ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حصة دعاة الراية الإسلامية
نشر في سودان سفاري يوم 29 - 03 - 2011

لماذا أربعين سنة؟ لأنها الفترة التي يتلاشي فيها جيل ، ويظهر فيها جيل آخر ، ولعل هزيمة يونيو 1967م وموت
الرئيس عبدالناصر في سبتمبر 1970م تصلح لأن تكون فاصلة في تاريخ الأجيال العربية ، المرهقة والمنهكة بعبء وتكاليف التحرر والبحث عن رأسمال فكري وروحييقودها للبناء والتقدم في معركة ما بعد إجلاء الجيوش الأجنبية من الوطن العربي ، ابتداء من معارك فلسطين وقناة السويس وثورة الجزائر ولكن هذا الخط الصاعد تعرض لامتحان وابتلاء عرف باسم النكسة وفي حقيقته نكبة وإن كانت أقل بكثير من نكبة قيام إسرائيل في أرض الفلسطينيين .
اتجه العقل العربي للأطروحات المادية والعلمانية المتحررة مع رواد حركة البعث العربي والقومية العربية والنظم القمعية الشمولية تحت راية الحزب الواحد والقائد الواحد وشخصنة الحكومة والدولة .
وبرزت المقاومة ، ولعل أجسر أنواع المقاومة كانت مقاومة الحركة الإسلامية في مصر التي صادمت اسرائيل وتم اغتيال مؤسسها الشيخ البنا في فبراير 1949م، ثم تعرضت لمحنة عام «54» حيث تم قطف رؤوس نخبة من روادها " مجموعة الاستاذ عبدالقادر عودة " ثم سيد قطب ورفاقه في منتصف الستينيات ، ثم الصراع مع السادات تحت راية الجماعات الإسلامية والجهاد الإسلامي ، بقيادة صالح سرية وعبدالسلام فرج وظهرت كتابات مقاومة ، صحيح أنها خالية من العمق كمقالة " الفريضة الغائبة " ولكن دلالاتها كبيرة وتوجت هذه المقاومة عملها بمجموعة الإسلامبولي التي اغتالت الرئيس المرحوم أنور السادات ، وكانت لها امتدادات ممثلة في المقدم عبود الزمر وطارق الزمر ودخل معهم السجون عشرات الآلاف وكانت لهذه الحركات اخطاؤها، لقتلها للشيخ الذهبي إن صح ذلك، ولم تكن عملية مدسوسة ولكنها كذلك مثلت إرادة المقاومة والصمود في معركة الهوية ورفض الهيمنة الغربية ممثلة في اسرائيل .
وكذلك قامت الجماعات الموصولة بالراية الإسلامية، بقيادة حركة المقاومة ضد نظام الحزب الواحد والبطش والاستبداد في العراق وسوريا وفلسطين وكان لذلك تكلفته الغالية ، خصوصا أن المقاومة اشتطت، حينما استهدفت أبناء الطائفة العلوية في مدرسة المدفعية ، مما أدى بها إلى أن تدفع ثمنا غاليا بعد أحداث حما وحلب وغيرهما ، أدت الضغوط على الحركات والجماعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي وعلى الأخص في العراق وسوريا والسودان " أيام الرئيس المرحوم النميري " ومصر وليبيا وتونس والمغرب العربي إلى هجرة كوادر إسلامية إلى الغرب واستقرارها بصفة دائمة وصب طاقاتها في إقامة المراكز الإسلامية والمساجد والجمعيات ، وحدث نتيجة لذلك تعارف وتواصل بين النخب المهاجرة كان من ثمراتها قيام اتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا الشمالية ونظائره في أوروبا وضمت هذه الإتحادات طلاباً من الخليج وشمال إفريقيا وآسيا وأدت إلى تعارف وامتزاج تجارب وكان للمدرسة الإسلامية السودانية دور كبير في بث الأفكار التنظيمية والمؤسسية وسط هذه المجموعات، المشبعة بالأفكار التقليدية والعشائرية، والتي وجدت في رابطة الجماعات الإسلامية الحصانة من رياح التغريب والعولمة العاتية في عقر أرض الغرب ومراكزه.
ومن خلال التلاقح خرجت موجات إسلامية إلى أندونيسيا وماليزيا وغيرهما وارتبطت بالدافع الوطني والعرقي المركوز في تلك البيئات بخصائصها وخصوصياتها.
ومرت على العالم الإسلامي، أحداث عاصفة تأثرت بها حركة الجماعات الإسلامية والمقاومة شرقا وغربا ، وكان أهمها الثورة الإسلامية في أيران التي قادت إلى جمهورية إسلامية هناك والغزو الروسي لإفغانستان في نهاية السبعينيات ، فمن ناحية أعطت الثورة الإسلامية الإيرانية الامل للجماعات الإسلامية في نهج الثورة الشعبية وإمكانية أسقاط النظم الإستبدادية المسلحة وكذلك فإن الغزو الروسي لافغانستان مكّن لايجاد أرض ملجأ وهجرة للجماعات الإسلامية لمحاربة عدوان على شعب مسلم وبمدد حتى من النظم العربية والغربية ، ولكل أجندته، النظم الغربية والعربية أرادت استنفاد طاقة المجاهدين في حماية أوضاعها، حسب رؤية استراتيجية مستنبطة أن الخطر هو الشيوعية المجسدة في مشروع الإتحاد السوفيتي -بينما كانت فرصة للجماعات الإسلامية المطاردة لوضع ارجلها على قطعة ارض والتدريب والإستعداد للمنازلة.
أصبحت كلمة السجن والمطاردة متلازمة مع وجود الجماعات الإسلامية على امتداد العالم الإسلامي وعلى الأخص بعد الهجوم على برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001 ، وتمت محاصرة المشروع الإسلامي في السودان ابتداء من محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في يونيو 1995م وتصفية نظام طالبان في افغانستان ثم حرب تدمير العراق التي لاتزال خاضعة للأحتلال الأمريكي .
إذن تراكمات جهد المقاومة على الأخص الإسلامية في مجابهة النظم الإستبدادية في مصر وتونس ، وليبيا وغيرها ، كان يتزايد ويأخذ أحيانا أشكالا مختلفة، ففي عام 2005م ارتضى الإخوان المسلمون الدخول في مجلس الشعب المصري تحت راية المستقلين ومن قبل دخلوا في قبة مجلس الشعب تحت راية حزب الوفد وحزب العمل الإسلامي، ولكن في عام 2010 تم اغلاق هذه الكوة تماما بالتزوير والإقصاء والتهميش والسجن .
أما في سوريا وتونس وليبيا ، فقد انهكت المقاومة فذاب بعضها في بلاد المنفي واتخذوا جنسيات أخرى بينما بدأت بعض مكوناتها في الحوار مع الحكومات لتوفيق أوضاع أبنائها من شتات المنفي . ولكن حدث الأحداث المهمة ، كانت الإنتخابات البرلمانية في الضفة الغربية وغزة والتي اكتسحتها حماس وأدت تداعياتها إلى ولادة شبه إمارة إسلامية في قطاع غزة تديرها حركة حماس المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين. واصبح للمشروع الإسلامي دولة ذات خصوصية، هي الجمهورية الإسلامية في إيران ولها قوة وحضور أدى إلى تغيير كبير في لبنان، ومكّن حزب الله من أن يصبح القوة السياسية الضاربة نتيجة لشوكته العسكرية . ومشروع إسلامي آخر في السودان، تمت محاصرته وإدخاله في مأزومية ومجابهات أدت لاشعال حرب دارفور وحرب جهويات وإنفصال جنوب السودان. وإمارة إسلامية كسبت تعاطف الضمير الإسلامي والعالمي ونجحت في إمتصاص الغارات والضربات الإسرائيلية المتتالية في إطار متغيرات دولية، كان أبرزها إمساك حزب العدالة والتنمية بمقاليد الأمور في تركيا، كما أن حرب اسرائيل على غزة عرت تماما النظام المصري الذي بدأ في بناء الجدار الفولاذي العازل حول غزة. وقامت المحاكم العسكرية بمحاكمات قاسية كما وقع على الأستاذ مجدي أحمد حسين .
منذ نهاية الثمانينيات تغيرت الجغرافية السياسية كثيرا ، بتفكك الإتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية وانهيار جدار برلين، ولكن كل هذا التحول لم يؤثر على سياسات دول المنطقة إلا بزيادة الهرولة وراء أمريكا.
ولعل يمكن تشبيه انتحار بوعزيزي بالصاعق الكهربائي ، ولكن الصاعق الكهربائي إن جاء أو وقع في خلاء أو يباب لايتولد منه حراك أو تغيير ، ولكن أن صادف منطقة مهيئة فإنه يفعل العجب العجاب سلباً وإيجاباً، لأنه يغير حياة الناس والمجتمعات نتيجة للتغيير الكبير الواقع على البيئة والمنطقة، والشخوص ، والموجودات الأخرى، ولكن إن كان إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه هي اللحظة المحورية ، فإنه يمكن تحليل اللحظة المحورية في الثورة المصرية التي استلهمت جزئياً دروس الثورة التونسية ، يمكن إيجاز مكونات تلك اللحظة في ثلاثة أو اربعة أحداث أهمها وأشهرها إضرابات عمال المحلية في 6 أبريل 2008، والذي انبثقت منه المجموعة الشبابية المتواصلة بالشبكة العنكبوتية تحت مسمى " أحياء ذكرى اضراب المحلة الكبرى "والذي تبنته مجموعة 6 أبريل الأمر الثاني التزوير المتكرر لانتخابات الوسط الطلابي في الجامعات ضد الجماعات الإسلامية أساساً، كذلك تزوير انتخابات الإتحادات والنقابات ، ثالثاً مجموعة وائل غنيم ، وتنظيم خالد سعيد للتذكير بقضية الشباب الذي إغتالته الشرطة في الإسكندرية في 6 يونيو 2010م ، وجاء ذلك في ظروف حركت فيه حركة كفاية الضمير المصري ، لأن حركة كفاية ظلت تعمل منذ العام 2000م ، بجسارة وشجاعة ضد ملف التوريث وضد مطلق التبعية لإسرائيل وأمريكا ، وحينما أنهكت لم تجد إلا الدكتور عبدالوهاب المسيري المريض بالسرطان كرئيس لها ، والمعروف برؤيته المصيرية عن اسرائيل ، ثم جاءت اللحظة الكبرى التي ربطت بين هذه الأحداث عندما تم طبخ إنتخابات مجلس الشورى ، وتزوير إنتخابات مجلس الشعب في ديسمبر 2010م ، مما وضع كافة القوى السياسية في مجابهة مع النظام المصري ، حيث أصبح الإخوان المسلمون وأحزاب المعارضة وأيمن نور ، والنخب المصرية وحزب الوسط والناصريين في خط مجابهة ومفاصلة .
وحينها كانت الامور بدأت تنضج داخل المؤسسة العسكرية المصرية التي كانت ضد التوريث ، لأن التوريث أولا يعني تصفية ثورة يوليو 1952م التي قامت بها المؤسسة العسكرية ضد الملكية ، كما أن ذلك يعني خروج قيادة السلطة من يد العسكريين والأمنيين إلى مدني لا يعرف العسكرية وبدون تاريخ ، وبطانته مشكلة اساساً من رجال أعمال وأصحاب السمعة السيئة في مجال المال ، وأن أحد المقربين من جمال ومبارك وأقرب شركائه ، كان أحد المتورطين في اغتيال راقصة لبنانية في دولة الإمارات العربية ، ثم جاء حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية وموت العشرات في يناير 2011م ليشتد التوتر الطائفي، وتشتد حركة الاشاعات ، ثم جدد تعذيب البوليس السياسي السلفي حتى الموت في قضية خالد سعيد.
وفي إطار هذه التداعيات جاء هروب زين العابدين بن علي إلى السعودية في 14 يناير 2011م ، وتدافع الدول الغربية والنظام الدولي للتكفير عن مساندتها لزين العابدين بن علي بالمزايدة بالكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وحق الشباب الاجتماعي والسياسي عبر الفيس بوك وغيره، وفي هذا الإطار تحركت فضائية الجزيرة ، التي يديرها شباب يتوق للحرية ويحس بالظلم والحرمان ، لأن جل كوادر فضائية الجزيرة القادمة من فلسطين ومصر والسودان وتونس تعرف الحرمان ، وتعرف ماذا يعني الإستبداد وتعرف دلالات حرق النفس والإضطهاد والتزوير والفساد ، وظلت الجزيرة تلهب المشاعر ، وتستعين في ذلك برموز مثل دكتور القرضاوي ، الذي ليتقي شر بلده ، إتخذ جنسية أخرى، وكالشيخ راشد الغنوشي الذي دفع دفعا لإلتماس جواز سفر انجليزي وعباس مدني المنفي إلى قطر ، وأنور هدام المنفي إلى أمريكا ، علماً بأنهم قادوا أكبر حركة تغيير سياسي بالجزائر مكنتهم من الإنتصار في الإنتخابات التي تم اجهاضها في عام 1991م ، بتواطؤ دولي ومحلي .
وامتدت الشرارة من مصر إلى اليمن مع أن الرئيس علي عبدالله صالح قدم خدمات جليلة لبلده ممثلة في الوحدة بين شطري البلد ، وكتابة الدستور لأول مرة في تاريخ اليمن ، وقيام دولة ذات مشروعية انتخابية لم تعرفها اليمن حتى وإن كانت شكلية، لكن ذلك وظفته السلطة إلى شخصنة الدولة في الرئيس وابنه مع استبداد الفساد، وكل مال الدولة ، في مجتمع قبلي ، ومنقسم كذلك على أسس طائفية ( زيدية + شافعية)، وإنفصاليين ووحدويين وتيارات إسلامية متنوعة من الأخوان المسلمين وحتى القاعدة.
أما ليبيا فلها حديثها الخاص ، ولها خصوصيتها لأنها البلد الغني ، ولكن وحدة الشعب الليبي المحروم من هذا الغني والثراء وهو ثمرة عائدات البترول ، كان جلها يذهب إلى شراء السلاح ودعم ما يسمى بالحركات الثورية في كل أنحاء العالم ، بطريقة لا تتماشى مع مزاج الشعب الليبي في طبيعته البدوية ، ومع ذلك فإن الرئيس القذافي هو صاحب مشروع الجمهورية في ليبيا وهو الذي حرر ليبيا من القواعد العسكرية الغربية كقاعدة جيبوسيس الأمريكية والبريطانية وغيرها، كما أنه وسع التعليم ، واعطى النخب المواكبة فرص كبيرة ، بينما حرم الآخرين وإستخدم قوة وثروات الدولة في إقامة دولة بوليسية اعتمادها على البطش والإستبداد والغاء المواطن الليبي الآخر، مما دفع النخب الليبية لإلتماس الخلاص أين ما وجد نصير ، فكانت محاولات أغتيال القذافي وقيام جبهة الخلاص الليبي ، التي اعتمد أساسها على الخارج، وشنت حملتها الاولى من دارفور السودانية مستفيدة من ظروف الصراع بين الرئيس النميري والقذافي ، وظلت من وقتها المعارضة الليبية مشتتة في الارض ومطاردة ، ويتم اقتناص افرادها فردا فرد. هنا وهناك إلى أن قيض الله لهم الفرج بتحولات الداخل الليبي، والذي هو ثمرة لكفاح مرير بدأه عاشور وزملاءه ومقيرف وإخوانه ، حتى انتهى الامر إلى ما إنتهى إليه في المنطقة الشرقية.
أما حديث البحرين فذلك حديث طويل بدأ مع بروز الجمهورية الإسلامية في ايران وبروز علماء دين موصولون بالمجتمع البحريني كتقي الدين المدرسي والهادي المدرسي ، ثم بحزب الله في إيران مع ازدياد حركة النخب والكيانات الشيعية التي أصبحت ترنو للسلطة والثروة والمواطنة الكاملة ، واستفادت من التعاطف الغربي الحامل بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أن انتهت إلى ما انتهت إليه ..
التفاعلات الشعبية الهائلة والملتقطة بالفضائيات والهوائيات وعن طريق أدوات التواصل الاجتماعي والسياسي ، احدثت عقلا جديدا ، عقلا جمعيا ، يقوم بدور كبير في الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي ، وهذا العقل أصبح قادر ومهيأ لنصرة المظلوم ، لأن الأنين المكتوم يتحول إلى استغاثة داوية تتداولها أجهزة الإعلام وتملكها المؤسسات النجدة والمروءة العالمية ، كما أن حضور المظلمة وتسليط الضوء عليها ، يكشف عورات الظالمين ويحرجهم ، ومشاع الظلم والقهر والبطش إلا بالسكوت عنه واخفائه ، وإلا فإن الظلمة الطغاة يخافون من الضوء ولايحبون أن يظهروا إلا بمظهر حسن ، لذا لن يملكوا من الجرأة أو الطاقة لتحدي آليات التواصل الاجتماعي والسياسي التي تبث الرعب في قلوبهم بجعل صدر البطش حاضرة في الشاشة ، وتدخل الصورة المعبرة إلى الناس في بيوتهم وغرف نومهم وتشكل أحاسيسهم ومزاجهم وتتقلب اتجاهاتهم وتحركهم في اتجاه المساهمة في جعل العالم مكانا أفضل يوما بعد يوم.
تتلاشى يوميا مع أزدياد حركة التواصل إمكانية بقاء قبضة الدولة الباطشة في المنطقة العربية ، ولكن مع ذلك فإن اسرائيل تظل حاضرة في المجتمعات العربية ، لأن معركتها معركة وجود حتى وإن رفضها عقل المنطقة ولفظها رحم المنطقة ، وستنقل إسرائيل معركتها إلى قلب النظام العربي تحت التشكل وستستخدم ذات أدوات التواصل الاجتماعي والسياسي في استدعاء أدوات النصرة التقليدية والمحلية والدولية ، فالعلم يتجه إلى أن يصبح قرية ، تسمع فيها استغاثة اللهفان والمظلوم والمستجير .
واسرائيل الحاضرة والمتركزة في عالم الفضائيات والاعلام ستدير معركتها بذكاء كبير ، حتى تجيّر العالم ضد المقاومة الفلسطينية والصحوة الإسلامية وكل ما ليس مع إسرائيل، وإسرائيل تحسب وتفهم انها إن لم تنتصر في معركتها الداخلية مع الثورة العربية فإنها ستضطر إلى الدخول في حرب جديدة ضد المنطقة وربما متتالية مع الحروب بصورة أصعب من حرب اكتوبر 1973م.
لن يترك العرب لوحدهم لتشكيل اقدارهم ومصيرهم الآني والبعيد، لأن هذه المنطقة فيها اسرائيل وفيها البترول وفيها حركة التجارة العالمية والتواصل الثقافي والحضاري وإن نهضت هذه المنطقة فإنها ستقود الإنسانية من جديد ، لأنها مبعث التحولات الكبرى ، فكل الأديان ظهرت وأشرقت من هنا ومن هنا جاءت التوراة والأنجيل والقرآن ومن هنا ظهرت الديانات وهنا توجد خزانات الطاقة الروحية الكبرى ولحكمة ما اصبحت كذلك المنطقة تختزن حتى خزانات الطاقة المادية الكبري -وهذه المنطقة موعودة وعلى موعد مع القدر والتشكلات الجارية مجرد خطوات تنظيم في الإنتقال إلى المسارات الكبرى التي تشكل التاريخ .
والله أعلم
نقلا عن صحيفة الراي العام بتاريخ :29/3/2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.