الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في نص الكتّاحة/ العاصفة الرملية .. بقلم: د. أمير حمد_برلين _المانيا
نشر في سودانيل يوم 30 - 10 - 2014

ذكر (ابن منظور) أن الكتح هو (الذر وإثارة الغبار)، وهو عين المعنى الذي يقصده أهل السودان من الكتاحة أي العاصفة الرملية. السودان كبيئة جغرافية موطن شبه صحراوي ويشقه مجرى نهر النيل العظيم بساعديه الأزرق والأبيض اللذين يتعانقان بشغف في الخرطوم فسيفران عن نهر النيل المنقاد شمالا عبر الصحراء والوهاد ومصر، ليصب مجتازا الشلالات الصخرية ختاما في البحر الأبيض المتوسط. ولكل سوداني أهل في العاصمة أو أطراف السودان الأخرى..
لقد تغيرت البيئة كما تذكر كل المواقع والمراكز المختصة بالبيئة، لاسيما في المناطق الاستوائية، وكذلك مناطق شبه الصحراء كالسودان، كما في أمريكا اللاتينية المطابقة له في البيئة الجغرافية. تماما كما استحال المجتمع الصحراوي إلى مجتمع مديني متكلف يركض وراء المستجدات والابتكارات الحديثة ويهدم الموروث دونما أوبة. لقد حاولت في قصة (الساحة) أن أعرض مثل هذا التحول الخطير الذي يسري ببطء إلى المجتمعات القروية البسيطة.
حينما أبت إلى السودان بعد انقطاع طويل دام خمس سنوات أتت معي ذكرياتي والصور الأليفة الحميمة التي عشتها من حلقات الذكر والديار المفتوحة كأن لا باب أصلا.. عدت لأتمشى وأداعب باب جدتي العتيق بالمزلاج الحنين والخشب الثقيل حدثت نفسي: "ربما يكون هذا آخر معلم" تابعت بحثي عما اندثر.. في الذاكرة لم يكن هناك شيء.. لم يكن.. فقد خلع الباب واستبدل بباب جديد. بكيت في داخلي وتذكرت (باب ود البصير) في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال).
نعم حينما يكون الأدب صورة نابعة وعالما مموها للواقع يكون، بالفعل، الفنان صادقا غير متصنع كما فعل أديبنا الراحل الطيب صالح. كتبت قصة الساحة بعد أن فقدت (عالمي الصغير) في الديار المفتوحة والسمر البريء (مصباح زيتي في قارعة الطريق تحت سماء حانية). قال لي صديق إنني لم أعد كما كنت وإنه يحس بأن ثمة حاجزا، هوة سحيقة بيننا. لم أرد عليه لأنني شعرت بمثل هذا الشعور منذ البدء.. منذ رأيت أبواب الحديد والعمارة الحديثة والمكيفات والغرفة الموصدة والفضائيات تتلاحق واحدة إثر الأخرى. أهذا هو العالم الذي يتوجب عليّ أن أتواصل معه؟ لا أدري.. ربما أتواصل معه.. وتملكني الخوف من فقد هويتي كسوداني.
تحدثنا طويلا عن سودان اليوم وانفصال الجنوب وحرب غرب السودان، وتهميش شرقه، وظاهرة امتداد المركزية في الخرطوم واتساعها شمالا لا إلى غير. قال لي إن النخبة السودانية هاجرت ليستفيد منها الغرب والدول العربية، أما نخبة الداخل فتخدم النظام. صمت ثم نظر إليّ طويلا وقال: أنت ألماني لا تعرف عنا شيئا ولا أظنك بعد أن رأيت من تناقضات عائدا إلى السودان. ربما عدت فقط دون عاطفة أو تفكير في هذا الوطن المعذب (كتبت قصة الساحة وأنا محاصر بين كل هذه الآراء والحاضر والماضي، بين الحنين إلى السودان في الذاكرة وبين الأبيض وانتفاض على واقع لم يرضني. في خضم الحداثة اتبعنا بإصرار سياسة الحفاظ على الموروثات والتاريخ القديم.. فمثلما تقدمتنا اليابان صناعيا وثقافيا حافظت على هويتها حتى أصبحت واجهة خارجية لها.. عدت.. عدت إلى السودان.. انتصرت للذاكرة.
Xxxxxxxxxxxxxxxxx
العاصفة الرملية
(الكَتَّاحة)
أن يكون الإنسان من الصحراء يعني كما كانوا يعلمون أنه مرتبط بحرب لا نهاية لها مع عدوٍّ ليس من هذه الحياة، ليس إنساناً أو أي شيء آخر؛ إنه الأمل نفسه، وما الحرية سوى الفشل الذي يُقدَّم إلى نفوس البشر.
(أعمدة الحكمة السبعة: لورانس)
«النخيل»، هذا هو اسمي الذي سمَّاني به والدي تيمُّناً بهذه الأشباح الباسقة، التي تتوزع قريتنا الحالمة. إنها بقعة خارج خارطة العالم، دون شك. لقد بلغتُ هذا العام ثلاثة عشر عاماً، أو ثلاث عشرة كتَّاحة، كما يقيِّم المسنُّون عمري هنا.
كان يوماً كسائر أيام القرية، تهادَى فيه صوت مغني الحي «ود أبو زَهَانة» وتقاطَع إيقاع الطبول وزغاريد النساء، ينمّ عن فرح جديد. لقد آبت الحياة ثانية بدفقات الأمل والوله بالأرض، إثر وفاة «البَلُوم» مهرِّج القرية، الذي عصفت به «الكتاحة» في العام المنصرم في بئر مهجور تحيطه أشواك كأسنان غول، فقضى نحبه جوار الدِّلاء الفارغة، ورطوبة القاع.
نحيف البنية كان البلوم، معاقاً، وبصوتٍ متميز يقلد به أصوات الحيوانات، والمطربين، وذرف الكتاحة، فيتحلقه المارة، ليتحفهم «حسب الطلب» مقابل بعض النقود. كانت «الكتاحة» آخر صوت قلَّده، فترصدت به وبالبيوت النائية وراء الحي، وذهبت بما ذهبت، وبتلفازنا العجيب، وجدار بيتنا، إثر انفجارها كبالون.كنت اكتاحة فرصة نادرة للصوص المخازن واالبيوت الاشباح الخفية فيسرقون مايسرق دون ان يعلم اهل البيت بوجودهم لظنهم بانهم من افراده لاحتداد الظلام بااطباق بساط الكتاحة على معالم الاشياء والشخوص .
مضطجعاً كنتُ في بهو بيتنا العتيق، الذي ورثه والدي من أبيه، مصيخاً السمع إلى حديث المارة، فتباغتني بين الفينة والأخرى رائحة نبيذ العرق من خارج منزلنا ، والتي سرعان ما تتلاشى في تباشير الكتَّاحة. برائحة المطر أُفعم الهواء، وطفقت ذرات الرمل تلتف في حركة دائرية، فيما أعتم الأفق رويداً رويداً لاندلاق بساط تبري فوق السحب، أشبه بألسنة الموج على الشط. الكتَّاحة، الكتَّاحة، ياناااااااااااااس. شقَّ فضاء القرية صوت «النعيم»؛ المنذر السنوي للحي. من خلف البهو حيث كان يسقي نخلته، اندفع والدي، وتحجرت عيناه إزاء جدار البيت، كان يعلم أن سقوطه هذه المرة يعني إفلاسه تماماً، وتطويق الدار بأغصان شوكية كما يفعل تعساء الحي هنا.
لقد كان ما يتقاضاه كحارس للأهرامات النائية بالوادي الكبير، والحوافز الزهيدة التي ينالها كلما أمسك بأحد مهربي الآثار، لا يعدو عن منصرفاتنا وشراء بعض شتلات نخل، بين الفينة والأخرى، فيسمق بعضها، وتصوِّح الكتَّاحة بالبعض الآخر، فيبدو كتماسيح هرمة تحت ثوب الرمال الشفيف. عن عمر هذه الآثار الضاربة في القدم، ظل يحدثني، عن لصوص الحي، الذين يداهمون المخازن والبيوت أثناء انفجارها وتعتيمها للرؤية فيصدعون الحجارة الأثرية، ليبيعوها للأثرياء ولكأنها سائر قرميد متداعٍ عصفت به كفّ الكتَّاحة.
كان يشتد به الحزن كلما أطبقت الكتَّاحة، ليس للخسارة التي تُمْنيه بها فحسب، وإنما لرؤية النخل، والأهرامات بالوادي الكبير، متشبثة ببعضها البعض، وهي على قيد الغرق في الرمال.
مأخوذاً بالفضول، خرجتُ إلى الطريق، لأُمعن النظر ملياً، في نخلة دارنا وهي تَلُوح من قصيُّ في تباشير العاصفة الرملية كشراع يشارف الغرق. إنني جزء منها؛ من ألسنة التنّين تلك، ثمة نهر ساكن يجري طيَّها، يستبيني. خرجتُ إلى الطريق الواسع، كل الطرقات واسعة هنا، كالمفاوز الحليبيَّة بين النجوم. كان صوت النعيم يطوف بإنذاره كبوق سيارة، فيما اكتنزت السماء ببساط تبريٍّ، توزعه سرب طيور آتية، اشتدَّ تطواحها. إلى غبار شفيق، مثقل برائحة المطر، استحالت ذرات الرمل المُثار.
كعادته، كلما عصفت الكتَّاحة، عكف «النعيم» يطوِّق بيته بحبل سعف، ويربطه حول وتد مغروس في الأرض، خشية أن يذهب بيته مع العاصفة الرملية!، لقد كان مأهولاً بأساطير الجن، وتأويل الصرخات المنفلتة ليلاً، من البيوت الشاغرة، وجبَّانة الحي.إلى جواره كانت حليمة؛ زوجته، تتصارع مع الدجاج ، وزغب الحمائم المنتفض في السلال وصفائح صدئة، لتضعهم في مأمن من الكتَّاحة. عُرفَت حليمة ب«المتأبِّطة» لتأبُّطها كومة ملابس دائماً. مع دفقات الرمال. كان جيش أطفالها يتقافز فرحاً، في وسطهم حمار بعينين جميلتين، لا تفتأ تتسع حدقاتهما، وهي تبحلق، في الأفق التبري الذي أخذ يكتنف قبة السماء.
بدأ الطريق يقفر إلا من شبح مخمور لم يحتفِ بإنذار «النعيم»، وهتاف فتاة خرجت في التو من بيت العرس، فانحسر ثوبها بفعل لفحة رملية، فبدا فستانها شفيفاً، ملتفَّاً حول الأرداف، لا ينسجم مع حشمتها، وحجابها المفتعل. كل شيء هنا رهن الكتَّاحة. لم ينقطع صوت مغني الحي الأبحّ وترديد المحتفلين حوله غير آبهين بالكتَّاحة، فهي لديهم مجرد انفجار بالون، يضحكون في إثره من ملابسهم، وملامحهم، المكسوة بالرمل الشفيف.
كان الغد، موعد مسيرة العروس إلى النهر؛ نعم النهر، ذلك العملاق الأوحد الذي يقوى على اليباب، النهر، الطقوس العتيقه التي يزف إليها الفرح. بطمي القاع تُخضب كفَّا العروس، ويُجري الأطفال مراكبهم الورقية فوق النهر، وينشد الصيادون، كأنهم عادوا بصيد ثمين: هيلا.. هيلا.. هيلا. النهر، بلجَّته المتوهجة كإهاب البرتقال وعذوق نخل ضفافه، والمراكب الغارقة في الشفق.
كانت نخلة دارنا تتمايس كعروس، كأخطبوط فوق جذع مرن. نظرت إليها لأستمد منها القوة والطموح كوالدي حينما يقف قبالتها كلما تكالبت عليه الحياة. لقد ظلت هذه النخلة لصيقة بمخيلتي، كلوحة زيتيه لوالدي، رسمها عابر طريق يغلب عليها لون الكتاحة (البنّي). كان يطل من بين إطارها بجبين منمنم بغيوم شاردة، وبعينين ساجيتين، توشكان أن تتحدثا عن سرٍّ عَصِي؛ ربما طلسم الكتَّاحة، أو ماض ما.
إليها كان يشير القاطنون بالبنان، ويحسبون على امتداد ساقها ارتفاع الرمل وعقدات الريح، لقد كانت في منظورهم هبة سماوية، مبارك ثمرها، وظلها المغدق، وساقها المنتصبة. كانوا يؤوَّلون بقاءها بحب والدي لها، وبحديثه الودي معها، كصديق حميم، أو كمناجاته لذاته. أما الكتَّاحة، فهي في منظورهم عقاب مرسَل، رغم إلحاقها الضرر بأفقر الناس، ورواد المساجد. لقد ذهبت في العام المنصرم ب«حصير» المسجد، وجرار ماء السبيل، ورايات الذِّكْر، والطبل العريق، وبحظيرة كاملة.
تعالى بساط الرمل فوق سطح الأرض حتى كاد والدي أن ييأس من غرس النخل. لقد سقط جدار بيننا، وطار تلفازنا العجيب، الذي كان يتبوأ مجلسه بين أثاث الغرفة كضيف أوروبي. كنا ندلِّله أيما تدليل، حتى أن أخي كاد أن يغسله. سدى بحثنا عنه إثر أن هدأت الكتَّاحة، فأخبرنا النعيم بأنه قد رآه منفلتاً كقذيفة طيَّ الكتَّاحة، «والبروش» والعلب الشاغره، والرايات، والملابس، والدراويش بجلاليبهم الخضر.
لقد كان هذا التلفاز هديةً من مهندس بهيئة الآثار لوالدي، ليزجي به الوقت، فأغرم به في البدء, فظل يشاهد الأنباء، والنشرة الجوية، إلا أنه سئمهما بمرور الأيام ولم يعد يصدقهما.
كعادته كان يقضي مساءه في الاطلاع على كتب غريبة لم أفهم فحواها. كغيره من الآباء هنا، لم يحظَ بقسط وافر من التعليم، فرمى به قدره إلى هذه الآثار فشاب معها، وأدمن التنزه، والجلوس بين المدارج والآثار الشامخة طي الوادي الكبير، متفيئاً ظلال المعبد العتيق، محدقاً في الرسوم الجدارية والنقوش.
كان كثيراً ما يجلس متكئاً إلى حائط المعبد، ويسرح النظر بعيداً، كأنه ينتظر أوبة أمير نوبي شطَّت به الدرب بين الفجاج. كان الجيران يجتمعوا في بيتنا ليشاهدوا التلفاز، الذي أصبح بمنزلة الناطق عنهم والمسلِّي الأوحد. كانوا، قبل امتلاكنا التلفاز, يأتون إلينا، فنتسامر إلى آخر الليل، ثم ينصرفون على رؤوس أصابع أقدامهم،خيفة أن يوقظوا أطفالهم، وقد هدأوا في أحضانهم.
كان أخي مغرماً بالتلفاز، فشرع يحلم بالهجرة إلى تلك الأصقاع الأنيقة التي يبثها، ليحقق أمنيته كملاكم. لقد سئم الصراع مع الطبيعة، وكتَّاحتنا بضرباتها المراوغة. سافر رغم توسل أبي، ومحاولة إقناعه بالتريث، على النقيض من والدتي، التي لم تعترض على هجرته رغم حاجتها الماسة إليه لإصابتها بداء السرطان، أو داء الكتَّاحة كما يصفه القاطنون، لذيوع نبأ دفن نفاياتٍ ما في الصحراء، تشعّ بالمرض كلما عرَّتها الرياح. كان والدي يضع على صدرها الموبوء لفافةً محشوةً بمسحوق أعشاب، ويدور حولها بمجمر بخور مرتلاً آيات ما، ومهمهماً عن ظهر قلب بأسماء بعض الصالحين، ثم يقف ليسألها عما إذا أحسّت بتحسّن، فتومئ برأسها في حيرة من أمرها. إنهما مخلوقان متباينان تماماً. طفقَت حياتهما بمرور السنين، تنسجم على نحوٍ ما. ربما تعوَّد كل منهما على الآخر، لا أدري على وجه الدقة، مثل «سالمة المشَّاطة» أو وكالة رويتر، كما يصفها أهل الحي، فقد كانت تعرف تفاصيل كل امرأة، وزوجها. كانت تصف لقاء والدي بوالدتي كشيء هامشي، عصفت به الكتَّاحة إلى عقر دارنا، فأخذ يتعملق شيئاً فشيئاً، وأصبح جزءاً من الدار، مألوفاً لدينا.
لم تكن والدتي تعرف والدي قبل زواجهما. خضعت لقرار أبيها، واعتماده على معرفة أهلها، لا سيما وأنهم من قبيلته، فقبلت التزوج به، في حيرة من أمرها. لقد كان أهل الحي هنا يتأفَّفون من كلمة (الحب)، والإذعان إلى رأي النساء، فالمودة، والتعرف، في منظورهم، لا يبدآن إلا بعد الزواج.
في كل دقائق حياتنا، انتظمت الكتَّاحة، تجمع النادبين حظوظهم إثر انقشاعها، وتحجبنا عن بعضنا كلما انفجرت، فننفرد بذواتنا كسكينة العابدين. كنا، إن أعتمت الرؤيا بفعل الغبار والرمل المنسلَّين خلل الصدوع والثقوب، نتحلق مصباحاً زيتياً، لنحس بوجودنا معاً، فتتشابك أيدينا، فأحس بيد أبي الخشنة ممسكة بيدي وحشرجات أنفاس والدتي المريضة وزفراتها لتهيؤها ضيق المكان فجأة. كانت الكتَّاحة تنسرب بالرمل وبالعتمة بين الشفاه المطبقة وبين الشخوص. ما من ثمة مغنٍّ يوقِّع ألحانه ككتَّاحتنا، في مهبها، وذرِّها، وكَتْحِها، وهدوئها تارة، وعصفها من ثم، مقوضة جداراً، أو ذاهبة بالعلب الفارغة، وبالذاهبين دونما عودة.
وأنا ذاهب في أفكاري تلك، ربتت أنامل خشنة، على عاتقي فأدرتُ وجهي لأرى والدي واقفا، يحدّق فيّ:
يا ولد!، الكتَّاحة!، واقف هنا وحدك، بتعمل شنو؟.
يا الله!، البيت، الكتَّاحة جاية إلى دارنا بنخلتها المرتعشة في مهب الريح. كراية، كنت أحثّ السير إلى جواره، وهو آخذ بيدي. أحسست بتعاظم انتمائي إلى قريتنا، ونخلة دارنا، كلما تعاظم شبحها في اقترابنا منها، وهي تظعن في قبة السماء.
إنك لا تتحدث كثيراً يا عزيزي المسافر كما يحلو لبعض المسافرين, أو ربما شغل ذهنك شاغل ما.
بهذه المفردات قطع حبل اأفكاري صوت مسز روز؛ جليستي في قمرة القطار، وهي تهمس في حياء.
لقد شغلتني رحلتي في الذاكرة ببعض تفاصيل حياتي يا مسز روز.
أها، الرحلة في الذاكرة تجذيف ضد التيار يا عزيزي المسافر. فيم كنت تبحر في الذاكرة كل هذه المدة التي أكملت فيها قراءة صفحات طوال من صحيفة نوي زيورخ!، ربما تفكرتَ في فتاة ما؛ قصة حب؟.
نعم إنها قصة حب عظيم، ولكن ليس كما تهيأ لك، لكم أرهقتني رحلة القطار هذه من برلين إلى جنيف، متى سنصل بحق السماء يا مسز روز!.
لا تقلق لقد شارفنا جنيف.
وقفت مسز روز قبالة نافذة قمرة القطار لتنظر إلى المشاهد التي كان يجتازها القطار خطافاً؛ مروج خضراء مد النظر وبحيرات نائية وسط سلاسل جبلية متواترة، رسخ في ذهني مشهد من بينها لا أدري لماذا منازل ريفية أثرية متشبِّثة ببعضها البعض على ذروة جبلية, لكأنها تقاوم السقوط على السفح. أدارت مسز روز وجهها ببسمة مرتسمة على شفتين كرزيتين ممتلئتين كستها بملامح خلاسية. إنها سيدة في نهاية العقد الرابع دون شك، معتنية بهندامها وبنفسها لا سيما شعرها الكثّ المجعد وأناملها, تجلس عاقدة ساقيها الطويلتين الممتلئتين وتنحني بين الفينة والأخرى لتُبرز مفرق نهديها متظاهرة بترتيب أشياءها الصغيرة في حقيبتها اليدوية الأنيقة. قالت وابتسامتها تزداد ألقاً:
إنني أعشق التنقل والمدن الكبرى. يا إلهي!، لكم تسحرني بجمالها.
أحسست بهوَّة سحيقة بيننا وهي تردف بهذه الكلمات من بين لفيف دخان سيجارتها:
ربما زرتُ ذات مرة موطنَك في إحدى عطلاتي الصيفية.
(وطني أبْحَرَ مقتلعاً جذوره؛ ما من شيء يشي إلى بوجوده إلا ما يرويه عنه القاطنون هناك). هممت أن أقول لها ذلك إلا أنني آثرت الصمت.
منذ كم سنة تقيم في برلين!.
منذ ثلاثين سنة.
هزت مسز روز هامتها منذهلة من إجابتي، فيما كانت تمعن نظراً في أظافرها المطلية بلون كرزيّ كشفتيها.
كانت تحدثني طوال الرحلة عن مسرحية (أندورا) للكاتب السويسري ماكس فريش، وعن حبها للقصص الغرائبية لهنود الأمازون، وعن هواياتها كالتزحلق والتحليق مع السواح بالمنطاد والتلفريك فوق أسطح جنيف ومرتفعات سويسرا. سألتني عن برلين؛ موطني الأم، هكذا قالت، فحدثتها عن أهم معالمها، وعن مقهى النهر الذي يرتاده بعض الرحالة والنحاتين والأدباء الألمان. لم تُعِرْ هذا اهتماماً واضحاً مثلما أثار انتباهها حديثي في ما بعد عن أهرامات النوبة في الصحراء عند طرف قريتنا، وحياة الهَمْبَاتَة بين النهب ومؤازرة الفقراء. قاطعتني قائلة:
ربما تأثَّروا ب روبين هود!، ضحكت ولاحظتها تنظر خلسة إلى حقيبتها اليدوية جوارها. لقد استمرأت حديثي طيلة الرحلة، فكانت تصغي مليَّاً وتضحك تارةً، فتتورَّد وجنتاها وتنحني كعادتها فبدا مفرق نهديها كمنخفض بين ربوتين. شَقَّ صوت سائق القطار هدوء المسافرين معلناً اقتراب القطار من محطة جنيف الرئيسية. سحبت مسز روز حقيبتها الجلدية المذهبة من تحت مقعدها وانتصبت كنخلة دارنا باسطة كفها لتودِّعني:
الوداع يا مستر...!.
النخيل.. النخيل يا مسز روز، إنه اسم حركيّ دون شك، سيندثر ذات يوم حتماً أو ربما غيَّرتُه كما غيَّر مجريات حياتي.
الوداع.
الوداع.
ثم افترقنا.
صافيةً كانت سماء جنيف في هذا اليوم. تهيأتُ انفجار عاصفة رملية ككتَّاحتنا في قلب أوروبا, من يدري!، كل شيء محتمل حدوثه في هذا العصر المضطرب؛ كل شيء، فالأرصاديون يتنبأون بتغيرات جسيمة في البيئة والطقس. جررت حقيبتي خلفي وتسكعت دونما هدف في طرقات جنيف الليلية إلى منتصف الليل، لكأني في تحدٍّ مع قدمي، كشأني في قريتنا تلك. ثلاثون عاماً وهي لا تبارح مخيلتي، حريص عليها حرص مسافر صحراء على زاده. هاتفتُ مضيفي في عمق الليل، فاستقبلني بسيارته قلقاً لتأخري. قلت له إن كل شيء محتمل حدوثه!، قطب جبينه مستغرباً مما قلته، ثم ضحك بغتة باسطاً لي يده بعلبة سجائر مقصَّبة كالتي كانت تدخِّن منها مسز روز. نظرتُ إلى وجهه المكتنز ملتمعاً في وهج الثقاب وإلى دوائر دخان السجائر المتكثف بفعل البرودة. نظرت وهممت أن أقول شيئاً فبادرني بسؤاله:
كيف كانت الرحلة؟.
أجبته، ورحلتي في الذاكرة لم تزل تأسرني بعد:
أيهما تعني؟!.
قطب جبينه ثانية منذهلاً من سؤالي:
الرحلة؛ رحلة القطار يا مستر النخيل!.
حدثته باقتضاب، وصوت بيري وايت العميق ينساب حباً وأملاً من مسجل سيارته، وهي تجتاز طرقات جنيف الليلية إلى منزله. أطبقتُ جفنَي وأنا أحلم بمرقد دافئ أوسده جسدي المنهك وصدغي المحموم جراء أضغاث هذا اليوم.
حازت هذه القصة ضمن أعمال أدبية أخرى على منحة أدبية من منظمة اشتراوب وكيث الألمانية. قُرِئ جزء منها بالألمانية بدار ثقافات العالم ببرلين.
الكتَّاحة: مصدر لفعل كتح والذي يعني اثار الرمال. يطلق السودانييون كلمة (الكتاحة) على العاصفة الرملية، وهي كما سبق مفردة فصيحة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.