والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما يعوق البجا عن التقدم .. النظام والبجا وآخرون .. بقلم: سيد علي أبو آمنة
نشر في سودانيل يوم 12 - 01 - 2015


بسم الله الرحمن الرحيم
ترددت كثيرا, في تناول هذا الأمر الصعب, خشية أن تمطر السماء على مفرق رأسي أعداء ونقدا موجها و تجني, إذ يسعدني النقد الصادق وأبالي, ولأنني وددت أن أقول الحقيقة بدون أن يصيبني وبالها المعهود في هذا العصر العصيب, و لكن يقيني بأن حتى السكوت عن الحق قد لا يبقي بصدور البعض ودا بصمتي, و خشيتي من أني بخوفي هذا, قد يعجزني عن سد ثغر يقبع حياله من ينقب فيه ليل نهار, سوى أني قد أجعل من نفسي بصمتي مجرد عائق آخر, لذا قررت تناول الأمر, وسأوجز في هذه الوريقة ما قدر أدبي, وما ضيّقت وسعي, وسأسعى جهدي لأن لا يكون إيجازي مخلّا ولا سردي قاس.
مدخل :
البجا مجموعة سكانية عتيقة عريقة, بعراقة هذه الأرض, تقاسمت أرضها الدول حديثة النشوء في الإقليم, أرضها
التي تمتد بين البحر الأحمر و النيل, و هي المنطقة التي تعرف الآن بالشرق الشمالي للدولة السودانية التي بدأت تتداعى الآن, بسبب الاختلال ( السياسواجتماعي) الذي قامت عليه منذ نشوئها الفعلي كدولة وطنية منذ ثلاث وستون عاما, وتعتبر البجا من أكثر الجماعات السكانية المكونة للنسق الاجتماعي السوداني ( المائل ) تضررا من وجودها داخل هذا النسق السياسي ( الهيموجيني ) المختل, وهم يعانون بكل أسف – علاوة على قسوة المناخ وفقره - من سياسات حكومية مركزية مخططة و مقصودة, تهدف وتعمل على إبادتهم ومحوهم بكل الطرق الممكنة, من أهمها وأخطرها بالمطلق الإفقار والتجهيل واختلال الميزان لاقتصادي لدى البجا, واغتيال الطبيعة الإنتاجية للبجا, و تحديد النسل, والقتل المباشر, والقتل البطيء, ومحاربة لغتهم, و ضرب و سرقة ثقافتهم, و ثرواتهم وأرضهم, و حرمانهم من الخدمات كلها وانعدام الصحة الإنجابية والعامة, مما حولهم إلى شعب هو عبارة عن فيلق عاجز من الفقراء والخفراء والمعوزين, ومجتمع كامل من الغضب معطل وعاطل عن العمل والإنتاج والإسهام الثقافي.
وفي ذات الوقت لا يمكن القول بأن كل معوقات تقدم البجا, والأضرار الواقعة عليهم هي بفعل النظم والحكومات المتعاقبة فقط, لأن هنالك معوقات أخرى لا تقل خطورة عن السياسات العنصرية للنظام, هي المعوقات الذاتية للبجا, و المعوقات الأخرى التنافسية, التي تقوم بتخطيطها وتنفيذها جماعات سكانية تنافس البجا, أما على أرضهم وثقافتهم, أو على ثرواتهم وحقهم في المشاركة السياسية, كما سنوضح في هذه الوريقة الموجزة.
أولا :- المعوق الاستعماري و العنصري:
منذ الفرعون ( نكاو ), مرورا بالبطالمة, وحتى النظام الأخير المدعو بالوطني, (الذي سار على ذات نهج المستعمر) بكل حكوماته المتعاقبة, منذ (الأزهري) حتى ( البشير ), كان يهم أغلبهم من منطقة البجا ثرواتها, وجيوبولتيكا الموقع ليس إلا, لذا عمدت كلها إلي استغلال, تهميش, إضعاف وإقصاء البجا, عن الحكم, المال, الوعي, الخدمات و كل أساسيات الحياة, وتغيير نمطهم الإنتاجي, واغتيال الميزان الاقتصادي في المنطقة, بالاستمرار في المشروعات الاستعمارية, التي اهتمت فقط بمصالح الدولة الانجليزية, ولم تراع المجتمعات المحلية.
وفي عهد البشير الأخير ( الذي وصل فيه النسق السوداني أقصى مرحلة للانسداد العنصري ) تطور الأمر من التهميش القائم على الإهمال, إلي التجاهل المخطط له سلفا ( عن قصد ), فانتقل الأمر من التهميش إلى التهشيم المتعمد وسياسات الإبادة الممنهجة والمحو البطئ, والإفقار والتجهيل, وتكسير أبنيتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وحتى القانونية, حيث تتجاهل الحكومات القوانين العرفية المتراكمة للبجا, والمعمول بها بموجب ( السالف والقلد والمجلس) والتي لا تذعن البجا لأي قانون سواها, بل تتجاهل العرف كله ( في القانون والملكية ) رغم كونه من مصادر التشريع الأساسية, ووصل في عهده التجبر و الازدراء أقصاه, ولا تزال هذه السياسات تزداد عنفا وحدة بشكل طردي كلما ضاق الحال على النظام الخائف من انتقام كل الجماعات السودانية التي ظل يكبلها بالعنف والقهر والاستعباد, وظل هو يحاول معالجة قضاياها بمحوها من الخارطة, وإزالتها من ( طابور المظلومين ) ومن قائمة الشكاوى نهائيا بتقتيل أفرادها, لذا, يعتبر ( على الإطلاق ) أهم وأخطر العوامل الحائلة دون نهوض البجا وغيرهم من الجماعات المذكورة, بل و الكابحة لأي بوادر للتفكير أو الفعل الاجتماعي السلمي المنظم من أجل الحقوق, خشية من أن يقود للوعي والنهوض.
ثانيا :- المعوق السلوكي ( الثقافي ) الذاتي:
و ينقسم إلى قسمين:
المعوق السلوكي الثقافي في البجا وقياداتها:
الناظر للسلوك الاجتماعي للبجا نفسها, يكاد يجزم إنها – وبفضل ثقافتها – سيؤدي تفاعلها الاجتماعي الانعزالي الهادف للحفاظ على النوع والثقافة ( وهو الغالب ) للقعود بها عن ركب الحياة, و من ذلك بعض العادات والطباع الجمعية التي كانت من أفضل القيم في الماضي السحيق, حيث كانت تهدف لإبقاء اللغة والجنس والكرامة والأرض والثروة الحيوانية بمأمن عن الأغراب, ولكنها أصبحت الآن ( رغم ايجابياتها ) غير صالحة لهذا العصر الذي ارتبطت فيه أساسيات الحياة و الحقوق بالوعي والتعليم والمخالطة والمصاهرة والمطالبة, و بالانتماءات الأيديولوجية والسياسية والتكوينات النقابية, والتحالفات الاجتماعية والسياسية والتفاعل الاجتماعي الايجابي, والتجمع, والتفاكر المستمر, والإعلام والحراك المدني والتظاهرات.
ومن هذه السلوكيات الانتقال عن الأماكن التي يطرأ عليها – ( ولحكمة يعلمها سبحانه وتعالى ) - الأغراب والخدمات معا, وذلك حفاظا على ثقافتهم التي حفظوها حتى من أن تتأثر بالأديان السماوية ( للأسف), و منها أيضا الانعزال في غياهب سبسب الأرض, حيث لا انس ولا جن ولا ماء, والتأهب الأمني والحذر البالغ, الخلاق للشك في كل شخص وأمر ( كما في العصور الوسطى ), والتباعد في السكنى لدرجة أن يكون بين الجار وجاره مسافة ميل على الأقل, مما يعقد عملية إيصال الخدمات, ومنها أيضا اعتبار إن المطالبة وإعلان الحاجة ضرب من الضعف والذل والهوان, والترفع عن الجأر بالشكوى من الظلم أو الفاقة, والتعالي على كل ماهو غير مألوف أو مدني أو (بن سوق) كما تسميه البجا, مما ضيع الحقوق, و دفع الحكومات لاستمراء استضعافهم.
ومن ذلك أيضا المقدرة المهولة للتأقلم مع أسوأ الأحوال الطبيعية و أقسى الظروف البيئية, حتى تكاد تظن أنهم قادرون حتى على احتمال يوم القيامة, بينما على اليد الأخرى تجد عدم المقدرة على التوائم مع اختلالات الميزان الاقتصادي و التحولات الاقتصادية الجديدة, مثل امتهان الزراعة التي ابتلعت مراعيهم, أو التحول لإنتاج والاتجار في الذهب ومعادن ظاهر الأرض مثل الجير والجبس والملح, أو المنتجات البحرية مثل زراعة اللؤلؤ والصيد والمدخولات السياحية, أو الترحيل والتخليص عبر البحر, أو الخدمة المدنية أو الجندية أو التجارة الصغيرة, أو حتى التهريب وتجارة الحدود والسنابك وتصدير الهجن أو الخراف الخ .., وذلك لرسوخ ثقافة الراعي ( الانتظار ), مما حولهم إلي جماعة عاطلة تنتظر إعلان نهاية الكون, فلا هي تجد مهنتها التي اعتمدت عليها أكثر من تسعة ألف عام, بسبب سياسات المستعمر والحكومات من بعده و المناخ , ولا هي عرفت كيف تواكب المهن الطارئة عليها.
أما انعكاس ذلك السلوك علي نشطاء وقيادات البجا, فيتعلق بذات الأنفة ( الفارغة) وبذات الانعزال وذات الانتظار وذات الحذر البالغ والتشكك في كل قادم والعمل فورا على محو كل منافس من الساحة, ويبدوا ذلك جليا جدا في أساءه فهم أغلب قيادات البجا للعمل العام, وشكل العمل داخل الأحزاب, فتجد أغلبهم يعتبر الحزب شيء كالقبيلة, أو مكتوب باسمه, ولا يحق لكائن من كان ( ولو امن ببرنامج الحزب) أن يشاركه العمل فيه أو قيادته, وكذلك يمارسون الانعزال السياسي أيضا بالنأي عن كل الأبنية التحالفية, فلا يتحالفون إلا مع حاشيتهم و الفراغ, لا تجدهم ضمن تحالف حكومي أو معارض إلا وكانوا ( تمومة جرتق), و كذلك هم الآن, وكذلك كانوا أيام التجمع الوطني الديمقراطي, وكذلك كانوا في كل مراحل ما عرف بالاستقلال, وإذا انضم القيادي بعضهم لحزب ما, ظن انه إنما يولى ما يولى لأنه يمثل ( الفلاناب), وإذا أعطي موقعا جعله ( حاكورة ) و يكاد ينفق إذا ولي غيره مكانه وهو بعد حي, وللأسف بعضهم إذا ناضل لأجل قضيته, ينصب نفسه عالما بالغيب و قاضيا يحكم على ما في صدور العالمين, ويعمل ليل نهار لكي لا تخطئ البجا وتنجب مناضل غيره, وكأني به يريد إيقاف النضال عن حده هو فقط, حتى أصبح أغلب قيادات البجا محض عوائق إضافية أقعدت بتطور العمل, وأجهضت عملية ضخ الدماء داخل الكيانات السياسية والمطالبية للبجا, و من وجد منهم سلطة فإما ضعيف مهزول, أو شارد مذهول, أو خفيف زهلول, أو حصيف معزول, أو شديد معلول, فتجد من يضيع الحق بذوق وأدب, وآخر يضيعه بنشوز وقلة حكمتة, فتجد من يكاد يغسل نحره لمن يذبح, ومن يكاد يقول أنا الأعلى لمن يقدح, وعلى كل فالحقوق هباء والجهد غثاء, ولا نقول هذا الكلام إلا من باب جلد الذات.
الشكل الإداري الانتهازي - ( النظام الأهلي):
نظام الإدارة الأهلية القائم, هو نظام أنشأه الاستعمار الانجليزي لسببين, هما إرساء نظام لا مركزي مزور يرضي به الجماعات السودانية المتمردة, ومحاولة لإيجاد بؤر مركزية تمكن المستعمر من السيطرة على تلك الجماعات عبر (روبوتات ادمية) منحهم المستعمر صلاحيات تحكيمية متوهمة, ونفوذ تخيلي أجوف, و درجت حكومات النظام ألخرطومي المتعاقبة أيضا على ذات النهج, وأصبح كافيا جدا أن تكسب ود شخص واحد لتنضم القبيلة بكاملها إليك وتدعمك في أي شئ, لا تحتاج لتوفير خدمات ولا لإشراكهم فعليا في الحكم, بل يكفي رئيس الخرطوم ( مثلا) إجراء مكالمة تلفونية واحدة ليصوت له كل شرق السودان, ويكفي أن يجتمع مدير الأمن بالمرشح البجاوي الحائز على أغلبية الأصوات في ولايته, لتنازل للمرشح الذي تريده الخرطوم, حتى لو كان لا يملك عشرة أصوات, أو لو كان من إقليم آخر حتى, بل يكفي رئيس أي حزب خرطومي ( وان لم يكن حاكما) أن يرشو الزعيم ( الفلاني) لتنضم قبيلته للحزب بكاملها, حتى ولو كان توجه الحزب يقضي بمحو هويتهم وثقافتهم, أو يدفن النفايات الذرية بأرضهم, أو يستعبدهم ويحتقرهم, أو يستخدمهم كمجرد وقود في حروب وسياسات عنصرية لا تهمهم, أو محض سند شعبي جاهل.
وكان يمكن القبول بهذا الشكل, إذا كانت الدولة تحترم الأعراف, وتضعها في الدستور, وتطور القوانين المتوافقة معها, أو إذا كانت تعتمد الملكية العرفية للأراضي وتجيز ( السالف والقلد) البجاوي ضمن المحاكم والقانون الجنائي, أو على الأقل في حال وجود ( مجلس شيوخ أهلي) ضمن الهيئة التشريعية, ليس له صلاحيات تشريع, وتعرض عليه القوانين والقضايا ليعطي رأيا. أما في غياب كل هذا, فلا يعدو هذا الشكل الإداري الانتهازي كونه مجرد عائق متجذر جدا, مهمته تعطيل نهضة وتقدم وبقاء البجا, بل وتتجاوز ذلك إلي تسخيرهم, وتقاضى النظر بكل سخاء, عن سياسات الخرطوم العنصرية الماضية فيهم, ولا تتحرك هذه المنظومة ( العالة ) إلا عندما تتضرر المصالح الشخصية لقياداتها, كمثال فقط قد يقوم القيادي الأهلي بغض النظر عن كسب أو موقع لأهلة خشية أن يولاه من ينافسه, أو يقبل أن يولاه شخص من خارج الإقليم, حفاظا على المكاسب المحدودة لشخصه.
ثالثا :- المعوق التنافسي :
نسبة لأن البجا لم يعودوا القاطن الوحيد للمنطقة بفضل التدافع البشري الطبيعي تارة, وبفضل التغيرات الديموغرافية المستمرة, التي حدثت إما بواسطة قرارات حكومية جائرة كما في قضية ( حلفا الجديدة ), أو بسبب استقدام المشروعات الاستعمارية ( الزراعة ) لجماعات حديثة كما في الهوسا والفلاتة, أو بفعل الهجرات القديمة كما في ( الزبيدية), أو النزوح الداخلي كما في بقية المكونات السودانية التي أتت للإقليم بحثا عن لقمة العيش والحياة الكريمة التي حرم منها البجا, أو بفضل اللجوء من دول الجوار بسبب الحرب أو المجاعات أو القمع, أو بسبب الحشو والتجنيس لأجل الانتخابات, فأصبح بإقليمهم, شكل اجتماعي جديد أدي إلي وجود تنافس بدرجات تتفاوت بين الحالة الطبيعية للتنافس حول الأرض والملكية وحق التمثيل, وبين الحدة التي تتمثل في العنصرية والعمل على إقصاء الآخر ومحاربته بكل الوسائل, وينقسم التنافس لقسمين:
الأول تنافس طبيعي وايجابي في أغلب حالاته, لأنه يقود إلي الوعي ويعود بكسب أكبر للمنطقة وإنسانها ( بغض النظر عن المجموعة التي كسبت فسيعود الكسب للإقليم), وهو التنافس بين المكونات البجاوية, كمثال (التنافس الطبيعي بين الهدندوة والأمر أر والبشاريين والبني عامر والحباب والخ), لأنه تنافس تحكمه عادات وتقاليد, ويتم في إطار علم الجميع وإقرارهم بحدود الأراضي وملكية الآخر, و ينحصر غالبا في أمور ظاهرية غير مؤثرة مثل التمثيل السياسي, ولكنه ما تجاوز حد العرف منه, يعتبر تطاولا, ويشكل بالقطع معوقا حقيقيا لنهضة البجا, لأنه ينفث أمراضا وتربص, غير انه يبني مناخ جيد تصطاد فيه الأعداء, كما انه يمكن أن يحول دون وحدة الصف والكلمة, غير إن الجهلاء والرعاع من الناس يصدقون انه تنافس حقيقي ( حياة أو موت) ويشعلونه أتونا مستعرة تكاد تحرق الجميع, ويستخدمه المتسلقون كمدخل فخم وسهل للفتنة.
أما الشق الآخر, فهو ما يمكن تسميته ب(التحالف العنصري للمستشرقين), وهو الميدان التنافسي الأخطر لأنه غير شريف ولا يقوم على أي حواكم عرفية, إنما هو سلوك وصولي عنصري رأسمالي بحت, وهو أيضا الأكثر حساسية إذا سقطنا في فخ التعميم, ويعتبر الأقدر على تعويق نهضة البجا, و ذلك لارتباطه بالعامل الأول ( الاستعماري/العنصري), وهو محاولة ( بعض ) المكونات التي يشعر ( بعض ) أفرادها, في قراره أنفسهم, إن جماعتهم دخيلة, وإنها لا تملك الأرض ( التي هي مصدر الحق و القوة), مما يدفعهم إلي السعي إما إلى تنظيم جماعته أو أفراد منها ضد البجا, واستغلال المركز بادعاء الترويج لسياساته المسماة بالقومية, والاستعاضة عن قوة الأرض بقوة المال والسلطان, أو تنصيب نفسه عينا للنظام المركزي والقيام بتبني وتنفيذ سياساته العنصرية في إنسان الإقليم, ومنها احتقار البجا ولغتهم, وتقزيمهم ثقافيا واستغلال القوانين الوضعية كلها ضدهم ( مثل قانون الأراضي) وشراء الأراضي, واستغلال المؤسسات النظامية في الإقليم لإرهاب البجا وقمعهم وانتزاع حقوقهم, والحرص على إقصائهم عن التعليم والوعي والخدمات ( لدرجة أن يقوم أحد أفراد هذه الجماعات لحرق الأدوية المنقذة للحياة بمناطق القاش – ريفي كسلا), واحتكار الوظائف ولجان التعيين والأندية وفوائد المشروعات القومية, وعائدات المسئولية الاجتماعية للشركات والهيئات, وتوجيه كل التقارير الحكومية والأمنية / التعداد السكاني/ السجل الانتخابي / الرقم الوطني/ سياسات استخراج الجنسية والخ, لتزوير البناء الاجتماعي للإقليم, وذلك بإظهار والترويج لكل الثقافات والمكونات الموجودة في الإقليم والتعمية على ثقافة/أغاني/تعداد البجا ( المكون الأساسي للإقليم). ومثال لذلك ما عرف ب( مجموعة السواقي كسلا), و ما عرف ب(أولاد المحطات), و ( كيان الشمال بور تسودان) والمجموعة التي تسلقت ما عرف ب(اتفاقية الشرق), وهنالك مجموعات عربية أخرى يدعمها ويسلحها النظام تمهيدا لاستخدامها تماما مثل استخدام بعض مثيلاتها في دارفور لقمع الجماعات غير العربية لما تطالب بحقوقها, ولكنها لا تزال في طور ( الشرنقة ).
ولكن من الخطأ بمكان أن نعتقد إن كل ممثلي التكوينات الحديثة في إقليم البجا يقومون بذلك, أو أن نطلق ذلك القول على وجه التعميم, لأنه فعل يرجعه علماء الانثربولوجيا للجانب السيكولوجي, وهو جانب يتعلق بالفرد, وليس للجماعات السكانية جانب نفسي جمعي يشكل فعلها, إنما نفسية الفرد المريض هي ما يقوده لتنظيم وتوجيه هذه النفسية ( مدعيا ) انه يمثل جماعته, ولذلك قلت في الأعلى ( بعض أفراد ), كما إن هنالك جماعات حديثة لم تتورط حتى الآن في أي فعل يعادي البجا أو يعيق نموهم الطبيعي, مثل النوبة و الهوسا والفلاته والبرنو والنوبيين والفور والزغاوة وغيرهم من الذين أوجدهم التدافع الطبيعي للحياة في الإقليم.
رابعا :- المعوق الأجنبي ( المتسلق ).
وهو عائق ( أثيري مخادع ) غير مرئي, و حديث نسبيا, وكان يتم تثبيته على استحياء, ولكنه الآن صار يوضع بجرأة وفجور, وهو لا يقل خبثا و دقة عن المعوق الاستعماري العنصري, ويتجلى بسفور في المحاولات الأخيرة لبعض الأفراد المتحالفون ( استراتيجيا ) مع نظام الخرطوم, و الذين لديهم قضية أساسية يجاهدون لأجلها في دولة أخرى هي ارتريا , وقضية ( احتياطي) في السودان, يدعون اهتمامهم بها كلما فشلوا في مواجهة تحدياتهم الخاصة في بلدهم الذي أعلنوا الجهاد ضد نظامه, والآن ( ولأنهم يستطيعون القول بأنهم بجا), فقد دلف بعضهم ( للاختباء المؤقت ) وانتشروا ب( أوامر تنظيمية ) داخل التنظيمات البجاوية المعارضة ( القضية الاسبير ), حتى تحين الفرصة مجددا ويعود نظام الخرطوم لدعمهم وتسليحهم وفتح المعسكرات لهم لقتال حكومتهم, فيهرع كل منهم إلي ( مشرفه الأمني ).
ورغم التخفي, إلا إن المتدبر يجدهم طيا حديثهم الموجه دائما لتفتيت البجا من الداخل, ويجدهم في قيادتهم الدائمة لخط عنصري وخلافي ضيق داخل البجا, ويتلمسهم في قصور اهتمامهم بمنطقة لا يتجاوز قطرها كيلومترين فقط من مناطق البجا, ولا يهتمون بباقي مناطق البجا, و يركزون على مكون بجاوي واحد فقط, ويبكون شهداء غزة أكثر من شهداء البجا, ويتبنون توجهات بعض التنظيمات الارترية المعارضة, ذات التوجه الإسلامي الجهادي, ومنهم مجاهدين ارتريين معروفين لدى الجميع, أصبحوا لا يخجلون من ادعاء تبني القضية البجاوية جهارا نهارا, وكذلك بعض الذين تدعمهم سفارات النظام في دول الشتات تحت اسم ( أبناء شرق السودان ).
وهذا معوق كبير, يؤدي إلي تشتيت كلمة البجا, ويهدف إلي سرقة قضيتهم, وربما إلى فتنة تتقهقر بنا إلى أسفل سافلين, وهو عائق سيكون وبالا على كل البجا, لا سيما أهلنا البني عامر, والتي هي ليست قبيلة, إنما تجمع قبائل يسهل على كل من يتحدث لغتها اختراقها, وهدف هذه المجموعة الجهادية المخادعة هو خلق شرخ عملاق بين أهلنا البني عامر وبقية المكونات البجاوية, وذلك لمصلحة الخرطوم, وعلى الحادبين عدم إغفال ذلك, لأنه عائق خبيث منظم يعمل على جر أهلنا البني عامر بعيدا وتوجيههم تحت مسميات حديثة أوردتها اتفاقية الشرق, وحتى لا يخرج علينا من يريد جر الحديث إلي مناحي أخرى, فأننا لا نقول إن العيب في هؤلاء الجهاديين كقبيلة, أو في تكوينهم الاجتماعي, أو في بجاويتهم من عدمها ( لأننا نتحدث عن حقوق ولسنا بصدد إثبات أشجار النسب, ولأن فعلهم لا يعبر عن توجهات القبائل التي يتنسبون إليها ), إنما نقول إنهم محض أفراد من تنظيمات ارترية متمردة, يتسلقون القضية البجاوية, وهم ألد أعدائها ( عقديا واستراتيجيا), ونقول بأننا نحترمهم ما ظلوا يدافعون عن قضيتهم ( حيثما كانت ) أما أن يتحالفوا مع النظام الذي بسببه أصبحت لدينا قضية !!!, وفي ذات الوقت يتسلقوا قضية البجا, مدعيين أنهم أصحابها, وأنهم ضد نظام الخرطوم, وفي ذات الوقت هم يحملون السلاح في وجه النظام الوحيد في الكون الذي دعم القضية البجاوية ( النظام الارتري) بغض النظر عن مشكلاته التي يجب أن ننشغل عنها باهتمامنا بقضيتنا لأنها في دولة أخرى ولا تهمنا البتة. والبجاوي الحقيقي يهتم لكل مكونات البجا, وكل مناطقهم, ويتحدث باسمهم جميعا, وينشئ محافل تمثل الجميع وليس عرقا معينا أو لغة معينة, والبجاوي الحقيقي يفتخر بالانتساب للبجا ولا يدعي الانتساب لأي جنس آخر, والانتماء للإسلام لا يتطلب بالضرورة ( السلبطة) في الانتماء للقبيلة التي نزل فيها الإسلام لما نزل.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.