مجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي يجري مشاورات غير رسمية بشأن ملف السودان    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    الذهب يتراجع عن مكاسبه اليومية ارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.7 %    تقارير: البرهان يصدر قرارًا بشأن لجنة لتهيئة البيئة لعودة مواطني الخرطوم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    ماساة قحت جنا النديهة    الرياضة و السلام    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حنتوب الجميلة .. بقلم: الأستاذ الطيب السلاوي
نشر في سودانيل يوم 14 - 07 - 2014

الأستاذ عبد الحليم على طه: يا قمم الجبال يا في الكهوف إضارو
فى العاشرة إلا ربعا من صباح الخميس الثالث من فبراير 1949 كان لقاؤنا ألأول بالأستاذ عيد الحليم على طه فى داخل قاعة الأجتماعات الكبرى التي أدينا فيها قبل ثلاثة أشهر امتحانات الدخول للمدارس الثانويه. وأصبح الجزء لشرقى منها مقرا لفصلنا (اولى كولمبس).
عبد الحليم أقرب إلى قصر فى القامة فى ترابط وتماسك بدنى جلى. جاءنا يلبس الرداء القصير ولكنه طويل اذ يتدلى الى تحت ركبتيه ويكاد يلتصق بالجوارب الطويله ذات اللون الكاكى التى كانت تغطى منه الساقين. وينتعل حذاءا جلدياً بنى لونه ذى رباط. كان لقميصه الابيض اللون باكمامه القصيرة- والجزء الاسفل منه بطبيعة الحال محشوا داخل الرداء- تكامل مع ما كان قد علا رأسه من بياض شعر تناثر هنا وتجمع هناك فى تناسق وتوازن مع لون بشرته الأسمر. وما كان علي خديه من شلوخ "مطارق"زانته وزادته هيبة وهو يخطو فى تؤدة ووقار نحو تربيزة المعلم. وما أن حيانا مرحبا بنا سألنا : منو فيكم وانتو داخلين: القال :أهو دا "اهات"جايى عليكم .عجبنا كيف أنه تمكن من سماع تلك العباره الى وردت عن أحد الزملاء لم نتبين من كان قائلها، ولم نعرها انتباها، أو ندرى ماذا كان يعنى الزميل بكلمة"أهات". وران منا صمت لثوان قلائل ولكن الأمر تبين لنا .حالما اوضحا الأستاذ ان ال "اهات" كانت هى عبارة عن الأحرف الأنجليزية ألاولى من اسمه "عبد الحليم على طه". وسرعان ما بادر زميل آخرمن الصفوف الخلفية متسائلاً: "يعنى اخو الوزير عبد الرحمن على طه ؟ ابتسم ألأستاذ ورد قائلا "لا هو أخوى انا"!!
من تعليق الأستاذ وما تبعه من احاديث تبادلها مع الغالبية العظمى من رفاق دربنا في تلك الحصة، وبمرور الأيام بدأت تتضح لنا معالم شخصية الأستاذ الجليل. وتبين لنا صدق وصحة كثير مما سجله الدكتور موسى عبدالله حامدعنه فى ثلاثية ذكرياته عن خورطقت التى انتقل اليها الأستاذ فى مطلع 1950عند افتتاحها نائبا للناظرالنصرى حمزه. من بين ما وصفه به الدكتور موسى أن أستاذنا عبد الحليم "واقع من السما سبع مرات"(بدون ما يتعوّر على حد قول أبناء بمبه وبلغة شباب السودان فى هذا الزمان فهو"ناقش وتفتيحه") وعلى قدر وفيرمن الذكاء وقوة الملاحظه والاستشعارمن البعد فى دهاء ومكر وقدرة فائقة على التلاعب بالالفاظ. فيما تبقى من حصة ذلك الصباح ألأغر ظل الأستاذ يتجول بين الصفوف يتفحص الوجوه. وكلما أفصح كل منا عن اسمه، ومن أى الفيافى والقفار جاء، كان هو فى سعى لربط الوجوه بالأسماء حسب خريطة جلوسنا. واثناء سرد كل طالب معرفا بنفسه واهله كان الأستاذ يسائله هنا وهناك إن كان لاسم الوالد او الجد بريق أو شهرة فى المجتمع. ويتواصل "الانترفيو" على الهواء مباشرة حينما يلقى الأستاذ على مسمعنا مما عرفه عن أهل الطالب رافعا من قدرهم مشيدا بما عرفوا به من جميل الخصال والشمايل، مختتما أحاديثه بأمله ان يكون الطالب قد ورث من صفات اهله ما يجعله عنوانا لهم ومثلا يحتذى به بين زملائه. ربما كان ذلك النهج هو ما سار عليه أهل السودان عامة، ومعلمو ذلك الزمان خاصه الذين حرص أغلبهم على معرفة خلفيات طلابهم الأسرية والثقافيه من بدايات لقائهم بهم .وقد لمسنا ذلك النهج عند الأستاذ عبد المنعم فهمى الذى كان يتولى مهام أمين المدرسه (البيرسر) مع تدريس حصص الجمباز الصباحى واللغة الأنجليزيه لطلاب السنتين ألأولى والثانيه. فقد أكمل الأستاذان عبد الحليم وعبد المنعم فهمى ورفاق دربهما: الأساتذة احمد المرضى جباره و حسن على كرار و عبد الباقى الخضر وبشرى عبد الرحمن المقبول دراستهما فى قسم المعلمين بكلية غردون فى ديسمبر . 1928وتم ابتعاث ألأستاذ عبد الحليم فى لاحق من الزمان الى الجامعة الأمريكية فى بيروت حيث حصل على شهادة البكلاريوس. وعاد معلما للجغرافيا فى كلية غردون لتحظى به حنتوب لما انبرت من عرينها عام ،1946 ومن ثم خورطقت فى عام 1950 نائبا للناظر فيها.
فى نهاية ذلك اللقاء الأول طلب الأستاذ منا الإبقاء على خريطة جلوسنا قى قاعة الأجتماعات بأن يتخذ كل واحد منا موقعه الذي وجدنا جالسا فيه مقراً دائما ومقاما له اثناء حصص الجغرافيا الأسبوعيه الثلاث. وحجته كما قال قبل مغادرته القاعه فى بنهاية الحصه أنه "اعتاد على تثبيت ذهنه على خريطة جلوس الطلاب حسبما يلقاهم عليها من أول كل عام دراسى". وبما أن فكرة تجربة "الفلوتنق كلاسز"كانت تجربة جديدة، وكان الأستاذ عبد الحليم من غير المتحمسين لمتابعة تنقل الطلاب من فصل الى آخر. ولعل الأستاذ أراد من لقائئا به فى القاعه تقليل "المساسقه" وراء فصلين (كما قال ) طوال النهار. وجاء عنه فى احدى تجلياته ان التدريس فى القاعة الفسيحه المتعددة النوافذ يجعله يحس بالبراح والأنطلاق لاتساعها وخلوها مما كانت تزخر به غرفة الحغرافيا من "الهتش" (خرائط وكتب وأطالس) لم يكن ه وفى حاجة اليها زى مستر ماكبين وهاشم افندى ضيف الله. وقد ورد اسم الأخير فى المقامه الحنتوبيه التى القاها الأستاذ عبد الحليم، الذي عرف بالشعر الساخر في جيله، فى مساء يوم الأباء عام 1949 بقوله عنه "حت ود ضيف لملم خمامو وجانى" بحسبان أن هاشم افندى ضيف الله جاء حنتوب أساسا معلما للغه الانجليزيه. كما كان للاستاذ عبد الحليم رأي سالب في وجود المصاطب فى الفصول امام السبوره لأنها ( فى رايه) تقلل من فرصة تجوال المعلم داخل الفصل. كما انه لا يحب ان ينظر الى طلابه (وهم اولاده) من عل ويفضل القرب منهم ما امكن ذلك.
سعدنا فى ذلك العام بجلوسنا الى حلقا ت درس الأستاذ عبد الحليم وهو يحدثنا عن السودان وعن أهله وهم يمارسون شتى انماط أعمالهم اليوميه (ليس على نهج سبل كسب العيش فى السودان) بطريقة "جعلتنا كأننا نعيش بينهم بما كان يستخدمه من لغة سهلة وانسياب مفردات وتسلسل منطقى وخفة روح تتخللها تعليقاته الذكية الممراحه وهى تتبدى من وراء حزمه البيّن" دون ان يفتر منه ثغر او ابتسام. كان يتخذ الأسلوب القصصى فى قدر من التفصيل غير الممل. ويجنح أحيانا إلى التمثيل وتقليد من سبق له بهم اللقاء فى مختلف انحاء السودان دون ان يذكر اسماءهم من اجل تبيان فكرة أو على سبيل الدعابه.
وصف الدكتور موسى فى ثلاثية خور طقت أستاذنا الجليل وهو يدرس جغرافية السودان بقوله" كان الاستاذ يحملنا الى أجواف المجتمع الذى هو موضوع الدرس ولا يغادرنا إلا ونحن (ناشقون) بأخيلتنا مع الكبابيش أو قبائل البقاره أو ظاعنون مع عربان بحر أبيض او بحر أزرق نبتغى بمواشينا التى تصم الآذان خوارا ورغاء وثغاء حقول الكلأ وبيادر الغلال ومناهل السقيا ومساقط رحمات المياه.وكان لا ينفك يقص علينا من نوادر البسطاء وطرائفهم ما يشحن الأذهان ويخصب الخيال ويعين على استلهام الصبر فى مواجهة مشاق الحياة. حتى إذا أعيانا المسير غلب عليه الرفق بعقول طلابه فيحط بهم عند فريق من "فرقان العرب للراحة من رهق حثيث الظعن وطويل السفر والتجوال.ثم صعد من آخر الفصل أو من أحد جنباته الى مقدمته حيث منضدة المعلم ونفض يده مبتسما مما كان قدعلق بها من بقايا الطباشير موافيا بذلك رنات الجرس إيذانا بنهاية الحصه"..أليس فى الجلوس الى حلقات الأستاذ، وبما وصفه الدكتور موسى لتدريسه، سحر يؤثر!
ألأستاذ عبد الحليم كان تيوترا لداخلية "المك نمر"(سكانها من الطلاب كانوا يعتبرونها الداخليه "السينير" (الكبرى) لبروز شخصية تيوترها الأستاذ عبد الحليم بين "التيوترز"السودانيين وألإنجليز. عرفنا فى لاحق من الزمان ان الأستاذ عبد الحليم كان دائم الحديث فى إصرار على ضرورة وأهمية إسناد مهام "التيوتر" الى السودانيين حالما ينتقل أى من التيوترز الأجانب من حنتوب. وجدت أحاديثه النجاح إذ تواصل تكليف المعلمين السودانيين بأعباء الإشراف على الداخليات عندما أسندت المهام الى "الشيخ الخاتم" تيوترا لداخلية أبو عنجه بعد نقل مستر هوبسون الى بخت الرضا فى مايو 1949.فكان أول الشيوخ ألأكابر تسند اليه تلك المهام ليتولاها من بعده الأستاذ عبد المنعم فهمى (أمين المدرسه وبيرسرها ودفعة الأستاذ عبد الحليم عند التخرج فى كلية غردون) على داخلية ود ضيف الله خلفا للأستاذ محى الدين ابو النجا (معلم الرياضيات) المصرى الجنسيه فى نهاية1949. وكان ثالثهما الشيخ اسماعيل ابو القاسم على داخلية "دقنه" عند انتقال الأستاذ امين زيدان نائباً لناظر وادى سيدنا. ومن بعدهم كان الأستاذ احمد النمر على داخلية النجومى خلفا للخواجه أدوارد قوردون. جاءنا ممن سبقونا الدراسة فى الصرح الشامخ أن كان للاستاذ عبد الحليم تعليق فى بدايةعام 1949عندما تم اسناد مهام الأشراف على داخليتى "ابو لكيلك وعلى دينار (اللتين تم بناؤهما لأستيعاب العدد الإضافى من الطلاب المقبولين فى حنتوب فى بداية العام الدراسى 1949) للأستاذ أحمد ابوبكر ابراهيم المصرى الجنسيه(ابو لكيلك) والمستر هولت البريطانى الجنسيه (على دينار) أن قال" لمتين نحن الحكم الثنائى دا متابعنا كمان فى تربية اولادنا!
ولعل ما جاء فى قصيدته الشهيره بعنوان"أبواتى الكبار"التى القاها فى أمسية يوم الأباء عام 1949يبين مدى ثقته فى نفسه وفى المعلمين السودانيين الذين كان يرى أنهم وصلوا من المعرفه بأمورالتعليم ما يمكنهم من قيادته وتولى إدارة مؤسساته. إذ كان منهم الأستاذ النصرى حمزه زميل وابن دفعة أخيه معلم ألأجيال عبد الرحمن على طه وزير المعارف آنذاك وان لم يفصح بذلك علناً. فقد وجه حديثه بطرف خفى وفى دعابة مستترة للمستر براون مشيدا بجهده المقدر فى مجال التعليم فى السودان فأصبح من المعلمين الذين تدربوا على يديه (حيران) كثيرون بقوله:
يا التحت البرج من همتك بنقيس ... حيرانك كتار دبّر امورك وسيس
حنتوب سبحتك جر الألف يا لويس... حوّط مكتبك النصرى عندو حديس
ومن المؤكد أن كل من له صلة بحنتوب يعلم أن مكتب الناظر يقع تحت برج ساعة حنتوب. وفى الأبيات تحذير خفى للمستر براون من أن المعلمين السودانيين، وفى مقدمتهم النصرى حمزه، كانوا قد أصبحوا مؤهلين وقادرين على نظارة المدارس. فكانت خور طقت من نصيب النصرى حمزه، وانداحت وادى سيدنا الى الأستاذ عوض ساتى، لتعود حنتوب فى عام 1955 الى الأستاذ احمد بشير العبادى الذى عمل نائبا للمستر براون فى عام 1953.
حالما أعلن المستر براون فى الأجتماع المدرسى ذات صباح أغر عن سعادته لاختيار وزارة المعارف النصرى أفندي حمزه ناظرا لمدرسة خورطقت عند افتتاحها فى بداية 1950بدأت التكهنات تترى عمن سيبقى نائبا للمستر براون ومن سيصحب النصرى أفندى الى خورطقت. فكان الاستاذ السنى عباس (رئيس شعبة العلوم) والأستاذ عبدالحليم هما أطول المعلمين السودانيين العاملين فى حنتوب خدمة وأعلاهم درجة وظيفيه بين من كانوا من المرشحين للترقى لشغل منصب نائب الناظر فى حنتوب وخورطقت. وبمضى الأيام سراعا رشح نبأ اختيار الأستاذ النصرى للأستاذ عبد الحليم نائباً له من بين الذين طالتهم الترقيات. ورغم فرحة كل من كان فى حنتوب لذلك الخبر إلا أن أبناء داخلية المك نمر كانو فى نزاع نفسى عظيم بين فرحتهم لنوال الأستاذعبد الحليم الترقية الى الدرجة الاعلى المستحقة له، وبين حزنهم على بعده عنهم، الى جانب قلقهم مما تخبئه ألأيام عمن سيخلفه من المعلمين تيوترا للداخليه. و"من الأنتظار ما قتل". حزنهم كان بطبيعة الحال على سفر الأستاذ الذى خبروه معلما متمكناً وسعدوا به أباً رحيما وهاديا ومرشدا. وعرفوا عفة لسانه و"طول باله" وهدوء حديثه"الذرب المفعم بحكم أهل القرية ودقة وصفهم ونبل مقاصدهم"حسبما وصفه دكتورموسى. وزاد عنه بقوله " كان لا ينقض على الخارجين على الضوابط واللوائح المدرسيه أو المارقين عن السلوك السوى كما يفعل أغلب المعلمين وهم فى سورة غضبهم وانفعالهم بصفعة أو بكف على الوجه أو بسوط أو عصا". كانوا حزانى على إحساسهم بانقضاء أيام سعادتهم برعايته لهم وبأحاديثه الفريده وبطريقة تعامله معهم التى طالما سعدوا بها رغم ما كانوا يتلقونه منه من ساخر العتاب والتندر على كل فعل خارج عن القواعد والنظم، أو يشذعن الثوابت السلوكية. ولكن كم كان الصفاء يعود بين الأستاذ وبين مرتكبى الخطايا حالما يغادر الواحد منهم مكان المحاسبه والردع.
غادر الأستاذ عبد الحليم حنتوب الى خور طقت مواصلا عطاءه الوفير رعاية وهداية وإرشاد وشحذاً لهمم الطلاب. وقد سعد الخور الخصيب بعودته ناظرا فى عام 1954 خلفا للاستاذ النصرى بعد أن عمل مراقبا لكلية المعلمين الوسطى فى بخت الرضا لعام واحد، ليتم ترفيعه الى مساعد مدير المعارف للمديريات الجنوبية، لينتقل ( بعد ان كتبت له النجاة وهو فى جولة تفقديه لمؤسسات التعليم فى احراش الجنوب) إلى بريطانيا ملحقاً تقافيا بسفارة السودان، حيث بقى فى لندن الى عام 1958. عاد بعدها إلى السودان ليخلف الأستاذ نصر حاج على فى منصب "مدير المعارف"( منصب كان له ولمجرد ذكره على اللسان من الهيبة والمكانه قدر عظيم تناسب مكانة من تولوا مسؤولياته فى سوابق الأزمان) حينما انتقل الأستاذ نصر مديراً لجامعة الخرطوم. وواصل الأستاذ عبد الحليم قيادة العمل التعليمى فى تعاون وثيق مع صديقه الأستاذ زياده ارباب وزير المعارف الى عام 1963 حينما انتقل الأستاذ زياده الى وزارة الأشغال، وحل مكانه اللواء طلعت فريد وزيراً للمعارف، التى تم تغيير اسمها ليصبح "وزارة التربية والتعليم". ولذا كان الأستاذ زياده آخر وزير لوزارة "المعارف" والأستاذ عبد الحليم آخر من تولى وظيفة مدير "المعارف". ولكنه كان أول من شغل منصب " وكيل وزارة التربية والتعليم". وتم ترفيع درجة المدير الى درجة "وكيل" فى 1963 أسوة بوزارات المالية و الداخليه والخارجية. وما أن هل عام 1964 كان الأستاذ عبد الحليم فد بلغ السن القانونية للتقاعد بالمعاش تاركا الموقع للأستاذ التجانى على.
وقبل اسدال الستار على ما أوردته من قليل سيرة الأستاذ لا بد من الإشارة الى ما كان له من باع طويل فى نظم الشعر بأنواعه فى كل المقامات والمجالات. فذاع صيته وانتشر بين اهل السودان عامة وبين المعلمين بصفة خاصه. وأنشد فى حنتوب وعنها، وفى كل مناسبتها، ما أطرب وأبكى. وفى مجال السياسة، وعن مؤتمر الخريجين وأعضائه أفاض وأوفى. وفى مجال الأخوانيات اشتهر بمساجلاته مع صديقه محمود الفكى التى تولى الدكتور فيصل عبد الرحمن على طه، ابن أخ الأستاذ، إلقاء الضو عليها فى كتاب فريد اطلق عليه اسم"بين شاعرين: مع إخوانيات عبد الحليم علي طه ومحمود الفكى" . أما ما عرفه المعلمون من شعر استاذنا الجليل فهو كثير وشائق وفيه قدر وفير من الأمتاع والمؤانسه خاصة المقامة الحنتوبية. وتناول من خلالها الشعب المدرسيه ومعلميها والمستر براون (التحت البرج ). كما ورد في بعض شذرات منها طرائف سباق الضاحيه وأسماء بعض العمال. وعلى سبيل المثال لا الحصر ورد عن شعبة الجغرافيا قوله:
ابواتى الكبار ان شاء الله تكونو لى فى العون.. فى لمح البصر حالا نلف الكون
أهل خطوه كل ساعه قالبين لون ...مرّن فى الفرات ومرّن بخوضو الرون (نهر في أوربا)
وفى مجال آخر يقول:
يا أبوهاشم تقيف تلحقنى يا الجيلانى ...حت ود ضيف هرب لملم خمامو وجانى
وعن سباق اختراق الضاحية، المنشط الرياضى الذى اشتهر فى حنتوب اكثر من رفيقتيها وادى سيدنا وخورطقت، فهو يقول:
ابواتى الكبار ما شفتهم يو جالو.. يوم سبق الشيوخ ورونا وقعة حالو
الوقف انقبض والجانا ناسى نعالو..والوقع انكسر أدّو الحصص لبدالو
وفى الخور الخصيب نظم الأستاذ الكثير من ألأشعار اشتهرت بين المعلمين ويحفظها الطلاب. نذكر منها بعض ما احتوته القصيدة التى القاها يوم افتتاح ثالث الصروح الشوامخ عطر الله ذكراها:
الخور الخصيب اتحركت اشجارو...فى ربوة كثيب اتجمعت سمارو
من بعد البيبس اترادفت امطارو...فاض نيلو وكسر أبكى الفرح بحارو
والوادى الخصيب ادانا من أزهارو... طقت هللت والخور كشف انوارو
كبرو للجهاد تغزو الجهل فى دارو..مهما كان حصين مهما بلغ درارو
مهزوم الجهل اتخاذلت انصارو..
وقال مِخاطبا طلاب المدرسه:
شمرو يا شباب احدى الصعاب اختارو... يا قمم الجبال يا فى الكهوف اضارو
ان درتو الصعود احيو المسيد بنارو.. يتضح الطريق أمل البلد فى مسارو
وكلنا أبهات والأب بحب لصغارو .. قدر حب أبوك واتفانى فى اظهارو
رد الجميل واحد على معشارو.. امنية ابوك فى شدتو واصرارو
انت تكون مثل أعلى المثل سيارو.
رحم الله أستاذ الأجيال عبد الحليم على طه فى أعلى عليين، وجعل الفردوس الأعلى مقراً له ومقاما، بين الشهداء والصديقين من أخيار المعلمين بقدر ما قدم وأعطى وبذل وهدى وأرشد. وستظل آثاره وبصماته باقيات خالدات عبر السنين فى أبعاد اللانهائيه وأغوار الأبدية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.