفر منه طالما أن النظام لا يلتفت إلا لمن يحمل السلاح في وجهه،... وقد قال رئيسه عدة مرات: نحن جئنا بالبندقية...ومن أراد أن يخلعنا فليواجهنا ببندقية مماثلة)......
وقد يكون هذا التحصين بتكثيف العمل الدعائي وتنشيط الحراك الجماهيري...مهما كلف...حتي يأتي سدنة النظام لطاولة المفاوضات...كما فعل الجنرال عبود فى أكتوبر 1964 والمشير سوار الدهب فى إبريل 1985.
ومن الناحية الأخري، إذا أراد نظام البشير أن يتخلص من التبعة التاريخية لما اقترفه فى حق البلاد:... من فصل للجنوب... واشعال للفتن بدارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ومنطقة أبيي...ومن تهميش وإفقار لأهل السودان خلال 24 سنة من السياسات الاقتصادية البلهاء المتخبطة والتجريبية العشوائية...ومن النهب المنظم لموارد البلاد بواسطة الإخوان المسلمين ورهطهم المحليين والإقليميين والعالميين...ومن تدمير للبني الإقتصادية الأساسية كمشروع الجزيرة والسكة حديد وسودان لاين وسودان إير والمناطق الصناعية والصناعات الوطنية...ومن تخريب للتعليم والخدمات الصحية...وإفساد للبيئة الطبيعية والمعنوية والأخلاقية.....فلديه الكثير من النماذج التاريخية التى يمكن أن يستأنس بها...إذ أن هنالك العديد من الأنظمة الإيديولوجية الشمولية "صاحبة الرسالة الأممية" التى تخلت عن رسالتها، وانسلت منها كما تنسل السبيبة من العجين.
ودونك المعسكر الإشتراكي:...بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا وألمانيا الشرقية وألبانيا،... وكبيرهم الذى علمهم السحر: الاتحاد السوفيتي العظيم...إذ ما هي إلا بضع شهور عند منحني القرن العشرين المطل علي هذا القرن حتى تحولت كل هذه البلدان إلي ديمقراطيات ليبرالية (إلي أبعد الحدود الممكنة)... ونفضت عن أبدانها أوضار سنين التكلس الماركسي والآحادية ودكتاتورية الحزب...ويممت وجهها شطر الديمقراطية التعددية والتحول الاجتماعي والتقدم الاقتصادي وفق نواميس العصر....واضعة نصب أعينها مصالح شعوبها...وليس الشعارات والتشنج والتصوف الإيديولوجي الذى لا يقدم ولا يؤخر.
وبولندا، علي سبيل المثال، كان يقودها عسكري متجلبب ببزته العسكرية "الجنرال ياروزلسكسي"... رغم أنه المسؤول الأول بالحزب الشيوعي (وذلك وضع قريب من الخاصية التى يتمتع بها البشير رئيس النظام السوداني...فهو عسكري متمنطق ببزته الرسمية... رغم أنه كادر قائد بالحركة الإسلامية التى استولت علي السلطة في 30 يونيو 1989 و لازالت ممسكة بزمام الأمور)...ولقد أبلي ياروزلسكي بلاءاً حسناً وطويلاً بصفوف الجيش والحزب الشيوعي منذ المقاومة ضد الغزو النازي الألماني، ...وفي عام 1981 أصبح زعيماً للحزب الشيوعي ورئيساً للوزراء...وفي هذه الأثناء، قويت شوكة نقابة عمال صناعة السفن بقدانسك بزعامة النقابي الفطن الجسور لك فالنسا ...وجرب معهم ياروزلسكي أسلوب العنف المفرط لسنين طويلة، ولكنه فى نهاية عقد الثمانينات رضخ لمطلب حزب "سوليداريتات" بالانتخابات التعددية النزيهة والشفافة، فاكتسحتها جماعة فالنسا الذى أصبح أول رئيس غير شيوعي لبولندا عام 1990،... وخرج ياروزلسكي من المسرح بلا ضوضاء....
ومن ذلك الدرس تفطنت باقي شعوب المعسكر الاشتراكي، فانهارت أنظمته كأعجاز نخل خاوية، عبر ثورات سميت بأسماء الزهور والمخمل...وأطل علي البشرية فجر جديد ينذر ب "نهاية التاريخ"، بمعني ذهاب الأنظمة الشمولية إلي الأبد وترسيخ الديمقراطية الليبرالية...بما سمح بالتعاون المفتوح بين كافة الدول التى تدين بهذه القيم، فدخلت دول المعسكر الإشتراكي السابق فى منظومة حلف الناتو والإتحاد الأوروبي...وقاد ذلك لتقوية وتدعيم تلك المنظومة، ومن هنا جاءت مقولة "نهاية التاريخ"....فمن ذا الذى يستطيع أن يقف في وجه هذه الكتلة الهائلة فى عالم اليوم،... بعد زوال الاتحاد السوفيتي ومن دار في فلكه...علماً بأن أمريكا جزء من تلك المنظومة؟
وعلي هذا المنوال، يستطيع البشير كذلك، إذا أراد، أن ينسل من هذه الورطة التي وجد نفسه في لبّها...(بتدبير من الشيخ حسن الترابي)...فلقد كانت الحركة الإسلامية تعتبر البشير "مغفلا نافعاً"... إلي حين تمكنها من إماطة اللثام الذي تدثرت به تقية وتمويهاً فى أول أيام الانقلاب...ومع نهاية العقد الأول لحكمها، أخذ الترابي يضيّق الخناق علي البشير وجهازه التنفيذي، فحاول أن يسحب منه سلطة تعيين ولاة الأقاليم...وبدأت الإجراءات الخاصة بالإنتخابات الرئاسية التى كان الترابي ينوي خوضها...باعتبار أن البشير قد استنفد أغراضه...وجاء زمان ولاية الفقيه philosopher king ولكن الأخير، وبتخطيط وتآمر من تلاميذ الترابي "العشرة الأوائل"، انقلب علي الترابي بحركة سمرصولت غير مسبوقة فى التاريخ، وانتهي الأمر بشيخ الحركة حبيساً ببيته بالمنشية، مراوحاً بينه وبين معتقل كوبر بالخرطوم بحري....وقد تبخرت من يافوخه أحلام الخلافة الإسلامية التى أعد نفسه لها باعتباره بديرياً دهمشياً قرشياً...حتي تدخل القرضاوي مدعوماً بالريالات القطرية فحمي الترابي من السجن....ولكنه علي كل حال بقي خارج السلطة....وذلك مربط الفرس.
غير أن "العشرة الأوائل" أنفسهم تشتتوا أيدي سبأ خلال الخمس عشرة سنة الماضية...واستطاع البشير ومن بقي منهم معه أن يصمدوا فى الحكم...رغم أنهم لا يملكون العمق الفكري والخبرة التنظيمية التى يتمتع بها الترابي...فركنوا عوضاَ عن ذلك للقبضة الحديدية والبطش المتوحش بالخصوم، سواء كانوا في دارفور وغيرها من مناطق النزاعات، أو في شكل جماهير المدن التي تعبر عن رأيها بالمواكب السلمية...وأخذت تتجاذبهم أمواج السياسة السودانية والشرق أوسطية...فلاذوا بالأحزاب الطائفية التقليدية وأشركوها في الحكم (بقسمة الثعلب – أبو الحصين)، ولكن ذلك لم يسعف نظامهم المفلس سياسياً والمنهار إقتصادياً، فالأحزاب التى لجأوا لها منقسمة فى داخلها... ومتشظية لأبعد الحدود...وغالبية عضويتها لم تتصالح بعد مع نظام المؤتمر الوطني الحاكم، وغير راضية عن المشاركة فى جهاز البشير السيادي والتنفيذي، واعتبرتها فتاتاً لا يسمن و لا يغني من جوع.
وعلي مستوي الشرق الأوسط، لا تخفي حكومة البشير استجداءها لحكومات الدول العربية المنتجة للنفط، و لا يمر يوم من أيام الله السبعة إلا وتتهافت وفودها علي هذه الدول طالبة الإعانات والقروض والاستثمار....وفي نفس الوقت، وبلا أدني خجل، تضع حكومة البشير يدها في يد أكبر عدو لهذه الدول، وهي إيران، وتدخل معها فى حلف استراتيجي منذ أول أيامها بمطلع التسعينات، كان من ثماره مصنع اليرموك الذي دمرته الطائرات الإسرائيلية فى مساء الثلاثاء 23 أكتوبر من العام الماضي...والتسهيلات الممنوحة لإيران بالموانئ السودانية المطلة علي البحر الأحمر، ليس بعيداً عن الشواطئ السعودية...والسماح لإيران بتهريب الأسلحة لحماس عبر الأراضي السودانية المحازية للبحر الأحمر...عبر قوافل من الشاحنات ما فتئت المقاتلات الإسرائيلية تتعرض لها وتبيدها من الوجود...ويعني ذلك فيما يعني التعدي علي الحرمات والسيادة السودانية التى لم تهم نظام الخرطوم كثيراً.
وهكذا، وبقدرما نجح النظام فى إضعاف المعارضة ورشوة زعمائها وتحويلهم إلي زومبيات وخيالات مآتة....بقدرما فشل فى الخروج من عزلته المحلية والإقليمية والدولية...خاصة إذا تذكرنا أن رئيسه مطلوب لدي محكمة الجنايات الدولية ومحظور عليه السفر أو الطيران فوق سموات الدول الموقعة علي اتفاقية روما التي أنشئت تلك المحكمة بموجبها.......هذا، ولقد أضافت الانتفاضة الأخيرة بعداً جديداً لعزلة النظام وسط جماهير الشعب...وذلك ما ترمز له المعاملة التى لقيها الرجل الثالث بالنظام...د. نافع علي نافع...الذى طرد من بيت العزاء...وألقم "مركوبا" علي وجهه بالهلالية...إلخ....ولا ننسي جرأة ذلك الصحفي الذي واجه وزير الداخلية ووزير الإعلام فى مؤتمرهما الصحفي بسبتمبر قائلا: "لماذا تصرون علي الكذب علي الشعب السوداني بلا توقف؟.....إلخ.".
ولو كان أباطرة هذا النظام أعلي قليلاً من مستوي الإمبسيلز والمتخلفين عقلياً... لأرسلوا فى طلب المعارضة الحقيقية الموجودة بالشارع: قوي الإجماع الوطني والجبهة الثورية والمنظمات الجماهيرية والشبابية، كما فعل عبود ومن بعده سوار الدهب...وتفاوضوا معها حول سبل الخروج من هذه الورطة.
قالت العرب:
إن اللبيب إذا تفرق شأنه فتق الأمور مشاورا ومناصحا
ويقول مثل أولاد الريف: (ألف نطة...و لا واحد بعبوص.)
ألا هل بلغت...اللهم فاشهد! والسلام.
Fadil Abbas [[email protected]]
//////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.