شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عادل الباز والترافع في قضية خاسرة ... بقلم: واصل علي
نشر في سودانيل يوم 15 - 11 - 2009

اجتهدت كثيرا لكي افهم السر وراء إصرار رئيس تحرير صحيفة (الأحداث) الأستاذ عادل الباز في الدفاع عن تبريرات الحكومة لإلغاء سفر الرئيس البشير لتركيا الأسبوع الماضي. وقد لاحظنا أنه حتى اشد الكتاب غلوا في تأييدهم للمؤتمر الوطني تجنبوا الخوض في القضية وهو موقف احسب انه يرجع لوضوح المعطيات التي أدت لتراجع الحكومة عن المشاركة في القمة الإسلامية التي انعقدت في اسطنبول هذا الشهر. كان عمود الأستاذ الباز بتاريخ 11 نوفمبر " ما وراء إلغاء زيارة البشير لتركيا" عبارة عن غزل في الدبلوماسية السودانية وتركيا ومحاولة غير مفهومة لتصوير أن الأبيض اسود و الأسود ابيض فيما يتعلق بملابسات ما جرى الأسبوع الماضي في سفر الرئيس البشير. في هذا المقال سأحاول تسليط الضوء بشكل مفصل على ما حدث و أدى لإلغاء المشاركة في قمة تركيا.
بادئا ذي بدء لا يستطيع احد أن ينكر أن الحكومة السودانية والرئيس البشير شخصيا كان لديهم إصرار على الذهاب لتركيا لسبب رئيسي هو إثبات قدرة رأس الدولة على السفر دون أي قيود بعد مذكرة التوقيف التي صدرت بحقه خاصة وقد تغيب عن عدد غير قليل من القمم التي دعي إليها مؤخرا. وقد صرح مسئول رئاسي سوداني لم يذكر اسمه لوكالة رويترز في 4 نوفمبر" أن قرار المشاركة قد اتخذ وما لم تحدث تغييرات في اللحظة الأخيرة فهو ذاهب". ولكن بالرغم من هذه اللهجة الحاسمة التي تحدث بها هذا المسئول تجنب ذكر اسمه كما يبدو حتى لا يحمل وزر أي تراجع لاحق في الموقف من الزيارة.
وكان لافتا انه لا وكالة سونا للأنباء ولا المركز السوداني للخدمات الصحفية أعطيا أي تأكيد رسمي حول نية الرئيس البشير السفر إلى تركيا خلافا للعادة قبل أي رحلة خارجية يقوم بها ، باستثناء بعض الزيارات التي قام بها مطلع هذا العام مباشرة بعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية. والأغرب من هذا انه تم تأكيد رحلة شرم الشيخ دون ذكر لا من قريب ولا من بعيد لقمة اسطنبول رغم أنها كانت المحطة الثانية في سفر الرئيس البشير.
هذا التكتم الشديد حول الزيارة لا يمكن أن يفسر إلا بأنه عدم رغبة من الحكومة السودانية في الإعلان بشكل واضح وصريح أن الزيارة ستتم ، ويرجع ذلك في تقديري لحفظ ماء الوجه عند أي تراجع محتمل . وهناك أيضا الجانب الأمني المدفوع بالخوف من اعتراض طائرة الرئيس البشير في الأجواء الدولية وقد ذكر الأستاذ النور احمد النور رئيس تحرير (الصحافة) والذي رافق الوفد الرئاسي في مقال بتاريخ 11 نوفمبر أن الطائرة التي أقلت الرئيس البشير لم تكن تابعة للطيران الرئاسي بل مستأجرة من دولة عربية قريبة في إشارة واضحة لمصر. وقد برر وزير شؤون رئاسة الجمهورية الفريق بكري حسن صالح للصحافيين المرافقين هذا الأمر بقوله (أن الطائرة الرئاسية تحت الصيانة) . ويطرح هذا التبرير تساؤلا عن هل تمتلك الحكومة طائرة رئاسية واحدة ؟ و إذا كانت الإجابة بلا و هي الإجابة الأرجح فما هي مصير الطائرات الأخرى وهل كانت أيضا خاضعة للصيانة في نفس التوقيت؟ ، وتأتي هذه التساؤلات لآن النور نسب لمسئول في الطيران الرئاسي قوله "أنهم يميلون إلى التمويه أحيانا لضرورات أمنية".
وللإحاطة بملابسات القضية من كل جوانبها لا بد من متابعة ما كان يدور في الجانب التركي ، فقد أكد المسئولون هناك انه ليس لدى تركيا نية لاعتقال الرئيس البشير على خلفية مذكرة التوقيف حيث أنهم ليسوا أعضاء في ميثاق روما وذكروا أيضا أن قرار إحالة ملف دارفور للمحكمة الجنائية الدولية من مجلس الأمن لم يتضمن لغة تجبر الدول التي ليست أطرافا في اتفاقية تأسيس المحكمة على التعاون في تنفيذ أوامر القبض. ولكن رغم ذلك نسبت صحيفة (حرية) التركية الناطقة باللغة الإنجليزية تصريحا لوزير العدل التركي، سعد الله أرجين ، في تعليقه على زيارة البشير قوله "أن المواد المنصوص عليها في القانون الدولي ستنفذ" وهو قول يترك الباب مواريا لاحتمال تنفيذ أمر التوقيف خاصة وان المادة 13 من القانون التركي تعطي المدعي العام سلطة استثنائية لإلقاء القبض على أي شخص يشتبه في ارتكابه جرائم ضد الإنسانية أو جرائم التطهير العرقي حتى وان ارتكبت خارج الأراضي التركية. وعلى صعيد متصل ذكر مسئول تركي آخر لم يذكر اسمه لوكالة فرانس برس يوم 6 نوفمبر انه "ليس من المرجح اعتقال البشير بعد أن تمت دعوته" ، وهي لهجة ليست قاطعة في المسألة.
المهم أن القرار اتخذ من الخرطوم بمشاركة البشير في القمة الإسلامية وتمسك الأتراك, على الأقل ظاهريا, بموقفهم وقد كتب الأستاذ محمود الدنعو في صحيفة الرأي العام في تحليله بعنوان "البشير إلى تركيا.. شجاعة غول" أن احد أهداف الزيارة هو تحدي المحكمة وكسر محاولات عزل الرئيس البشير عن محيطه الإقليمي والدولي كما تطرق للدور التركي المتنامي في المنطقة وتوجهها نحو إفريقيا لتفسير موقفها من زيارة البشير. ويذهب الأستاذ الباز على هذا النحو في قوله أن " الهدف من قرار السودان هو إضعاف المحكمة الدولية والاستهانة بقراراتها وإعلان عدم تأثير ما تصدره من قرارات على تحركات الرئيس البشير".
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن حيث بعث الاتحاد الأوروبي لتركيا رسائل من وراء الكواليس تطلب منها سحب الدعوة المقدمة للبشير وانضمت أمريكا للموقف الأوروبي ولكن بشكل اقل حدة عبر سفاراتها في أنقرة ووزارة الخارجية في واشنطن. وأصدرت منظمات هيومان رايتس ووتش و العفو الدولية بيانات منددة بالدعوة ومطالبة باعتقال البشير أو منعه من دخول الأراضي التركية. ولكن رغم كل ذلك صرح مسئول حكومي سوداني رفيع لجريدة الصحافة بتاريخ الأحد 8 نوفمبر أن البشير سيواصل رحلته إلى اسطنبول للمشاركة في القمة الاقتصادية الإسلامية مقللا من أهمية المواقف الأوروبية تجاه الزيارة.
أخذت تركيا موقف الدفاع وصرح رئيسها عبد الله غل أن الاتحاد الأوروبي يتدخل في شأن داخلي كما أن الزيارة ليست ثنائية وان الدعوة لم تأتي من تركيا التي لم تفعل أكثر من استضافة منظمة المؤتمر الإسلامي على أراضيها.
ولكن بالرغم من لهجة التحدي التي اتسم بها خطاب غل بدأ الموقف التركي يضعف ويتسم بلغة تبريرية أكثر منها تمسكا بموقف مبدئي فلقد نقلت وكالة الأناضول التركية بيانا لوزارة الخارجية بتاريخ 6 نوفمبر تقول فيه أن دعوة البشير بشكل ثنائي مستقبلا "أمر مستحيل" وهو تصريح يبدو انه قد فات على صناع القرار في السودان وهم يهللون للموقف التركي الأخذ في التداعي. ورغم ذلك دافع رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان عن البشير قائلا "انه زار دارفور ولم يرى أثرا للإبادة المزعومة وذكر انه قتل 1500 شخص في غزة وانه لو وقع نفس الشيء في دارفور لكان له موقف آخر" . ولست افهم كيف تجاهل اردوغان تصريح الرئيس البشير نفسه الذي اقر بمصرع 10,000 شخص هناك ولم يفسر لنا كيف أن ملايين الأشخاص فروا من ديارهم إذا كان الذي وقع هناك اقل حدة من الذي وقع في غزة . واختتم اردوغان بقوله "أن المسلم لا يمكن أن يرتكب أعمال إبادة جماعية" وهو قول واضح انه انعكاس لحساسية قديمة حول اتهام الأتراك بإبادة الأرمن.
غادر وفد مقدمة من البروتوكول الرئاسي السوداني لاسطنبول تمهيدا لوصول البشير الذي كان من المفترض أن يصل ظهر الأحد وقد ذكر الأستاذ النور أن البشير ووفده عادوا لمقر إقامتهم في شرم الشيخ وسبقت الوفد أمتعته إلى المطار وظلت الطائرة في الانتظار ولكن البشير تأخر وتلقى اتصالا "من شخصية نافذة تشغل منصبا دستوريا رفيعا" ثم جرت اتصالات مع تركيا ونوقشت مسألة إحراج الدولة المضيفة وأيضا مسألة المخاطر الأمنية ورغم إصرار البشير على السفر نزل عند رغبة مساعديه ومستشاريه.
خرجت علينا وكالة سونا للأنباء ببيان تقول فيه أن البشير اتصل بنظيره التركي واعتذر عن تلبية الدعوة متعللا بأزمة الشريكين المستفحلة التي تتطلب وجوده في الخرطوم اليومين المقبلين. وإذا كان هذا القول صحيح فكان من المتوقع أن يقطع البشير زيارته لمصر فورا ويعود للخرطوم لينخرط في لقاءات مع قادة الحركة الشعبية بما فيهم سلفا كير نفسه ، ولكن هذا لم يحدث وانتظر البشير حتى صباح الاثنين ليعود إلى الخرطوم . ويا للعجب !! فكل نشاطات الرئيس البشير بعد العودة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بأزمة الشريكين فطبقا لوسائل الإعلام السودانية الرسمية و المستقلة كان برنامج الرئيس كالاتى : اتصل بالعاهل السعودي لتهنئته بالانتصار على المتمردين الحوثيين . استقبل مستشاره غازي صلاح الدين في تنوير حول زيارة الأخير لأثيوبيا . كما استقبل رئيس الجمهورية الضباط الثلاثة للجنة الاولمبية السودانية بقيادة الأستاذ هاشم هارون. وكان المستشار في الرئاسية السودانية سيد حنفي عبد الله قد صرح لقناة العالم الإخبارية في 9 نوفمبر "أن التطورات المتسارعة الايجابية التي حدثت في ألامس بين الشريكين المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية قد أدى إلى إرجاء الزيارة بسبب حاجة البلاد للسيد الرئيس حول هذه القضايا و هذه قضايا كما تعملون هي شديدة الحساسية و تحتاج إلى إجراءات سريعة".
ولقد استخدمت وكالة سونا للأنباء وصف "إرجاء" الزيارة وليس إلغائها وهو تعبير غير منطقي وفيه قدر من التضليل حيث أن الدعوة للبشير جاءت للمشاركة في قمة إقليمية وليست زيارة ثنائية حتى تؤجل اللهم إلا إذا كان هناك ملحق للقمة للذين لم يتمكنوا من الحضور في المرة الأولى. وكما ذكرت سابقا فأن وزارة الخارجية التركية صرحت انه لن تتم دعوة البشير لزيارة ثنائية في المستقبل. وجدير بالذكر أن الصحف التركية أكدت أن جدول الرئيس غل لم يتضمن أصلا مقابلة مع البشير على هامش القمة الإسلامية.
قال الأستاذ الباز أن الدبلوماسية السودانية "رتبت أوراقها بشكل واقعي ومدهش" ولكننا لم نر اى اثر لذلك الإدهاش فقد تابعنا انه وبعد عودة الوفد الحكومي بدأت تظهر التناقضات في تصريحات المسئولين حول تفسير أسباب تراجع البشير عن المشاركة في قمة اسطنبول ، فلقد نقلت وكالة شينخوا للأنباء على لسان علي كرتى وزير الدولة بوزارة الخارجية يوم 9 نوفمبر أنه "بعد الضغوط التي تعرضت لها تركيا من قبل الاتحاد الأوروبي الرافض لمشاركة الرئيس البشير، رأت القيادة السياسية عدم مشاركة الرئيس لتجنيب تركيا المزيد من الضغوط". وقبل ذلك نقلت وكالة الأنباء الروسية عن مصدر مسئول في الحكومة السودانية أن إلغاء الزيارة جاء " تفاديا لإحراج الحكومة التركية".
ولكن المستشار مصطفى عثمان إسماعيل جاء في نفس اليوم ليناقض ما قاله كرتي وغيره ليصرح انه "يجب الإشادة بالموقف التركي الصلب في ذات الوقت تثمين موقف السودان بالنسبة لمن يظنون أن تأجيل زيارة البشير إلى هناك أتى تقديرا للموقف التركي وما واجهته تركيا من ضغوط". وكانت قمة التخبط في الموقف الحكومي هو تأكيد المهندس عبد الله مسار مستشار الرئيس لقناة العربية الإخبارية ليل الأحد بأن البشير سيزور تركيا في نفس الوقت الذي كان القرار قد اتخذ بعدم الذهاب.
ونعود إلى الجانب التركي ونسأل هل كان موقفه بالصلابة التي صورها لنا المسئولين السودانيين أو "بالنبل والشجاعة" كما ذكر الباز؟ . لقد كال الأستاذ الباز المديح والثناء للحكومة التركية قائلا أنه "حين احتجت بروكسل على زيارة البشير، رفضت تركيا مبدأ التدخل في شئونها الداخلية، فأسست موقفها على قيم السيادة الوطنية التي لا تقبل المساومة".
صحيفة حرية التركية بتاريخ 9 نوفمبر نسبت لمسئولين أتراك رفيعي المستوى قولهم أن الرئاسة التركية اتصلت بالرئيس البشير مباشرة لإقناعه بالعدول عن الزيارة. وقالت المصادر أيضا أن الرئيس غل "تنفس الصعداء" بعد عدول البشير عن المشاركة حيث أن "مواجهة كبيرة بين تركيا والغرب حول البشير تم تجنبها".
وتعطينا صحيفة ميليت الناطقة بالتركية تفاصيل أكثر عن الساعات التي سبقت إلغاء الزيارة في تقريرها الصادر بتاريخ 9 نوفمبر. قالت الصحيفة انه رغم الأهمية التي توليها الحكومة للعلاقة مع السودان فهي ليست على استعداد حتى لأن تظهر صور لمسئوليها مع البشير وبناء على ذلك تدخل "رجال أعمال ووسطاء" لإقناع البشير بعدم القدوم وإيصال رسالة مفادها أن الزيارة تضع تركيا في موقف صعب فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي واحد هؤلاء الوسطاء كان على ما يبدو هو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي اكمل الدين احسان اوغلو التركي الأصل. ويتطابق هذا الكلام مع ما قاله دبلوماسي تركي رفيع لوكالة فرانس برس رافضا كشف هويته أن "السودانيين يرون ويفهمون جيدا الصعوبات".
وتضيف الصحيفة أن كل الجهود المبذولة لإقناع البشير بالتراجع عن الزيارة كادت أن تبوء بالفشل لولا أن بعض رجال الأعمال اخطروا الحكومة السودانية أنهم لا يستطيعون ضمان عدم قيام المدعي العام التركي بالقبض على البشير بموجب بعض النصوص في القانون وعندها فقط استجاب الرئيس السوداني وألغى الزيارة حيث كان ذلك "العامل الحاسم في التأثير على البشير لتغيير موقفه" كما ذكرت الصحيفة.
وبينما كانت المفاوضات جارية قالت الصحيفة أن الاستعدادات جرت لاستقبال طائرة البشير التي كان من المقرر أن تهبط في مطار اسطنبول الساعة السادسة والنصف. وتأهب الحاكم الإقليمي ومسئولي البروتوكول الأتراك للذهاب للمطار وسبقهم إلى هناك مسئولين سودانيين ورجال ألاعمال الذين تواجدوا هناك منذ الساعة الخامسة وتم وضع الأجهزة الأمنية في حالة استعداد ولكن في حوالي الساعة الخامسة والنصف أصبح من الواضح أن البشير لن يأتي.
وذكرت صحيفة ميليت أن المسئولين السودانيين أرسلوا إشارات متناقضة لنظرائهم الأتراك عن ما إذا كان البشير مصمم على القدوم مما أدى لتأخر الإعلان عن إلغاء الزيارة مساء الأحد 8 نوفمبر . ويبرر الباز هذا الموقف بقوله أن الدبلوماسية السودانية كانت " تضغط على أعصاب الاتحاد الأوروبي ويسندها موقف تركي صلد" وان هذا الموقف "شكل أجواءً ضاغطة على أعصاب المحكمة والاتحاد الأوروبي الذي يرى المحكمة تتداعى" وحقيقة الأمر أن هذا القول لا يسنده عقل ولا منطق لأن تركيا أصلا ليست عضوا بالمحكمة وليس هناك ما يلزمها بتنفيذ أمر القبض وبالتالي فأن استجابتها للضغوط الدولية يضيف بعدا آخرا للقيود المفروضة على سفر الرئيس البشير لتشمل دولا ليست طرفا في اتفاقية روما.
وذكر الأستاذ الباز أن هناك تحركات افريقية لترتيب انسحاب دول القارة من المحكمة الجنائية الدولية خلال الأسبوعين القادمين وحقيقة لست ادري ما هو مصدر هذه المعلومة فلقد نوقش هذا الأمر في اجتماع عقد في أديس أبابا في شهر يونيو الماضي ولم يلق قبولا رغم الضغوط التي مارستها دولا مثل ليبيا والسنغال للانسحاب. ولكي أزيد الأستاذ الباز من الشعر بيت كما يقولون ، أوضح له أن الدول الأفريقية الأعضاء في المحكمة اجتمعت مطلع هذا الشهر في أديس أبابا للخروج بموقف موحد في مؤتمر كمبالا 2010 المخصص لإدخال تعديلات في اتفاقية روما ولم يتم التطرق مطلقا لمسألة الانسحاب ولا يستقيم عقلا أن تقوم هذه الدول بإضاعة وقتها في مناقشة الاتفاقية إذا كانت تزمع الانسحاب كما ذكر الباز.
و من المفيد هنا أن نذكر انه منذ صدور مذكرة التوقيف بحق الرئيس البشير انضمت تشيلي و جمهورية التشيك للمحكمة لتصبح قارتي أوروبا و أمريكا اللاتينية بأكملهما أطراف في اتفاقية روما كما أن كينيا جارة السودان استقبلت هذا الشهر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، لويس مورينو اوكامبو استقبالا حافلا حيث التقى الرئيس مواي كيباكي ورئيس الوزراء رائيلا أودينقا الذين تعهدا له بالتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية ، وقام الأعلام الكيني بتغطية مكثفة للزيارة وتم إجراء مقابلات في الشارع الكيني الذي كان بأغلبيته الساحقة مؤيدا لتدخل المحكمة للقصاص من الذين يقفون وراء أحداث العنف التي اندلعت في كينيا عقب انتخابات العام الماضي.
وأعجب ما ورد في مقال الباز هو قوله أن اجتماع تركيا "لا يقدم ولا يؤخر" وبالتالي "ليس هنالك من ضرورة بالغة لحضور الرئيس عمر البشير" . و البداهة تقول انه إذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نسأل أنفسنا لماذا أصر البشير على المشاركة؟ !! .
لكن تأتينا الإجابة على التساؤل أعلاه على لسان الباز نفسه وذلك بتأكيده على أن "رسالة الدبلوماسية السودانية قد وصلت لمن يعنيهم الأمر بعدم مقدرتهم من الحد من تحركات البشير إن أراد. تم تأكيد هذه الحقيقة على مستوى القارة الإفريقية التي شهدت تحركات للرئيس في عدة دول داخلها، كما تواصلت تحركاته في كل العواصم العربية بأفريقيا وآسيا. ولذا فإن سفر الرئيس لتركيا من شأنه فقط تأكيد المواقف التي لا تحتاج لتأكيد".
ولست ادري إذا كان الباز قد اطلع على تصريح مستشار الرئيس الدكتور غازي صلاح الدين لوكالة اسوشيتدبرس بتاريخ 28 ديسمبر على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث اقر أن مذكرة التوقيف قيدت تحركات البشير وانه بالتالي عليه دراسة أي رحلة خارجية قبل القيام بها.
وحقيقة الأمر أننا لسنا بحاجة لتصريح المستشار غازي لأدراك هذه الحقيق التي لا يخطئها المراقب العادي للشأن السوداني ، فقد تجنب البشير زيارة نيجيريا, أوغندا, الولايات المتحدة, فنزويلا وجنوب أفريقيا رغم تسلمه دعوات من حكومات هذه الدول أو المنظمات التي تستضيفها. فمثلا لم يذهب البشير لنيويورك لمثيل السودان في اجتماعات الدورة (64) للجمعية العامة للأمم المتحدة رغم انه صرح في حديث على الفضائية السودانية بتاريخ 5 ابريل الماضي انه لو تمت دعوته من قبل الأمم المتحدة للحضور إلى نيويورك "سأسافر ولا يوجد شيء يمنعني من ذلك".
وقد تسلم البشير دعوة لحضور حفلة تنصيب رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما في شهر مايو الماضي ولكن تم تحذير السفير السوداني في بريتوريا انه سيتم القبض على رئيسه إذا حاول تلبية الدعوة بموجب عضويتها في اتفاقية روما ، وقام النائب الأول سلفا كير بتمثيل السودان. ورغم هذا الموقف الواضح من جوهانسبرج قال الرئيس البشير لمذيعة البي بي سي السودانية الأصل زينيب بدوي في مقابلة تلفزيونية في نفس الشهر انه كان بإمكانه الذهاب لحفل التنصيب لو أراد.
ولقد أثار موقف جنوب أفريقيا وتراجعها عن قرارات قمة سرت القاضي بعدم التعاون مع المحكمة حفيظة الحكومة السودانية والبشير شخصيا وظهر هذا جليا عند مقابلته وزيرة خارجية جنوب أفريقيا مايتي ماكوين يوم 16 سبتمبر الماضي وتمت إثارة الموضوع. قامت الوزيرة بالرد عليه قائلة له "أن موقف الإتحاد الأفريقي هو طلب تجميد المذكرة وليس إلغائها على اعتبار انه الخيار القانوني الوحيد المتاح وان ذلك هو بغرض إعطاء فرصة له للقيام بشيء وهو لم يفعل أي شيء وأكدت له أن بلادها عضو بالمحكمة وستظل كذلك ولن يتغير موقفها".
وتتعدى أثار المذكرة لتتجاوز مجرد السفر لدول يمكن أن تقبض عليه فهناك بعض المسئولين يحاولون تجنب الظهور معه كما حدث بالنسبة للرئيس البرازيلي ونظيرته الأرجنتينية في قمة الدوحة شهر مارس الماضي عندما غادروا القاعة. ولسنا هنا بحاجة للتذكير بأنه محظور على مسئولي الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي إجراء اتصالات مباشرة مع البشير بسبب أمر القبض. وهناك حاليا أزمة صامتة بين فرنسا ومصر بسبب إصرار الأخيرة على دعوة البشير لقمة أفريقيا-فرنسا المقررة بداية 2010 في شرم الشيخ. وكانت النشرة الفرنسية المتخصصة في الشؤون الإفريقية «لا ليتر دو كونتينان» قد ذكرت أن قصر الاليزيه قد يفكر في إلغاء القمة في حالة مشاركة البشير.
وحظرت السياسة الأمريكية تجاه السودان التي أعلنت أخيرا إجراء اى اتصالات لمسئولين أمريكيين على اى مستوى مع الرئيس البشير ، وقد ظل هذا الموقف الامريكى تجاه الرئيس البشير نافذا منذ صدور مذكرة التوقيف من قضاة المحكمة في مارس الماضي .
وأكثر من ذلك فلقد أصبحت المذكرة أداة من أدوات الابتزاز السياسي حتى من الذين وقفوا بجانب الرئيس البشير مثل القذافي عندما عقدا لقاءا مشتركا أثناء الاحتفالات بالذكرى الأربعين لتوليه الحكم في شهر سبتمبر الماضي. وعلى صفحات الجرائد المصرية قرأنا لأسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام في منتصف شهر يناير الماضي وهو يسخر من البشير لحضوره قمة في الدوحة قاطعتها مصر واصفا إياه بأنه شخص مطلوب القبض عليه في 108 دولة وغني عن القول أنه ما كان يجرؤ على كتابة هذا الكلام دون إذن القيادة السياسية المصرية. وبالأمس القريب كتب رئيس تحرير جريدة الوفد المصرية السابق عباس الطرابيلي سلسلة مقالات متهما البشير بالجحود يعد أن قامت مفوضية الانتخابات السودانية بإعلان منطقة حلايب المتنازع عليها دائرة انتخابية رغم دعم القاهرة له " بعد أن طاردته المنظمات الدولية.. وصدر قرار باعتقاله.. فهل يرد البشير الجميل لمصر بعد كل الذي فعلته". وقد أعلن سفير السودان بالقاهرة عبد الرحمن سر الختم أن البشير ومبارك اتفقا في لقائهما الأخير في شرم الشيخ على هامش القمة الأفريقية الصينية ،على حسم قضية حلايب، على أن تكون المنطقة تكاملية بين البلدين دون أي ذكر لمسألة السيادة على المثلث أو حتى قرار مفوضية الانتخابات.
إذن نحن هنا أمام أمر واقع فرضته مذكرة التوقيف على الرئيس البشير وبالتالي على السودان. ليس من المفيد تسفيه هذا الواقع أو محاولة التقليل من آثره كما دأب المسئولون على ذلك. أنا مدرك كما يدرك غيري انه من المؤلم أن تكون سفريات رأس الدولة الخارجية مصدرا لكل هذا اللغط والإحراج للسودان ولدول أخرى. وانأ اعتقد انه على السودانيين عاجلا أم آجلا مناقشة هذا الأمر بشكل صريح ومفتوح لدراسة أبعاده وتأثيراته على المصالح العليا للبلاد مع التسليم أن الوطن فوق الأشخاص.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.