مذكرة رسمية بموقف حكومة السودان الرافض لمؤتمر برلين إلى وزارة الخارجية الألمانية    غرفة المستوردين تنتقد زيادة الدولار الجمركي (9) مرات في أقل من عام    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    مناوي يختتم زيارته إلى جنيف ويؤكد أهمية العمل المشترك لتحقيق السلام    "كاف" يصدم نادي الهلال السوداني    الريال يفشل في تحقيق الفوز    السلطان في ضيافة القنصل حازم    الجمعية العمومية الطارئة لألعاب القوى تعتمد اللجان العدلية وتستمر ساعات قرارات مهمة وعودة قوية لاتحادات مؤثرة    نادي النيل يلقن الجميع درساً في الوطنية ويؤكد انهم مؤسسة تتنفس حب الوطن    شاهد بالفيديو.. الجنجويد يمارسون أفعال الجاهلية الأولى.. أحد أفراد الدعم السريع يقوم بدفن طفلته الصغيرة وهي على قيد الحياة وسط حسرة والدتها    حركة العدل والمساواة السودانية: بنقو يزور حقار    شاهد.. فتاة سودانية تدمي قلوب المتابعين بشرها تسجيلات صوتية مؤثرة وحزينة لوالدها البعيد عنها قبل أيام من رحيله    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    في ملعب خال.. جيرارد يعلق على رد فعل صلاح بعد هزيمة ليفربول أمام باريس سان جيرمان    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    "ما أخشاه!؟".. حمد بن جاسم يعلق على وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران    روضة الحاج: أنا أستحقُّ جمالَ هذا العفوِ أُشبهُه    حالة طبية صادمة.. عدوى غريبة تجعل امرأة تعطس ديدانا من أنفها!    النيل الأبيض تكمل استعداداتها لامتحانات الشهادة السودانية وتستضيف طلاب دارفور    من الحب للحرب.. شاهد الحلقة قبل الأخيرة من القصة الكاملة لأزمة الفنانة إيمان الشريف واليوتيوبر "البرنس"    شاهد بالصورة والفيديو.. فنانة "دلوكة" صاعدة تخطف الأضواء وتسحب البساط من كبار المطربات    بالصور.. قدم نصائح من ذهب للراغبين في العودة.. ناشط سوداني يحكي قصة عودته لأرض الوطن من "المريوطية" فيصل بالقاهرة حتى "الحاج يوسف" الخرطوم    بالصورة.. في حادثة أليمة.. طالب سوداني بالإسكندرية يغدر بصديقه ويرميه من الطابق السابع    الإتحاد الأفريقي "كاف" يصدر قراره في شكوى الهلال ضد نهضة بركان ويصدم جمهور الأزرق    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    مداولات ساخنة تؤجل حسم قضية الهلال إلى الغد    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *ترامب و سِن (التمانين)*    6 استخدامات ذكية للمناديل المبللة قد تغير روتينك اليومى    ميريل ستريب تتصدر بطولة مسلسل الدراما الإنسانية The Corrections    ترامب : الخطة الزائفة التي نُشرت هدفها تشويه سمعة المشاركين في عملية السلام    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    البرهان يتفقد الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء    شاعر سوداني يفجر المفاجأت: (كنت على علم بخطة اختطاف وضرب اليوتيوبر البرنس بالسعودية قبل يومين من تنفيذها)    باحثون يطورون مستشعراً لكشف الالتهاب الرئوي عبر النفس    شاهد بالصورة.. ارتفاع جنوني في أسعار "التمباك" بالسودان وساخرون: (السبب إغلاق مضيق هرمز وتأثيره سيكون عالمياً)    البرهان يصدر توجيهًا بشأن ملف الكهرباء    9 أطعمة ومشروبات ينصح بتناولها بعد عمر الستين أبرزها القهوة والسمك    السودان.. القبض على 4 ضباط    في عملية نوعية لمكافحة التهريب بالبحر الأحمر ضبط متهمين أجانب بحوزتهما أسلحة وذخائر    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    السودان..ترتيبات لتوفير مبالغ مالية لشراء محصول القمح    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيام أبوجا الأخيرة: أليكس دي وال .. ترجمة: موسى حامد
نشر في سودانيل يوم 23 - 05 - 2015

مقدمةمثّلتْ اتفاقية سلام دارفور (DPA)، التي تمّ التوقيع عليها في العاصمة النيجيرية، أبوجا، مايو 2006م، بين مجذوب الخليفة، ممثل الحكومة السودانية من جانب، ومنى أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان، مثّلتْ تاريخاً مهماً، في تطور الصراع في دارفور. وكذلك في تاريخ الاتفاقات السياسية الدارفورية التي أتتْ من بعدها. كما مثّل رفض كلٌ من: عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة تحرير السودان، ود. خليل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة. وكذلك توقيع مني أركو مناوي. مثّل كل واحدٍ منهما -فيما بعد- فصلاً من فصول الحرب، والتفاوض، والسياسة، والأسى في دارفور.
هذه المقالة المطوّلة (أيام أبوجا الأخيرة)، (the Final Days of the Abuja Peace Process)، تكتسب أهميتها من كونها التلخيص الوحيد -غير الرسمي- لما دار في كواليس اتفاقية أبوجا. كما تكتسب الأهمية، كون كاتبها أليكس دي وال، أحد قلائل الأكاديميين الأجانب، المهتمين بتاريخ نزاعات السودان، على وجه العموم، ونزاعات دارفور على وجه أخص. حيث كان أحد مستشاري د. سالم أحمد سالم، رئيس الوساطة الإفريقية، التي أشرفتْ على اتفاقية أبوجا.
أهمية المقالة التي نشرها أليكس في كتابه (WAR IN DARFUR)، أيضاً، أنّها اعتمدتْ، بشكلٍ أساسي، على ملاحظاتٍ كتبها ألكس في مفكرته الخاصة، ثم طوّرها فيها بعد، وحوّلها الى مقالةٍ، ترصد دقائق الانفعالات، والتحولات في المواقف، وردود الأفعال الساخرة، والمستهجنة، والبائسة في أحايينْ.
حالات نفسية لم تستطع المقالات الناقدة والمعلّقة، فيما بعد رصدها، واستيعابها. هذه الانفعالات النفسية، والتحولات، تأسستْ عليها قرارات فيما بعد!!
المترجم
عُقد الإجتماع الساعة 9 صباحاً تماماً. وعند الساعة 9:15 وصل السيد مني أركو مناوي، يبدو مرهقاً، وجهه بلا تعابير. رحّب به السيد أوبسانجو وبادره:
- ماذا لديك لنا؟
فأجابه مني:
- لقد قبلتُ الوثيقة، لكن مع تحفظات مهمة فيما يتعلق بالسلطة. (الإعتراضات أصبحت تحفظات). وأشار إلى أنّه من الممكن أنْ يُوقّع ثم قال أوبسانجو:
- لقد طلبنا الدعم الدولي لمساعدة إقليم دارفور للخروج من مأزقه، وقمنا ببعض الإستشارات، لكن في النهاية سيكون القرار لي بإعتباري رئيساً للحكومة.
وأوضح أوبسانجو أنّ الخطوة القادمة ستكون دعوة وفد الحكومة للرد. وفي هذه الأثناء، قام رؤساء الوفود بتهنئة مني.
وأضاف زوليك:
- الذين لا يُوقّعون يُعتبرون خارجين عن القانون بالنسبة للعملية.
أعاد مني بهدوءٍ:
- بالتأكيد، هذه لحظة تاريخية، إنّه لمن المُحزن أنّ حلفاؤنا في السلام ليسوا موجودين. وطالب مناوي بالحوار مع عبد الواحد وخليل. لكن أوبسانجو رفض قائلاً:
- لا، يجب أنْ نحافظ على ما توصلنا إليه، ومن ثم نُطالب بالمزيد.
في الساعة 10:20 قاد مجذوب الوفد المرافق له إلى طاولة المفاوضات. اعتذر أوبسانجو لهم عن تأخيرهم، وإبقائهم في الإنتظار ليلةً كاملة، ثم أوضح لهم الأمر قائلاً:
- كحكومة، على المبادرة بالضرورة أنْ تأتي من طرفكم، ولديكم الكثير للحفاظ عليه أكثر، لقد دعوناكم لنسمع ردكم على بعض التعديلات الطفيفة. وأضاف:
- أي شئ مقبول للأطراف السودانية مقبولٌ لنا.
أدلى مجذوب بمقدمةٍ طويلةٍ، وتوجّه للحاضرين بالكثير من التحايا، ثم سرد تاريخ الصراع، وكيف أنّه بدأ بين القبائل بعضها البعض، قبل أنْ يستفحل ويخرج عن اليد. وبيّن كيف السودان قبل تدخلات الوساطة الدولية. حيث شكر الاتحاد الإفريقي على ما يقوم به. وسرد تحفظاته حول الاتفاقية قائلاً:
- أولاً: نود أنْ يقوم الرئيس بترشيح رئيس لجنة تنفيذ الترتيبات الامنية لدارفور، مع ممثل الحركات. فيما تمثلت مشكلته الثانية في العنصر الأجنبي في الصراع وهم (التشاديون). وتمثّلت آخر تحفظاته في عدد الذين سيتم دمجهم في القوات المسلحة السودانية، من مقاتلي الحركات المسلحة. قائلاً بأنّ عدد خمسة آلاف كبير بعض الشيء.
واختتم مجذوب كلمته قائلاً:
- هذه ملاحظات فنية لعملية التنفيذ، والتي أردت تسجيلها وأنتم شهودي، وإذا رأيتم أن تبقى الوثيقة على ماهي عليه، فليس ثمّة ما يدعونا للاعتراض. كما أننا سنتعاون في التنفيذ، وسنقبل بما يتم، وستتم معالجة كافة التناقضات.
تقدّم أوبسانجو بالشكر لحكومة السودان، لرد فعلهم الذي اتسم بالمسؤولية والايجابية. وذكر أنّ هنالك مجموعة من المتمردين، أشاروا بأنّهم سيُوقعون، وأنهم يرغبون في التحاور. واقترح أنْ تقوم الحكومة وهذه الحركة بالتوقيع باعتبار ذلك سوف يترك انطباعاً عند الآخرين. رفض أوبسانجو طلباً لمجذوب الخليفة بتأخير التوقيع، حتى وصول الرئيس البشير إلى ابوجا. وحدّد وقت التوقيع عند الساعة الواحدة ظهراً وكان ذلك بعد عشرون دقيقة وقتها.
غير أنه، وفي فندق شيدا، كانت نصوص اتفاقية سلام دارفور غير جاهزة للتوقيع، حيث إنّ ماكينات الطباعة والتصوير قد وصلت أقصى حدودها، حيث تعطّلتْ أجهزة الحاسب الآلي، وانفجرت الفيوزات. وذلك يعني أنّ الأمر يقتضي عدة ساعات لتجهيز صور أخرى من اتفاقية دارفور للتوقيع.
وصل عبدالواحد محمد نور وفريقه لمنزل أجودا بعد فترةٍ قصيرة. واجه أوبسانجو عبد الواحد متخذاً وضعية الملاكم، وقال موجهاً قبضته لوجه عبد الواحد:
- لقد خذلتني!!
بدأ عبد الواحد بالتفسير مدافعاً عن نفسه:
- أنت الأب الروحي لنا، ليس فقط لنيجيريا، وإنّما لدارفور أيضاً. ولكنني أطالب بحقوق شعبي...."
وقبل أنْ يُكمل، أمسكه أوبسانجو من ياقة قميصه، وجرّه الى غرفةٍ جانبيةٍ قائلاً له:
- أحتاج أنْ أتحدّث إليك يا ولد!!
ولأكثر من ساعتين، مجموعةٌ مكوّنة من أوبسانجو، زوليك، وبِنْ، ظلّت تُحاول الضغط على عبد الواحد للتوقيع، لكن مفتاح موافقة عبد الواحد كان مطلبه بضمانات أكبر.
في هذه الأثناء، اختفى مناوي، أوبسانجو كان قد أعطى توجيهات بأنّه لا يجب عليه أنْ يخرج من القصر الرئاسي. وإنّه إذا أراد أنْ يتشاور مع قادته يجب عليهم الحضور إليه هنا. وصل قادته حوالي الساعة الثانية وخمسون دقيقة، وخاضوا اجتماعات مطولة، في ذات الوقت الذي وصل به خبر قتل شقيق مناوي في ذلك النهار.
انتشرتْ شائعات إنّه قد قتل من قبل الحكومة، وإنّ هذا سيجعل مناوي حزيناً. أو أنه قُتل من قبل قواته الخاصة، ليمنعوا مناوي من التوقيع. في حين أنّه كان مكتئباً وهو يتناقش مع قادته.
خرج عبدالواحد من حجرته واختار مكاناً من الحديقة، جلس فيها مع وفده يستشيرهم. قام بصد كل من أُرسل للتدخل. الضمانات التي قدمها اوبسانجو، وزوليك، وبِنْ لم تكن كافية بالنسبة إليه. رجع عبد الواحد ومجموعته إلى فندق شيدا لعقد آخر اجتماع سري.
الأغلبية كانت مع التوقيع، لكن عبد الواحد رفض، قائلاً:
- أنا، عبد الواحد محمد النور لن أوقّع أبداً!! ثم خرج بعدها من الاجتماع.
وأخيراً، بعد الساعة 5:30 دخل مناوي القاعة وبدا مدمّراً.
أبوسانجو خطب بشكلٍ رسمي، مطوّلاً، واختتم قائلاً:
- هل ستُرفق توقيعك؟
سكت برهة ثم أكمل:
- إنْ لم تكن هناك الروح اللازمة، هذا المستند لا يُساوي الورق المكتوب عليه.
جلس مناوي صامتاً، ولا يبدو على وجهه أيّةُ تعابير.
في الساعة 5 :55 دعا أبوسانجو مجذوب الخليفة ومني أركو مناوي للتوقيع. تقدّم الرجلان، وتصافحا، ثم جلسا على الطاولة المعدة خصيصا في وسط القاعة. وقع مني أولاً، وتلاه مجذوب. حتى الساعة الأخيرة أراد مجذوب أنْ يكون موقناً، أنّه أخذ توقيع منّي أولاً. ضجّت بعدها القاعة بالتصفيق، ثم بدأت الخُطب.
كان خطاب مجذوب أنيقاً، أما مني أركو مناوي لم يُجهّز خطابه، وأعاد ذكر النقاط السابقة. تحدّث الآخرون مطولاً، وكان ذلك في قمة الكآبة، ظهر 13 من مندوبي فريق عبد الواحد وقالوا إنّ من حقهم المشاركة، كل منهم احتضن من قبل أوبسانجو. وللمرة الأولى منذ بداية اليوم، ابتسم مجذوب!!
حاشية
خلال الأيام التالية للتوقيع، وفيما فرغ فندق شيدا من روّاده. جلس عبد الواحد في غُرفته مصراً على موقفه. تناقش الوسطاء في كيفية التعامل مع الظروف غير المتوقّعة لرفضه الوقيع. وهل يجب على الإتحاد الافريقي أنْ يستمر بإشراكه؟
القرار كان بأنّ معاهدة سلام دارفور ستبقى قائمة، حتى يُعقد اجتماع الاتحاد الإفريقي للسلم والأمن في أديس ابابا بتاريخ 16/ مايو. لكن الرأي العام كان أنْ يبقى ممثلو الجهات غير الموقعة، بشرط ألا يكونوا طرفاً في النقاش بشأن تنفيذ معاهدة سلام دارفور.
بقي طرفان من فريق وساطة الإصلاح وهما: سام إيبوك وأليكس دي وال في أبوجا لاستكمال النقاش مع عبدالواحد. اجتمعوا معه عدة مرات، كل يوم، وشجّعوه على أنْ يُحدّد نقاط معارضته لمعاهدة سلام دارفور كتابةً.
في تاريخ 10/ ما يو كتب عبد الواحد رسالةً لسالم أحمد سالم، الذي كان حينذاك في أديس أبابا. الرسالة تضمنت:
(أكتب اليك لأسعى من أجل دعم ومساعدة الاتحاد الافريقي، لإغلاق آخر فجوة بين حركة تحرير السودان والحكومة السودانية. في هذا الصدد أنا أطلب طلبين: الأول أنْ تُسجّل بعض التوضيحات المحددة في نص اتقاقية دارفور للسلام، بالتالي تضمن بأنْ تكون مخاوفنا بشأن تنفيذ الاتفاقية متناولة. هذه التوضيحات مفصلة في هذه الرسالة بالأسفل.
الطلب الثاني: بعد توقيعنا لهذه الاتفاقية سوف تُسهّل لنا النقاش مع حركة العدل والمساواة، وحكومة السودان، لنصل لاتفاقات سياسية بشأن بعض المشاكل الكبيرة كإقتسام السلطة. هذه المحادثات ستؤدي لتكملة الاتفاقية).
توضيحات عبد الواحد شملت ضمان ال 30 مليونا في صندوق التعويض، وهي مجرد دفعة أولى، وليست أعلى حد. وإن حركة تحرير السودان ستكون مشتركة في مراقبة نزع سلاح الجنجويد، وتوفير الأمن للنازحين واللاجئين العائدين لديارهم.
وختم عبد الواحد رسالته قائلاً: أناشد الاتحاد الافريقي بأنْ يُسهّل مثل هذه المحادثات. وبمجرد أنْ تؤكد بأنك سوف تُسجل توضيحاتنا، تبذل جهدك بتنفيذ الاتفاقية كاملة بأمانة، وتسهل المحادثات مع حكومة السودان بشأن المشكلة المدرجة أعلاه. سأكون أنا مستعداً لتوقيع اتفاقية سلام دارفور).
استشار سالم الأعضاء الكبار في الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة قبل إرسال ردّه، الذي وصل في صباح ال 13 من مايو. لم يُواجه سالم أية صعوبات مع توضيحات عبد الواحد، لكن الجملة التي طالب بها عبد الواحد بأنّ الاتحاد الإفريقي سيكون شاهداً على أية اتفاقية تصل إليها الأطراف الموقّعة، وأنْ تلحق كتكملة لاتفاقية دارفور للسلام، لم تكن متضمنة في النص.
بدلاً من ذلك، كتب سالم إنّ الاتحاد الافريقي جاهز في أيُّ وقتٍ لتسهيل المحادثات بين الاطراف، إذا كانت تدعم السلام، وتدعم تنفيذ اتفاقية دارفور للسلام. الرسالة أوردت بأنّ الاتحاد الإفريقي لا يستطيع إعادة فتح ملف اتفاقية دارفور للسلام، لكنه كان جاهزاً لدعم أيُّ خطوات متفق عليها من الاطراف لتنفيذ الاتفاقية.
منذ 6 مايو ومع الأيام صار مزاج عبد الواحد متقلباً. خلال ال 24 ساعة بعد كتابته لرسالته كان عبد الواحد متحمساً لأنْ يُوقّع. ولكن مزاجه أصبح سوداوياً بعد ذلك، خاصةً بعد أن طُرِد من فندق شيدا، بعد أنْ توقّف الاتحاد الافريقي عن دفع نفقاته.
اعتبر عبد الواحد هذا التصرف إهانة بالنسبة له. بعدها انتقل لفندق تجاري صغير يُسمى فندق الكابيتول. عقد أيبوك موعداً ليُسلّم له رسالة سالم في الفندق الذي يُقيم فيه عند الساعة الواحدة ظهراً تماماً. ولكن أيبوك وصل متأخراً في ذلك اليوم، لوجود ثلاثة فنادق بإسم كابيتول في المدينة. وأكد السائق حينها لأيبوك بأنّه يعرف أيُّهم الفندق المنشود، لكنه أوصله للفندقيين الخاطئين، حتى استقر في فندق كابيتول المطلوب.
بذل أيبوك ما بوسعه ليعرض الرسالة بأفضل شكلٍ فقال:
- لا يُمكن أنْ تُؤخذ أي اتفاقية كقرآناً أو إنجيلاً. الاتفاقية يجب أنْ تكون مفتوحةً للتفسيرات والتعديلات خلال فترة تنفيذها.
من المحتّم على الجهات الموقّعة الثلاثة أنْ يجلسوا ويستمروا في التعديلات. إنّ هناك مطالب وافقت عليها الجهات الموقّعة الثلاث. فالاتحاد الإفريقي مُجبر على احترام هذه المطالب.
علم حينها عبد الواحد بأنّ مطلبه المحوري لم يلبَ، وبأنّ الاتحاد الافريقي لن يدعم مفاوضات أخرى ليُنتج ملحقا للاتفاقية. رفض عبد الواحد الرسالة.
وفي اليوم التالي، استقلّ ايبوك طائرة لأديس أبابا وبحوزته نسخاً من اتفاقية دارفور للسلام. وساطة الاصلاح التابعة للاتحاد الإفريقي كانت قد انتهتْ. ولكن الكثير من مندوبي عبد الواحد لم يفقدوا الأمل.
في صباح اليوم التالي، نادى ألكس دي وال "إبراهيم مادبو"، مفاوض عبد الواحد لاقتسام السلطة، وهو في طابور اجراءات تسجيل الدخول في مطار ابوجا قائلاً بأنّه ما زالت هنالك فرصة للمفاوضات المباشرة مع الحكومة.
عاد دي وال أدراجه، وفي ذلك الصباح كتب مادبو وأعضاء آخرون من الفريق مذكرةً من أربع نقاط لتسلم لمجذوب الخليفة الذي كان في الخرطوم. كانت النقطة الاخيرة هي الأكثر تعقيداً، حيث تضمّنت أن الحكومة سوف تُوفّر على الأقل منصباً وزارياً في دارفور، ومنصباً آخراً في الحكومة المركزية، لمرشحٍ من حركة تحرير السودان كمبادرة حُسن نيّة، مما أجّل محادثاتٍ أخرى بهذا الخصوص. وتم إرسالها عبر السفير السوداني في أبوجا.
وفي المساء، ردّ مجذوب على النقطة الأولى، في المذكرة التي تضمنت توفير دعم مالي أكثر للتعويض، وبأنّ الحكومة بدأت بالفعل في توزيع التعويضات. كانت هذه حقيقة مضلّلة، حيث إنّهم زودوا تعويضات طرفهم ب 70 مليون دولار.
أما النقطة التانية والثالثة اللتان تضمنتا مشاركة جيش تحرير السودان في مراقبة نزع السلاح الجنجويد، وعودة اللاجئين والنازحين الآمنة.
كتب مجذوب بأنّ هذه النقاط متفقٌ عليها بقوة، وبصفةٍ مطلقةٍ. بخصوص النقطة الأخيرة، وهي مشاركة السلطة، أشار مجذوب ببساطةٍ لاتفاقية دارفور للسلام.
في تلك الليلة، كتب عبد الواحد رسالةً لمجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي. تضمّنت رسالته إشارة ايجابية عن التعاون مع مني مناوي، الذي كان جنباً الى جنب مع محاولات ضم عبد الواحد للاتفاقية، وعرض أنْ يكون طرفاً في بند إيقاف إطلاق نار شامل، ثم وقّع الرسالة، وخلد للنوم.
وفي صباح اليوم التالي، قام مساعدو عبد الواحد بكتابة الرسالة، وأيقظوه ليقوم بتوقيع النسخة الجديدة من الرسالة ثم أرسلوها. المفارقة أنّ النسخة الجديدة من الرسالة قامت بحذف ما ذُكر عن مني مناوي، بجانب أنّها كانت أقل رضاء عن وقف إطلاق النّار.
في ذلك اليوم، كان المتظاهرون في مخيمات اللاجئين يُطالبون بأنْ تكون دارفور منطقةً مستقلةً، وبأنّ يُعيّن عبد الواحد نائباً لرئيس فيها. بالرغم من ذلك ظلّت مطالب عبد الواحد أكثر تواضعاً، واقتصرت على الأربع نقاط التي ذُكرت في المذكرة. كان مصراً على وجود ملحق للاتفاقية، ولكن مرناً في ماهية مضمون هذا الملحق.
عندما جاءت الأخبار بأنّ مجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي قدْ مدّد المُهلة لمدة أسبوعين له ولحركة العدل والمساواة لتوقيع اتفاقية دارفور للسلام. أصبح عبد الواحد مبتهجاً، واكد لدي وال بأنّه سيُوقّع الاتفاقية قبل انتهاء الشهر.
لكن في ظهيرة اليوم التالي، قام عبد الواحد بحزم حقائبه، والاختباء، مشيراً للسبب بأنّها أسباب أمنية، وبهذا، قام بقطع كل وسائل الاتصال مع آخر وسيط في أبوجا (أليكس دي وال- الكاتب). سافر عبد الواحد لنيروبي ليلتحق بزوجته، وابنه الذي يبلغ من العمر خمس أشهر.
قام بيكا هافيستو من الإتحاد الأوروبي وجيله دنيبو (ممثل النرويج)، بجانب دي وال، بمحاولةٍ أخيرةٍ لضم عبد الواحد لعملية مفاوضات في أواخر مايو. كان المحور هو عرض من رئيس الحركة الشعبية، ونائب الرئيس الأول سلفا كير، ليقنعاهُ بمحادثات في جنوب السودان، للمساعدة في مدْ جسر لسد الفجوات الأخيرة.
خلال الأسبوع الأخير من شهر مايو تردّد عبد الواحد كثيراً بين الحضور أو عدمه. مطالباً بضمان شخصي على سلامته من سلفا كير، ومن ثمّ مُنح إيّاه، ولكن بالرغم من ذلك، وفي الثالث من يونيو، قرّر أخيراً بأنْ لا يحضر، واستقلّ طائرة الى أسمرا، بعد أنْ دعاه خليل إبراهيم للتباحث حول تأسيس جبهة الخلاص الوطني.
بعدها، انتهت مفاوضات اتفاقية دارفور للسلام.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.