مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



(داعش) .. و (الاخوان) !! (4-4) .. بقلم: د. عمر القراي
نشر في سودانيل يوم 15 - 03 - 2015

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
،،وبسبب حكم الوقت، فإن قتل" داعش"لا يعد جهاداً، وإنما إعتداء على الآمنين، وإزهاق للأنفس بغير حق، وأخذ "داعش" للنساء، لا يعد "ما ملكت أيمانكم" وإنما يعد اختطاف، واغتصاب، وسعي في الأرض بالفساد.،،
(وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) صدق الله العظيم
عندما عم النور الإلهي بطاح مكة، في القرن السابع الميلادي، بشروق شمس الإسلام، نزل القرآن أول ما نزل، في مستوى
مدنية، جديدة، تصاقب قامة الإنسانية في أعلى مستوياتها. فقامت الدعوة الجديدة، في جوهرها، على أصل الدين، الذي يدعو الى السلام .. قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وقال أيضاً (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). وفي إشارة الى أن السلام هو جوهر الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن لكل شئ قلب وقلب القرآن يس، ويس لها قلب)، ولقد عرف العارفون، أن قلب يس هو قوله تعالى (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) .. والسلام هو ما يسبغه الله على المصطفين من عباده، قال تعالى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)، وهو تحيتهم يوم يلقون ربهم (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا). والمسلم من يعيش السلام، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال (الإسلام قيد الفتك)،
وقال (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، والمسلمون، هنا، تعني جميع الخلائق في السموات والأرض، قال تعالى (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) !!
فإذا وضح هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، وفاء لهذه القيمة، التي تمثل أصل الدين، لم يشهر سيفاً في مكة، بل دعا الى سبيل ربه بالحسنى، متبعاً الأمر الإلهي: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وكما أعطاه الله تبارك وتعالى الحق في الدعوة، أعطى القرشيين الحق في أن يكفروا بها، فقال جل من قائل (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) !! ورغم أنهم كانوا يعبدون الحجر الاصم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يعترف لهم بأن ما هم عليه دين !! قال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). بل أمر أن يذكرهم فقط، ولا يسيطر عليهم، قال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ). وكانت
كل مهمته، عليه السلام، أن يبلغهم دينه، دون ان يكون عليهم حفيظأً، أو وكيلاً، فيحد من حريتهم .. قال تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ )، وقال أيضاً (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ )، وقال (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ). فهو ليس موكل بالناس، وليس عليه هدايتهم الى الحق، قال تعالى (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)!! وإنما مهمته أن يبلغهم الدعوة، وينذرهم إذا أبوا ، ويبشرهم إذا قبلوا، قال تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) وقال (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
ولكن القرشيين قابلوا هذا المستوى من الاسماح والسماحة، بالجحود، والتكذيب، والنكران، والطغيان، وأغروا بالنبي الكريم واصحابه سفاءهم، وغلمانهم، فأوسعوهم شتماً، واعتداء، ومهانة. ولكن الدعوة استمرت في تقدم، أزعج جبابرة قريش، لأنها جاءت بقيم العدالة، والمساواة بين جميع البشر، من حيث أن أصلهم واحد، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فالناس جميعاً لا يتفاوتون، فليس فيهم سادة وعبيد، ولا أشراف ووضيعين.. والكرامة لا تأتي بكثرة بالمال، ولا برفاعة بالحسب والنسب، وإنما بالعمل في تقوى الله، وثمرة هذه التقوى، من حسن معاملة الخلق. لقد رأى القرشيون نظامهم الإجتماعي يهتز، ومكانتهم تتزعزع، ومصالحهم المادية تتهدد، فأشتطوا في معاداة ، وإيذاء المجموعة التي آمنت، من العبيد، والضعفاء، والفقراء. ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليهم وسلم بالصبر، على هذا البلاء، قال تعالى (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). وحين هم أصحابه بأن يدافعوا عن أنفسهم، امروا بأن يكفوا عن ذلك، ويركزوا على العبادة، وإليهم الإشارة في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ). لقد نهوا عن العنف، حتى ولو كان دفاعاً عن النفس، ورداً للعدوان. وكان النبي يمر بآل ياسر، وهم يعذبون حتى الموت، فلا يدفع عنهم، بل يقول: ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). ولقد تآمر القرشيون على النبي واصحابه بمكة، وحصروهم في شعب أبي طالب، ومنعوا عنهم الأكل والشرب، ولكن بالرغم من ذلك استمر التوجيه الإلهي (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ). ولقد وصف القرشيون النبي الكريم، بأنه ساحر، وبأنه مجنون، وبأنه كذاب، وكان صدره يضيق من اقوالهم هذه، ويتألم منها أشد الألم، فينزل عليه التوجيه الإلهي (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ). وحين اشتد الأذى وشكا منه أصحابه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وتآمر القرشيون عليه ليقتلوه في بيته، فدلوا بذلك، أنهم كانوا دون المستوى الذي مكث يدعوهم اليه ثلاثة عشر عاماً. ولقد كان سبحانه وتعالى، يعلم ذلك، ولكن قدم إليهم أرفع مستوى من الإسلام، وصبر عليهم، حتى يقطع حجتهم. قال تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا). فالبدء يكون بالبشارة والنذارة، حتى تقوم الحجة، وبعد ذلك، يفرض على الناس ما يستحقوا مما هو دون البشارة والنذارة، ببعيد.
ولم تكن الهجرة مجرد انتقال من مكان الى مكان، وإنما كانت تحول تام في مستوى الخطاب القرآني، من مستوى الرشد والمسؤولية، الى مستوى الوصاية. ولقد تدرج هذه الأمر بالخطاب، فنزل عدة منازل، قبل ان يصل الى الإذن بممارسة العنف، وفرض الإسلام على الناس بحد السيف. ولعل أول ما بدأ به التشريع، في هذا الصدد، عدم موالاة الكافرين، إذ قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). ولم يقصد المشرع بهذه المعاملة، كل الذين كفروا، وإنما قصد الذين اخرجوا الرسول والمؤمنين من ديارهم، ولذلك قال في نفس السورة (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). ويلاحظ ان هذه الآية لم تأمر بقتال الكافرين، رغم اخراجهم للمؤمنين من ديارهم، وإنما تأخر الإذن بالقتال، حتى جاء قوله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، وكأنه إذن فقط برد العدوان، وليس المبادرة بالقتال. بل نهى عن قتال من لم يقاتلهم، قال تعالى في ذلك (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ولكنه بعد فترة أمرهم بقتال كل المشركين فقال تعالى من قائل (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، وبلغ الامر قمته، حين نزلت آية السيف، وهي قوله تبارك وتعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فحددت ان يقاتل المشركين، وحددت مكان قتالهم بأنه حيث وجدوا، وحددت زمان قتالهم بأنه مجرد ألا يكون في الأشهر الحرم، وحددت سبب القتال بأنه شركهم بالله، واشترطت للسلام معهم، أن يدخلوا في الإسلام، ويقيموا شعائره . فالخيار إذن هو الإسلام أو القتل. ومن هنا، قلنا أنه فرض للإسلام بحد السيف، وأنه وصاية وإجبار لغير المسلمين، ليدخلوا في الإسلام، ولو دون رضاهم. وعندما تمت ممارسة الجهاد، خرجت جيوش المسلمين، من الجزيرة العربية، ووصلت الهند والصين شرقاً، وأوروبا غرباً. وقادت تلك الحروب والغزوات الخلافة الإسلامية. وكان من يأسر من الرجال، يعتبر عبداً للمسلمين، ومن تأسر من النساء، تعتبر مما ملكت أيمانهم، فتنكح، أو تباع، أو تسترق، أو تعتق.
هذا هو المستوى الذي قامت عليه الدولة الإسلامية، في القرن السابع الميلادي، واستمرت في القرون التي تلته مما هي مثله.
وهو مستوى يعتمد على آخر القرآن نزولاً، من القرآن المدني، والذي نسخ في سائره القرآن المكي، الذي شرحنا كيف أنه قام على السلام، والحرية، وإعطاء الناس حتى حق الكفر.
إن ما جاء به القرآن المكي من حرية الإعتقاد، والمساواة بين الناس، ومنع العنف تماماً، والدعوة الى سبيل الله بالتي هي أحسن، هو أصل الإسلام، وأرفع الإسلام، وهو أحسن ما أنزل الينا من ربنا، ومن هنا نحن مطالبون باتباعه .. قال تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). ولكن اتباع القرآن المكي يقتضي بعث القرآن الذي كان منسوخاً، في الماضي، لعجز المجتمع عن ان يطيقه وهذا البعث يقتضي، أيضاً ، وفي نفس الوقت، نسخ القرآن المدني، الذي كان ناسخاً، وقامت عليه الخلافة الإسلامية، وممارساتها في الجهاد، وما يترتب عليه من تبعات. وهذا الأمر – أمر نسخ القرآن الناسخ وإحكام القرآن المنسوخ- هو ما اسماه الأستاذ محمود محمد طه تطوير التشريع الإسلامي، وهو ما دعا اليه المسلمين، باعتباره المخرج الاساسي، من الوقوع في براثن الهوس الديني، الذي يمثله كل من يدعو الى إعادة دولة الخلافة الإسلامية، التي تقوم على الحرب لفرض الإسلام على الناس اليوم. و " داعش" اليوم، لا يمكن تواجه من حيث الفكر، إلا بما طرحه الأستاذ محمومحمد طه، في دعوته لتطوير التشريعة الإسلامية، بالإنتقال من فروع القرآن الى أصوله. ولقد فصل الأستاذ محمود والجمهوريون، كثيراً، في التفريق بين أصول القرآن وفروع القرآن، وبين السنة والشريعة، فليراجع ذلك في مظانه.
إن ما تقوم به " داعش" اليوم، يعتمد على المستوى الناسخ من القرآن- وهو فروع القرآن- والذي عبرت عنه حكومة الخلافة الإسلامية في الماضي، وهو مستوى الشريعة، في امر الدعوة والحكم والسياسة. ولا يمكن ان يقاوم، أو يدحض، إلا إذا وضح أن في الإسلام مستوى أرفع منه، وقع في القرآن المنسوخ- أصول القرآن-وعبرت عنه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وهو مستوى السنة. وأن هذا المستوى، نحن مطالبون به، وهو الذي يمكن ان يمثل عصرنا، لأنه يقوم على الحرية، والمساواة، وكافة حقوق الإنسان بخلاف مستوى الشريعة، الذي يقوم على قتل غير المسلمين، فإنه لم يشرع لعصرنا، وممارسته اليوم، في غير وقته، خطيئة لا تقل عن الخروج عن الدين. وبسبب حكم الوقت، فإن قتل " داعش" لا يعد جهاداً ، وإنما إعتداء على الآمنين، وإزهاق للأنفس بغير حق، وأخذ "داعش" للنساء، لا يعد "ما ملكت أيمانكم" وإنما يعد اختطاف، واغتصاب، وسعي في الأرض بالفساد. ولأن الإلتزام التام بالشريعة لا يمكن اليوم، يخالط الباطل دعاتها، حتى يستحيل كل أمرهم، باطلاً ظاهراً . ف" داعش" تدعي أنها تتبع نهج النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها تتلقى مساعداتها من دول، لا تتطبق في شعوبها شرع الله، وهي بحسب منهج " داعش" دولاً كافرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال (إننا لا نستعين على أمرنا هذا بكافر) !! وهكذا تبدأ مفارقة " داعش" لأتباعها صغيرة، ولكنها ستزيد، حتى ينكشف أن أمرها كله باطل، كما إنكشف أمر الاخوان المسلمين، لكل الناس بما فيهم " داعش" نفسها.
هذا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.