هل هدّد أنشيلوتي البرازيل رفضاً لتسريبات "محرجة" لريال مدريد؟    "من الجنسيتين البنجلاديشية والسودانية" .. القبض على (5) مقيمين في خميس مشيط لارتكابهم عمليات نصب واحتيال – صورة    دبابيس ودالشريف    "نسبة التدمير والخراب 80%".. لجنة معاينة مباني وزارة الخارجية تكمل أعمالها وترفع تقريرها    التراخي والتماهي مع الخونة والعملاء شجّع عدداً منهم للعبور الآمن حتي عمق غرب ولاية كردفان وشاركوا في استباحة مدينة النهود    وزير التربية ب(النيل الأبيض) يقدم التهنئة لأسرة مدرسة الجديدة بنات وإحراز الطالبة فاطمة نور الدائم 96% ضمن أوائل الشهادة السودانية    النهود…شنب نمر    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (ألف ليلة و....)    "المركز الثالث".. دي بروين ينجو بمانشستر سيتي من كمين وولفرهامبتون    منتخب الضعين شمال يودع بطولة الصداقة للمحليات    ندوة الشيوعي    الإعيسر: قادة المليشيا المتمردة ومنتسبوها والدول التي دعمتها سينالون أشد العقاب    د. عبد اللطيف البوني يكتب: لا هذا ولا ذاك    الرئاسة السورية: القصف الإسرائيلي قرب القصر الرئاسي تصعيد خطير    عثمان ميرغني يكتب: هل رئيس الوزراء "كوز"؟    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء الشاشة نورهان نجيب تحتفل بزفافها على أنغام الفنان عثمان بشة وتدخل في وصلة رقص مؤثرة مع والدها    كم تبلغ ثروة لامين جمال؟    حين يُجيد العازف التطبيل... ينكسر اللحن    أبوعركي البخيت الفَنان الذي يَحتفظ بشبابه في (حنجرته)    شاهد بالفيديو.. في مشهد نال إعجاب الجمهور والمتابعون.. شباب سعوديون يقفون لحظة رفع العلم السوداني بإحدى الفعاليات    شاهد بالصور والفيديو.. بوصلة رقص مثيرة.. الفنانة هدى عربي تشعل حفل غنائي بالدوحة    تتسلل إلى الكبد.. "الملاريا الحبشية" ترعب السودانيين    والد لامين يامال: لم تشاهدوا 10% من قدراته    المرة الثالثة.. نصف النهائي الآسيوي يعاند النصر    استئناف العمل بمحطة مياه سوبا وتحسين إمدادات المياه في الخرطوم    هيئة مياه الخرطوم تعلن عن خطوة مهمة    جديد الإيجارات في مصر.. خبراء يكشفون مصير المستأجرين    باكستان تعلن إسقاط مسيَّرة هنديَّة خلال ليلة خامسة من المناوشات    تجدد شكاوى المواطنين من سحب مبالغ مالية من تطبيق (بنكك)    ما حكم الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع في الصلاة؟    عركي وفرفور وطه سليمان.. فنانون سودانيون أمام محكمة السوشيال ميديا    تعاون بين الجزيرة والفاو لإصلاح القطاع الزراعي وإعادة الإعمار    قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ؟!    الكشف عن بشريات بشأن التيار الكهربائي للولاية للشمالية    ترامب: يجب السماح للسفن الأمريكية بالمرور مجاناً عبر قناتي السويس وبنما    كهرباء السودان توضح بشأن قطوعات التيار في ولايتين    تبادل جديد لإطلاق النار بين الهند وباكستان    علي طريقة محمد رمضان طه سليمان يثير الجدل في اغنيته الجديده "سوداني كياني"    دراسة: البروتين النباتي سر الحياة الطويلة    خبير الزلازل الهولندي يعلّق على زلزال تركيا    في حضرة الجراح: إستعادة التوازن الممكن    التحقيقات تكشف تفاصيل صادمة في قضية الإعلامية سارة خليفة    الجيش يشن غارات جوية على «بارا» وسقوط عشرات الضحايا    حملة لمكافحة الجريمة وإزالة الظواهر السالبة في مدينة بورتسودان    وزير المالية يرأس وفد السودان المشارك في إجتماعات الربيع بواشنطن    شندي تحتاج لعمل كبير… بطلوا ثرثرة فوق النيل!!!!!    ارتفاع التضخم في السودان    انتشار مرض "الغدة الدرقية" في دارفور يثير المخاوف    مستشفى الكدرو بالخرطوم بحري يستعد لاستقبال المرضى قريبًا    "مثلث الموت".. عادة يومية بريئة قد تنتهي بك في المستشفى    وفاة اللاعب أرون بوبيندزا في حادثة مأساوية    5 وفيات و19 مصابا في حريق "برج النهدة" بالشارقة    عضو وفد الحكومة السودانية يكشف ل "المحقق" ما دار في الكواليس: بيان محكمة العدل الدولية لم يصدر    ضبط عربة بوكس مستوبيشي بالحاج يوسف وعدد 3 مركبات ZY مسروقة وتوقف متهمين    الدفاع المدني ولاية الجزيرة يسيطر علي حريق باحدي المخازن الملحقة بنادي الاتحاد والمباني المجاورة    حسين خوجلي يكتب: نتنياهو وترامب يفعلان هذا اتعرفون لماذا؟    من حكمته تعالي أن جعل اختلاف ألسنتهم وألوانهم آيةً من آياته الباهرة    بعد سؤال الفنان حمزة العليلي .. الإفتاء: المسافر من السعودية إلى مصر غدا لا يجب عليه الصيام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الذكريات صادقة وجميلة ... بقلم: شوقى محى الدين أبوالريش
نشر في سودانيل يوم 11 - 04 - 2017

تجرى الأيام وتتسارع الأسابيع وتتسابق الشهور وتركض السنين وفجأة تجد نفسك قد أحلت إلى المعاش الإجبارى وأنت ما بين مصدقٍ ومكذب بسبب أنك، في واقع الحال، ما زلت ترى نفسك طفلا ًناقصاً للعقل والحكمة والجبروت والشخصية وكل صفة جميلة مقارنة بوالدك عندما أدرك تلك السن الفاصلة بين العمل والعطالة .. واقع الحال هذا أعيشه دائماً وربما يومياً في مواقف كثيرة في مناحى الحياة.. فى الأسرة .. فى المجتمع.. والفرق الواضح أننا في هذه السن الفاصلة قد أصبحنا في دائرة الهامش بيد أن آباءنا، يرحمهم الله، عندما بلغوا نفس هذه السن كانوا تحت دائرة الضوء بل في الحقيقة كانوا محورالحركة والسكون.
الشاهد.. ذكرنى أحد القراء القريبين منى قبل أيام أن آخر مقال كتبته كان بعنوان" هل رمضان كريم " سائلاً لى " لعل المانع خيراً !!" فإندهشت ...ليس من السؤال فله كل الحق في سؤاله هذا، لكن دهشتى كان مبعثها تسارع السنوات، فرمضان القادم أصبح قاب قوسين أو أدنى.. فحتى قصاصات الورق التى كتبت عليها نقاط المقال ما تزال تقبع في مكانها على المنضدة نفسها في ركن الغرفة وربما لم يجف الحبر الذى كتب بها.. ومن فرط الدهشة بدأت مباشرة في كتابة هذه الخواطر لكم ولى لذكريات قديمة قبل أن يحول الحول على آخر ما كتبت. فالذكريات كم هي جميلة..
وادى حلفا تلك المدينة التي غمرتها مياه السد العالى كانت مدينة تختلف عن باقى مدن السودان، كانت مدينة نيلية ذات لون خاص أشبه بمدينة البندقية من حيث الجمال ولما تتمتع به من مبان تاريخية ومعابد والنيل الذى يشقها إلى نصفين فكانت الضفة الشرقية والضفة الغربية وبينهما تبحرالمراكب الخشبية بأشرعتها البيضاء تحمل الناس على سطحها والبضائع داخل خُنها، جنباً إلى جنب مع طيور البجع الأبيض الإوز بريشها الأبيض وأرجلها السوداء ومنقارها الأصفر ترسم أمام الناظرين لوحة طبيعية حية لو رآها دافنشى أو فان جوخ لما رحلا عنها .. ولخلّداها في أجمال اللوحات التي تزيّن جدران المتاحف العالمية. هذه المناظر الخلابة والإرث التاريخى من معابد وإهرامات وكنائس وآثار تمتد من وادى حلفا، وجنوبها داخل السودان إلى أسوان في شمال مصر حتى تكاد لا تفرِّق في أي من البلدين أنت.. حتى سكان هذه المنطقة الممتدة هم بنفس السحنات واللغات والثقافات. ونظراً لأني عشت طفولتى وصبايا وشبابى في هذه المنطقة الغنية التي غاصت تحت مياه النيل بكل تاريخها وإرثها الحضارى فسوف تكون ذكرياتى عن وقائع حصلت وشخصيات عاشت في تلك الفترة الزمنية كما هى دون زيادة أو نقصان إلا من تغيير في بعض الأسماء حفاظاً على الخصوصية.
كانت هذه المراكب الخشبية هي وسيلة المواصلات الوحيدة بين مدينة وادي حلفا في شرق النيل وبين كل القرى المنثورة على ضفاف النيل من الجهة الغربية إلى أن ألحق بهم البنطون الحكومى في عام 1960. كان للقبطان أو "الريس" كما يسمونه لهذه المراكب أهمية كبرى فهو الذي يتحكم في مواعيد المغادرة والوصول بل يتحكم في مصائر وأرواح الناس بحسن القيادة بمجاراة الرياح والتيار ومحازاة الشمندورة. "على قوبا" كان أشهر ريس نظراً لخبرته الطويلة وظُرفه وصبره على الركاب، وقد أطلق عليه هذا الإسم لأنه لم يزيل العمامة عن رأسه أمام الناس طوال حياته وتحت كل الظروف فإعتقد الناس أنه مصاب بالقوباء أو القوب وهو مرض أو طفح جلدى يصيب فروة الرأس ويشوهها بطبقتها السميكة البيضاء لدرجة النفور. وقديماً قالوا لكل جواد كبوة ولكل فارس غفوة، فقد إرتطمت مركب على قوبا ببعض الصخور التي أثرت في جسم المركب حيث أصابه ببعض الشقوق من أثر الإرتطام فبدت مياه النيل تتسرب إلى داخل المركب تدريجيا فأصيب الركاب بالهلع إلا أن الريس على قوبا بخيرته وحنكته طمأنهم وبدأ يسد الشقوق بالخرق البالية الموجودة داخل المركب لكن كانت الشقوق تكبر والمياه تتسارع إلى الداخل في الوقت الذى أكمل فيه على قوبا كل الخرق الموجودة بالمركب، فما كان منه إلا أن خلع جلابيته الزرقاء ليسد به الشقوق فلم يكفي ذلك .. تم خلع قميصه الكاكى وكل شيء فوق جسده النحيل ووقف عارياً إلا من سرواله الطويل وعمامته على رأسه وما زالت المياه تدخل من الشقوق حتى أوشكت المركب على الغرق وتعالت أصوات الركاب ووقف الريس على قوبا حائراً لأول مرة في منتصف المركب لا يدرى ماذا يفعل تجاه هذه المصيبة .. في هذا الظرف العسير ضحكت إحدى الراكبات وقالت له: "سجمك يا على أيهما ستخلع؟" سؤال لم يستطع الإجابة عليه في حينه فهما أمران أحلاهما مر .. ففكر على قوبا برهة.. وإذا كان لابد آثر أن يظهر بطبيعته كما ولدته أمه إلا من العمامة التى على رأسه حتى وصل بالمركب والركاب إلى بر الأمان ..وصرخ الركاب فرحاً لكنه تركهم في حيرتهم عن سر العمامة وما تحت العمامة ..
شوربجى لا أدرى إسمه بالكامل لكنه كان رجلاً معروفاً وأنيقاً ووقوراً وتظهر عليه علامات النعمة والعافية، يلبس كشيوخ الأزهر الجلابية المصرية مع القفطان والعمامة الصغيرة .. يتميز بالحكمة والهدوء..أصوله من منطقة أسوان في شمال مصر إلا أنه إستقر في وادى حلفا منذ أجداده وكان يمتلك متجراً لا يقل أناقةً عن أناقته في قلب سوق مدينة وادى حلفا .. ومتجره هذا كان يذكرنى بمتجر مرهج في قلب السوق الأفرنجى فى الخرطوم..بضاعته من النوع الراقى الذى لا يقرب منه إلا طبقة أثرياء البلد أو كبار الموظفين فكنت تجد عنده الشكولاتا وحلوى الماكنتوش والتبغ الفاخر إيرنمور للغليون وسيقار هافانا والعسل الإنجليزى في العلبة الخضراء والأجبان الفرنسية وكاكاو الراون ترى الإنجليزى وأقلام التروبن..كان متجره في ترتيبه أشبه بالصيدلية من البقالة حيث تشم رائحة الدكان المميزة من أول شارعه..وكنا نحب أن نذهب لهذا المتجر كنوع من النزهه و للشوكلاتا وبحكم صداقته للوالد رحمه الله.. وفى يوم ما قبضنى الحاج شوربجى من يدى وجلست بجانبه على كرسى وثير وسألنى سؤال : "هل إنت مسلم أم بربرى؟" فإجبته غاضباً وعلى الفور ودون تردد : "أنا بربرى.." حينها رأيت الحاج شوربجى إنفجر ضاحكاً وضحكت معه لضحكته وأصبح كل ما يرانى يكرر لى نفس السؤال.. وأنا أكرر نفس الإجابة وهو يضحك في كل مرة إلى أن قابلنى ذات يوم بعد أن إلتحقت بالمدرسة الأولية بسنة ثانية كُتّاب وكنت وقتها في جزء عَمَّ من دراسة المصحف الشريف وسألنى نفس السؤال فأجبته: بربرى ومسلم .. فضحك أيضاً لإجابتى الدبلوماسية وشعر أن هناك شوية تقدم. وبعد عدة سنوات قابلنى وسألنى نفس السؤال وكنت وقتها إنتهيت من جزء تبارك في المدرسة فأجبته: أنا مسلم وبربرى .. فضحك وقال لي: "يا ولد إنت متين حتبقى مسلم بس ..."
وانا صغير لم أفهم السر وراء سؤال الحاج شوربجى لى كما لم أعرف سبب إعجابه بجوابى على سؤاله في كل مرة لكن الآن عرفت... ربما كان يريد أن يعرف الحقيقة أيهما أقوى رابطاً من حيث الطبيعة البشرية الدين أم القبيلة!
سليمان النوبي كان يعمل سائقا لما يطلق عليه اليوم "بص" أو "حافلة" وهو في الحقيقة عبارة عن لورى فورد 46 به كنبتين من الخشب المقوى ككنبات فصول الدراسة آنذاك وكان هذا اللورى يرحل الناس من القرية إلى مدينة وادى حلفا كل صباح لقضاء حاجياتهم من السوق أو زيارة المرضى في المستشفى أو وداع المسافرين إلى السودان أو إلى مصر.. وكان سليمان النوبي هذا أمياً ويتحدث اللغة النوبية فقط..لايعرف كلمة واحدة من اللغة العربية رغم أنه كان يقضى نصف يومه في المدينة والتي كان يسكنها خليط من النوبيين والعرب ومن هم من أصول مصرية، حتى لا يعرف كلمة لا أو نعم.. بل يعبر عنهما بإيماءة رأسه يمنة ويسرة ليقول لا، ثم أسفل وأعلى ليقول نعم مثله مثل حركة الهنود .. وإذا أردت أن تعكر مزاجه يوماً كاملاً فقط أسأله سؤال باللغة العربية .. وسوف تكون من المكروهين و المدلعين عنده .. وقديماً قالوا "شقى الحال بلقى العضمة في الكبدة" .. سليمان النوبى هذا وقع في قبضة الشرطة ذات صباح لتناوله مشروب الخمر في بار "خواجه ينى" المعروف الذي كان يقع بشارع المحطة وإفتعاله مشاجرة وأذى للمارة في الشارع العام من جراء تأثير الخمر والسُكر. وعندما قُدم إلى المحاكمة أمام القاضي الأردني آنذاك سأله القاضي عدة أسئله مثل (هل شربت الخمر؟ هل سكرت؟ هل تسببت في إزعاج الناس؟ هل تسببت في معركة؟ هل آذيت فلان؟ هل تريد أن نحكم عليك بأقصى عقوبة؟ هل سوف تعود إلى السُكر مرة أخرى؟) فكانت إجابته كلها من نوع هز الرأس إلى أعلى وإلى أسفل أي "نعم" ولم يتجرأ للإعتراض أو أن يقول "لا" على أي من أسئلة القاضي رغم أن هناك أسئلة سألها القاضي قاصداً تخفيف الحكم عليه - لكن العين بصيرة واليد قصيرة - وهذا كان حال سليمان النوبي وإزاء تلك الحالة حكم عليه القاضي الأردني بالسجن لمدة 4 أشهر تحت مادة السُكر والعربدة وإلإعتراف الكامل دون ضغوط، وعندما أقتيد من المحكمة في طريقه إلى الحبس كان فرحاً.. وعندما سأله صديقه الذي حضر جلسة المحاكمة محتجاً: "لماذا لم تعترض على شىء ليخفف القاضى عنك الحكم ؟ لذلك حكموا عليك بأقصى عقوبة .." رد عليه باللغة النوبية صادقاً "يا أخى بدل أتكلم عربى أخير 8 شهور سجن .."
سليمان النوبى هل مات أمياً مسكينا لم يتذوق شعر المتنبيى ولم يعش روايات وقصص الطيب صالح أم مات سعيداً مرتاح البال يا ترى.
كان بعض السكان في مدينة وادى حلفا يستغلون مواهبهم ومهاراتهم في أكثر من منحى .. فقد ترى مؤذن الصلاة في المسجد يغنى في الحفلات ليلاً مستغلاً صوته الجميل، وكاتب المحكمة يعمل حكماً في مباريات كرة القدم و المغنى الشعبى يعمل شيخاً طبيباً يعالج المرضى بالمحايات وأحياناً بالحجابات والضرب لمرضى الأمراض العقلية، والجزار يعمل طباخاً في ولائم الزواج، والحرامى يفوز في سباقات إختراق الضاحية السنوي وهكذا .. الشاهد أن صديقى أبوداوود عاد من القاهرة بعد فترة غياب طويلة وكان صديقى هذا شارد الذهن دائماً ينقصه التركيز منذ صغره .. خرج صديقى بمفرده ليقدم واجب العزاء في والد صديقه في مكان يبعد عن منطقته، وعندما قارب على المنزل وجد جمهرة من الناس جلوساً داخل منزل مفتوح الباب فدخل دون تردد ورفع الفاتحة على روح الميت فقام كل الجالسين لتقبل العزاء إلا أنه لم يجد وجهاً مألوفاً لديه بينهم فتركهم وقوفاً في حالهم وهَمّ خارجاً.. وفى الباب وجد رجلاً يجلس على كرسى وأمامه منضدة عليها دفتر فأخرج من جيبه جنيها واحداً وأعطاه للرجل ليسجله في كشف المجاملات إلا أن الرجل رمى له الجنيه مستفزاً وقائلاً له: "الكشف بخمسه جنيه يا سيد .." فرد عليه صديقى: "على كيفى وأنت لا تجبرنى"... وإحتد النقاش في المبلغ ثم تفاقم الجدل بينهما تدريجياً ثم أصبحت معركة كلامية سرعان ما تشابكت بعدها الأيدى وإشترك كل الجالسين في المعركة وكل واحد يضرب الذي أمامه أو من بجانبه دون معرفة السبب وحصل هرج ومرج إلى أن جاء أحد الجيران وهو صاحب العزاء فعرف صديقى أبوداوود وعرف أنه غير مركِّز، كعادته، وأخذه إلى بيت العزاء في الجهة المقابلة لذلك المنزل الذي إتضح أنه عيادة نفسيه بلدية لمعالجة المجانين ضرباً.
في ذلك اليوم تعاطى كل المرضى جرعات ضرب علاجية بما فيهم "الكاشير" المسكين وصديقى أبوداوود.
هذا اللورى أبو كنبتين كان يوماً في طريقه من مدينة وادى حلفا إلى القرية شمال المدينة ويحمل ركاباً قضوا حوائجهم فى سوق المدينة، وكان الطريق ليس مُعّبَّداً بل يصبح وعراً تتخلله الجبال والرمال عند جبل الصحابة، وإذا لم يكن السائق حريفاً ذي خبرة في تلك المنطقة التي يضيق فيها الطريق مع النيل فكارثة لورى " آل بدر" ما زالت في الأذهان..أحمد علوبى كان يعمل مساعداً للسائق سليمان النوبى لفترة طالت إمتدت إلى عشرين عاماً دون أن يصبح سائقاً رسميا وزمان قالوا "- مساعد اليايي ما ببقى يايي "- وهذا كان حال أحمد علوبى إلى أن جاء ذلك اليوم عندما كان السائق سليمان النوبى ثملاً فاقداً للوعى في بار الخواجة فأصدر صاحب اللورى أوامره أن يقود مساعده أحمد علوبى اللورى حفاظاً على الأرواح.. وقاد أحمد علوبى اللورى أحسن ما يكون، رغم المناوشات الكلامية من السائق سليمان النوبى الذي كان مقيداً ومرمياً على سطح اللورى بواسطة والده صاحب اللورى، إلى أن وصل منطقة جبل الصحابة الوعرة، ولعدم خبرته إنفلت منه المقود في إحدى المنحنيات ومال اللورى جهة الجبل وإنقلب وتساقط الركاب والأغراض من اللورى وتناثروا على الأرض. وكانت خالتى ممن سقطوا على الأرض فإضطرب مساعد السائق أحمد علوبى للحادثة ورؤيته الركاب جرحى سقوطاً على الأرض وأكثر ما هاله هو منظر خالتى التي رقدت ساكنة وممدة على الأرض وبجانبها كرشة ومصارين خارجة من جهة بطنها على الأرض فلم يتحمل هذا المنظر وجرى هائماً وصارخاً كالمجنون إلى جهة الجبال ولحقه بعض الركاب وطمأنوه وأعادوه وهدأ قليلاً عندما رأى خالتى حية وسليمة حيث إتضح أنها إشترت كرشة خروف من الجزارة، فقد إشتاقت لأكلة "كمونية"..! عاشت خالتى أكثر من عشرين عاماً بعد تلك الحادثة أما صاحبنا أحمد علوبى فما تزال عنده لوثة عقلية إلى اليوم من جراء منظر خالتى التي خالها ماتت مبقورة البطن.
قالوا: "أعط الخبز للخباز ولو يأكل نصفه ..". سليمان النوبى فاق من سكرته وأنقذ ما يمكن إنقاذه.
نادى "التوفيقية" كان نادى رياضى إجتماعى في حىّ التوفيقية في قلب مدينة وادي حلفا وكما يشير الإسم فهو أشبه بالأحياء المصرية و يضم معظم المهاجرين من مصر والذين إستقروا في المدينة وكانت صناعتهم صيد السمك للتجارة. أما نادى" حلفا دغيم" فهو نادى رياضى إجتماعى في قرية حلفا دغيم جنوب مدينة وادي حلفا وسكانها جميعهم من النوبيين الذين يعملون كمزارعين وموظفين وأساتذة. وكنت أسكن في حىّ التوفيقية بحكم وجود المكتب الذي يعمل به الوالد، رحمه الله، في ذلك الحىّ.
عندما وصل فريقا حلفا دغيم، والتوفيقية الى نهائى كأس البلدية لأول مرة، جاء وفد من إدارة نادى التوفيقية بوادى حلفا الى مدرسة وادى سيدنا لمقابلة شخصى الضعيف بغية السفر والاشتراك مع النادى فى تلك المباراة المصيرية لأن اعتمادهم فى الهجوم والتهديف فى هذه المباراة سيكون على شخصى الضعيف حيث كنت لاعباً مسجلاً في الفريق .. ولما كانت المدرسة فى اجازه قصيرة وأخذنى الحماس وافقت على الفور وسافرت مع الوفد بباص السروراب من وادى سيدنا الى الخرطوم ومن الخرطوم بقطار الشمالية إلى وادى حلفا .. فوجىء الوالد، عليه رحمة الله، بوصولي وادي حلفا بدون أية مقدمات وكان يومها كعادته متواجداً فى محطة السكة حديد مستقبلاً أو مودعاً وغضب لحضورى بدون استئذان وزاد من غضبه تركى للدراسة من أجل الاشتراك فى مباراة .. ومن الأساس كان، رحمة الله، ضد اشتراكى فى مباريات الاندية والاحتكاك بمنسوبيها وأنا ما زلت صغيرأً في السن وطالباً للعلم ولولا شفاعة العم المرحوم "محمد جلاتلى" عنده والذي كان مغرماً بالرياضة وعضواً في مجلس ادارة النادى الاهلى، ويعمل مع الوالد فى شركة جلاتلى هانكى، لرجعت أدراجى بنفس القطار دون الاشتراك فى المباراة.
لعبت فى هذه المباراة مهاجماً وأحرزت هدف الفوز الوحيد والذى اهتزت له اركان الملعب بالتصفيق والصياح ...هذا الهدف أشعل الحماس فى جماهير ولاعبى نادى التوفيقية ووقفوا سداً منيعاً حتى حافظوا على النصر وكسب نادى التوفيقية كأس البلدية لأول مرة... وبعد هذا الهدف أضاع كابتن فريق دغيم ضربة جزاء قبيل نهاية المباراة حين ضرب الكرة بكل قوته حتى سقطت خارج الملعب فى منتصف المقابر التى كانت تقع خلف سور الملعب من الناحية الشمالية محطماً بذلك أمال جمهور فريق دغيم الغفير الذى غادر الملعب حزيناً وساخطاً قبل أن تنتهى المباراة.
الشاهد أذكر لكم قصة طريفه حصلت لى فى هذه المباراة .. فبعد الهدف الذى أحرزته ظل كابتن فريق دغيم من الغيظ يلاحقنى بل يلازمنى وكما يقولون " ون تو ون" فى الملعب اينما ذهبت، ليس ذلك فحسب بل يقول لزملائه باللغة النوبية " تر شافاق شكتر" وترجمتها بدون رتوش هى " إنخس ذلك الشافع" لأنى كنت صغيراً سناً وحجماً بعد وقد كانت هذه الحركة من ثقافات تبويظ الأعصاب في ذلك الزمن .. وما درى كابتن دغيم أننى أجيد اللغة النوبية فهماً وتحدثاً أكثر منه !! وعندما أجبت على تحريضه لزملائه بنفس اللغة التى استعملها فوجىء كابتن دغيم وكاد أن يسقط مغشياً على الارض من فرط الدهشة والخجل وسرعان ما تدارك الامر وأخذنى برفق من يدي وقال لى بالنوبية: " ما الذي جمعك بهذا الشتات (أفش تفوش) وأردف قائلاً: لابد أن تنتقل إلى فريق دغيم فوراً فهو المكان الطبيعى لك... " ووعدنى بتسهيل اجراءات الانتقال لكن كنت قد رجعت أدراجى إلى وادي سيدنا حيث إنتهت الإجازة. وفى الإجازة التالية كانت مدينة وادي حلفا كلها، بكل جمالها وإرثها وإستادها وأنديتها، قد ذابت في قاع النيل.
قديماً قالوا من تعلم لغة قوم أمن شرهم – لكن أحياناً لا يدرى القوم أنك منهم فيحصل الحرج ... وياما حصلت ..
كانت السيدة "دوانا جاره" من أشهر النساء في القرية ومعروفة بقوة شخصيتها وذكائها وسرعة بديهتها لكن مع طول اللسان تجاه الرجال والنساء على السواء ولذلك كان يتجنبها الكل بقدر المستطاع رغم ظُرفها وميولها للفكاهة أحياناً ... نقل مدرس جديد إلى المدرسة التي يدرس فيها إبنها البكر وفى غضون أيام عاقب هذا المدرس إبنها بالجلد لخطأ ما قد إرتكبه الطالب...مسكين المدرس لايعرف أن الطالب إبن دوانا جاره ولا يدري من هى دوانا جاره !! جاءته من الصباح الباكر في المدرسة من تأبط شراً، مكشرة عن أنيابها، محتجة على الجلد والعقاب، وحاول المدرس أن يشرح لها سبب العقاب وفائدته.. فلم تسمع.. وعندما إحتد النقاش وعلا صوتها في المدرسة يئس المدرس وأراد أن ينهى النقاش ويذهب لحاله وقال لها : " يلا يا حجة بلا خوتة.." - وخوتة معناها إزعاج - فردت عليه على الفور بنبرة عالية باللغة النوبية :" تقول لى بلا خوتة يا من يخوتك كل مولود يخرج إلى هذه الدنيا !!" كناية أن أي مولود أو طفل مزعج، وأى مولود أو طفل حتماً يذهب إلى المدرسة..
لقد أدخلت المدرس في محنة فسكت المدرس لصدق ما قالت دوانا جاره...قائلاً لنفسه فعلاً إنها طبيعة مهنة التدريس فعلاما أتذمر..!
ومحنة أخرى من دوانا جاره .. حفر جارها المزارع جدولاً صغيرا في أرضها الملاصقة لأرضه ليسقى زرعه فجاءت وإحتجت على هذا التغول على أرضها .. فقال لها جارها مخففاً: "إن عرض الجدول صغير ولا يؤثر في أرضك بشىء.." فردت عليه بنبرة إحتجاج باللغة النوبية: " تعرف .. حتى لو حملت حفنة من ذرات تراب أرضى ومسحت بها وجهك حسرةً أو تيمماً تؤثر في أرضى.."
صمت المزارع تجاه هذا الرد المفحم الذي أتاه كالقذيفة من أولها... وعرف أنه سوف لن يكسب أي جولة مع الجارة.
الخلافات حول قيراط من الأرض أو المرعى والكلأ أو توزيع ثمار النخيل كانت هي المشاكل العادية بين الناس في المنطقة وكانت تحل على مستوى كبار القوم أو شيخ القرية أو العمدة إذا دعى الحال، لكن هذه السيدة كانت تضخم أى خلاف مهما صغر وتجر حتى أقرب الناس إليها إلى محاكم المدينة في وادى حلفا .. وكان الوالد، عليه رحمة الله، مهتماً بهذا الجانب وكعادته حريصاً لحل المنازعات بعيداٌ عن المحاكم حفاظاً على السمعة، ولذلك أذكر كان الوالد في كل يوم خميس يأخذ معه نفس قاضي المحكمة بسيارته إلى القرية ليحل قضايا دوانا جاره مع خصومها ودياً خارج دائرة القضاء والمحاكم. و بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً قابلنى القاضي نفسه، الذى كان قد أصبح معروفا، ًفي الثمانينيات من القرن الماضى فى أبوظبى حيث كنت أعمل، وكان هو يعمل منتدباً لمحاكم أبوظبي، وكان أول سؤاله عن دوانه جاره .. وكانت قد توفاها الله في ذلك الزمن .. فترحمنا عليها سوياً.
وادي حلفا الجميلة التي عرفناها والتي كانت مسرحاً لأحداث كثيرة شهدناها غرقت بمياه السد العالى وإنتهت لكن ذكرياتى الجميلة لم تنتهى بعد...
شوقى محى الدين أبوالريش
الدوحة في 11 أبريل 2017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.