لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بالأرقام.. عدد الخبراء العسكريين الإسرائيليين فى إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا وزائير وكينيا
نشر في سودان سفاري يوم 11 - 11 - 2014

تنبع أهمية الكتاب من أن مؤلفه الدكتور آريه عوديد يعد من أبرز الدبلوماسيين الإسرائيليين الذين جابوا الكثير من الدول الأفريقية، وكان مشاركا أو مطلعا على عملية نسج العلاقات الإسرائيلية فى القارة السمراء. فقد بدأ عوديد عمله الدبلوماسى فى أوغندا عام 1961، وفى السبعينيات كان مسؤولا عن المصالح الإسرائيلية فى كينيا. كما كان مندوب إسرائيل فى مركز الأمم المتحدة لشؤون البيئة فى العاصمة الكينية نيروبى. عمل فى التسعينيات سفيرا فى سوازيلاند وكينيا، ثم سفيرا غير مقيم فى لاسوتو وزامبيا وموريشيوس وجزر سيشيل. وعمل محاضرا للدراسات الأفريقية فى الجامعة العبرية بالقدس. ونشر العديد من الكتب والمقالات عن العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، والإسلام واليهودية فى أفريقيا، وكذلك عن اللغة السواحلية.
ولسوف يكتشف القارئ وهو يقلب الصفحة تلو الأخرى أن أزمة مصر مع دول حوض النيل، هى فى الواقع فصل جديد من فصول الصراع بين مصر وإسرائيل. فهذا الكتاب الذى يسرد تاريخ العلاقات السرية والعلنية بين إسرائيل وأفريقيا عموما، يبين لنا أن دول حوض النيل الأكثر تشددا فى أزمة حصة مصر من مياه النيل، هى الأكثر توطيدا لعلاقاتها مع إسرائيل، وعلى رأسها إثيوبيا وكينيا وأوغندا.
وقد ظلت إسرائيل تطمح فى الحصول على مياه النيل منذ عام 1949 أى بعد أقل من عام على إعلان الدولة، حيث قدمت العديد من الخطط والمشروعات لإيصال مياه النيل إلى صحراء النقب بفلسطين المحتلة. وحين فشلت فى تمرير أطماعها تحت لافتات السلام تارة، وتحت لافتة الاقتصاد والسعى إلى تحويل المياه إلى سلعة تباع وتشترى كالنفط فى الأسواق العالمية، كانت إسرائيل تحث خطاها عبر تعميق أنيابها فى دول حوض النيل، عبر سياسة «التطويق» أو الحصار لدولتى المصب لنهر النيل، وهما مصر والسودان. وبينما تبدو السودان مستسلمة لما يحاك لها من مخططات، تجلت فى انفصال جنوب السودان (بدعم إسرائيلى علنى)، واستمرار القلاقل الداخلية، والتهديدات بانفصال دارفور، بات الدور على مصر، التى يراد لها أن تركع خاضعة للطموحات الاستعمارية فى المنطقة، وعلى رأسها المطامع الإسرائيلية فيما يتعلق بالسطو على مياه النيل أو فرض سيطرتها على الشرق الأوسط.
وبينما يقول مؤلف الكتاب إن إسرائيل ساندت حركات التحرر الأفريقى مبكرا، سوف ندرك أن ما حدث هو قيام إسرائيل بتشجيع جيل جديد من القادة الجدد الذى ينتمون إلى الأقليات فى بلدانهم ويرتبطون مع الولايات المتحدة- وبالطبع إسرائيل بعلاقات وثيقة، ومن هؤلاء ميليس زيناوى فى إثيوبيا، أسياسى أفورقى فى إريتريا، وجون جارانج فى جنوب السودان، ويورى موسيفينى فى أوغندا.
وقد عمدت إسرائيل إلى محاصرة الأمن القومى العربى، لاسيما فى امتداده المصرى والسودانى وفق استراتيجية «حلف المحيط»، أى إقامة تحالفات مع الدول والجماعات العرقية المعادية للعرب، والاستفادة من تواجدها فى المنطقة للتلويح بورقة المياه فى مواجهة السياسة المصرية.
واستغلت إسرائيل الصراعات الإثنية فى حوض النيل لتحقيق سياساتها فى هذا المجال الحيوى، ولذلك ركز الإسرائيليون على دعم حركات التمرد والحركات الانفصالية بهدف «تحفيز» الصراعات فى تلك المنطقة ويتضح ذلك بالوجود المباشر لإسرائيل فى دول حوض النيل.
فقد وقعت إسرائيل اتفاقية أمنية عسكرية مع إريتريا، فى فبراير 1996، ولم تكن هذه أول اتفاقية بين الجانبين، وقد تعززت العلاقات بين إسرائيل وإريتريا خلال عامى 2001، 2002، حيث قامت إريتريا بالتوسع فى منح تسهيلات لإسرائيل كى تعزز وجودها فى المداخل الجنوبية للبحر الأحمر، وخاصة الجزر المنتشرة فى هذه المداخل، وهو ما يعنى تواجدا عسكريا إسرائيليا عند مضيق باب المندب، وهو ما يجعلنا نتساءل حول الدور الإسرائيلى فيما يجرى باليمن.
ومن خلال صفحات الكتاب أيضا، والحديث عن الاتفاقيات وصفقات الأسلحة، ندرك أن إسرائيل لعبت دورًا فعالاً فى الصراع الذى شهدته منطقة البحيرات العظمى خلال عام 1994 سواء فى رواندا وبوروندى أو الكونغو الديمقراطية، حيث كانت الأسلحة الإسرائيلية تصل إلى تلك الدول من إسرائيل عبر قنوات رسمية وغير رسمية، فضلاً عن الاستشاريين العسكريين حيث تستضيف الكونغو وحدها أكثر من 150 مستشارا عسكريا إسرائيليا.
وعلى الصعيد الاقتصادى فى دول حوض النيل، برز التواجد الإسرائيلى على مستوى الزراعة والعمالة والتبادل التجارى والفنى، وأعطت إسرائيل قطاع الزراعة اهتمامًا يفوق اهتمامها بالقطاعات الأخرى نظرا لارتباطها بكل أفكار ومشروعات استغلال مياه النيل، على حساب حصة مصر، ولكونه النشاط الأساسى لمعظم السكان فى حوض النيل. وتشارك إسرائيل فى مشروعات زراعية تقوم على استغلال المياه فى بحيرة فيكتوريا، فضلا عن مشروعات إثيوبية حول منابع النيل فى مجالات الزراعة والكهرباء.
وكثيرة هى الكتابات التى أشارت إلى أن إسرائيل- من خلال مكتبها الاستخباراتى فى نيروبى وتعاونها مع كينيا فى مختلف المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية- كانت هى المحرض الرئيسى فى قضية توتر العلاقات المائية بين مصر وكينيا فى أواخر عام 2003 على إثر قيام الأخيرة بالإعلان عن انسحابها من معاهدة حوض النيل التى أبرمت عام 1929.
ولا يجوز أن ننظر بعين الصدفة إلى أن أوغندا، التى تحتفظ بعلاقات وطيدة مع إسرائيل أيضا، أعلنت هى الأخرى موقفا مشابها للموقف الكينى، حيث قالت أوغندا: «إنه يجب التفاوض بين دول حوض النيل لمراجعة القضايا الخلافية والتوصل إلى حل يرضى جميع الأطراف، وفى حالة عدم التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض، فإن بلادها سوف تتخذ نفس الموقف الذى اتخذته كينيا».
وقد كشف المحلل السياسى الأمريكى مايكل كيلو، مؤلف كتاب «حروب مصادر الثروة»، أن إسرائيل لعبت دورًا كبيرًا مع دول حوض النيل لنقض المعاهدات الدولية التى تنظم توزيع المياه فى حوض النيل. وأوضح أن الدور الإسرائيلى يأتى فى سياق مخطط أمريكى لانتزاع النفوذ فى تلك الدول من أوروبا عمومًا، وفرنسا على وجه الخصوص، ولذلك فإن الإدارة الأمريكية توفر لإسرائيل كل سبل التأثير على دول مثل «إثيوبيا وكينيا ورواندا وأوغندا والكونغو».
ورغم أن الدبلوماسى الإسرائيلى آريه عوديد يقسم العلاقات الإسرائيلية الأفريقية إلى 3 مراحل: شهر العسل، والقطيعة، وعودة إسرائيل إلى أفريقيا، إلا أنه يعترف أن إسرائيل ظلت تعمل بكامل حريتها فى الدول الأفريقية حتى خلال مرحلة قطع العلاقات، التى اضطرت إليها دول حوض النيل تحت وطأة الضغوط التى تعرضت لها من الدول العربية تحت لافتة منظمة الوحدة الأفريقية.
ويعترف عوديد بأن إسرائيل واصلت تقديم المساعدات العسكرية والأمنية للدول الأفريقية، ومن بينها دول حوض النيل، مشيرا إلى أن وصول الخبراء العسكريين الإسرائيليين إلى القيادات فى الحكومات الأفريقية كان أسهل من السفراء فى بعض الأحوال.
ويشير على سبيل المثال إلى أن العلاقات الطيبة مع إثيوبيا، التى سيطرت على إريتريا فى الستينيات، كانت مهمة لتأمين الطريق الملاحى للشرق الأقصى وجنوب أفريقيا. كما كان لموانئ مومباسا فى كينيا ودار السلام فى تنزانيا أهمية كبيرة كمحطات فى الطريق الملاحى للشرق الأقصى وجنوب أفريقيا. ويؤكد عوديد مجددا «الأهمية الأمنية للوجود الإسرائيلى فى إثيوبيا وأوغندا وكينيا، التى تقع على حدود الدول العربية».
وقد يندهش البعض حين يعلم أن علاقات إسرائيل مع كينيا على سبيل المثال بدأت قبل استقلالها عن بريطانيا. فيكشف عوديد أن رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير التقت عام 1962، جومو كينياتا، الذى أصبح رئيس كينيا بعد الاستقلال، وكان صديقا قويا لإسرائيل. بل وصلت درجة العلاقات إلى أن كينياتا شارك فى وضع حجر الأساس لمبنى السفارة الإسرائيلية فى نيروبى يوم 11 ديسمبر 1963، بحضور وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك جولدا مائير، وقبل يوم واحد من إعلان استقلال كينيا فى 12 ديسمبر 1963.
ويقول عوديد إنه تم إرساله إلى أوغندا فى عام 1961، قبل عام من استقلالها، وبينما يمكن تفهم طبيعة النشاط الاستخباراتى الذى كان يقوم به هناك، يسوق عوديد حجة ساذجة لطبيعة مهمته هناك حين يقول إنه ذهب إلى هناك فى منحة دراسية إلى جامعة ماكريرى التى أنشأها البريطانيون فى كامبالا عام 1922، وكانت الجامعة الوحيدة فى شرق أفريقيا. وكأن جامعات العالم كلها لم تكن توفر الوجبة العلمية لهذا الإسرائيلى، فراح يبحث عنها فى شرق أفريقيا.
ويشير أيضا إلى أنه قد درس فى هذه الجامعة الكثير من الزعماء الأفارقة، الذين شغلوا مناصب قيادية فى أنظمة الحكم بعد حصول بلدانهم على الاستقلال، مثل بنجامين مكابا، رئيس تنزانيا فى الفترة من 1995 إلى 2005. ويعترف الدبلوماسى الإسرائيلى قائلا: «لقد عملت فى كمبالا، بالإضافة إلى الموضوعات البحثية، على إقامة علاقات أولية مع شخصيات عامة، واهتممت بإرسال الدارسين للدراسة فى إسرائيل، وبتنظيم زيارات شخصيات عامة إلى إسرائيل.. ومن هذه الشخصيات يوسف لولى، الذى انتخب بعد إسقاط الديكتاتور عيدى أمين عام 1979 رئيسا لأوغندا، التى حصلت على استقلالها فى 2 أكتوبر 1962، وكانت إسرائيل من أوائل الدول التى أقامت سفارة بها».
ويقول عوديد إن سفارة إسرائيل فى دار السلام كان لها اتصال بزعماء حركات التحرر فى عدة دول أفريقية، ممن وجدوا لهم ملجأ فى تنزانيا وتدربوا فيها، بل ويعترف بتقديم مساعدات مالية لهم. ويمكن ببساطة تصور طبيعة النشاط الواسع الذى كان يجريه الموساد فى تلك الدول.
ويؤكد عوديد أيضا أن الجيش الإسرائيلى لعب دورا عسكريا وأمنيا من خلال السفارات الإسرائيلية فى العديد من الدول الأفريقية، ومن بينها إثيوبيا وأوغندا والكونغو (التى كانت تسمى زائير). ويوضح أنه فى عام 1966 بلغ عدد الخبراء العسكريين الإسرائيليين 29 فى إثيوبيا، و29 فى أوغندا، و15 فى تنزانيا، و10 فى زائير، و6 فى كينيا.
ويقول الدبلوماسى الإسرائيلى إن النشاط العسكرى الإسرائيلى والمتنوع فى أوغندا انتشر فى الستينيات وبداية السبعينيات، بدعوى مساعدة الرئيس الأوغندى أوبوتى فى مواجهة أعدائه بالسودان والكونغو بعد أن طلب خلال زيارته الأولى لإسرائيل عام 1962 مساعدته فى تنظيم جيشه. ويشير إلى أن إسرائيل وافقت على طلبه فورا لأن أوغندا تقع جنوبى مصر والسودان، عدوتى إسرائيل، فضلا عن قربها من جنوب السودان «الذى كانت إسرائيل مهتمة بإقامة كيان غير عربى فيه»، فى إشارة واضحة إلى الدعم الإسرائيلى الواسع لانفصال جنوب السودان عن السودان». ويضيف بكل صراحة سر تركيز إسرائيل على التعاون العسكرى مع أوغندا فيقول: «إن منابع النيل الأبيض، الذى يخرج من بحيرة فيكتوريا، ويمر عبر السودان ومصر موجود فى أوغندا».
ويبين عوديد أن الجيش الإسرائيلى درب كل وحدات الجيش الأوغندى تقريبا، سلاح المشاة والمظلات والمدرعات والقوات الجوية، بل والشرطة أيضا، على يد عشرات الضباط الإسرائيليين، فضلا عن عقد الدورات التدريبية للعسكريين الأوغنديين فى إسرائيل. ويشير إلى أن من بين الضباط الذين شاركوا فى دورة سلاح المظلات بإسرائيل كان عيدى أمين الذى أصبح فيما بعد رئيس أوغندا.
ويكشف عوديد أن إسرائيل قدمت لأوغندا 6 دبابات من طراز «شيرمان»، وكانت الدبابة الأولى فى هذه الدولة. وأسست إسرائيل فى أوغندا مدرسة للمظلات وجهزتها بالتجهيزات المطلوبة، كما أنشأت ودربت سلاح الجو الأوغندى. وقدمت لها إسرائيل 4 طائرات تدريب خفيفة من طراز «بوخانا». وفى 1964 أنشأت إسرائيل فى أوغندا مدرسة للطيران، وباعت لها 12 طائرة نفاثة من طراز «بوجا»، وعددا من الطائرات الهجومية التى كانت نواة لسلاح الجو الأوغندى. كما قامت إسرائيل بتدريب أوائل الطيارين الأوغنديين، حيث تدرب فى إسرائيل حتى عام 1972، 30 طيارا وعشرات الفنيين الأوغنديين. فيما بلغ عدد الخبراء العسكريين الإسرائيليين فى أوغندا 60 خبيرا عشية قطع العلاقات «الرسمية» فى 30 مارس 1972.
ويقول عوديد: «كان النشاط العسكرى مرتبطا بالمشتريات العسكرية المتنوعة من إسرائيل بعشرات الملايين من الدولارات، وسمح لجزء منها بالنشر، فبالإضافة إلى الطائرات والمروحيات باعت إسرائيل لأوغندا- لاستخدام عيدى أمين الشخصى- طائرة «جيت كومودور» بقيمة 900 ألف دولار. وباعت شركة الصناعات العسكرية (الإسرائيلية) دبابات ومركبات. كما التزمت شركة «كور تاعسيوت» (الإسرائيلية) ببناء ورشة للجيش الأوغندى بتكلفة 7 ملايين دولار.
ومع استئناف العلاقات الرسمية بين أوغندا وإسرائيل فى 26 يوليو 1994، لعب مركز التعاون الدولى التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية دورا كبيرا فى توطيد العلاقات بمختلف المجالات.
ويشير الكتاب إلى أن الكثير من الشركات الإسرائيلية، العامة والخاصة، تعمل فى أوغندا، ومنها: شركة سوليل بونيه، وشركة تاهل، وشركة «بلطون» التجارية المرتبطة بشركة «كور سحر»، وشركة «مرتون» التى تمثل عشرات الشركات الإسرائيلية فى أوغندا. وتعمل هذه الشركات فى إنشاء مزارع الزهور، ورصف الطرق، والبناء والتشييد، وتطوير البنية الأساسية لشبكة المياه. وفى عام 2001 فازت شركة «سوليل بونيه» بمناقصة لرصف طريق بطول 70 كم بتكلفة 24 مليون دولار، قدمها البنك الدولى. وبعدها فازت الشركة بمناقصات أخرى كثيرة.
وكان من الطبيعى أن تحصد إسرائيل ثمار هذا الدعم والعلاقات الوطيدة مع أوغندا، فى الأمم المتحدة على سبيل المثال، فقد أصبحت أوغندا من الدول الأفريقية القليلة التى تمتنع عن التصويت فى القضايا المرتبطة بالصراع الشرق أوسطى. أما فيما يخص مؤتمر الأمم المتحدة المعارض للعنصرية، الذى عقد فى دربن (جنوب أفريقيا) فى شهر سبتمبر 2001، كان الرئيس الأوغندى موسيفينى من بين القلائل الذين انتقدوا فى كلمتهم التركيز على النزاع العربى الإسرائيلى، وأشار إلى أن هناك عنصرية أفظع موجودة فى السودان، حيث يقتل مئات الآلاف من الأفارقة على يد الجيش السودانى.
وفى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2003 عارضت أوغندا مشروع قرار مؤيدا للعرب حول القدس، وامتنعت عن التصويت على مطلب بعرض موضوع الجدار الأمنى العازل لإسرائيل فى الأراضى الفلسطينية، على المحكمة الدولية فى هاج. وفى مناسبات مختلفة أعرب موسيفينى عن معارضة المقاومة الفلسطينية، واصفا إياها بالإرهاب وعمل بشدة كبيرة ضد المتشددين الإسلاميين فى بلاده. كما كانت أوغندا من بين الدول الأفريقية القليلة التى أيدت الغزو الأمريكى للعراق.
وفى 1997 وقَّعت أوغندا عقدا مع شركة «الصناعات الجوية الإسرائيلية» بقيمة 25 مليون دولار، لتطوير طائرات الميج 21، كما وقَّعت بعدها اتفاقيات أخرى بعشرات الملايين من الدولارات مع شركة «سيلفر شَدو»، المبعوثة للصناعة الجوية فى أوغندا.
وفى عام 1999 قام موسيفينى بزيارة خاصة للأماكن المقدسة فى إسرائيل والأراضى المحتلة. وفى يناير 2003 وصل إلى إسرائيل فى ثانى زيارة له بصحبة وزير الدولة للشؤون الأمنية، ومدير عام وزارة الدفاع، ورئيس هيئة الأركان، ورئيس المخابرات العسكرية. والتقى موسيفينى أثناء الزيارة بالرئيس الإسرائيلى (ذى الأصول الإيرانية) موشيه كاتساف (المسجون حاليا بتهمة ارتكاب جرائم جنسية)، ورئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك أريئيل شارون، ووزير الخارجية بنيامين نتنياهو، كما زار المنشآت العسكرية. ولقد أدت هذه الزيارة إلى توطيد العلاقات الأمنية بين الدولتين، وإلى زيادة المشتريات العسكرية من إسرائيل.
فى يوليو 2005 وجه الرئيس موسيفينى دعوة إلى وزير المالية الإسرائيلى آنذاك بنيامين نتنياهو وأفراد عائلته لحضور مراسم عسكرية رسمية، لإزاحة الستار عن النصب التذكارى فى مطار عنتيبى إحياءً لذكرى أخيه يونى، وذكرى الإسرائيليين الذين قُتلوا أثناء عملية تحرير الرهائن فى عنتيبى عام 1976.
وفى زائير، التى أصبح اسمها رسميا «الكونغو الديمقراطية»، كان موبوتو سيسيسيكو هو أول رئيس دولة أفريقية تعلن عودة العلاقات مع إسرائيل فى 12 مايو 1982. ويكشف الكتاب أن موبوتو تدرب هو الآخر فى إسرائيل على القفز بالمظلات. ويقول المؤلف إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة كانت وراء إقبال موبوتو على تحسين علاقاته مع إسرائيل، طمعا فى الفوز بدعم اللوبى اليهودى فى الولايات المتحدة والاستثمارات الإسرائيلية، خاصة بعد خيبة أمله من حجم المساعدات العربية التى حصل عليها خلال الفترة من 1974 إلى 1981، حيث وعده العرب ب411.4 مليون دولار، فيما لم يحصل هو سوى على 150 مليون دولار فقط.
وفى يناير 1983 وقع وزير الدفاع الإسرائيلى آنذاك أرييل شارون عدة اتفاقيات عسكرية مع زائير، تتضمن مساعدتها فى إعادة بناء جيشها، وإنشاء وحدة عسكرية لمكافحة الإرهاب، وتدريب وحدات الأسطول الزائيرى على القيام بدوريات فى نهر الكونغو، فضلا عن بيع أسلحة وعتاد وأجهزة اتصالات إسرائيلية لزائير، فضلا عن تدريب وحدة خاصة لحماية الرئيس، وعدة مشروعات فى مجال الزراعة. ويظهر من الكتاب كيفية استغلال إسرائيل للأوضاع الاقتصادية لدول حوض النيل من أجل إقامة علاقات معها، وتسخيرها لخدمة المصالح الإسرائيلية التى تستهدف مصر ونفوذها فى أغلب الأحوال. ولكن الدبلوماسى الإسرائيلى يكشف عن طريقة تعامل إسرائيل مع حلفائها أيضا، من حيث الضغط عليهم لإجبارهم على مواقف معينة، فيشير إلى ذلك قائلا: «يجب أن نشير إلى أن الضغوط التى مارستها الشركات الإسرائيلية التى عملت فى أوغندا على الرئيس عيدى أمين من أجل سداد ديونه، ورفضها التأجيل، كانت من بين أسباب توجه أمين إلى الرئيس الليبى معمر القذافى للحصول على مساعدات مالية وقطع علاقاته مع إسرائيل».
وفى ظل المظاهر العديدة للتغلغل الإسرائيلى فى دول حوض النيل، تساءل البعض عما إذا كان الهدف من أزمة إعادة تقسيم مياه النيل هو إجبار مصر على قبول توصيل مياه النيل إلى صحراء النقب فى إسرائيل، أم يكون الملف ورقة ضغط استراتيجى بيد إسرائيل للتأثير على المواقف المصرية من قضايا الشرق الأوسط. ولا شك أن الإجابة «غير التقليدية» عن السؤال ستكون رهنا فى قدرة مصر على حل المعضلة «على طريقتها الخاصة»، التى ربما لن يكون بوسعنا الكشف عن تفاصيلها حينئذ.
المصدر: المصري اليوم 8/11/2014م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.