ترقية (44) قاضياً من الاستئناف إلى قضاة محكمة عليا    الدفاع المدني ينقذ أطفالاً ونساءً عُلِّقوا بساقية منتزه الرياض    البرهان يصل تشاد    حمدوك بعطبرة: ستظل لجان المقاومة الضمير الذي ينبهنا اذا أخطأنا    الموت نقاد يختار الجياد.. في وداع الدكتور علي الكوباني    أغاني القونات.. سياحة في فن الهبوط الناعم    لغز لم يحرك القانون اختفاء المشاهير.. نجوم سادت ثم بادت    وزير النقل: عودة شركة الخطوط البحرية السودانية قرار تاريخي    الحكومة تدعو الاتحاد الأوربي لدعم موقف البلاد في مفاوضات سد النهضة    ندرة في غاز الطبخ بالخرطوم والنيل الأبيض    المريخ أم روابة يوجه صفعة جديدة للمستقبل ويخطف نجميه    هيئتا الإتهام والدفاع في قضية الشهيد حنفي تسلمان مرافعتهما الختامية    البرهان يصل جمهورية تشاد للمشاركة في تشييع الرئيس ديبي    ارتفاع كبير في الفواكه بالخرطوم    حمدوك : سنراجع سياسات التعدين لتحقيق عائد كبير للدولة    ولاية الخرطوم تصدر بيانًا بشأن أحداث ساقية منتزه الرياض    ضبط معتاد إجرام بحوزته 92 راس من الماعز وبندقية كلاشنكوف    جدول ترتيب الدوري الإسباني بعد نتائج مباريات الجولة 32    يويفا يدرس توقيع عقوبة غير مسبوقة على ريال مدريد ويوفنتوس    مدير دعم تعليم الأساس ل(السوداني): المنحة المدرسية لم تصرف ناقصة    نصائح صحية خلال شهر رمضان لا غنى لك عنها أبداً    غرفة المستوردين تُناقش مع وزير المالية تبعات زيادة الدولار الجمركي    تطورات جديدة في قضية وزيرة الصحة في عهد المخلوع    ناهد قرناص تكتب: السوداني.. وأصيل    مصر والسودان يوقعان مذكرة لتأسيس شركة مساهمة للصناعات الغذائية    مشرحة الأكاديمي: الجثث المتحللة ضمنها 50 لأجانب من جنوب السودان    ضبط شبكة تنتحل صفة نظاميين وتنهب سيارات المُواطنين شمال بحري    فجر الغد يدشن كورس الإدارة الرياضية الحديثة    الانتباهة: تحقيق يكشف معلومات خطيرة حول تلوّث المياه    اعتصام بربر يدخل يومه الثالث والثوار يرهنون إنهاءه بإعفاء المدير التنفيذي للمحلية    تدشين خدمة التسجيل لبرنامج ثمرات إلكترونيا الاسبوع المقبل    التحالف بقيادة السعودية يعترض طائرتين مسيرتين أطلقهما الحوثيون    الصحة: الجرعة الثانية من لقاح كورونا في الوقت المناسب ولا مخاوف من التأخير    تسرق النصوص والأموال.. احذر من وجود هذه التطبيقات على هاتفك    ما حكم أخذ إبر الأنسولين أثناء الصوم؟    طبيب: فيروس كورونا يسبب الإصابة بالفشل الكلوي الحاد    الكركديه للحامل فى الشهور الأخيرة    احذر من تخزين اللحوم والدواجن فترة طويلة.. تعرف على المدة الصحيحة    رئيس نادي المريخ تندلتي يُفاجيء الجميع ويتقدم بإستقالته    برشلونة يؤكد: عدم الانضمام لدوري السوبر خطأ تاريخي    الخطوط السعودية: اشتراطات السفر تخضع للتحديث المستمر    حسن شاكوش وعمر كمال مطلوبان للتحقيق.. ماذا جرى؟    الهلال يعيد تسجيل نزار حامد لثلاث سنوات    لهذا السبب.. حنان ترك تعلن اعتزال فيسبوك    تعطُّل لعبة (الساقية) بمنتزه الرياض بالخرطوم و الدفاع المدني يتدخل لإنقاذ العالقين    حكم استخدام المراهم وكريمات الجلد في نهار رمضان    نسخة شبه حقيقية من عالم الفيزياء الشهير "أينشتاين" تجيب عن أسئلتك    انفجار صاروخ سوري قرب مفاعل ديمونا النووي جنوبي إسرائيل    دار الإفتاء المصرية تصدر بيانا بشأن الصوم في شدة الحر    مؤسسة الشباك الثقافية تقيم اول نشاط لها بمدينة ام روابة    نائب قائد شرطة رأس الخيمة ينعي د.الكوباني ويعدد مآثره    "زنزانة خاصة جدا".. هكذا يقبع قاتل جورج فلويد في سجنه    ميليشيات الحوثي تبتز الأثرياء لتنجو من مأزق "حرق السجناء"    الجبلية: في رمضان أرتاح من الإرهاق ولا أخشى نار المطبخ    تأجيل محاكمة أربعة أفراد من لجنة التغيير..تعد 82 مطمورة لدفن مجهولي الهوية    دعاء اليوم العاشر من رمضان    القائمة الكاملة لأسعار جى ام سى 2021 في السعودية    صور دعاء 10 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم العاشر من شهر رمضان الكريم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حول اقتباسات الطيب صالح في أعماله الإبداعية (1) ... بقلم: د. خالد محمد فرح
نشر في سودانيل يوم 14 - 11 - 2009

لا شك أن الاقتباسات والشواهد النصية ، أو الإحالات المرجعية ، وسوى ذلك من مختلف مظاهر ما يسمى بالتناص intertextuality ، هي من الأمور التي لا مندوحة عنها لأي كاتب في تصنيف أي منتج فكري ذي بال سواء كان ذلك المنتج علمياً بحتاً ، أو اجتماعياً ، أو إبداعيا. وتعبر اللغة العربية بالتحديد عن هذا المعنى أصدق تعبير ، إذ أنها تسمي العملية الإبداعية ب " التأليف " الذي يقتضي بالضرورة: الاستدعاء ، والتذوق ، والانتقاء ، والاختيار ، والمواءمة ، والترتيب ،ومن ثم الاستشهاد أو الاستقواء بما سبق من الأفكار والأخيلة والصور ، عن طريق الجمع بين تلك الأشباه والنظائر في نسق منهجي واحد ، بحيث يكون المنتج الإبداعي على أعلى درجة ممكنة من السبك والتجانس والإقناع ، او ما يسمى بالوفاء بالغرض ، وصولاً لتحقيق غرضي المتعة والفائدة معا ، او أحدهما على أقل تقدير.
هذا ،ويُنسب إلى: جوليا كريستينا التي يقال إنها كانت أول من سكّ مصطلح " التناص " هذا ، ينسب إليها قولها: " إنّ كل نص هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات ، وأنّ كل نص هو تشرُّبٌ وتحويل لنصوص أخرى ".
أما بالنسبة للأعمال الإبداعية بصفة خاصة ، نثراً كانت أو شعراً ، فإن وظيفة الاقتباسات والإحالات المرجعية والشواهد النصية التي تنطوي عليها عادةً ،لا تخرج هي الأخرى عن الطبيعة التعضيدية أو الإقناعية التي أشرنا إليها آنفا ، ونعني بذلك محاولة الكاتب التوسل إلى جذب المتلقي ، واكتسابه إلى جانب أطروحاته وآرائه ، و " إقناعه " عن طريق إيراد نصوص أقدم تاريخياً ، وذوات سلطة أعلى أو أشهر افتراضاً ، والإيحاء بوجود علاقة موضوعية thematic بين النص الإبداعي النثري أو الشعري المعني ،والاقتباس المعين. وما من شك أيضاً أن الكثير من تلك الاقتباسات والشواهد ،وخصوصاً المداخل أو الاستهلالات Preludes لها وظيفتها الجمالية esthetic التي تضفي على مجمل العمل رونقاً وجمالا.
على أن بعض النقاد قد يضيقون ذرعاً بكثرة الاقتباسات والشواهد والإحالات المرجعية ، بل قد يعتبرونها أحياناً مجرد حيلة من المبدع لإظهار موسوعيته ، وسعة إطلاعه ، وتبحره المعرفي أو ما يسمى بال erudition ، وذلك على نحو ما عابوا الكثرة المفرطة لتلك الإحالات المرجعية أو ال Cross-references التي تذخر بها قصيدة: الأرض اليباب أو The Waste Land للشاعر الأمريكي/الإنجليزي توماس استيرنز اليوت ، تلك القصيدة التي حشاها ت. س. اليوت بكم مهول من الاقتباسات والإحالات من مصادر معرفية كثيرة وبلغات شتى.
أما أديبنا الكبير الطيب صالح ، فقد كان من أبرع من استخدم الاستهلالات والاقتباسات والشواهد النصية من مختلف النصوص الإبداعية السابقة ، وفي غير ما تفريط مقل ، أو إفراط مخل كما يقول القدماء.
وبحسبنا نحن أيضاً أن تستشهد بهذه الفقرة من مقال بقلم الناقد الكبير الراحل الأستاذ: رجاء النقاش ، وهو يعرض بعمق وشفافية إلى لمحة من هذا الجانب من جوانب إبداع الطيب صالح:
" الطيب صالح رائد مدرسة روائية جديدة في الأدب العربي ومتشف طريقها. وهي مدرسة الراوية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الميثولوجيا أو الأسطورة شكلاً وموضوعا. وسوف تجد الترابط المنطقي الخارجي بين أفراد رواية ( مريود ) مثلاً هو ترابط مفقود ، ذلك لأنها تشبه الحلم والتصورات الوهمية الخيالية والأسطورة.
أما الواقع الخارجي العادي ،فهو كامن في بطن الرواية وليس ظاهراً على السطح ، وهذا ما يفسر لنا تلك الأبيات الثلاثة التي اختارها الطيب من أبي نواس ، ووضعها في صدر رواية ( مريود ) وهي:
غير أني قائلٌ ما أتاني من ظنوني مكذِّبٌ للعيانِ
آخذٌ نفسي بتأليفِ شيءٍ واحدٍ في اللفظِ شتِّيِّ المعاني
قائمٍ في الوهْمِ حتى إذا ما رُمْتَهُ رُمْتَ معْميَّ المكانِ
فهذه الأبيات " النواسية " تمثل طريقة في رؤية الحياة والنظر إلى الواقع الإنساني ،هذه الطريقة هي الرؤية بعين الوهم والخيال ،وهي رؤية ما لا يرى بالعين المجردة ،وهي اعتبار الأشياء التي يراها الإنسان بخياله حقيقة كالحقيقة نفسها. فليس صحيحاً أبداً أن الواقع المادي الظاهر هو كل العالم الإنساني ، فالعالم الإنساني أشمل من ذلك وأعمق وأكثر اتساعاً ورحابة ، وعالم الباطن فيه مهم كعالم المرئيات الظاهرة ، بل هو عند بعض أصحاب الرؤى ، مثل الطيب صالح وأبي نواس في أبياته السابقة ، أهم وأصدق وأعمق.. " أ.ه. وهذا المقال منشور بمجلة الدوحة القطرية ، عدد شهر أبريل 1978 م ،الصفحات 72 – 85.
ولعل الطيب صالح يرمي إلى انه قد أبرز إلى الوجود بالفعل ، ما زعم أبو نواس أنه سيفعله على مستوى النظر ، ألا وهو خلق عالم أسطوري من وحي خياله ، وبث الروح فيه حتى يغدو حقيقة أو كالحقيقة. وهاهنا تبرز مسألة معرفية وفلسفية غاية في العمق والتعقيد ، ألا وهي إشكالية علاقة اللغة بالوعي وبالوجود ،وجدلية الصلة بين الدال والمدلول ،وما إلى ذلك.
وتلك هي لعمري مباحث ظل يتناولها لغويون وفلاسفة كثيرون ، من لدن طائفة من النحاة وعلماء الكلام ومفسري القرآن الكريم مثل الخليل بن أحمد ،وسيبويه ، وابن جني ، والجاحظ ، والزمخشري ، وعبد القاهر الجرجاني ، وحازم القرطاجني ، وابن الباقلاني ،وانتهاءً بمارتن هايدقر ، وفيردناند دو سيسور وغيرهم.
ذلك بأن الطيب صالح يعمد على سبيل المثال إلى عبارة مثل " شاه بندر " ، أو " شاهبندر " ،وهي كلمة فارسية معروفة الدلالة ومتداولة ، بل هنالك من أسماء العائلات في بعض البلدان العربية ما يجيء على هذه الصيغة " شاهبندر " ،وقيل إن معناها هو: " كبير التجار مطلقاً ، أو كبير تجار البندر أي المدينة تحديداً " ، يعمد الطيب صالح إلى هذا الاسم فيعكس تركيبه اللفظي ، ويخرج إلى الوجود شخصاً أسطورياً باسم " بندر شاه " ،وينفث في شخصيته المختلقة والمتخيلة من سحر فنه حتى تغدو أقرب إلى التصديق. وهذا هو عين ما يسمى بالواقعية السحرية ،التي صرح الطيب صالح نفسه مراراً أنه قد سبق بهاء أدباء أمريكا اللاتينية الذين اشتهروا بها أيضاً ، مثل جبرائيل غارثيا ماركيث وغيره.
في بداية رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " يورد الطيب صالح على لسان الراوي قوله واصفاً طقس إنجلترا البارد: " ذاك دفء الحياة في العشيرة ،افتقدته زماناً في بلاد تموت من البرد حيتانها ". والتعبير مدهش وطريف ،ولربما اعتبره كثير من الناس من بنات أفكار الطيب صالح ،وإنما هو في الحقيقة مقتبس من قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي يمدح فيها سعد باشا زغلول ،ويهنئه بنجاته من محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها ،والشاهد هو قول شوقي:
فأين من المَنْشِ بحرُ الغزالِ وسحرُنيانزا وتَهْتانُها
وأينَ من النيلِ في لُجّةٍ تموتُ من البردِ حيتانُها
ويقتبس الطيب صالح في مستهل رواية " بندر شاه " مقطعاً شعرياً من مطوّلة الشاعر:محمد مفتاح الفيتوري ،الموسومة ب " معزوفة لدرويش متجول " ، والتي يقول مطلعها:
شَحُبَتْ روحي صارتْ شفقا
شعَّتْ غيماً وسنا
كالدرويش المُتعلِّقِ في قدميْ مولاهُ أنا
أتمرَّغُ في شجني
أتوهَّجُ في بدني
غيري أعمى ، مهما أصغى لنْ يعرفني
والمقطع الذي اقتبسه منها الطيب صالح هو قول الفيتوري:
في حضْرةِ من أهوى
عبثتْ بي الأشواقْ
حَدَّقتُ بلا وجهٍ ورقَصتُ بلا ساقْ
وزَحمْتُ براياتي
وطبولي الآفاقْ
عشقي يُفني عشقي
وهواي استغراقْ
مملوكك لكنِّي .. سلطانُ العُشّاقْ
إنّ هذه القصيدة تنتمي بكل تأكيد لقصائد المرحلة " الصوفية " - إذا جاز التعبير – من مراحل مسيرة هذا الشاعر الضخم " محمد الفيتوري " ، وقد نشرها لأول مرة في بيروت في عام 1967 م . وهي بلا شك من إنتاج المرحلة التالية لما يمكن أن نسميها بالمرحلة " الأفريقانية " للفيتوري ، أي مرحلة الخمسينيات وحتى أوائل الستينيات من القرن الماضي. فهذه القصيدة تنمُّ إذاً عن مرحلة تنامي وعي الفيتوري بالمكون أو البعد العربي والإسلامي ، وخصوصاً البعد الصوفي في هويته الحضارية العامة ، بل هويته الذاتية أيضاً ، بوصفه من سلالة الشيخ العارف بالله عبد السلام الأسمر الفيتوري ، دفين " زليطن " بليبيا.
وبالطبع فإنّ أبرز ملامح الرؤيا الإبداعية للطيب صالح إجمالاً ، وهي الرؤيا التي تنتظم أعماله جميعها بلا استثناء ، هي هذا النفس الصوفي الطاغي الذي يميز مقاربته للأشياء. وهو يمتاح بالطبع في هذا الجانب من معين تراث غني وثر من التراث الثقافي والعرفاني والفكري والاجتماعي للمجتمع السوداني ، الذي يحتفي بكل ما يمثله التصوف من معانٍ ودلالاتٍ ومضامين.
يقول الدكتور منصور خالد – وقد كان زميلاً قديماً وصديق عمر بالنسبة للطيب صالح – يقول عن صوفية الرجل في مقال نشره مؤخرا بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية ، وأعادت نشره صحيفة " الأحداث " السودانية ، يقول الآتي:
" كان الطيب صالح مسلماً شرح الله صدره للحق وأعانه على دركه. كان في إيمانه مسكونياً (ecumenical) مما قربه إلى استيعاب مفهوم الإيمان كما أراد الحق عزّ وجل: " قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتيَ النبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون "... أما تصوفه ، فكان تصوف عاشقين:
وما الناس إلاّ العاشقون ذوو الهوى
ولا خيرَ فيمن لا يحبُّ ويعْشِقُ " أ. ه
وهكذا نلاحظ على سبيل المثال ، المكانة البارزة التي تحتلها شخوص مثل الشيخ الحنين في رواية " عرس الزين " ، والشيخ " ود حامد " في قصة " دومة ود حامد " ، والشيخ "نصر الله ود حبيب " في رواية " مريود ".
وإلى جانب ذلك المقطع الشعري الفصيح ، بل الحداثي الذي اقتبسه الطيب صالح من الفيتوري ، في مستهل رواية " ضو البيت: بندر شاه " ، نراه يورد هذا المقطع الموغل في التقليدية من الشعر الشعبي السوداني المعروف عندنا ب "الدوباي " او " الدوبيت " ،وهو مقطع ينسبه لمن أسماه الطيب صالح " شاعر سوداني مجهول ". وذلك المقطع هو:
الدّربْ انشَحَطْ واللوسْ جِبالو اتناطَنْ
والبَنْدرْ فوانِيسو البيوقدَنْ ماتَنْ
بَنُّوتْ هضالِيم الخلا البِنْجَاطَنْ
أسْرِعْ قودِعْ أمْسيتْ والمواعيد فَاتَنْ
والدلالة العامة لهذا المقطع تشي هي ذاتها بالعدمية ، والقدرية ، والانطلاق نحو المجهول على غير هدى في ظلمة الليل البهيم ، والدرب طويل ، ولا رفيق ولا أنيس سوى جمل هجين سريع العدو. فهذا الانطلاق نحو المجهول ، وهذا التهويم ، وهذه العدمية ، وهذا التوكَّلْ ،ونُشدان الأنس والرفقة مع كائن أعجم كالبعير ، هي صور من صميم التجربة الصوفية بسحرها وغموضها ومرائيها العميقة. ومن هنا جاءت صلة هذا المقطع بهذه الرواية ذات الأبعاد الصوفية الواضحة.
وعلى الرغم من أنّ الطيب صالح قد نسب هذا المقطع إلى من أسماه " شاعر سوداني مجهول " ،إلاّ أن باحثاً شاباً قد ندّ عني اسمه الآن ، قد نشر مؤخراً مقالاً على أحد المواقع الالكترونية السودانية على الشبكة العنكبوتية ،زعم فيه أنّ المقطع المذكور هو من تأليف الشاعر الشعبي و"الهمباتي " الشهير: ( الطيب ود ضحوية ). والهَمْباتي ، بهاء مفتوحة وميم ساكنة ، في لهجة أهل السودان العامية: هو ذلك الشخص الفارس المغوار المتخصص في سرقة الإبل خاصة إظهاراً لشجاعته وإقدامه ، وكذلك ليساعد من المال الذي يجمعه عن طريق تلك السرقة " النبيلة " الفقراء والمساكين والضعفاء ، و لكي يغدق منه على معشوقاته أيضا. وقد نبغ من بين أولئك " الهمباتة " كما يعرفون بهذا الاسم ، طائفة من الشعراء الشعبيين الأفذاذ في بوادي السودان. فجماعة الهمباتة هم تقريباً مثل الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي شكلاً ومضمونا.
قوله: " الدرب انْشَحَطْ " ، معناه: طال الدرب وبعُدتْ شقته. وهو كلام فصيح ،بل عالي الفصاحة. فالجذر " شَحَطَ " يفيد البعد مطلقاً في كلام العرب. ومن ذلك قول ذي الإصبع العدواني في قصيدته المنشورة ضمن المفضليّات:
يا منْ لقلبٍ شديدِ الهمِّ محزونِ أمسى تذكَّرَ ريَّا أُمَّ هارونِ
أمسى تذكَّرَها من بعدِ ما شَحَطَتْ والدهرُ ذو غِلَظٍ حيناً وذو لينِ
والشاهد هو قوله " شَحَطتْ " على وزن " ذَهَبَتْ " ، أي: ابتعدتْ.
أما " اللوس " ،وتنطق واوها ممالة على النحو الذي ينطق به الحرف اللاتيني O ،فهو اسم يطلق على الجبال المحيطة بمدينة " كسلا " بشرق السودان. ومن ذلك ما أورده الأستاذ البحاثة المبارك إبراهيم رحمه الله من أنّ امرأةً قد مدحتْ السيد الحسن المرغني رضي الله عنه ، دفين كسلا ، بقولها:
مرحبتينْ حَبابْ الغوثْ
الساكنْ جبال اللوسْ
هو في كسلا
ومتسريِّ في الفردوسْ ..
و "جبالو اتناطَنْ " ، يعني أن جباله تقافزن أو انزوين بعيداً في الأفق البعيد لبعد المسافة بينها وبين الشاعر المنطلق على متن هجينه المسرع في الفلاة وهولا يلوي على شيء. ولعله قصد ب " البندر " الذي ماتت فوانيسه التي كانت موقدة ،مدينة كسلا نفسها بعد أن خلّفها وراءه بمسافة بعيدة ،وذلك بقرينة ذكره ل " اللوس ".
أما قوله: " بنُّوت هضاليم الخلا البنجاطن "،وهكذا أثبت الطيب صالح هذا الشطر ، فلعله قد أخطأ فيه ،أو عسى أن يكون الخطأ من المصدر الذي أخذ منه المؤلف. ذلك بأنّ " بنُّوتْ " بنون مشددة مضمومة ،هي صيغة من صيغ العامية السودانية في جمع كلمة " بنت ". فهم يقولون في جمع " بنت " إما " بنات وهي الشائعة ، أوبِنيات على التصغير بكسر الباء ، أو بنُّوت ". والصيغتان الأخيرتان هما أشبه بكلام أهل الأرياف والبوادي منهما بكلام أهل المدن والحواضر.
على أنني وجدت هذا الشطر يروى على طريقتين ،كلاهما يناسب السياق العام،وهما إما:
ود أَمّاتْ هضاليم الخلا البِنْجاطَنْ
أو:
يا فَرَّوج هضاليم الخلا البنجاطن
فالقول: "ود أُمّات هضاليم الخلا البنجاطن " ،او " يا فرُّوج هضاليم الخلا البنجاطن " ،هو وصف لجمل الشاعر بكل تأكيد. أما " هضاليم " ،على وزن "مظاليم " ،فهي جمع " هِضْليم " بكسر الهاء ،على وزن " إكليل ". و " الهضليم "في العامية السودانية هو ما يقال له " الظليم " نفسه في الفصيح ، وهو ذكر النعام.
عن اقتباسات الطيب صالح في اعماله الإبداعية (2)
وتشبيه شعراء العرب القدماء لجمالهم ونياقهم في سرعة عدوها بالظليم كان أمراً شائعا. ولا أدري من أين جاء السودانيون بهاء "هضليم "هذه ،إذ الهاء التي تقوم مقام ألف ولام التعريف العربية هي من الخصائص الصوتية والصرفية للغة العبرية. على أن هذه الأخيرة هي أخت العربية رغم كل شيء.
ولذلك فإننا نرجح أن يكون أصل الشطر الأول هو إما: "ود أمات هضاليم الخلا " ، او "يا فرُّوج هضاليم الخلا الخ " ،ومن الجائز أيضا أن يكون " يا تيس هضاليم الخلا الخ ". ذلك بأنّ وصف الهجين الجيد بأنه: " تيس " من المجازات المحببة لدى الشعراء الشعبيين في السودان. فكأن الشاعر يشبه جمله إما بابن أمات الهضاليم ،أي "الظُلمان " ،أو بفروج صغير من فراريج النعام ،أي أنه يشبهه بظليم صغير سريع العدو. أمّا كلمة " بنُّوت "التي أثبتها المؤلف في النص الذي انتقاه ،فلا نرى أنّ لها محلاً من الإعراب في هذا السياق.
قوله: " بِنْجاطَنْ " بكسر الباء ، وتسكين النون وفتح الطاء ، من " الجوطة " بمعنى : الفوضى والاضطراب والفزع في العامية السودانية ، ففيه تصوير بديع لما يعتري جماعات النعام والظُلمان من فزع واضطراب ، أي: " جوطة " عندما يشعرن بأي خطر قادم. قال الحارث بن حلِّزة يشبه ناقته في سرعتها بنعامة أفزعها الصيادون:
بزفوفٍ كأنها هقلةٌ أُمُّ رئالٍ دويّةٌ سقْفاءُ
آنسَتْ نبْأةً فأفزعها القُنَّاصُ ليلاً وقد دنا الأمْساءُ
وأما فيما يتعلق بالشطر الأخير:
أسْرِعْ قودِعْ أمسيتْ والمواعيد فاتَنْ
فإنه أيضاً خطاب من الشاعر لجمله ، يستحثه فيه بأن يسرع و " يقودِعْ " أي يخب خبيباً في عدوه ، لأنّ الليل قد أمسى ، ومواعيد لقيا الحبيبة – فيما نظن – قد فاتت. ولقد رأيت الأستاذ المبارك إبراهيم يرويه هكذا:
أسرِعْ ضوبِعْ أمسيت والمواعيد فاتنْ
ولا شك في أنّ الفعل " ضُوبِعْ " بضاد ممالة نحو الضم ،و باء مكسورة وعين ساكنة ،هو الآخر مناسب جداً في هذا الموضع ، إذ أنّ باستخدامه يغدو تفسير هذا الشطر الأخير من المقطع ، هو أن الشاعر يطلب من جمله أن " يضوبِعْ " أي أن يصنع صنيع " الضَبُع " في عدوها وسريانها ليلا. وهذه صورة قريبة من وصف امرئ القيس لعدو فرسه:
له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ
والسرحان هو الذئب ، أما التتفل فهو ولد الثعلب ، فتأمّلْ.
ولما لعبت بنت الحان برأس مصطفى سعيد في رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " ، وسكِرَ بالرغم منه بسبب إلحاح " محجوب " ، رنا ببصره بعيداً ، ثم طفق ينشد بلسان إنجليزي فصيح ، قصيدة أثبت الطيب صالح ترجمة لأحد مقاطعها إلى اللغة العربية ، ثم قال على لسان الراوي أن هذا الأخير قد عثر عليها لاحقاً ضمن قصائد أخر تتحدث عن أهوال الحرب العالمية الأولى.
والواقع أنّ الذي عثر على تلك القصيدة من قصائد العقد الثاني من القرن العشرين ، و ترجم منها ذلك المقطع المؤثِّر إلى اللغة العربية هو الطيب صالح نفسه بكل تأكيد ، مما دل على بصره بترجمة الشعر ،وبملكته الشعرية هو نفسه. أما ملكة الطيب صالح الشعرية فتتجلى بصورة واضحة في عدد من المقاطع الشعرية التي ألفها بكلا اللغتين العامية السودانية والفصحى ، ونحلها شخوص رواياته بالطبع ، ومن بينها هذا المقطع الذي نسب تأليفه لمصطفى سعيد:
عربدت في الصدر آهاتُ الحزينْ
ودموعُ القلب فاضتْ من تباريح السنين
ورياحٌ عصفتْ بالحب والحقد الدفين
وبقايا صلوات ضمها الصمت العميق
هينماتٌ ودعاءٌ ونواحٌ وزعيقْ
وغبارٌ ودخانٌ غمّ للساري الطريقْ
ونفوسٌ مطمئناتٌ وأخرى هلعةْ
وخدودٌ صاغراتٌ وجباهٌ خاشعةْ
مهما يكن من أمر ، فإنّ المدلول العام لذلك المقطع الذي ترجمه الطيب صالح من الشعر الإنجليزي ، هو أيضا وثيق الصلة برواية موسم الهجرة إلى الشمال ، وخصوصاً بالحالة الوجودية لبطلها مصطفى سعيد نفسه ،ألا وهي إحساس هذا الأخير بالضياع والعبث والكآبة.
وبعد بحث و تنقيب من جانبي عن تلك القصيدة الإنجليزية الأصل ، عثرت عليها ، فإذا هي قصيدة للشاعر الإنجليزي " فورد مادوكس هيوفير " Ford Madox Hueffer 1873 – 1939 م ، الذي صار يعرف فيما بعد باسم: فورد مادوكس فورد ، على طريقة " سمي جدو " عندنا: " حسن محمد حسن " و " علي إبراهيم علي ".
والقصيدة المعنية عنوانها هو: Antwerp ، وقد نظمها هذا الشاعر في تصوير حصار مدينة " أنتويرب " البلجيكية الساحلية وسقوطها في أيدي القوات الألمانية بتاريخ 9 أكتوبر 1914 م في أوائل الحرب العالمية الأولى ، وذلك بعد أن دافعت عنها قوات بريطانية وبلجيكية دفاعاً مريراً وباسلاً ، سقط من جرائه الكثيرون من أفراد تلك القوات صرعى. وهم هم أنفسهم "الضائعون الذين لم يأت بهم القطار" ، والذين كانت تنتظرهم أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم من نساء فلاندرز في محطة تشارينغ كروس بلندن على أحر من الجمر.
وهذه القصيدة منشورة بأكملها في كتاب بعنوان: " مختارات من الشعر الجديد " ، من تحرير: هارييت مونرو. Harriet Monroe, ed (1860-1936): The New Poetry: An Anthology, 1917
وقد استهل الشاعر تلك القصيدة بهذا المقطع الكئيب ، وذي الظلال والمعاني والإيحاءات الثقيلة الوطء على النفس والشعور ، بل والمنذرة بالشؤم والفجيعة:
Gloom !
An October like November,
August a hundred thousand hours,
And all September,
A hundred thousand, dragging sunlit days,
And half October like a thousand years,
And doom !
That was Antwerp…
* * *
This is Charring Cross
It is one O'clock.
There is still a great cloud, and very
Little light…..
These are the women of Flanders:
They await the lost.
They await the lost that shall
never leave the dock,
they await the lost that shall
never again come by the train
to the embraces of all these
women with dead faces,
They await the lost who lie dead
in trench and barrier and fosse,
in the dark of the night.
This is Charring Cross, it is past
one of the clock,
There is very little light
There is so much pain.
أما ترجمة دينيس جونسون ديفيز لذلك المقطع الذي اختاره الطيب صالح فقد جاءت على النحو التالي:
Those women of Flanders
Await the lost,
Await the lost who never will
leave the harbour
they await the lost whom the
train never will bring
to the embraces of those women
with dead faces,
They await the lost, who lie
dead in the trenches, the barricade
and the mud,
in the darkness of the night,
This is Charing Cross Station, the
hour's past one,
there was a faint light
there was a great pain.
ولا بد أن القارئ الكريم قد لاحظ بعض الاختلافات في الألفاظ والتراكيب بين ترجمة دينيس جونسون ديفيز لهذا المقطع إلى الإنجليزية من النص العربي الذي كان قد ترجمه الطيب صالح نفسه من الأصل الإنجليزي. وبالطبع فإن العلاقة الشعورية والموضوعية بين هذا الاقتباس والجو العام لرواية موسم الهجرة إلى الشمال ، وخصوصاً الحالة الوجودية لمصطفى سعيد نفسه ،وهو محور الرواية ، أمر واضح وجلي في تقديرنا.
فالضياع وانعدام الأمل ،وعبث الانتظار ، وخيبة الرجاء ،هي القاسم المشترك بين الحالين. فكما أنّ انتظار نساء فلاندرز في محطة تشارينغ كروس بلندن لأبنائهن وإخوانهن وأزواجهن الذي قضوا أو ضاعوا في معركة أنتويرب هو ضرب من العبث المحض الذي لا طائل من ورائه ،فإن عودة مصطفى سعيد إلى ذاته التي اغترب عنها بسبب تلبسها تلبساً لا فكاك منه بعالم الشمال ، عالم " جين مورس " ،هو الآخر ضرب من الضياع والعبث. وهذا هو عين ما قصدنا لتبيانه في موضع آخر من أن الهوية ليست شيئاً جامداً ،وأن من الجائز جداً أن تدخل عليها معطيات إضافية ، طوعاً او كرهاً ، من هويات أخرى ، مما قد يجعلها تتأثر لدرجة قد تغترب معها عن صورتها الأصلية بصورة لا نكوص معها. شيء قريب مما صوره الشاعر الغنائي السوداني الفذ: محمد عوض الكريم القرشي ، في عبارته البليغة الرائعة: "وكأني ما كأني !! ". وهو أيضاً عين ما لخصته عبارة تشينوا أشيبي التي اتخذها عنوانا لإحدى رواياته: " مضى زمن الراحة " ، أو No longer at ease .
والأمر الراجح هو أن الأستاذ دينيس جونسون ديفيز ،وهو إنجليزي قح ،علاوة على كونه مثقفاً كبيرا من خريجي جامعة كمبريدج ، الراجح انه كان على علم واطلاع على النص الأصلي لقصيدة فورد مادوكس فورد في لغتها الإنجليزية ،ولكنه قصد إلى ترجمة النص العربي الذي كان الطيب صالح قد ترجمه بدوره من ذلك الأصل ، وذلك في تقديرنا حتى ينقل إحساس الكاتب وتذوقه هو لذلك المقطع من تلك القصيدة. وهذه لعمري فضيلة أخلاقية وفنية ، وأمانة علمية تحسب لصالح هذا المترجم الاستثنائي.
لاحظ الفرق على سبيل المثال بين قول الشاعر في النص الأصلي: who lie dead in trench and barrier and fosse in the dark of the night
وبين ترجمة دينيس جونسون ديفيز للنص الذي اختاره الطيب صالح:
Who lie dead in the trenches, the barricade and the mud, In the darkness of the night
وفي ترجمة الطيب صالح هنالك ذكر للطين وهو ما لم يذكر في النص الأصلي الذي يتكلم بالأحرى عن fosse وهي الحفرة. فكأن الطيب صالح تصرف في الترجمة وأورد كلمة شاعرية جدا في السياق العربي ، تعبر عن فكرة الفارس المنجدل في الطين أو فوق الثرى الخ.
وأخيراً ، يلجأ الطيب صالح إلى التراث العربي القديم فيستل منه من كتاب: " كليلة ودمنة " الذي عربه عبد الله بن المقفّع من أصل كتاب قديم ينسب تأليفه للفيلسوف بيدبا الهندي. هذه القصة أو الأمثولة Allegory البديعة التي تصور حالة الوجود الإنساني بين الخوف والرجاء ،والتشبث بالحياة ، وفعل الزمن ، وتصاريف القدر ، ونعمة النسيان ، أي نسيان النهاية المحتومة بسبب ما يجده الإنسان من ملذات ومباهج مؤقتة في هذه الحياة ، بينما أن ما يعتبرها الإنسان أياماً لمسرته ، هي نفسها التي تقربه بتصرُّمها المستمر من الموت والفناء. فقد اقتبس الطيب صالح هذه الأمثولة في رواية " مريود: بندر شاه ".
وكان كليلة ذلك الثعلب الحكيم قد حكى لصديقه دمنة تلك القصة تحت عنوان: " مثال الرجل والتنين " على النحو التالي:
"فالتمست للإنسان في ذلك مثلا ، فإذا مثله مثل رجل ألجأه خوف إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصن بأعلى شفيرها ، فوقعت رجلاه على عمدها ، فنظر فإذا هي حيات أربع قد أطلعن رؤوسهن من أجحارهن. ونظر إلى أسفل البئر فإذا هو بتنين فاغر فاه نحوه. ورفع رأسه إلى الغصن فإذا في أصله جرذان: أبيض وأسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران. فبينما هو في النظر والاجتهاد لنفسه ،وابتغاء الحيلة في ذلك ، إذ نظر فإذا قريب منه نحلٌ قد صنعن شيئا ًمن العسل. فأراد أن يأكل منه قليلاً ، فشغل قلبه عن التفكر في أمره والتماس حيلة ينجي بها نفسه ، فنسي أن يذكر الجرذين الدائبين في قطع الغصن ، وأنهما إذا قطعاه وقع في فيي التنين. فلم يزل لا هياً غافلاً حتى هلك.
فشبهت البئر بالدنيا المملوءة إفكاً وبلايا وشروراً ومخاوف. وشبهت الحيات الأربع بالأخلاط الأربعة التي في بدن الإنسان. فمتى ما هاج منها شيء كان كحُمة الأفعى والسم المميت. وشبهت الجرذين الأبيض والأسود بالنهار والليل ، وشبهت قرضهما للغصن دائبين بدور الليل والنهار في إفناء الأجل الذي هو حصن الحياة. وشبهت التنين بالموت الذي لا بد منه ، وشبهت العسل بهذه الحلاوة القليلة التي يرى الإنسان ويشم ويطعم ويسمع ويلمس ، فتشغله عن نفسه وتنسيه أمره وتلهيه عن شأنه وتصرفه عن سبل النجاة. فصار أمري إلى الرضا بما لي ، وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي لعلي أصادف فيما أمامي زماناً أصيب فيه دليلاً على هداي ،وسلطاناً على نفسي ، وأعواناً على أمري. فأقمت على هذه الحال ، وانتسخت كتباً كثيرة ، وانصرفت من بلاد الهند وقد نسخت هذا الكتاب .. " أ.ه
ولا يخفى أنّ هذا النص الذي اختاره الطيب صالح ضمن اقتباسه الذي صدّر به رواية " مريود: بندر شاه " ،هو نص معرب عن مضمونه ، ومفصح عن فحواه.فهو نص يتحدث بعمق وسلاسة وتشويق عن مباحث الفلسفة الجوهرية ، ألا وهي علاقة الإنسان بالوجود والزمن والأخلاق ،وتلك هي لعمري ذات القضايا التي ركز عليها الطيب صالح في سائر أعماله الإبداعية ، وخاصة رواية مريود التي تعتبر بحق خلاصة تجربة الطيب صالح ، وجوهر رؤياه المعرفية والفلسفية والأدبية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.