كلمات مؤثرة في الوداع... كجاب يترجل عن الخدمة برسالة إيمانية    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    الله يستر.. الناس دي ح تبدأ تدور..!!    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    محاولة قصقصة (أجنحة) الهلال    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الوهاب الافندى وسوبرمان الانقاذ ... بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 28 - 10 - 2009


[email protected]
(1)
قبل عقد ونصف من الزمان كنت وصديقى عادل الباز فى ضيافة الشخصية الحركية الاسلامية المنظمة، الاستاذ ربيع حسن احمد، الذى ارتبط اسمه تاريخيا برئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عند اندلاع ثورة اكتوبر قبل خمس واربعين عاما. استضافنا ربيع بمنزله بمنطقة الجريف المتاخمة لحى الرياض، وهو ذات المنزل الذى احتضن الاجتماع الشهير الذى عقدته العصبة المنقذة قبل ايام من انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 لتضع الترتيبات الاخيرة للتنفيذ. توجهت لربيع ليلتها بعدة اسئلة، واحدة منها كان السؤال التالى: لماذا تضع حكومة الانقاذ ملف الحكم الاتحادى وملف السلام معا، وهما اهم واخطر الملفات على الاطلاق واكثرها تشابكا وتعقيدا وحساسية فى تلك المرحلة، فى يد شخص واحد وهو الوزير الدكتور على الحاج؟ لماذا لا تكلف العصبة وزيرها المتنفذ آنذاك بملف واحد، ثم تسند الملف الآخر الى مسئول غيره، هل عدمت الانقاذ الرجال؟! ولامر ما – لا يصعب استنتاجه - لم يشأ ربيع ان يجيب على سؤالى اجابة مباشرة فلجأ بدلا عن ذلك الى ارتجال اجابة ساخرة فهمت منها انه يفضل الا نطرق ذلك الموضوع وان نمضى الى غيره. قال ربيع فى معرض الاجابة: ( ربما كان السبب ان على الحاج طبيب. وفى الفهم السائد عند القوم منذ عهد الطلب ان من دخل كلية الطب وتخرج طبيبا فلا بد ان يكون رجلا "شاطرا" وعلى درجة عالية من الذكاء بحيث يستطيع بما لديه من "شطارة" وذكاء حل اى معضلة)!
ذلك كان كلام الزمان الغابر، الذى أدركت الانقاذ بعده ان الدكتور على الحاج ربما لم يكن ذلك الطبيب الذكى صاحب الحلول السحرية، وانما واحد من غمار الناس، يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق، ويتعفر بغبار "طريق الانقاذ الغربى"، ثم "يتركها مستورة" ويهاجر الى المانيا. بيد ان ذات التساؤل المتعلق بفكرة " سيوبرمان الانقاذ " الذى تضع العصبة في يده كل ملفات قضاياها المصيرية وتنتظر حلوله، عاد فى زماننا الحاضر لينقر على رأسى كالمطرقة فى كل مرة اقرأ فيها خبرا يشير الى الدكتور غازى صلاح الدين، باعتباره المسئول عن ملف دارفور الحالك وطواياه، وملف العلاقات مع الولايات المتحدة الشائك وخفاياه فى آن معاً!
(2)
بذل الدكتور منصور خالد، قبل سنوات خلت كانت فيها اتفاقية نيفاشا جنينا فى رحم المجهول، بعضاً من نثير قلمه لوصف وتحليل المقدرات التفاوضية للمستشار الرئاسى الدكتور غازى صلاح الدين، الذى كان لدى تقويم منصور له خلال عهد الانقاذ الاول يشغل منصب وزير الدولة بوزارة الخارجية. نسب الدكتور منصور للرجل عبارات معينة صرح بها فى مواجهة قادة احدى الدول الافريقية اثناء زيارته لاحدى عواصم الجوار. من ذلك قول غازى لمضيفيه انه مهما كانت التضحيات فان سودان الانقاذ عازمٌ عزماً لا مزيد عليه على المضى قدما فى التمكين للاسلام فى جنوبى السودان ثم فى القارة الافريقية بأسرها، او كما قال. وقد رأى منصور فى مجاهرة غازى ومعالنته بمثل هكذا ادعاءات فى مواجهة قادة افارقة مسيحيين التمست الانقاذ تحييدهم، ان لم تكن مساندتهم لجهودها فى تحقيق السلام مظهرا من مظاهر الغرارة والصلف وضعف الملكة التفاوضية. واذكر ان منصورا كتب فى ذات المقام الناقد ان واحدا من قادة الانقاذ قال للرئيس الاوغندى يورى موسيفينى عند اجتماعه به فى كمبالا انه شعر بسعادة غامرة عندما اكتشف ان خمسة من الوزراء فى حكومة موسيفينى هم من المسلمين، يرمى بذلك الى الاشادة بعدالة تمثيل المسلمين فى مناصب الحكومة اليوغندية، فرد عليه الرئيس الاوغندى متسائلا عن اسماء هؤلاء الوزراء قائلا انه لم يكن قط يعرف انهم مسلمون اذ ان ديانات الوزراء هى آخر ما يخطر على باله عند تشكيل حكوماته!
الجزء الاخير، المتعلق بحوار المسئول السودانى مع مضيفه الرئيس الاوغندى، لا حاجة لنا به فى مقامنا هذا وانما اوردناه من قبيل التزيّد. أما الجزء الاول من افادة منصور فإن لى فيه إربة لأنه كان اول ما تبادر الى ذهنى وانا اقرأ توصيفاً جديدا لافتا للنظر لشخصية الدكتور غازى صلاح الدين وتحليلا اكثر انصافا لمقدراته التفاوضية، كتبه صديقنا الدكتور عبد الوهاب الافندى ضمن مقاله الراتب بصحيفة ( التيار) الاسبوع الماضى بعنوان: ( أمريكا والسودان وتأثير غازى). كتب عبد الوهاب: (( بودنا الاشارة هنا الى ما يمكن تسميته "تأثير غازى" (The Ghazi Effect) فى ترجيح كفة المعتدلين عموما وغرايشن خصوصا فى فريق اوباما. فقد كان لتكليف الدكتور غازى صلاح الدين، مستشار رئيس الجمهورية ورئيس كتلة المؤتمر الوطنى البرلمانية، بمهمة الاتصال بالادارة الامريكية، ثم بعد ذلك ملف دارفور أثر حاسم فى ترجيح النهج الداعى للتعامل الايجابى مع الحكومة. فقد وجد الامريكان وغيرهم من المتحاورين مع الحكومة شريكا ذا صدقية، ليس فقط بسبب قدراته الدبلوماسية والفكرية العالية، بل لنهجه الصريح وبعده عن البهلوانيات اللفظية المضحكة التى ميزت دبلوماسية الانقاذ خلال معظم عهدها). وربما خشى عبد الوهاب ان يخرج له من بين الصفوف من يذكره – او قل يزعم - بأن غازى ربما كان هو نفسه جزءاً اصيلا من (دبلوماسية البهلوانيات اللفظية المضحكة التى ميزت دبلوماسية الانقاذ خلال معظم عهدها)، ولذا فانه لم يدخر وقتا ليؤمّن موقفه فسارع ليلحق بفقرته المتقدمة الفقرة التالية: ( غازى كان تقليديا يحسب على صقور الانقاذ، وهذه ليست دائما مشكلة فى المفاوض لأن هذا قد يطمئن محاوريه على ان ما يوافق عليه لن يجد مقاومة من المتشددين، خاصة وانه يتمتع بشعبية لا ينافسه فيها قيادى آخر بين شباب الحركة الاسلامية).
والحق اننى كنت حتى وقوفى على تحليل عبد الوهاب لمهارات غازى وقدراته وانجازاته التفاوضية اتوهم ان الرجل كان قد تنطع بالمفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان عندما اسند امرها اليه وانتهى بها الى طريق مسدود. الامر الذى حدا بالعصبة المنقذة لتنزع منه ملف السلام وتحيله الى النائب الاول لرئيس الجمهورية آنذاك الاستاذ على عثمان محمد طه، الذى اناخ عيسه عند مضارب جون قرنق وانجز مهمة التفاوض على خير وجه، فكفى المسلمين - وغير المسلمين - شر القتال. ولكن عبد الوهاب فاجأنى – فى مقاله المشار اليه - من حيث لم احتسب بمعلومة جديدة على درجة من الاهمية. اقرأه يقول: ( وقد لعب غازى الدور الحاسم فى مفاوضات سلام الجنوب حيث كان مهندس بروتوكول مشاكوس فى يوليو 2002، وهو اتفاق السلام الحقيقى لأن كل ما جاء بعده كان، على اهميته، مجرد شروح وهوامش عليه). اذن فان المهندس الحقيقى وصاحب المتن فى اتفاق السلام الشامل انما هو غازى صلاح الدين، وليس على عثمان محمد طه الذى – وفقا لصاحبى - لم يأت فى امر الاتفاق الا بالشروح والهوامش. ولا مانع عندنا من ان نسلم تسليماً بأن علم عبد الوهاب – وهو من اهل الذكر فى أمر كهذا - يفوق علمنا بما لا يقاس. ليس فقط على مستوى الاحداث، بل على مستوى الاحداث ومستوى الاشخاص معاً. فالذين يدلى عبد الوهاب فى امرهم بشهادته ويتناول بالتقويم خصائصهم وانجازاتهم رجال يعرفهم حق المعرفة ويعرفونه، خبرهم وخبروه، فقد ترعرعوا معاً فى فناء ذات الدار، ووقف فى حذائهم كتفا بكتف وهم يشيدون بناء الحركة الاسلامية لبنةً لبنة، ومدماكاً مدماكا، منذ كانت حلماً فى طور المثال. ولذا لم يستنكف عبد الوهاب – فى سورة غضب انتابته ذات يوم - من ان يذكرهم كتابةً بأنه واحد من اصحاب السابقة الذين ما كان لحكام السودان اليوم ان يجلسوا متكئين على ارائك المُلك بغير جهادهم. واستنصر عليهم ببيتى دعبل الخزاعى: ( أيسومنى المأمون خطة ذلةٍ أو ما رأى بالامس رأس محمدٍ / إنى من الملأ الذين سيوفهم قتلت اخاك وشرفتك بمقعد ).
(3)
ومع ذلك فإننا لا نرى ما يراه عبد الوهاب فى أمر (الاشخاص) من قيادات الانقاذ، وخصائصهم قدراتهم ومهاراتهم التفاوضية. لا نرى ما يراه من أثر لتلك الصفات على جهود تذليل المعضلات القومية التى يواجهها السودان. بل اننا نظن ان هناك جنوحاً يتنائى عن الواقعية الى الافاضة والاستغراق فى تقدير هذه الخصائص الشخصية والقدرات والمهارات المفترضة، وتثمين دورها فى احداث اختراقات فاعلة فى جُدر القضايا المصيرية السميكة. وقد نرى ان الولع بأدوار الاشخاص وخصائصهم ربما كان من العوامل التى ساهمت بوجه من الوجوه وباقدار مختلفة فى تعقيد – او قل تغبيش - ذات الازمات والمعضلات الكبرى المراد اختراقها. وقد بلغ الشطط فى تقدير دور (الشخص) وصفاته وخصائصه مبلغا كتب معه أحد المحللين ذات يوم فى وسيط اعلامى محترم ما معناه أن اختيار الدكتور غازى صلاح الدين لتولى ملف دارفور انما هو مؤامرة مدبرة من اعدائه فى دوائر السلطة الهدف من ورائها (حرق) الرجل سياسيا. لماذا؟ لأن تكليف رجل شديد بياض البشرة بالتفاوض مع متمردى دارفور ذوى البشرة السوداء والملامح الافريقية الخالصة يكثف الضوء على بالضرورة نقاط ضعف معينة عند غازى، من شأنها ان تجهض قدرته على الانطلاق الايجابى عند البدايات والخطوط الاولى للتفاوض!
عندى أن حظوظ النجاح او الاخفاق فى التعامل مع دولة عظمى كالولايات المتحدة لا تتوقف الا بقدر شديد المحدودية على الصفات الشخصية للمهيمنين على ملف المفاوضات. ما يهم الولايات المتحدة حقاً انما هو المواقف المعلنة من قبل الحكومة السودانية وتطبيقاتها على الارض، والسياسات المعتمدة وتجلياتها فى ميادين الحياة العامة. ومدى اتساق هذه السياسات والممارسات مع المعايير التى اتخذتها الدولة العظمى اداة لمقاربة ومقايسة قضايا الامن القومى والارهاب الدولى وحقوق الانسان وعافية البيئة الديمقراطية، وما شاكلها من الأعلاف التى تغذى مفاعلات الرأى العام الامريكى وتضع نفسها تلقائيا ضمن اجندة صانعى السياسات فى الولايات المتحدة. واذا كانت الدولة العظمى تقدم رجلا وتؤخر اخرى فى أمر رفع العقوبات المفروضة على السودان فانها انما تفعل ذلك لا لانها تسئ الظن – او تحسنه – بالشخصيات التى تفاوضها نيابة عن السودان. ولا لانها تستقبح - او تستحسن - الكفاءات النوعية لاولئك الرجال. بل وليس لأن شخصيات معينة من كواسر الصقور، من ملة سوزان رايس وسامانثا باور، يضمرون الشر للسودان وحكومته ويستقوون على حمائم الادارة الامريكية الراضية المرضية. بل لان اجهزة الحواسيب فى مكاتب غالبية اعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب من الديمقراطيين والجمهوريين ما زالت تتلقى الرسائل الالكترونية من الناخبين من اهل الدوائر الجغرافية، من اقاصى اوريغون الى سواحل فيرجينيا، ومن مجاهل ألاباما الى برارى داكوتا، تتساءل عن تجاوزات حقوق الانسان والابادة الجماعية فى دارفور، التى بلغ الاعلان عنها والتعريف بها فى طول الولايات المتحدة وعرضها – بالحق وبالباطل - مبلغا يبدو ان العصبة المنقذة ما زالت تجهل نطاقه ومداه، وقوة ثقله الانتخابى، وتأثيره الحيوى على ميكانيزم العلاقة بين الناخب الامريكى ومنتجى السياسات العامة من قوميسارات الكونغرس. ثم لأن جهاز المخابرات المركزية ووكالة التحقيقات الفيدرالية واللجان الرئيسية والفرعية فى الجهاز التشريعى لم تصل بعد الى حالة الاطمئنان الكلى بأن الخرطوم قد رفعت يدها تماما عن التعامل مع المنظمات المتعاطية للارهاب، واقلعت عن دعم باروناته. والذين خبروا تشعبات وتعقيدات انظمة الهاى-واى الامريكية يعرفون حتماً صعوبات تبديل المسارات فى اوتوسترادات الولايات المتحدة، لا سيما اذا كان التغيير يستلزم الانعطاف والالتفاف بمقدار مائة وثمانون درجة!
ولئن شهدت الساحة مؤخراً انفراجاً محدودا يبشر بانحسار نسبى فى مد العداء الامريكى استبدلت فيه منهج العقوبات الثقيلة بمنهج العصا والجزرة، فإن جوائز هذه التطورات ينبغى تذهب الى الجنرال الامريكى المتقاعد سكوت غرايشن ممثل الرئيس اوباما فى السودان وحده لا شريك له. واذا جاز لعبد الوهاب ان يتحدث ويكتب، من مكتبه فى جامعة وستمنستر بلندن، عن ظاهرة سياسية جديدة اسماها "تأثير غازى" (The Ghazi Effect)، فإن الاجماع قد انعقد بين المحللين الامريكيين فى طول الولايات المتحدة وعرضها حول ظاهرة اخرى اسمها "تأثير غرايشن" (The Gration Effect). ولا غرو ان سبعة من الصحف الامريكية الرئيسة قد اجمعت على دور غرايشن المحورى فى صياغة الاستراتيجية الجديدة تجاه السودان. وقد نشرت نيويورك تايمز، كبرى الصحف السياسية الامريكية واكثرها احتراما على الاطلاق، بتاريخ العشرين من اكتوبر مقالا للكاتبة جنجر تومبسون، افردت له موقعا افتتاحيا متميزا، بعنوان ( استراتيجية البيت الابيض الجديدة تجاه السودان تعبر عن الاسلوب الواقعى للمبعوث)، اكدت فيه على ذات المعانى التى اتفق عليها المحللون الامريكيون حول شخصية غرايشن ونزعته الاستقلالية وقدرته على تقويم القضايا السودانية وتأثيره الفاعل فى انتاج المخرجات السياسية موضع النقاش. ولكن المبعوث السابق اندرو ناتسيوس كان الاكثر وضوحا فى توصيف فاعلية المبعوث الجديد وتفسير رؤيته الاكثر موضوعية ونجاحاته فى فرض وجهات نظره. قال ناتسيوس: ( سكوت غرايشون رجل عسكرى. والقادة العسكريون واقعيون. الفرق بين غرايشون والآخرين هو انه لم يأت ليعالج الازمات السودانية بذات المخزون العاطفى الذى يحمله كثير من الامريكيين والاوربيين ممن عرفوا دارفور فقط عبر ضجيج النشطاء والاعلاميين).
(4)
هل طففنا من قدر سوبرمان الانقاذ "صاحب الملفين" الذى اراد عبد الوهاب ان يضعه فى بؤرة ضوء ملونة وزاهية وان ينسب اليه نصر النقلة النسبية فى ميزان العلاقات السودانية الامريكية؟ ارجو الا يكون ذلك صحيحا وأحسب اننا ان فعلنا كنا من الظالمين. فلم يكن ذلك اكبر همنا ولا مبلغ علمنا. بل نحن على خطى عبد الوهاب، حذوك النعل بالنعل، نقول بأن المستشار الرئاسى قد قطع فعلا لا قولا اشواطا هائلة فى مشوار تنمية قدراته السياسية ومهاراته التفاوضية. والفارق مهول بين تصعيره خده بالامس امام قادة الدول الافريقية المجاورة وتخويفه اياهم بخيول الفتح الزاحفة والسيوف المسلولة، والرايات الاسلامية الخافقة. وبين صبحه الجديد، بعد ان تعلم الحلاقة على رؤوس الآلاف المؤلفة من ضحايا حرب الجنوب، وهو يجادل اليانكى اصحاب العيون الخضر بالحكمة والموعظة الحسنة ويلتمس الى مرضاتهم لبن العصفور. ونحن بلا شك نأمل ان يكون الشفاء من داء العداء للولايات المتحدة على يديه الكريمتين، وليس ذلك على الله بعزيز. وقد عشنا زمنا تولى فيه غازى منصب الامين العام للمؤتمر الوطنى فى مرحلة تأسيسه الباكرة، وكانت مواكب الدفاع الشعبى تهدر يومها فى الطرقات: ( امريكا روسيا قد دنا عذابها / على ان لاقيتها ضرابها). ولكن الله لم يأذن لعذاب امريكا الموعود بدنو كما لم يهئ لنا ضرابها، وانما كانت هى التى ضربتنا شر الضراب فى عقر دارنا اذ قصفتنا بالصواريخ الموجهة من بوارجها فى عرض البحر الاحمر عام 1998. بل ان الله كتب علينا، فى لوحه المحفوظ، ان تعاقبنا الولايات المتحدة عقابا قضينا بعده جل أعمارنا ونحن نستعطفها ونستجديها ان ترفعه عنا. ونسأ فى آجالنا حتى عشنا ورأينا فتية الحركة الاسلامية يتجادلون أيهم حاز الفضل وكانت له السابقة والمزية فى تلطيف مزاج "الشيطان الاكبر" واستحلاب تحنانه، واستدرار ودّه ورضائه علينا.
عن صحيفة ( الأحداث )
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.