شهد يوم 30 يونيوعام 1989 انقلابا عسكريا بقيادة الرئيس السوداني عمر البشير، وبمساعدة الدكتور حسن الترابي، وتم فرض النظام الإسلامي وإعلان الهوية الإسلامية للسودان مما ترتب عليه تغييرات جذرية في الموقف الاستراتيجي السوداني ومنذئذ والولاياتالمتحدة لم يهدأ لها بال وهي تحاول بشتى الطرق، إقحام نفسها في القضايا الداخلية للسودان؛ حيث أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً تأسف فيه للإطاحة بحكومة منتخبة انتخاباً ديمقراطياً في إشارة إلى حكومة الصادق المهدي. وخلال شهري أغسطس وديسمبر من العام 1989 أجريت مباحثات في كل من أديس أبابا ونيروبي بهدف وضع حدّ للحرب الأهلية والصراعات في السودان تحت رعاية أمريكية في عهد الرئيس "كارتر"، ولكن هذه المباحثات باءت بالفشل بسبب تمسك الخرطوم بتطبيق الشريعة. ويرى أشرف راضي (السياسة الدولية ع 128–أبريل 1997) أن التوتر في العلاقات السودانية الأمريكية ازداد كثيراً بعد اللقاء الذي تم بين الرئيس البشير وهريمان كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الخارجية، وفي8 مارس1990 أوقفت الحكومة الأمريكية المساعدات العسكرية والاقتصادية للسودان وذلك تنفيذاً للقرار الذي ينص على عدم تقديم مساعدات للنظم العسكرية التي وصلت إلى الحكم من خلال الانقلابات، ما لم تبد استعدادها لإعادة النظام الديمقراطي خلال ثمانية أشهر. ثم جاءت حرب الخليج وضاعت معها آخر فرصة للتقارب بين الخرطوموواشنطن حيث أعلن النظام الجديد في السودان انحيازه الواضح للرئيس العراقي السابق صدام حسين، وفي منتصف فبراير 1991 أغلقت الولاياتالمتحدة سفارتها في الخرطوم، وبررت هذه الخطوة بالخوف من تعرضها لهجوم إرهابي بسبب حرب الخليج، ثم يأتي العام 1993 وتضع الولاياتالمتحدة، السودان على رأس قائمة الدول التي تنتهك فيها حقوق الإنسان وأدارت الولاياتالمتحدة هذه القضية من خلال منظمة الأممالمتحدة والمنظمات غير الحكومية، والكنيسة، ورغم محاولة السودان تطبيق إستراتيجية مضادة للحملة على انتهاكات حقوق الإنسان والتي تنظمها الولاياتالمتحدة وأوروبا والأممالمتحدة، إلا أنه لم يفلُح في منع مفوضية حقوق الإنسان في الأممالمتحدة من اتخاذ قرار في 10 مارس 1993 بتعيين مراقب لحقوق الإنسان في السودان وظل السودان موضع انتقاد للجلسات التي تناقش فيها انتهاكات حقوق الإنسان في المفوضية. ومنذ شهر أغسطس 1993 تضع الولاياتالمتحدة السودان على رأس قائمتها السوداء للدول التي ترعى الإرهاب، وبالتالي فهو غير مؤهل للحصول على مساعدات إنسانية أمريكية. وفي الأول من يوليو عام 1999 في ظل إدارة الرئيس كلينتون أصدر الكونجرس الأمريكي قراراً يدين فيه الحكومة السودانية، بل إنه دعا مجلس الأمن لإدانة ما أسماه بغارات اصطياد العبيد وبفرض حظر جوي كامل على جنوب السودان. وقد طالب الكونجرس إدارة الرئيس كلينتون بدعم التنظيمات التي تعمل خارج نطاق الأممالمتحدة من أجل التنسيق في مجهودات الإغاثة ودعم الديمقراطية والإدارة المدنية والبنية الأساسية في المناطق السودانية التي تخضع لسيطرة المعارضة. ويرى د. حمدي عبد الرحمن حسن (السياسة الدولية-ع147- يناير 2002) أن الهدف من هذه الضغوط الأمريكية هو تدويل المسألة السودانية، مما أثار المخاوف من جانب النظام السوداني من محاولة تطبيق النموذج الدولي في أزمة كوسوفا على الوضع في السودان في الوقت الذي خضعت فيه إدارة الرئيس بوش لضغوط من بعض قادة الكونجرس المعنيين بالشأن السوداني والذين يخضعون لنفوذ بعض المنظمات الكنسية الإنجيليكية وإرسالياتها التبشيرية، حيث يتم تصوير الوضع في السودان بعيداً عن حقائق الواقع على أنه صراع أيديولوجي له طابع ديني بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي. ويعتبر اتفاق "مشاكوس" (20يوليو2002)هو أحدث الصور التي تبرهن على التدخل الأمريكي السافر في الشؤون السودانية؛ حيث نص على عدة نقاط بالغة الأهمية بالنسبة للجنوب، لعل من أبرزها عدم تطبيق الشريعة الإسلامية والنص على حق تقرير المصير لهؤلاء بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، وتضمن الاتفاق بعد الأطروحات من جانب حركة "قرنق" في أن يتم التناوب بين قرنق والبشير على حكم البلاد خلال الفترة الانتقالية بحيث يتولى قرنق الحكم في الفترة الأولى ومدتها ثلاث سنوات ثم البشير بعد ذلك. وعندما لاقت الفكرة اعتراضاً من الحكومة السودانية تم اقتراح فكرة الرئيس ونائب الرئيس بحيث يتولى قرنق منصب نائب الرئيس على أن يكون له الحق في الاعتراض على القرارات الرئاسية الخاصة بالجنوب، وبالطبع تولى الحكم في حالة غياب الرئيس أو وفاته، ولكن تم العدول عن هذا الاقتراح أيضاً بعد اعتراض الحكومة. وتم الاتفاق على أن يتولى قرنق منصب نائب الرئيس وفي حالة غياب الرئيس يتم اختيار رئيس من خلال المؤتمر الوطني الحاكم، ورغم أن هذا الاقتراح لا يتماشى مع طموحات قرنق إلا أنه يعدّ مكسباً كبيراً إذ صار لا ينظر إليه على أنه قائد تمرد أو أنه يمثل الجنوبيين فقط، بل صار جزءاً هاماً في الكيان السوداني. ورغم هذه السياسة الجارحة من قبل الإدارة الأمريكية تجاه النظام السوداني إلا أن الواضح أن واشنطن تسعى نحو تحسين علاقاتها مع السودان بعد سنوات من التوتر، حيث اتضح أن السلطات السودانية ساعدت المحققين الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر، بل إن التعاون الأمني بين البلدين قد بدأ منذ أكثر من عامين تقريباً حيث إن السودان يمثل هدفاً استخباراتياً مهماً للولايات المتحدة؛ لأن أسامة بن لادن قد عاش فيه خلال الفترة من 1991 و1996، وتفيد بعض المصادر أن السلطات السودانية قامت بتسليم الفرق الأمنية الأمريكية مجموعة كبيرة من الوثائق والخرائط عن أسامة بن لادن وعن تنظيم القاعدة الذي أسسه في بداية التسعينيات. بالإضافة لما سبق يرى "بدر حسن شافعي" (السياسة الدولية –ع153-يوليو2003) أن اهتمام الإدارة الأمريكية بالسودان يرجع لأسباب أخرى أهمها: النفط، حيث تؤكد الإدارة الأمريكية أن لها حقاً في بترول السودان على خلفية أن أول شركة اكتشفته كانت شركة أمريكية، ثم عندما دبّ الخلاف بين واشنطنوالخرطوم بسبب توجهات النظام الإسلامية قام الأخير بإعطاء حق التنقيب لشركات أخرى منافسة ماليزية– صينية مما سبب إزعاجاً لواشنطن وهي ترغب في الحصول على مزايا اقتصادية لشركاتها خاصة أن السودان تعدّ من الدول البكر في مجال الإنتاج النفطي ولديها احتياطات لا بأس بها، وإن كان هناك اتجاه آخر يقلل من احتمال التدخل لأسباب نفطية بعد الإطاحة بنظام صدام حسين؛ حيث سيتم توجيه الشركات الأمريكية العاملة في مجال النفط صوب العراق. ورقة الرق وحقوق الإنسان وهي ورقة ضغط هامة في أيدي الحكومة الأمريكية ضد أي دولة خارجة عن القانون الأمريكي، وقد وضع السودان ضمن قائمة الدول التي يتصدرها التقرير السنوي للخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان على مستوى العالم؛ وكان آخرها التقرير الذي صدر أوائل أبريل من العام الحالي، حيث اتهم الخرطوم بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. العامل الاقتصادي، حيث تشكل السودان مورداً هاماً للموارد الطبيعية – بخلاف البترول- حيث تزخر الأراضي السودانية بالخامات المعدنية (النحاس، الذهب، الخامات المشعة)، هذا فضلاً عن الأراضي الزراعية الخصبة والمترامية الأطراف والتي جعلت خبراء الزراعة يطلقون على السودان اسم "سلة غلال الدول العربية"، فوجود الأراضي الزراعية وما يترتب عليه من المنتجات الغذائية الوفيرة يمكن أن يشكل عاملاً هاماً في الصراع العالمي القادم الذي يصفه البعض بأنه سيكون صراعاً على الطعام. مياه النيل، وهي مرتبطة بالنقطة السابقة، حيث إن أي حرب قادمة قد تكون بسبب مصادر المياه. * ( كاتب وأكاديمي مصري) المصدر: الشرق القطرية 14/8/2012م