شاهد بالفيديو.. مطربة سودانية تشعل حفل غنائي بوصلة رقص فاضحة أعلى المسرح وتصف نفسها بالفرسة "الملهلبة"    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تخفيف العقوبات عن السودان : قراءة في جلسة إستماع الكونغرس .. بقلم: بابكر فيصل بابكر
نشر في سودانيل يوم 04 - 05 - 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بدعوة من رئيسها النائب الجمهوري عن الدائرة الرابعة نيوجيرسي "كريس سميث", عقدت لجنة إفريقيا والصحة العالمية وحقوق الإنسان الدولية والمنظمات الدولية المتفرعة عن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي جلسة إستماع يوم الأربعاء 26 أبريل 2017 تحت عنوان "تخفيف العقوبات عن السودان: قضية مُحاطة بالشكوك".
في البدء : ماهى العقوبات المفروضة على السودان ؟
قبل الدخول في مناقشة وتحليل الإفادات التي تم الإستماع إليها في الكونغرس, يجب أن نوضح طبيعة العقوبات التي فُرضت على السودان, ماهى العقوبات المفروضة من السلطة التنفيذية "الرئيس" والأخرى الصادرة عن الكونغرس ؟ :
في 3 نوفمبر 1997 أصدر الرئيس "بيل كلينتون" قراراً تنفيذياً بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأميركية له، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأميركيين، بعدم الإستثمار والتعاون الاقتصادي مع هذا البلد.
في عام 2002 أصدر الكونغرس "قانون سلام السودان" الذي ربط العقوبات الأميركية بتقدم المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان, وفي عام 2006 فرض الكونغرس عقوبات إضافية ضد "الأشخاص المسؤولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".
قبل ذلك, وفي 12 أغسطس 1993 أدرجت وزراة الخارجية الأمريكية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب رداً على إستضافته زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.
ما الذي فعلته إدارة أوباما في يناير 2017 ؟
أعلنت إدارة أوباما في 13 يناير 2017 رفعاً جزئياً للعقوبات الصادرة من قبل الرئيس بيل كلينتون في 1997, وبررَّت قرارها بأنَّ تطوراُ إيجابياً قد طرأ على تعاون الحكومة السودانية في خمس قضايا "مسارات" إنبنى عليها الحوار بين أمريكا والسودان, وقد شملت هذه المسارات التالي : وقف الأعمال العدائية في دارفور والمنطقتين، تحسين وصول المساعدات الإنسانية، إنهاء التدخل السلبي في جنوب السودان، التصدي لتهديد جيش الرب للمقاومة، وتعزيز التعاون بشأن مكافحة الإرهاب.
على ماذا أجمع الأشخاص الذين أدلوا بشهادتهم في الكونغرس ؟
شارك في جلسة الإستماع كلاً من المبعوث الأمريكي الأسبق للسودان والمستشار الحالي بمعهد السلام "برنستون ليمان", و مدير العمليات في صندوق الإغاثة السودانية "ديفيد بيتوني", و مدير السياسات في مشروع "سنتري" و منظمة "كفاية" براد بروكس-روبين، بالإضافة إلى رئيس مشروع قيادة أفريقيا والشرق الأوسط "محمد أبو بكر".
إتفق جميع المتحدثين, بمن فيهم رئيس اللجنة كريس سميث, على أنَّ "المسارات" الخمسة التي إنبنى عليها قرار إدارة أوباما بتخفيف العقوبات على السودان في يناير الماضي "لا تكفي لإتخاذ قرار برفع العقوبات بصفة دائمة" في أو قبل الثاني عشر من يوليو, واقترحوا جميعاً إضافة مسار إضافي يتعلق بإلزام الحكومة السودانية بإجراء "إصلاح ديموقراطي" يسمح بتوفير الحريات العامة وتحسين أوضاع حقوق الإنسان.
في بيانه الإفتتاحي لجلسة الإستماع قال كريس سميث, ( في إعلانها الخاص بتخفيف العقوبات, قالت الإدارة السابقة أن الحكومة السودانية إتخذت إجراءات إيجابية في خمس قضايا هامة, ولكن هذه التطورات الإيجابية لم تتضَّمن التحسن في الوضع العام لحقوق الإنسان في السودان ), وأضاف إنه ( يتوجب على الحكومة الأمريكية النظر بصدق فى الشروط التى بموجبها يتم تبرير تخفيف العقوبات ). إنتهى
وأضاف : ( على الرغم من أن تحسين وضع حقوق الإنسان ليس من ضمن المتطلبات التي وردت في الأمر التنفيذي (للرئيس أوباما) إلا اننا كحكومة لا يجب أن نتجاهل هذا الجانب. لقد عملت الإدارات المتعاقبة والكونغرس بجد لضمان أن المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان في السودان تمت مخاطبتها ). إنتهى
وقال أيضا ً( الآن ليس هو الوقت المناسب للتخلي عن العمل الذي قام به رجال ونساء أصحاب نوايا حسنة في حكومتنا إضافة للعديد من المواطنين الأمريكيين الذين دعموا جهودنا, وعلينا أيضاً ألا نتخلى عن رفاهية شعب السودان الذي بذلنا جهودنا طوال هذا الوقت من أجله ). إنتهى
أمَّا برنستون ليمان فقد قال في شهادته أنّ مبادرة الخمسة مسارات التي إبتدعتها إدارة أوباما في حوارها مع السودان تشكل ( بداية لحوار جاد ومكثف مع حكومة السودان بخصوص السلام والديمقراطية والتنمية ), وأكد أن العقوبات تمنح أمريكا ( وسيلة للضغط, ومن المهم إستخدامها بشكل إستراتيجي ), ولكنه أشار إلى أنّ هناك نقداً كبيراً قد تم توجيهه لهذه المبادرة, وأضاف :
( نقاط النقد الرئيسية لهذه المبادرة هي أنها تغفل أي متطلبات من حكومة السودان بخصوص حرية التعبير والتجمع، والصحافة، وإطلاق السجناء السياسيين، وغيرها من الخطوات التي تتيح الفرصة لحوار سياسي حقيقي ولمشاركة سياسية واسعة، ويجب أن تكون تلك النقاط جزءاً من المرحلة القادمة من الحوار ومن أي رفع إضافي للعقوبات، وتمثل تلك النقاط التحدي الأكبر للقيادة السودانية بخصوص ما إذا كانت مستعدة لبدء تحول جوهري في النظام السياسي ). إنتهى
براد بروكس, من ناحيته, دعى إدارة الرئيس ترامب لتصحيح مبادرة سلفه أوباما التي بنى عليها قراره بتخفيف العقوبات المفروضة على السودان, وقال :
( ونحن نعتقد أنه يتوجب على الكونغرس وإدارة ترامب تصحيح هذا الإتجاه الآن, ويمكن تحقيق هذا التصحيح على أفضل وجه من خلال إضافة مسار مستقل يتعلق بحقوق الإنسان والسلام مع حكومة السودان, هذا المسار من شأنه أن يُكمل ولكنه سيبقى مستقلاً عن الخمسة مسارات الأخرى, ومن شأن هذا المسار الدبلوماسي أن يعالج قضايا الإصلاح الأكثر أهمية في السودان, وينبغي ربطه مباشرة بأدوات الضفط المالي المركزة والمستحدثة, فضلاً عن الحوافز الجديدة, التي من شأنها تعظيم فرص تحقيق أهداف السياسة الخارجة الأمريكية في السودان ). إنتهى
من جانبه قال محمد أبوبكر أنَّ ( الشروط المرتبطة بتخفيف العقوبات، والتي لم يكن من ضمنها مطالبة الحكومة بمعالجة الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان، وقمع الصحافة، والإعتقال والتعذيب غير القانوني للناشطين والصحفيين, هذا التخفيف للعقوبات دون المطالبة بإصلاحات في مقابله سيضر بالشعب الذي فرضت العقوبات من أجل حمايته ). إنتهى
إذن, ماذا يجب أن نتوقع من الكونغرس ؟
يعرف جميع المراقبين لمسار العلاقة الأمريكية السودانية طوال فترة حكم الإنقاذ أن الكونغرس ظل على الدوام يتخذ مواقفاً أكثر تشدداً من الحكومة "الإدارة" تجاه السودان, وقد تجلى ذلك في القوانين والتشريعات العديدة التي أصدرها لعقاب الحكومة السودانية, وبالتالي فإنَّ من المرَّجح أن تجد شهادات هؤلاء الخبراء في جلسة الإستماع وتركيزهم على ضرورة إحداث إصلاحات في الحكم أذناً صاغية من أعضاء الكونغرس.
واذا كان ذلك كذلك, فإنّ إلغاء قانون "سلام السودان" والعقوبات الإضافية التي صدرت في العام 2006, سيبقى أمراً مرتبطاً بضمان وقوع إصلاح ديموقراطي كبير وتحسن واضح في أوضاع الحريات و حقوق الإنسان في السودان, وهو الأمر الذي لن تستطيع الإدارة الأمريكية تجاوزه إلا بإتفاق مع الكونغرس لأن العقوبات الصادرة من الأخير لا يمكن رفعها إلا بتشريع منه, وليس في إستطاعة الرئيس إلغائها بأمر تنفيذي.
ولكن من ناحية أخرى فإنَّ آليات صنع القرار في أمريكا ترتبط كذلك بعمليات "مساومات" معروفة يُمكن أن تحدث بين الإدارة والكونغرس بحيث يمكن أن يقدّم أحد الطرفين تنازلات في قضية معينة مقابل تنازلات من الطرف الآخر في قضية أخرى, وهذا هو الأمر الذي قد يُساعد الإدارة في رفع عقوبات الكونغرس المفروضة على السودان, إن هى أرادت ذلك.
ولكن هل حقاً ترغب إدارة "ترامب" في رفع العقوبات ؟
من الصعوبة بمكان التنبؤ بما ستفعله الإدارة الأمريكية بشأن العقوبات, وذلك من واقع سلوكها, وسلوك الرئيس ترامب في المائة يوم الأولى من وصوله للبيت الأبيض, حيث أبدى إرتباكاً واضحاً في قراراته وسياساته, فهو يقولُ شيئاُ ويفعلُ نقيضهُ, وهو كذلك يُقدِّم وعداً ولا يفي به, والأهم من ذلك أنه – ولإنشغاله بقضايا دولية هامة أخرى – لم يُطوِّر حتى الآن سياسة واضحة تجاه السودان.
ولكن الأمر المعروف عن العديد من أفراد الإدارة الحالية, وفي مقدمتهم وزير الخارجية "ريكس تاليرسون" وقد كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة "إكسون موبيل" أنهم لا يُحبذون سياسة العقوبات ويعتقدون في عدم جدواها, خصوصاً وأنَّ هؤلاء قد تضررت شركاتهم من العقوبات المفروضة على دول مثل روسيا.
حتى الآن ما يزال ملف السودان يُدار بواسطة الدبلوماسيين والموظفين في الحكومة الأمريكية ولم يتم تعيين مبعوث خاص جديد خلفاً ل"دونالد يوث", وبالتالي فلا توجد رؤية أو مؤشرات توضح الكيفية التي سيتعامل بها الرئيس ترامب مع هذا الملف, وقد رأينا كيف أنه وضع إسم السودان ضمن قائمة الدول التي إستهدف تضييق حصول مواطنيها على تأشيرات لدخول أمريكا, وهى القرارات التي أبطلها القضاء الأمريكي.
وماذا عن تفاؤل حكومة الخرطوم ؟
أحدث قرار الرئيس أوباما بالرفع الجزئي للعقوبات التجارية والإقتصادية موجة عارمة من التفاؤل لدى الحكومة السودانية التي وجدت فيه طوق نجاة يُخرجها من العزلة الطويلة ويساعد في إدماجها في المجتمع الدولي من جديد ويضاعف من فرص تحسين الوضع الإقتصادي المتدهور.
وتكاثرت تصريحات المسؤولين حول إنفتاح البلاد على الإستثمارات الأمريكية, وذهبت العديد من الوفود الحكومية لواشنطون مصحوبة بممثلين عن شركات القطاع الخاص لشرح فرص الإستثمار في السودان, كما أبدى الكثيرين تفاؤلاً بإسترداد العملة الوطنية لعافيتها أمام الدولار بعد سنوات من التراجعات الكبيرة.
غير أنَّ فقرة وردت في شهادة المبعوث الأسبق "برنستون ليمان" أمام جلسة الإستماع يُمكن أن تضع هذا الأمر في نصابه الصحيح, وتحدُّ من الإندفاع التفاؤلي في أوساط المسؤولين الحكوميين, قال ليمان :
( بالنسبة للعقوبات، والتي تم تجميدها وقد يتم إنهاؤها في يوليو، فإنها أقل مما يبدو، ورغم أنها ستفتح الطريق للتجارة وتنعش الاهتمام بالاستثمار، إلا أنه في ظل وجود عقوبات أخرى مطبقة، وبالنظر إلى استمرار وجود السودان على لائحة الدول الداعمة للإرهاب، فإنَّ من غير المُرجَّح أن تحدث إستثمارات طويلة الأجل، وستظل المؤسسات المالية تنظر بتحفظ، بينما يحتاج المستثمرين إلى ضمانات طويلة الأمد، كما أن إعفاء الديون لن يتم النظر فيه ). إنتهى
مربط الفرس : (قائمة الإرهاب وعقوبات الكونغرس) !
إذن, القضية ليست متعلقة فقط بالعقوبات الصادرة عن الإدارة الأمريكية, ولكنها مرتبطة بشدة بعقوبات الكونغرس, وبقائمة وزارة الخارجية التي تضم الدول "الراعية للإرهاب" من وجهة نظر أمريكا, وهذه الأخيرة – كما قال ليمان – لها إسقاطات هامة جداً على موضوعات الإقتصاد وفي مقدمتها قضية الإستثمارات و الدين الخارجي.
لشرح هذه القضية, نقول أنَّ ثلاثة أرباع ديون السودان الخارجية ديون السودان الخارجية والتي تبلغ حوالى 51 مليار دولار، تخصُّ دول نادي باريس, وفي أبريل عام 2013 صرَّح رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للسودان إدوارد جميل أبان زيارته للخرطوم بأنه : ( سيكون من شبه المستحيل بالنسبة للسودان إعفاء ديونه حتى إذا أوفى بكافة المتطلبات الفنية والإقتصادية، والسبب في ذلك هو أنَّ الأمر مرتبط بقضايا سياسية تتطلبُ جهوداً في العلاقات العامة مع الدول الأعضاء في نادي باريس), وأكد جميل في تصريحاته تلك أنَّ : ( أية صفقة لإعفاء ديون السودان تتطلب الموافقة بالإجماع من قبل ال 55 بلداً الأعضاء في نادي باريس وهو أمر غير وارد الحدوث ). إنتهى
وكما أشرت في مناسبة سابقة فإنه حتى إذا نجح السُّودان في إقناع 54 دولة من دول نادي باريس بالتصويت لصالح إعفاء ديونه فإنَّ وجود أمريكا ضمن تلك الدول سيحول دون ذلك لأن "قرارات الكونغرس" التي أشرنا إليها تمنع ممثلي أمريكا لدى المؤسسات المالية الدولية من التصويت لصالح أية دولة مُدرجة في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ولكن من ناحية أخرى, فقد ظهرت في الآونة الأخيرة مؤشرات توحي بأنَّ تطوراً إيجابياً في صالح الحكومة السودانية يلوحُ في الأفق بخصوص وضع إسمها في قائمة الإرهاب, وفي مقدمتها مشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش السوداني عماد الدين عدوي في إجتماعات القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" بألمانيا لأول مرة منذ تكوين تلك القيادة التي أنشئت خصيصاً ل "مكافحة الإرهاب".
وأقول أنه مؤشر في صالح الحكومة لأنَّ من غير المعقول أن تسعى أمريكا لإشراك السودان في جهود مكافحة الإرهاب بينما تستمر في نفس الوقت في وضع إسمه ضمن قائمة الدول الراعية لذلك الإرهاب !
وكما هو معروف فإنَّ الرئيس الأمريكي يُمكنه إزالة إسم أية دولة من تلك القائمة دون حاجة للرجوع للكونغرس ذلك لأنَّ وضع إسم البلد المُعيَّن في القائمة لا يصدر بتشريع وإنما تقوم به وزارة الخارجية.
المساعدات الإنسانية (للمعارضة المسلحة نصيب)
غطى الجزء المتعلق بتوصل المساعدات الإنسانية لمناطق الحرب الجانب الأكبر من شهادة "ديفيد بيتوني", وكما ذكرنا آنفاً فإنَّ قضية "تحسين وصول المساعدات" تمثل أحد المسارات في الحوار الذي إفترعته إدارة الرئيس أوباما مع الحكومة السودانية, وأنَّ التقدم في هذا الإطار يمثل أحد مطلوبات الرفع الكامل للعقوبات.
سارت شهادة بيتوني في إتجاه تحميل الحكومة المسؤولية الكاملة في تعطيل وصول المساعدات للمتأثرين في جنوب كردفان والنيل الأزرق, حيث قال ( منذ انهيار اتفاق السلام الشامل، النوع الوحيد من "المساعدة" الذي جلبته الخرطوم إلى جبال النوبة والنيل الأزرق هو البنادق والدبابات والصواريخ والقصف الجوي الذي لا يهدف إلى تطوير أو تنمية السكان، ولكن لتشويههم ،و تدميرهم، و قتلهم ). إنتهى
ولكن ليمان, من ناحيته حمَّل المعارضة المسلحة (الحركة الشعية) مسؤولية كبيرة في هذا الخصوص, وقال :
( الحركة الشعبية عارضت إتفاقية للدخول الإنساني إلى المنطقتين بذات القدر الذي كانت عليه حكومة السودان، وكان أحد شروطها أن يأتي جزء من العون من خارج السودان أي عبر إثيوبيا. من العسير النظر إلى ذلك باعتباره أهم من وصول المساعدة الإنسانية فائقة الضرورة إلى السكان الذين يعانون ست سنوات من الحرب.
إنني أعتقد بأن هذه النقطة ليست إلا خدعة، وبأن قيادة الحركة الشعبية ليست على استعداد حتى الآن للمشاركة في هذا النوع من الحوارات والعمليات السياسية التي تقدمها خريطة الطريق للتغيير التي يتبناها الاتحاد الإفريقي، والتي يترأسها ثابو أمبيكي. ثمة عمل كثير ينبغي القيام به مع الحركة الشعبية ومع حكومة السودان أيضاً.
كل ذلك لا يعفي حكومة السودان، فإن هجماتها العسكرية قد أدت إلى معظم الضعف الذي حدث للمجموعات المعارضة الدارفورية، ويمكنها بكل يسر أن توافق على وصول جزء من الدعم عبر إثيوبيا لإنهاء حالة الجمود. لكن النقطة المهمة هي أن استخدام تلك العقوبات ضد حكومة السودان بغرض حل النزاعات المعقدة لن يكون كافياً دون إعتبار دور المعارضة ). إنتهى
الإتجاه العام لإفادات الخبراء (مواصلة الإرتباط)
بدا جلياً من شهادات الخبراء أمام الكونغرس أنَّ الجميع لا يتحدث عن سياسة "تغيير النظام", وأنهم يسيرون في ذات الإتجاه الذي تبنتهُ إدارتا الرئيس باراك أوباما وسلفه "جورج بوش" الإبن, وهى سياسة "الإرتباط" مع حكومة السودان من أجل إحداث "هبوط ناعم" وتغيير تدريجي في تركيبة الحكم.
وقد كان المبعوث الأسبق "برنستون ليمان" هو أكثر المتحدثين وضوحاً في رفض خيار "إسقاط النظام" وقال : ( ورغم جهود المقاتلين للإطاحة بها، إلا أن الحكومة الحالية لم تسقط، وما زال مستقبل السودان متعلقاً بها بشكل كبير. أرى أن سقوط الحكومة أو إسقاطها بالقوة لن يحقق الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة الأمريكية، وأكاد أجزم أنه لن يحقق السلام والديمقراطية والرخاء الذي يستحقه الشعب). إنتهى
ثم ماذا بعد
على الرغم من إشارتنا السالفة لصعوبة التنبؤ بما ستقررهُ الإدارة الأمريكية في خصوص العقوبات, إلا أنه يُمكننا أن نُرجِّح إحتمال تمديد قرار الرئيس أوباما بتخفيف العقوبات لفترة أخرى, وهذا الترجيح ينبني من ناحية على الإجماع الذي أشرنا إليه في شهادة هؤلاء الخبراء حول ضرورة إلزام الحكومة السودانية بتبني مسار حول الإصلاح الديموقراطي يضمن حماية حقوق الإنسان وإتاحة الحريات, وكذلك على الدور التاريخي الذي ظل يلعبه الكونغرس, والذي قد يرى الرئيس "ترامب" ضرورة التعاون معه في هذا الإطار.
كذلك فإنَّ الرفع الكامل للعقوبات من قبل الإدارة الأمريكية, مع إستمرار الحرب وعدم الإستجابة لمطلوبات الإصلاح, سيفُقد الإدارة أكبر وسائلها للضغط على الخرطوم, وبالتالي فإنها لن تضمن إستمرار الأخيرة في الإلتزام بتطبيق مسارات الحوار المتفق حولها بين الطرفين.
أما إذا قررت واشنطون رفع العقوبات التجارية والإقتصادية بالكامل بعد إنقضاء مهلة الستة أشهر في يوليو القادم دون الإتفاق مع الكونغرس – وهو أمرٌ وارد الحدوث كما ذكرنا – فإنَّ إستمرار عقوبات الكونغرس, والإبقاء على إسم السودان في قائمة الإرهاب سيحول دون تحقيق الخرطوم للعديد من الأهداف الإقتصادية.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنه يُستبعد أن تقوم إدارة ترامب بالعودة لفرض العقوبات مرة أخرى, سيما وأنَّ الحكومة قد بدأت في التقدم تدريجياً في تطبيق مسارات الحوار بين البلدين, خصوصاً فيما يتعلق بمسار التعاون في مكافحة الإرهاب وهو المسار الذي يلقى إهتماماً خاصاً من قبل واشنطون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.