الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طريق أمدرمان-القبولاب-دنقلا: الماضي والحاضر .. بقلم: أحمد إبراهيم أبوشوك
نشر في سودانيل يوم 11 - 11 - 2014

تطرقنا في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى وسائل السفر التي كانت تربط العاصمة القومية (الخرطوم) بمديرية دنقلا (حالياً الولاية الشمالية)، ممثلة في السكك الحديدية والبواخر النيلية الواصلة بين كريمة وكرمة النُزل، وذلك في مطلع العهد الإنجليزي-المصري (1898-1956م). ونعرض في هذه الحلقة القصة الكاملة لتدشين طريق أمدرمان-القبولاب-دنقلا في ثلاثينيات القرن الماضي، متطرقين للصعوبات والتحديات التي واجهت الرواد الأوائل، أمثال السائق علي محمد ساتي،والسائق سيدأحمد عبد المجيد، وصاحب ترحيلات السلام عمر عبد السلام حامد، والخبير عباس قبولي، ونوع السيارات (العربات) التي استخدمها أولئك المغامرون في انجاز رحلاتهم الاستكشافية، والمقاهي التي أُسست على جانبي الطريق، مثل قهوة أم الحسن بنت ود الحفيان، والذكريات التي ظل يحملها المسافرون عن تجاربهم المضنية على طول الطريق والممزوجة بصبرهم الجَلَدْ وتسامرهم العفوي، والتي صوَّر الأديب الطيب صالح طرفاً منهافي كتابه موسم الهجرة إلى الشمال بطريقة قلمية رائعة، وجديرة بالقراءة والتأمُّل.
قصة طريق أمدرمان-دنقلا
قبل النصف الثاني من عقد الثلاثينيات كانت الحركة في طريق أمدرمان-القبولاب-دنقلا قاصرةً على تجارة الدواب التي كانت تُصدَّر إلى أسواق أمدرمان، والسلع الأخرى مثل الشاي والتمباك، بقيادة خبراء مشاهير، تمرسوا في خبايا السفر في الصحراء، أمثال الخبير محمد قبولي، وأبناؤهعلي، وعباس، وحمد، وهم من سوراب قنتي، وكذلك الخبير جيب الله الذي ورد في أشعار شريشابي (الخبير جيب الله خالك يا عمامي *** وكسر راسمالي ما دارلو التمامي). وتفيدنا الروايات المتواترة أن السائق علي محمد ساتي، أحد مواطني أوربي المقيمين بالسجانة، قد سلك هذا الطريق ذات مرة بالجمال إلى أمدرمان، واستغرقت الرحلة أسبوعين، حفتها المشقة، ووعثاء السفر، وأخطار الضياع في صحراء بيوضة. ويبدو أن تلك الرحلة الشاقة قد ولَّدت فيه إحساساً بضرورة تسليك ذلك الطريق الوعر للسيارات الحديثة (اللواري). وفي عام 1934م امتلك التاجر علي محمد ساتي شاحنة موديل فورد، وقرر استخدامها في فتح طريق أمدرمان-دنقلا، بعد أن عدَّ عدة السفر اللازمة من طعام وشراب، وبوصلة لتحديد اتجاهات الطريق، وكمية من الجير الأبيض لوضع معالم على الطريق الذي ينوي افتتاحه. ثم بعد ذلك تقدم بطلب للسلطات المحلية (الاستعمارية) بمركز أمدرمان للحصول على تصريح مرور؛ إلا أن مفتش المركز اعترض على ذلك الطلب، متعللاً بأن الطريق لا تتوفر فيه إحتياطات الأمان والسلامة اللازمة. لكن علي محمد ساتي قَدَّم تعهداً مكتوباً بتحمل تبعات الرحلة، وبموجب ذلك منحته السلطات المحلية تصريحاً بالسفر. واستغرقت الرحلة من أمدرمان إلى الدبة عند منحنى النيل سبعة أيام بلياليها. وبهذه المغامرة، يُعدُّ السائق علي محمد ساتي أول من دشَّن طريق أمدرمان دنقلا عام 1935م، وبعد عامين في ذلك التاريخ، سلك السائق حسن صبري الطريق في صحبة الشركة المصرية.
بعد أثني عشر عاماً من تاريخ رحلة علي محمد ساتي، تأتي مغامرة السائق سيدأحمد عبد المجيد من أهالي قنتي، بعربة فورد موديل 1946م، لمالكها عمر عبد السلام حامد، وذلك في عام 1947م. ونوثق لتلك الرحلة بنقل رواية سيدأحمد عبد المجيد كاملة دون تعديل في ألفاظها الدارجة، حفاظاً على روح النصَّ الأصل:
"أول رحلة كانت عام 1947 مع عمر عبد السلام صاحب اللوري، وكانت عربة جديدة لنج علىالشاسي، ما فيها صندوق، ماركة فورد موديل 1946، كنا شاحنين شاي، والشاي كان يُوزعبالتموين، والإنجليز بسموا التهريب بالبرشوت. التموين فكوه، خرجنا بالشاي (برشوت) منأمدرمان، قبل أن يصل خبر فك التموين إلى حمرة الوز، وتصبح أسعار الشاي عادية. ركبمعنا عربي اسمه ود أبو جبة، قال ماشي حمرة الوز .. طلعتُ من أمدرمان بعد المغرب،عشان البضاعة ممنوعة .. ووقفنا غرب المرخيات حوالي الساعة العاشرة، أو الحادية عشر ليلاً للعشاء، وأثناء العشاء تذكرنا أن حمرة الوز فيها تلفون، وخبر فك التموين أكيد سيصلها سريعاً، وبها نقطة بوليس أيضاً .. فغيَّرنا رأينا، وقلنا نمشي دنقلا، كانت المنطقة الواقعة بين كريمة وكرمة كلها تسمى دنقلا. سألنا العربي المعانا ود أب جبة إذاكان يعرف طريق يوصلنا دنقلا، فقال: إنه لم ير دنقلا إلا مع أبوه، وكان عمره وقتها عشره سنوات، وكان مشى سوق تنقاسي مع أبوه، ولكنه قال: إنه ممكن يودينا ... اتجاه البحر؛ لكن ما عارفين تنزلوا في أي منطقة. ولم أسلك هذا الطريق في حياتي، ولا حتى عمرعبد السلام .تحركنا من غرب المرخيات، وأصبحنا في قوز أبوضلوع، ثم جبرة، ومنها قطعنا وادي المقدم، وخليناه في يميننا، ومشينا غربه حتى بوحات في يومين...بعد ربع ساعة أو أكثر قليل مشينا وادي أبوعشر، وكان أثر سير العربات التي تبعناه قدأوصلنا حتى جبرة، حيث كانت تأتي من أمدرمان، تحل سم الجراد في جبرة، وكان يخزن في مخزن خاص قبل أن يُوزع بالجمال إلى المناطق الأخرى. أبو عشر لقيناه وادي وسيع، فيه رملة شديدة، وفيه جمام (مثل الماء النابع)، عندما وصلنا منتصفه، العربية غطست حتى الشاسي، والعجلات بقت لافة في الهواء، طبعاً العرب في المنطقة ديك متجمعين؛ لأنه في موية، لبهايمهم، وأولادهم، وهم عرب هواوير، لميناهم وفزعناهم، شالو البضاعة أول حاجة(شوالات وصناديق) مرقوها بيغادي، لمينا الجمال وجبنا حبال الشعر، وفتلناها مع بعضها،وربطناها في التصادم، ومع حركة المكنة قدرنا نمرق العربية بعد ساعتين كده يعني،وكنا قد وصلنا أبو عشر هذه، بعد بوحات، حوالي الساعة عشرة صباحاً، لما مرقنا منها الشمس كانت غابت. اشترينا خروف من العرب، من راجل اسمه حماد علي، ذبحناه للعشاء،وعندنا طبعاً السكر والشاي والتمر والرغيف، اتعشوا معانا العرب ساهرنا، وأصبحنا قبلنا لليوم التالت، وفي الصباح فتلنا حبال تاني، عشان نربط بيها البضاعة، بعد صلاة الظهر كان فى قدامنا فى تبس شديد والوادي وسيع، كلما نمشي شوية العربية تطلع فيالتبس تقطِّع الحبال، وتقع البضاعة، لما مرقنا من الوادي الشمس كانت غابت، وتعبنا تعب شديد في وادي أبو عشر، لما غابت الشمس لينا رقدنا في السهلة ديك من التعب، وكان رغيفنا كِمِل، عندنا دقيق قمح، ولعنا النار، وعملنا قراصة، وكنا اشترينا السمن من العرب،فأكلنا القراصة بالسمن، وأصبحنا على اليوم الرابع. الحقيقة شفقنا لأن أغلب زوادتنا كملت، فطرنا تاني بالقراصة بالسمن، وبعد الفطور دخلنا وادي الملح، هذا لم نتعب فيه كتير .. مرقنا منه فى حوالي ساعتين، ووصلنا بير الإخريت، ودي فيها سيال كتير،كان فيها شوية عرب وموية؛ لكنها مُرَّة وعفنة، قيَّلنا معاهم، واسترحنا، ثم نزلنا بعد داكوادي النعام، مشينا فيه زي ساعتين، الشمس غابت، قلنا أحسن نمشي بالنهار، وقلنا المشي بالليل ما كويس، رغم أننا ختينا النجمة في يميننا؛ لكن برضو خفنا، وفضلنا المشي بالنهار. في وادي النعام نطلع قلعة وننزل قلعة، مشينا زي ساعة أو أقل ظهر ليناترى (نجم) اسمه أبو بان قريب للبلد، لقينا جنب جبل (التدي) بير اسمها بير النور، منها في ديداب (درب بهايم) ... نازل سوق قوشابي ، نزلنا عن طريق هذا الديدابقوشابي، واتجهنا إلى القبولاب، -سميت على اسم خبير الطرق أيام السفر بالدواب عباسالقبولي، من عرب قنتي، والآن أصبحت آثار، وانتقلت القبولاب إلى موقعها الحالي يمين مسار الطريق القديم- لأنه فيها سوق الأحد، وصلنا القبولاب وأرسلنا في طلب عباس القبولي من سوق الأحد سالناه عن خبر التموين فكوه ولاَّ .. لأنه نحن أخذنا خمسةأيام في الطريق، فوجدنا خبر فك التموين لم يصل إلى هناك. قسمنا الشاي قسمين، قسم وديناه دبة الفقراء جنوب الدبة، وأخذنا النص التاني إلى قرية اسمها الغُريبة جواركورتي. الكلام دا كلو في يوم واحد تقريباً، سلمنا الشاي للتجار، واستلمنا قروشنا،وأخذنا راحة حوالي ستة أيام، فكرنا بعدها في الرجعة. قمنا لقطنا الجلود الموجودة في البلد، ... ربطناها كويس. عندي كنبة عند أهلي في قنتي أخذتها لكي يجلس عليها الركاب، ورجعنا بنفس الطريق، وإن ذلك أسهل قليلاً، رغم أنالجلود كانت تتقطع حبالها وتسقط، وعدنا هذه المرة في ثلاثة أيام.
وفي الرحلة الثانية، لأن لوري عمر عبد السلام كان في الورشة لعمل الصندوق، فقد أجَّرنا لوري آخر، وركبت أنا معهم كخبير، ولم يسافر عمرعبد السلام في هذه الرحلة؛ ولكن هذا اللوري كسر جربكس في (الآخريت) نتيجة للتخاريم ومحاولة تفادي التبس الكثير، وكنا أقرب للبلد منها إلى الخرطوم، فأجرت أنا جمل واتجهت إلى الشمالية، ووصلتها في يومين، لم أنم خلالهما، ومن هناك ركبت بابور البحر، ثم القطر،فعدت إلى الخرطوم، وأحضرت الأسبير (الجربكس)، وعدت بنفس الطريقة عن طريق القطر، ثمبابور البحر. ومن الشمالية أجرت جملين بصاحبهما، ربطنا الجربكس في جمل، وركبت أنا على الجمل الآخر، فوصلنا محل اللوري المكسور بعد أربعة أيام تقريباً، وخلال الرحلة كنا نايمين تحت أحد الأشجار، فقام هواء شديد وشرد أحد الجمال، فذهب العربي خلفه من الصباح عاد في المغرب، وصلنا وربطنا الجربكس، وواصلنا الرحلة إلى الشمالية، وقد بقي صاحب اللوري والمساعدين والركاب 16 يوم في الخلا؛ لكن زوادتهم كانت كافية فضلاً عن وجود العرب، حيث يوجد اللبن والذبائح .
في الرحلة الثالثة كنا راكبين لوري مؤجر أيضاً؛ لأن لوري عمر عبد السلام مازال في عمل الصندوق، وسافرت أنا وعمر عبد السلام في هذه الرحلة، وشاء القدر هذه المرة أيضاً أن يكسر اللوري الكرونة في وادي أبو عشر، هذه المرة ركبت الجمل وعدت إلى الخرطوم؛ لشراء الاسبير، أجرت الجمل من واحد عربي هناك،وقال لي بعد ما تصل سلم الجمل لحوش الهواوير في أمدرمان، قمت الظُهر، ووصلت جبرة بالليل، وتعبت من ركوب الجمل ورجولي (اتظلطت) من السرج، وكانت زوادتي تمرات ورغيفات فى كرتوب أو جراب. لم أنم طوال الليل إلى أن جاء جماعة شايلين حطب في طريقهم إلى أمدرمان، ركبت جملي معاهم، ومشينا الليل كله، وعندما أصبح الصباح لم استطع المواصلة،فتخلفت منهم، ورقدت تحت ضل شجر، وعملت كباية شاي، ورقدت نمت حتى العصر، وبعدها واصلت مسيري حتى وصلت أمدرمان في اليوم الثالث عصراً، وصلت دايخ تمام، سلمت الجمل لحوش الهواوير، وركبت تاكسي مشيت البيت، رقدت أربعة أيام مريض من رحلة الجمل، ولم يكن هناك خوف على الجماعة الموجودين مع اللوري المكسور، حيث كانت زوادتهم كافية، وحولهم العرب والبهايم، بعد الأربعة أيام مشيت الورشة أسال من اللوري، وجدته في التشطيب، وقالوا لي بكرة ممكن نسلمك ليهو .. رئيس الورشة واحد يوناني، ملقب بفار الحديد، استلمت اللوري بالفعل تاني يوم، اشتريت الاسبير للوري المكسور (الكرونة)، ومشينا حوش زريبة البهايم، اشترينا خروف كبير بتلاته جنيه، ورفعناه وتوكلنا باللوري، وطبعا هو جديد فاضي، قمت الصباح الساعة ثمانية ونص، بالليل وصلت وادي أبو عشر محل اللوري المكسور، الجماعة شافوا نور العربية، قعدوا يعرضوا وينططوا طبعاً أنا رجعت ليهم بعد سبعة يوم تقريباً من فارقتهم، وذبحنا الخروف، تاني يوم الصباح ربطنا الكرونة، وقسمنا البضاعة على العربيتين، وإتجهنا إلى الشمالية، ولقينا عربي قال أنا المرة دي بوديكم."
يعكس هذا النصّ الممتع، ولغته الدارجة الهجين، طرفاً من أحاديث المعاناة، التي تجشمها أولئك الرواد الذين دشنوا طريق أمدرمان-القبولاب-دنقلا،مغامرين بأنفسهم وأموالهم في طريق وعر المسالك، فيافيه قاحلة، ورماله ممتدة على مرمى البصر، وأخباره مقطوعة، لا يعلم سرها إلا الطيور التي كانت تحلق في الفضاء ولا تبث الخبر. لذلك جاءت إفادات السائق سيدأحمد عبد المجيد، مشحونة بروح المغامرة، ومجاهدات المغامرين، وأدب المعاناة، وهي خالية من متعة الترحال، وأنس المسافرين، وجلسات المقاهي التي كانت في رحم الخيال.
مقاهي الطريق: قهوة أم الحسن نموذجاً
أسست أم الحسن بنت ود الحفيان (ت. 2003م) أول قهوة لشرب الشاي والراحة على طريق أمدرمان دنقلا في أربعينيات القرن العشرين، وعلى بعد 240 كيلو متر من أمدرمان، ناسجةً صريف قهوتها وعرشها من سيقان أشجار السلم المحلية،والتبس والحشائش الخلوية، ومضيئةً ما حولها ليلاً بزيت المكينات المستعمل (زيت الرجوع)؛ لهداية سائقي العربات السفرية والمسافرين على متونها، في صحارٍ قفر، ووهادٍ قاحلة؛ لا تُعرف اتجاهاتها ليلاً إلا بالنجوم، ونهاراً بالظواهر الطبيعية المتناثرة في سهولها الممتدة على مد البصر. وفي هذا الخلاء الصّي، أضحت قهوة أم الحسن منارة بارزة، يُشار إليها من أطراف الطريق، في وقت كانت حركة السيارات (العربات) الصاعدة والنازلة لا تتجاوز سيارة أو سيارتين في الأسبوع الواحد. وبمرور الزمن أضحت قهوة أم الحسن تستقبل العربات (السيارات. اللواري) الصاعدة والنازلة في يومي السبت والثلاثاء من كل أسبوع، وتقدم لها مستلزمات الضيافة، وأساسيات الراحة المتاحة في ذلك الزمن المجدب. وبين أولئك الضيوف الموسمين عُرفت أم الحسن بذكائها الفطري، وفراستها النادرة في تمييز الأصوات؛ لدرجة جعلتها تميز اللواري السفرية بأصوات محركاتها، هذا صوت لوري سيد أحمد عبد المجيد، وذاك صوت لوري سيدأحمد ود فارساب، ومحمد محمد صالح سيد التور، وعثمان قرضمة، وعلي رقمان، وعيسى طه، وحسن صبري، والتجاني خالد دقو، وحسن أبو شنيب، ومحمود أبو زيد.وبذلك أسست أم الحسن لنفسها ولقهوتها علاقات وطيدة مع أولئك السائقين وغيرهم. وهم يطبخون، ويأكلون، ويشربون، ويتسامرون على بروش قهوتها المتواضعة، مقابل ما تيسر من نقود، وماء، وفوائض زاد. هكذا نسجت بنت ود الحفيان شبكة علاقات واسعة مع ضيوفها القادمين من الصعيد والسافل، والشاكرين لصنعتها البسيطة، وضيافتها الباشة من غير تكلف، في واقع فقيرٍ، يحفه الجدب المنبسط على طول الطريق. كانت أم الحسن متصالحة مع بيئتها، لا تتضجر من قساوة طقسها، ولا تمل نداءات المترجلين من مركباتهم التي أرهقتها تضاريس تلك المنطقة، ومناخها اللافح صيفاً، والقارس شتاءً.
وقد جسد تلك المعاناة الأديب الطيب صالح في رحلته من كرمكول إلى أمدرمان في ستينيات القرن العشرين، عندما أفصح قائلاً:
"كنتُ أسافر عادة بالباخرة إلى ميناء كريمة النهري، ومن هناك آخذ القطار ماراً بأبي حمد وأتبرا إلى الخرطوم. لكن هذه المرة كنتُ في عجلة من أمري دون سبب واضح، وفضلتُ اختصار الطريق. وقامت السيارة من أول الصباح، وسارت شرقاً حذاء النيل نحو ساعتين، ثم اتجهت جنوباً في زاوية مستقيمة وضربت الصحراء. لا يوجد مأوى من الشمس التي تصعد في السماء بخطوات بطئية، تصب أشعتها على الأرض كأن بينها وبين أهل الأرض ثأراً قديماً. لا مأوى سوى الظل الساخن في جوف السيارة، وهو ليس ظلاً. طريق ممل، يصعد ويهبط، لاشئ يغري العين. شجيرات مبعثرة في الصحراء، كلها أشواك، وليست لها أوراق، أشجار بائسة ليست حية ولا ميتة. تسير السيارة ساعات دون أن يعترض طريقها إنسان، أو حيوان. ثم نَمُر بقطيع الجمال وهي الأخرى عجفاء ضامرة. لا توجد سحابة تبشر بالأمل في هذه السماء الحارة، كأنها غطاء الجحيم. اليوم هنا شئ لا قيمة له، مجرد عذاب يتعذبه الكائن الحي في انتظار الليل... أين الظل يا إلهي؟ مثل هذه الأرض لا تنبت إلا الأنبياء، هذا القحط لا تداويه إلا السماء. والطريق لا ينتهي والشمس لا ترحم، والسيارة الآن تولول على أرض من الحصى مبسوطة كالمائدة. والسائق لا يتكلم. إمتداد للمكنة التي يديرها، يلعنها أحياناً ويشتمها، والأرض حولنا دائرة، غرقى بالسراب .... وكما تحط قافلة رحالها، حططنا رحالنا. بقي من الطريق أقله. طعمنا وشربنا. صلى أناس صلاة العشاء، والسواق ومساعدوه أخرجوا من أضابير السيارة قناني الخمر، وأنا استلقيت على الرمل، وأشعلت سيجارة، وتهت في روعة السماء. والسيارة أيضاً سقيت الماء والبنزين والزيت، وهي الآن ساكنة راضية كمهرة في مراحها. انتهت الحرب بالنصر لنا جميعاً، الحجارة والأشجار والحيوانات والحديد، وأنا الآن تحت هذه السماء الجميلة الرحيمة، أحس أننا جميعاً إخوة. الذي يسكر، والذي يصلي، والذي يسرق، والذي يزني، والذي يقاتل، والذي يقتل... ولا أحد يعلم ما يدور في خلد الإله."
إلى جانب كآبة الطريق التي وصفها الطيب صالح، كانت وسيلة السفر لا تقل قسوة عنها؛ لأن اللواري البدفورد (السفنجات) ذات الحمولة المحدودة، لم تكن مهيئة أصلاً لنقل المسافرين، بل صُنعت لترحيل البضائع من المحصولات الزراعية وعروض التجارة؛ إلا أن أصحاب تلك اللواري وسائقيها تفننوا في تخصيص جزء منها للمسافرين. فأصحاب الحظوة من أولئك المسافرين يجلسون على المقاعد الأمامية إلى جوار السائق، وغيرهم تُفسح لهم محلات للجلوس على أسطح البضائع المشحونة، وليس بينهم والسماء حجاب، إذ يتعرضون لحرارة الشمس في الصيف، والبرد القارس في الشتاء. وعندما تبدل الحال قليلاً ظهرت الباصات السفرية، وهي عبارة عن شاحنات يابانية خصصت أصلاً لترحيل البضائع، أُعيد تصميمها في ورش حدادة بالخرطوم وأمدرمان؛ لتكون صالحة لنقل المسافرين وأمتعتهم. لكن على العموم كانت مقاعدها ضيقة، والسفر على متونها يحتاج إلى صبر وجلد؛ لأن المسافر يظل ممسكاً بقطبان المقعد الذي أمامه إلى أن يتوقف البص لسبب أو لآخر، وذلك خلافاً للذين يفضلون الجلوس على سطوحها. واحتراز المسافر كان نتاجاً من عدم استقرار حركة البص، وذلك بحكم تركيبة الطريق الطبوغرافية، ومنحدراته ومنعرجاته. وبعد هذا العناء يستجم المسافرون في مقاهي، مصنوعة من سيقان الأشجار المحلية ومعروشة بالتبس والحشائش، يطابق مظهرها الخارجي والداخلي واقع البيئة الصحراوية المحيطة بها. وفي داخل تلك المقاهي المتناثرة على طول الطريق كانت أم الحسن وغيرها من أصحاب المقاهي يستضيفون المسافرين على بروش صنعت من سعف الدوم، ووزعت بطريقة عشوائية داخل تلك المقاهي. ولا يخفف وعثاء ذلك السفر المرهق إلا صبر المسافرين، وتسامرهم مع بعضهم بعضاً، فضلاً عن كرم أهل تلك المقاهي المضيفة، الخالي من تكلف أهل الحضر وجشع تجار البندر، إذ تكفيهم دريهمات قليلة مقابل الخدمات البسيطة التي يقدمونها للمسافرين. وفي تلك المقاهي كان المسافرون يتناولون زادهم (الزوادة)، الذي يكون في غالبه من القراصة المُتمَّرة، والبيض المسلوق، واللحوم المُحمَّرة الملفوفة بفطائر القمح، فضلاً عن حلة السائق الزاخرة بزيتها ولحمها وبصلها، وبعد ذلك يحتسون أكواب الشاي حسب طلباتهم المسجلة في ذواكر أهل المقاهي الفتوغرافية. وبعد تلك الاستراحة القصيرة تشدو أبواق السيارات معلنة الرحيل، ويهرول المسافرون تجاهها، وتودعهم الحاجة أم الحسن، وأبناء أم الحسن، وغيرهم من أصحاب المقاهي بطيب خاطرٍ يعكس صفاء سرائرهم، ثم تعود تلك المقاهي إلى سكونها مرة أخرى في انتظار فوج من المسافرين الذين أعياهم جهد السفر، وهكذا دواليك.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.