وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذكرى انتفاضة رجب/ أبريل 1985م: درس في الجهاد المدني .. بقلم: الإمام الصادق المهدي
نشر في سودانيل يوم 06 - 04 - 2015


بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرى انتفاضة رجب/ أبريل 1985م
درس في الجهاد المدني
الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي
6 أبريل 2015م
أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي،
السلام عليكم ورحمة الله،
غبت عنكم جسداً ولكني معكم روحياً ومعنوياً، ويسرني أن أشارككم هذا الاحتفال بذكرى انتفاضة أبريل 1985م، بعد طول غياب حسي لا ينفي الوصال المعنوي بيننا، بل إذا أحصينا منافعه أدركنا أنه يزيد قوة الوصال المعنوي على نحو ما قال العقاد:
لئن أنا أحمدت اللقاء فإنني لأحمد حينا للفراق أياديا
وحتى نستفيد من ذكرى انتفاضة رجب/ أبريل العظيمة أعدد فيما يلي معالمها:
1. استولت فئة عسكرية بدعم فصائل يسارية على حكم البلاد، واستخدمت في حكمها شعارات يسارية هوجاء أممت بموجبها مصالح المواطنين بصورة عشوائية، وصبغت الإعلام بصبغة معادية للدين، وانتمت للمعسكر الشرقي بدل الحياد الايجابي الذي كان عليه اتجاه السودان. تحالفت القوى الوطنية، والإسلامية ضد هذا التسلط فكانت هبة الجزيرة أبا وهبة ودنوباوي في مارس 1970م.
قمع الحكم المتسلط الهبة مستعيناً بقوى حلف طرابلس الخارجية، فانقض هو وحلفاؤه بالطيران، والمدفعية، على جماعات مدنية وحقق أهدافه القمعية، أخذته بعد ذلك العزة بالنصر الزائف المدعوم من الخارج. يومئذٍ واستنكاراً للظلم هاجرت جماعات فدائية من الأنصار للجارة أثيوبيا وهناك اتصلت بهم الجبهة الوطنية المكونة لمواجهة الطغيان.
القاعدة الدائمة المفسرة لكثير من الأحداث أن من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه.
فاليساريون الذين قاد فكرهم وبعض كوادرهم تلك المغامرة في مراحلها الأولى، طمعوا في الاستيلاء الكامل على السلطة رافعين شعار: "كل السلطة في يد الجبهة"، فدبروا انقلاب يوليو 1971م الذي أدت شعاراته الحمراء إلى انقلاب مضاد أعاد قيادة الانقلاب الأولى إلى السلطة فانقضت هذه القيادة على حلفاء الأمس بقهر دموي وإعدامات جماعية بلا قانون إلا قانون الوحوش في الغابة وحققوا لهم عكس شعارهم أي "كل الجبهة في يد السلطة".
بعد ذلك تمترس النظام في خندق استلهمه من التجربة الناصرية بصورة صبيانية، تجربة النظام هذه ارتكبت كثيراً من الإخفاقات وصدت كثيراً من الذين أعانوا التجربة صدوداً جعلهم يصدرون على التجربة أقسى عبارات الإدانة – مثلاً: منصور خالد وحديثه عن الفجر الكاذب، ومرتضى أحمد إبراهيم وقوله: ألا لعن الله النميري ومن أعانه وأنا منهم، وعبد الكريم ميرغني الذي قال لي في عام 1982م هذا النظام إلى زوال فعندما يزال أرجوكم اشنقوا المثقفين الذين أعانوا هذا النظام في أعلى الأعمدة لأنهم – وأنا منهم – هم الذين زينوا لهؤلاء الضباط أباطيلهم، ومحمد التوم التجاني الذي قال لي: "اعفوا لنا يا سيدي فقد ظلمناكم واتبعنا هؤلاء الصعاليك".
2. النظام المايوي، بعد أن فتك بالحزب الشيوعي لاعتباره مهندساً لانقلاب يوليو 1971 وجد ترحيباً من المعسكر الغربي فساعده الإمبراطور هيلاسلاسي والكنيسة والغرب على إبرام اتفاقية السلام مع حركة أنيانيا الأولى، اتفاقية أسسها النظام على تحضيرات النظام الديمقراطي السابق للانقلاب عبر مؤتمر المائدة المستديرة 1965، ولجنة الاثني عشر، ومؤتمر الأحزاب السودانية 1966م، كما شهد بذلك الأستاذ محمد عمر بشير أحد مهندسي اتفاقية سلام 1972م.
3. اتفاقية 1972م أجبرت النظام على إتاحة بعض الحريات ومنع الاعتقال التحفظي، ما أدى لإطلاق سراحي من السجن للمرة الأولى في عام 1973م، وبعد إطلاق سراحي تعاون حزبنا مع جبهة الميثاق الإسلامي، فقدنا هبة شعبان في سبتمبر (1973م)، وكادت الهبة تطيح بالطغيان، لم اعتقل مباشرة بعد قمع الهبة ولكن بعد حين اعتقلت للمرة الثانية عقاباً لي على اتفاقية الجبهة الوطنية في الخارج مع القيادة الليبية. كانت الجبهة الوطنية مكونة من الأمة، والاتحادي جناح الشريف حسين الهندي، وجبهة الميثاق الإسلامي، وبعد 3 أشهر من ذلك الاعتقال أطلق سراحي لأن طبيباً وطنياً هو د. أحمد عبد العزيز رحمه الله، قال بعد الكشف أنني احتاج لعلاج في الخارج، وبعد ذلك سافرت إلى الخارج وهناك مع الزملاء قمنا بالإعداد للهبة الثالثة ضد نظام مايو وقد كانت هذه المرة هبة مسلحة شاركت فيها كل عناصر الجبهة الوطنية، ولكن كان النصيب الأكبر فيها للأنصار الذين أغضبهم الظلم الذي وقع على البلاد وعليهم بعد حوادث الجزيرة أبا وودنوباوي واستشهاد عدد كبير منا على رأسهم الإمام الشهيد الهادي المهدي وصحبه، والأخ محمد صالح عمر، وأعداد كبيرة أصابهم الطغاة بالطيران والدبابات في الجزيرة أبا ودفنوا بعضهم أحياء وأصابوا عدداً من المدنيين بالدبابات والمدافع في أم درمان: (قتلوا حفاظ القرآن وصلوهم جاحم نيران) على حد تعبير شاعر الوطنية مختار محمد مختار، كان ما ارتكبوه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، تستحق المساءلة بمقياس المحكمة الجنائية الدولية التي لم تكن قد أقيمت بعد.
4. تلك المظالم أدت للهجرة التاريخية إلى أثيوبيا، وأمكننا في الخارج من الترتيب لأكبر انتفاضة مسلحة ضد النظام المايوي. تسرب الفدائيون إلى الداخل في عملية عسكرية فريدة، وكان الترتيب أن يساعدهم يوم التحرك فصيل من القوات المسلحة، وأن يصحب ذلك تحركٌ شعبيٌ واسع، وأن ينضم لهم بعد ذلك حاملون أسلحة ثقيلة لحسم الموقف في العاصمة. هذه الانتفاضة في 2 يوليو 1976م كادت أن تطيح بالنظام لولا تخلف بعض المساهمين عن دورهم.
قاد الشهيد محمد نور سعد تلك الانتفاضة، واستبسلت كوادر الأنصار وجبهة الميثاق ضاربين أروع المثل في الانضباط والإقدام، وكان واضحاً أن الانتفاضة وطنية بلا تدخل من أية جبهة أجنبية كما شهد بذلك العقيد معمر القذافي أمام الرئيس المصري السابق أنور السادات عندما وصفهم بالمرتزقة، فقال له العقيد: أشهد الله أن هؤلاء أكثر الناس صدقاً ووطنية، عرفناهم. وعندما عرضت عليهم المشاركة معهم في حسم الأمر رفضوا ذلك وقالوا هذه قضيتنا ولا ينبغي أن يضحي من أجلها غيرنا. ولكن النظام المايوي استعان علينا مرة أخرى بجهات أجنبية وأبرم مباشرة بعد ذلك اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر السادات.
5. أدرك نظام الطغيان المايوي بعد انتفاضة يوليو 1976م أن أوهامه بالقضاء على معارضيه باطلة، فاتجه نحو المصالحة الوطنية التي توسط فيها السيد فتح الرحمن البشير، فأبرمت المصالحة الوطنية في 7/7/1977م.
النظام المايوي – كعهد الطغاة – تنصل على بنود المصالحة الوطنية إلا بندين هما إطلاق سراح المعتقلين، وإتاحة هامش محدود للحرية.
عدنا بعد ذلك للبلاد، واستطعنا أن نقوم بنشاط فكري وتعبوي في مجالات مختلفة رغم عدم وفاء النظام بكل شروط المصالحة. ساهم في التعبئة الشعبية ضد النظام تدهور الحالة الاقتصادية فعندما وقع الانقلاب كان الدولار جزءاً من الجنيه السوداني ولكن صار الجنيه السوداني جزءا من الدولار، ونتيجة لتدهور الحالة الاقتصادية دخل النظام في نزاع مع الحركة النقابية. وحاول النظام ترويض الهيئة القضائية الحريصة على استقلال القضاء، واحتال لتدجين الهيئة القضائية بما سماه الثورة التشريعية وهي خطة لاستخدام الإسلام وسيلة للهيمنة على أجهزة الدولة باسم الشريعة ولاستخدام أحكام الإسلام العقابية لترويع المواطنين.
هكذا أصدر النظام قوانين سبتمبر سيئة الصيت في سبتمبر 1983م. كنا أوضح وأقوى من عارض هذا التلاعب بالدين فاعتقلنا النظام بالعشرات لمدة 18 شهراً من سبتمبر 1983 إلى ديسمبر 1984م، اعتقل النظام كذلك كل من عارض قوانين سبتمبر مثل قيادة الحزب الجمهوري، وفي السجن دخلنا في حوار مع الجمهوريين. قلنا لهم: أنتم دعاة حقوق الإنسان ولكن منذ قيام نظام نميري ما برحتم تؤيدون طاغية وتؤيدون بطشه ضدنا بحجة القضاء على الطائفية! هل حقوق الإنسان تتجزأ؟ ها هو الطاغية لم يعبأ بتأييدكم له وجمعنا معاً في القهر. اعترفوا بأنهم ينبغي أن يراعوا حقوق الإنسان لكافة الناس.
تابعنا أن النظام قد ضاق ذرعاً بموقفنا، ودبر لنا فخاً عن طريق ترتيبات معينة في محكمة أم درمان الجنائية، وقرر إطلاق سراحنا لنعلن مرة أخرى معارضة القوانين المسماة إسلامية، وقوانينه تساوي بين معارضتها والردة، وفي أحكامه الردة تعاقب بالإعدام.
قبل الخروج من السجن قلت لزملائي التزام الصمت بعد الإفراج في ديسمبر 1984م لكيلا نقع في فخ النظام ونكتفي بما قلناه قبل ذلك، واجتمعت بأعضاء الحزب الجمهوري الذين زاملناهم في السجن وقلت لهم: سيطلق سراحكم كما أطلق سراحنا لنواجه فخاً نصبه النظام فلا تعطوا النظام فرصة بتصريحات جديدة، قالوا لنا: لا نحن نعتقد أن النظام قد اكتشف خطأه بالتحالف مع الأخوان المسلمين وسوف يطلق سراحنا لنقوم بحملة ضدهم وضد نظرتهم للإسلام، فخرجوا من السجن وأصدروا تصريحات أوقعتهم في فخ النظام ما أدى لمحاكمات جائرة أعدم نتيجة لها الأستاذ محمود محمد طه.
كانت المحاكمة مطبوخة وكان الإعدام جائراً وهو ما قلناه في وقته وما زلنا نقول إنه شنق مظلوماً.
وبعد إطلاق سراحنا استأنفت التعبئة المضادة للنظام واحتد سوء الحالة الاقتصادية واشتدت المعارضة لقوانين سبتمبر الجائرة واستطاعت اتحادات طلابية أن تتكون ديمقراطياً، وكذلك تكونت نقابات مهنيين ديمقراطياً في أوساط الأطباء، والمهندسين، والقضاة، والصيارفة، والمحاسبين، والأساتذة، وغيرهم فتكون من هؤلاء التجمع النقابي.
6. كانت الاتحادات الطلابية رأس الرمح في التوجه نحو انتفاضة رجب/ أبريل، اتحاد طلاب الجامعة الإسلامية بأم درمان وبقيادة طلبة الأمة والأنصار أطلقوا السهم الأول.
تلى ذلك بعد مناوشات مع النظام إعلان التجمع النقابي موقفاً موحداً لوقفة علنية ضد النظام تطورت لإعلان الإضراب العام. موقف وجد تأييداً شعبياً عريضاً، وكنا على اتصال بقيادة التجمع لتأكيد ومشاركة شعبية، وفي اتصال بيننا عبر الأستاذ أمين مكي مدني اقترحنا أن نوقع جميعاً على ميثاق وطني كتبت صيغته يحدد المطلب الشعبي، وقد كان.
وفي ليل ذات اليوم جرى اتصال بيننا وبين قيادة القوات المسلحة أذكر منهم المرحوم توفيق خليل وناشدناهم ألا تسخر القوات المسلحة ضد الشعب ووعدوا بذلك، وأوفوا بالوعد.
قيادة الطغيان سيرت موكباً شعبياً لدعم النظام، كان الموكب هزيلاً وفي غيبة رئيس النظام في الخارج قاد المشهد نائبه.
وفي السادس من أبريل 1985م إزاء الموقف السياسي الحاد والرفض الشعبي للنظام قررت القوات المسلحة عزل رئيس النظام وحل حزبه وتكوين مجلس عسكري وحكومة مدنية لإدارة البلاد لفترة عام ثم إجراء انتخابات عامة.
السلطة الانتقالية التزمت ببنود الميثاق ولكن أخلت ببعضها مثل: إلغاء قوانين سبتمبر، وإقامة محكمة القصاص الشعبي لمحاكمة سدنة النظام المباد.
هذه هي حيثيات الانتفاضة التي سوف يسجلها التاريخ لا الحيثيات الوهمية التي يدعيها بعض الناس.
7. النظام المايوي أبرم اتفاقية السلام في عام 1972م وسمح فيها ببعض الاستحقاقات للجنوب يمارسها المجلس التنفيذي الأعلى كما أصدر دستوراً كفل فيه بعض الحريات، ولكن النظام بطبيعته لم يحتمل ممارسة تلك الاستحقاقات فنقضها من جانب واحد مما أدى لقيام الحركة الشعبية لتحرير السودان في 1982م لمقاومة النظام بالقوة، إن سياسيات النظام أعطت الحركة الشعبية فرصا نادرة ووفرت له دعماً كنسياً ودولياً وإنسانياً كبيراً، انحياز النظام للمعسكر الغربي أعطى الحركة الشعبية فرصة الاستفادة من الانحياز للمعسكر الشرقي وانتماء النميري لدفاع مشترك مع مصر السادات تحت المعسكر الغربي أدى إلى تكوين حلف عدن المضاد الذي تبنى الحركة الشعبية منذ بدايتها ومدها بالسلاح والتدريب والمال والدعم الدبلوماسي والسياسي.
واعتدى النظام على الحريات بموجب قوانين القمع والتي أعطاها قدسية في شكل قوانين سبتمبر التي جعلت الإسلام مجرد مؤسسة عقابية، فأدى ذلك إلى تصعيد المعارضة النقابية والشعبية ممهدة الطريق للانتفاضة الشعبية المجيدة في أبريل 1985م.
8. الدرس المستفاد من هذه التجربة هو:
أولاً: نظم الطغيان ترفع الشعارات بصورة انتهازية تقول اشتراكية، أو ديمقراطية، أو إسلام، وفي كل الأحوال لا تلتزم بالشعارات ولا تطبق برامج محددة فالشعارات إعلانات مضللة للحصول على شرعية زائفة.
ثانياً: كل نظم الطغيان في الظروف الحديثة تمارس شكليات ديمقراطية لأن هذا هو ما تتطلبه حقوق الإنسان الدولية كإجراء انتخابات والسماح بنقابات، وبالتعددية الحزبية، وبتكوين منظمات المجتمع المدني، وغيرها من أشكال الدولة الحديثة ولكنها تجرد تلك الأشكال من أية صلاحيات حقيقية بل حتى حزب السلطة نفسه هيكل فارغ من أية مشاركة حقيقية. إن الموجه لكل النشاط العام في هذه النظم الخاضعة لحكم الفرد هو جهاز الأمن. والقوانين المطبقة هي وسائل لتقنين الطغيان، إنه نظام حكم يقوم على إلغاء كافة أسس حقوق الإنسان المتفرعة من خمسة أصول: الكرامة، والحرية، والعدالة، السلام، والمساواة. ومثلما ضاق العقلاء ذرعاً بهذا النهج الأمنجي فاتخذوا دروباً شتى كما فعل الذين خرجوا من المؤتمر الوطني محتجين على غياب المشاركة الحقيقية، خرج من المؤتمر الوطني احتجاجاُ على غياب المشاركة وقفل أبواب الإصلاح عشر جماعات حتى الآن، وآخرون مثل سائحون جهروا بآراء إصلاحية.
يطيب لي أن أذكر أن بعض المسؤولين يتمتعون بضمائر حية فلا يقبلون التعليمات الأمنجية الغاشمة كما جرى أخيراً من مجلس الأحزاب.
ثالثاً: الطغيان يسخر علاقات البلاد الخارجية لدعم استبداده فالنظام المايوي اتجه نحو المعسكر الشرقي ثم تحول للغرب وفق المصالح السلطوية.
رابعاً: بعد قضاء النظام على هبة الجزيرة أبا وودنوباوي في 1970م، وعلى الانقلاب اليساري في 1971م وعلى هبة شعبان في 1973م وعلى انتفاضة يوليو 1976م، توهم النظام أن الأمور قد استتبت له فكان ما توهم الهدوء الذي يسبق العاصفة.
أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي:
ما أشبه الليلة بالبارحة!
استطاع النظام الانقلابي الثالث الاستعانة بكل حيل التقلب للاستمرار أكثر من ربع قرن من الزمان وأكثر في هذا الأثناء من الخطايا والأخطاء فاستحق الوصف الشرعي للشقاء: الشقاء هو طول العمر مع سوء العمل.
إن كل الأوصاف التي انطبقت على طغيان مايو تنطبق وزيادة على طغيان يونيو فالطغيان ملة واحدة والتقلب غير المبدئي من سمات تلك الملة.
وفي آخر تقلبات الطغيان المتحكم في السودان اليوم أنه المتحالف مع إيران، وفي فجر ليبيا مع الأخوان قفز إلى النقيض متبرئاً من الأخوان ومكفراً للحوثيين، الحوثيون يا هذا زيدية وهم يوصفون بسنة الشيعة وتكفير الشيعة نفسهم لا يجوز لمسلم، هل لمثل هذه التقلبات مصداقية؟
هذا التقلب غير المبدئي ليس غريباً على الطغاة فالحفاظ على الكرسي هو المبدأ الطاغي على كل مبدأ.
النظام قمع الهبات ضده وكان آخرها في سبتمبر 2013م وبعدها توهم أن الأمر قد استتب له ليفعل ما يشاء، ولكن حاصرته الحروب والتدهور الاقتصادي فلجأ إلى خدعة جديدة بإعلان وثبة الحوار الوطني في يناير 2014م، وثبة رحبنا بها إلى أن اكتشفنا أنها وثبة بلا استحقاقات فالحوار برئاسة النظام أي أنه هو الخصم والحكم، والحريات للمحاورين معدومة فلا يجوز لهم إلا حالة: لا أريكم إلا ما أرى. هكذا أجهض النظام وثبته فتخلينا عنها وتخلى عنها كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
إن للنظام علاقات خاصة بألمانيا وعندما نشطت ألمانيا الحوار عن طريق الآلية الأفريقية الرفيعة استجاب النظام لفكرة عقد لقاء بين كافة الأطراف السودانية في الأسبوع الأخير من مارس عام 2015م في أديس أبابا.
عندما وافق النظام على هذه الإجراءات كان يعلم أنه منخرط في انتخابات لا يقره عليها أحد وطنياً ولا دولياً فلا يستطيع التحجج بالانتخابات الزائفة لعدم حضور اجتماع تمهيدي وافق عليه بل وأرسل لنا مندوباً في القاهرة يؤكد حضورهم للقاء أديس أبابا وهو على أية حالة لقاء تمهيدي وبلا أية شروط مسبقة.
ولكن في الأسبوع الأخير من مارس انطلقت عاصفة الحزم، وتوهم النظام أنه قد لاحت له فرصة أن يسلخ جلده الأخواني الإيراني، وأن يوظف نفسه لحرب اليمن ما يتيح له الحصول على دعم يمكنه من قمع معارضيه بالقوة، اختار مقاطعة اجتماع الحوار التمهيدي لأنه تصور فرصته الجديدة تغنيه عن الحوار مطبقاً لمثل سوداني نعدله وفق الحالة: "شافت الصك "الشيك" طلقت راجلها". ولكن هيهات! إنه بهذا التقلب قد خسر الاتحاد الأفريقي، والأسرة الدولية وعقلاء المعارضة، هؤلاء جميعاً اصطفوا لدعم الطريق السلمي للسلام العادل الشامل، والتحول الديمقراطي الكامل.
وحتى تحالف عاصفة الحزم فيه عقلاء لن يفرطوا في علاقاتهم بالشعب السوداني، ولا بالأسرة الأفريقية، ولا بالأسرة الدولية من أجل الانحياز لنظام معزول شعبياً ويخوض حروباً لا يمكن أن تحسم قتالياً.
النظام بموقفه هذا لم يترك لنا من خيار إلا التعبئة في حملة ارحل لميلاد الانتفاضة الثالثة ضد الطغيان في السودان.
ومع كسبنا لثقة الاتحاد الأفريقي والأسرة الدولية لن نألو جهداً في مخاطبة الجامعة العربية، والمملكة العربية السعودية، ودول الخليج، ومصر، لكيلا يزجهم النظام السوداني في دعم موقف دكتاتوري حربي يائس وهم الذين طالب إعلان باريس في أغسطس 2014م بأن يكون لهم دور في حل أزمات السودان بالحكمة والموعظة الحسنة. الجامعة العربية أهل أن يكون دورها في الشأن السوداني مثل دور الاتحاد الأفريقي، ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة وقطر أهل أن يكون دورهم منحازاً للسلام العادل الشامل في السودان وللاستقرار الديمقراطي لا أن يساهموا مع نظام الخرطوم في دق طبول الحرب وغرس أوتاد الدكتاتورية.
إن موقفنا من حملة ارحل في اتجاه الانتفاضة الجواب المشروع للانتخابات الزائفة وللإعراض عن استحقاقات الحوار الوطني وهو موقف تعززه ذكرى 6 أبريل.
وسوف يدرك النظام ربما بعد فوات الأوان أن الانتخابات الزائفة جعجعة بلا طحن لن تمنحه شرعية ولن تحميه من الملاحقة الجنائية التي لا سبيل للحماية منها إلا وفاق وطني يرتضيه أهل السودان.
صحيح أن وهم الهدوء النسبي الحالي ربما منع النظام من أن يرى ما في خلل الرماد.. حالة من الوهم والرضا عن الذات دون وجه حق وصفها بجدارة الشاعر السوداني المبدع في ملأ من الناس قائلاً:
هدوء ولكنه عاصفة
هدوء، وفي صمته الكاظم من غيظه
قنبلة ناسفة
هدوء يبركن يغلي
يؤكد أن الطواغيت وهم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.