يجب ألا يبقى هذا الوزير ليوم واحد .. بقلم: الحاج وراق    بيت البكاء .. بقلم: ياسر فضل المولى    حمد الريح: منارة الوعد والترحال (مقال قديم جديد) .. بقلم: معز عمر بخيت    للمطالبة بحقوقهم.. مفصولو القوات المسلحة يمهلون الحكومة (15) يوماً    مجلس إدارة مشروع الجزيرة يرفض السعر التركيزي للقمح    برمة ناصر: الإسلاميون الذين ظلوا في السلطة الى أن (دقت المزيكا) لا مكان لهم    صديق تاور: عدم إكمال مؤسسات الفترة الانتقالية تقاعس غير برئ    لاعبة كرة قدم سودانية أفضل من ميسي !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    حمد الريح ... الي مسافرة كيف اتت ؟ .. بقلم: صلاح الباشا    فصل الأدب عن الدين معركة متجددة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    تعليق الدراسة بمراكز التدريب المهني    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هضبة البحيرات.. ملعب

أحمد تهامي عبد الحي أثار عدد من نواب مجلس الشعب والمعلقين السياسيين في الآونة الأخيرة أزمة علاقات مصر مع عدد من دول حوض النيل، حيث بدأت بعض الدول الموقعة مع مصر -مثل كينيا وأوغندا- على اتفاقية منابع النيل في إعلان نيتها الانسحاب من الاتفاقية واستخدام المياه كما تريد. وقد كان حاضرًا في أذهان الجميع مخاطر التغلغل الإسرائيلي في دول حوض النيل، خصوصًا في أثيوبيا؛ وعلى الرغم من حقيقة هذه المخاطر فإنها لا تقتصر على أثيوبيا فقط، كما يعتقد الكثيرون، ولكنها تمتد لتشمل دول حوض النيل الأخرى التي شهدت علاقاتها مع إسرائيل تناميًا ملحوظًا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. ويعتقد الباحث أن هذه العلاقات أصبحت مساوية في نفس درجة الخطورة لنظيرتها مع أثيوبيا. إستراتيجية الالتفاف وتتعدد أهداف إسرائيل ومصالحها من وراء هذه العلاقات، حيث يمكن القول بأن السياسة الإسرائيلية تتبع إستراتيجية الالتفاف حول حوض النيل بأنشطة عسكرية وأمنية مكثفة، وتأسيس سياسة الذراع الطويلة الإسرائيلية في هذه المنطقة لمحاصرة مصر واحتواء دول حوض النيل. فالسياسة الإسرائيلية تستهدف تهديد الأمن العربي والمصري بمحاولة زيادة نفوذ إسرائيل في الدول المتحكمة في مياه النيل من منابعه، مع التركيز على إقامة مشروعات زراعية تعتمد على سحب المياه من بحيرة فيكتوريا. وهي تعتمد في تحقيق ذلك على خلق المشاكل والتوترات بين الأقطار العربية والأفريقية، بما يشغل مصر عن القضية الفلسطينية. كما تستهدف السياسة الإسرائيلية الحصول على تسهيلات عسكرية في دول منابع النيل واستخدام القواعد الجوية والبحرية، مثل ما حدث من مساعدات لإسرائيل من قواعد أثيوبيا في عدوان 1967، واستخدام الدول الأفريقية كقاعدة للتجسس على الأقطار العربية، إضافة إلى تصريف منتجات الصناعة العسكرية الإسرائيلية، وخلق كوادر عسكرية أفريقية تدين لها بالولاء. وإلى جانب هذه الأهداف، فإن إسرائيل تعنيها دائمًا قضية الحصول على المياه، وفكرة تحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء. وهي فكرة قديمة، تقدم بها هرتزل عام 1903 إلى الحكومة البريطانية، وتكررت المحاولات الإسرائيلية الحثيثة منذ السبعينيات للحصول على نصيب من مياه النيل. وعلى الرغم من استمرار الرفض المصري الرسمي والشعبي فإن المشروع لم يتم إلغاؤه من الوجود، فهو بمثابة حلم لإسرائيل، ينتظر الفرصة المناسبة من أجل طرحه والإلحاح عليه في ظل مستجدات الظروف السياسية والاقتصادية في المنطقة. ولذلك اتجهت السياسة الإسرائيلية لتركيز جهودها على دول حوض النيل الأخرى، خصوصًا دول المنابع، من أجل الالتفاف على الرفض المصري. وقد تكثفت الجهود الإسرائيلية من أجل اللعب بورقة المياه بعد فشل الخطط السابقة. ومنذ بداية تسعينيات القرن الماضي، والعديد من التقارير تشير إلى أن إسرائيل تساعد دول المنابع في بناء السدود على روافد النيل من أجل تصميم نظم جديدة للري تقلل من تدفق المياه لمصر. وفي ظل اشتداد حدة الأزمة الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل في منتصف التسعينيات أوصى تقرير قسم التخطيط بوزارة الخارجية الإسرائيلية بمعاقبة مصر إذا استمرت في تبني موقف سلبي تجاه إسرائيل، وذلك بإجراءات مختلفة، منها المطالبة بطرح موضوع النيل في المحادثات متعددة الأطراف التي تبحث موضوع المياه؛ وكانت إسرائيل قد استجابت لمطلب مصر بعدم اعتبار مياه النيل من بين مصادر المياه الإقليمية التي يتم بحثها في المفاوضات متعددة الأطراف. وقد شهدت نهاية عقد التسعينيات تحركًا خطيرًا لتغيير القواعد القانونية الدولية المعمول بها في إطار توزيع مياه الأنهار، فدخلت مفاهيم جديدة كلية، مثل تسعير المياه، وإنشاء بنك وبورصة للمياه. وقد قام التحرك على أساس الأفكار الأمريكية وأفكار البنك الدولي. وتنظر النخبة السياسية المصرية إلى التحركات الأمريكية في منابع النيل بحذر شديد؛ لأنها ترتبط بدعم الأهداف الإسرائيلية؛ أما طروحات البنك الدولي فلا تجعله طرفًا محايدًا في أزمة المياه؛ لأنه يتبنى وجهات نظر بعض الأطراف، مثل إسرائيل وتركيا وأثيوبيا، ويهمل وجهة نظر الأطراف العربية. ويلبي هذا الطرح احتياجات كل من تركيا وأثيوبيا وإسرائيل على حساب الحقوق التاريخية المكتسبة للدول العربية في أحواض النيل ودجلة والفرات؛ بحيث يكون الحل الوحيد أمام الدول العربية -لتجنب الحروب حول المياه- هو اضطرارها لقبول نقل خزين مياهها لإسرائيل، وإلا تعرضت هي نفسها لانتقاص حقوقها المائية؛ ويكون مقتضى هذه الصفقات دخول إسرائيل فاعلاً أصيلاً في مشروعات تنمية موارد الأنهار الكبرى في المنطقة من خلال تحالفها المائي مع دول المنابع التي ستلتزم في هذه الحالة بالربط بين نقل المياه لإسرائيل، وبين التعاون مع دول الممرات والمصبات. "البحيرات".. نقطة التترس الإسرائيلي تتحرك إسرائيل في منابع النيل في هضبة البحيرات (التي تمثل 15% من إيرادات النيل) عبر مجموعة من الخطوط المتكاملة، وتعتمد السياسة الإسرائيلية على استخدام وتوظيف مجموعة متكاملة من الآليات وأساليب الحركة السياسية في المنطقة، تشمل: 1 - الاعتماد على الدور الأمريكي: إن هناك سعيًا أمريكيًّا حثيثًا لتأسيس مناطق نفوذ في دول منابع النيل ووسط أفريقيا، سواء في إطار السيطرة على وسط القارة، أو الإمساك بأوراق ضغط رئيسية في مشكلات المياه المتوقع تفجرها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك سياسة أمريكية برزت في التسعينيات تقوم على مواجهة الحركات الإسلامية في أفريقيا، واحتواء السودان والنفوذ الإيراني. ويلاحظ على السياسة الأمريكية أنها تعطي أولوية قصوى لدول منابع النيل؛ فمجموعة القادة الجدد الذين ترعاهم السياسة الأمريكية والإسرائيلية هم زعماء دول حوض النيل أساسًا، وهم زعماء أوغندا ورواندا وأثيوبيا وإريتريا والكونغو الديمقراطية وكينيا وتنزانيا والجيش الشعبي لتحرير السودان. وقامت إسرائيل بدور رئيسي في التنافس الأمريكي - الفرنسي في وسط القارة الأفريقية. فبالرغم من العلاقات الإسرائيلية - الفرنسية الجيدة، فإن إسرائيل اندفعت في مناورات سرية مع أثيوبيا وإريتريا وأوغندا والتوتسي، متجاوزة فرنسا لصالح واشنطن. وقد أظهرت السنوات الماضية حجم العلاقات والنفوذ الواسع الذي يتمتع به جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" في المنطقة إثر انكشاف صفقات السلاح، وعمليات ترحيل اليهود الأثيوبيين الفلاشا إلى إسرائيل. وقد أثار التدخل الإسرائيلي حفيظة فرنسا، فلجأت الاستخبارات الفرنسية إلى نشر تفاصيل النشاط الصهيوني في منطقة البحيرات في الصحف الفرنسية. 2 - توظيف التناقضات العربية - الأفريقية: استغلت إسرائيل الصراع الصومالي - الأثيوبي، والسوداني - الأثيوبي، والسوداني - الإريتري، والمصري - الأثيوبي، من أجل تحقيق أهدافها؛ وهي تقوم بالتحريض الدائم والمستمر ضد العرب؛ لإشعار دول حوض النيل بما يدعم أنه ظلم ناتج عن الإسراف العربي في موارد المياه؛ ثم تقوم بتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي لتلك الدول. وتلعب إسرائيل على توتير العلاقة العربية الأفريقية بالحديث عن دور العرب في موضوع الرق واستنزاف المياه. وعلى سبيل المثال، ففي أعقاب ارتفاع أسعار النفط، اقترح جوزيف نيريري (أخو الرئيس التنزاني) في اجتماع المجلس التشريعي في يونيو 1974 أن يتم عقد صفقة مع العرب، يباع فيها جالون المياه مقابل جالون النفط، ما دام النهر ينبع من شرق أفريقيا. وفي عام 1996 انتقدت أوغندا استهلاك مصر والسودان لأكثر من حاجتهما للمياه، مؤكدة حقها في استعمال موارد المياه، وقامت بإنشاء سدود في حوض بحيرة فكتوريا لتوليد الطاقة الكهربائية. كما حذرت صحيفة "إيست أفريكان ستاندارد" الكينية من استمرار الخلافات بين كينيا ومصر بسبب قضايا التجارة، ومعاهدة حوض النيل التي هددت كينيا بالانسحاب منها. 3 - التعاون المائي والزراعي: نجحت إسرائيل -بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية- في تأمين سيطرتها على بعض مشاريع الري في منطقة البحيرات، حيث تقوم بتقديم الدعم الفني والتكنولوجي من خلال الأنشطة الهندسية للشركات الإسرائيلية في مجال بناء السدود المائية. وقدمت إسرائيل دراسات تفصيلية إلى زائير ورواندا لبناء ثلاثة سدود، كجزء من برنامج شامل لإحكام السيطرة على مياه البحيرات العظمى. وقام خبراء إسرائيليون باختبارات للتربة في رواندا، حيث يتوجه الاهتمام الإسرائيلي بوجه خاص إلى نهر كاجيرا الذي يمثل حدود رواندا مع بوروندي في الشمال الشرقي. وقد وقعت أوغندا وإسرائيل اتفاقًا في مارس 2000 -أثناء زيارة وفد من وزارة الزراعة الإسرائيلية، برئاسة مدير الري بالوزارة "موشي دون غولين"- ينص على تنفيذ مشاريع ري في عشر مقاطعات متضررة من الجفاف، وإيفاد بعثة أوغندية إلى إسرائيل لاستكمال دراسة المشاريع التي يقع معظمها في مقاطعات شمال أوغندا بالقرب من الحدود الأوغندية المشتركة مع السودان وكينيا، وسيجري استخدام المياه المتدفقة من بحيرة فكتوريا لإقامة هذه المشاريع، وهو ما يؤدي إلى نقص المياه الواردة إلى النيل الأبيض. وذكرت نشرة "ذي إنديان أوشن نيوز لاتر" الفرنسية -في فبراير من نفس العام- أن إسرائيل أعلنت أنها مهتمة بإقامة مشاريع للري في مقاطعة كاراموجا الأوغندية قرب السودان، حيث يمكن ري أكثر من 247 ألف هكتار من الأراضي الأوغندية عبر استغلال اثنين ونصف مليار متر مكعب سنويا، في حين أن المياه المستخدمة حاليًا لا تزيد عن 207 ملايين متر مكعب فقط تروي 32 ألف هكتار من الأرض. ولا تقتصر خطورة التواجد الإسرائيلي في دول أعالي النيل على الاستعانة بالخبراء والتعاون الفني في المشروعات، ولكنها تمتد إلى التعاون الاقتصادي الزراعي برأسمال يهودي، يهدف إلى تملك أراضي في المنطقة بدعوى إقامة مشاريع عليها، أو تحسين أراضيها، أو إقامة سدود بها. 4 - العلاقات التجارية: تُعَدّ العلاقات التجارية من أبرز المؤشرات على تنامي المصالح الإسرائيلية الاقتصادية في أفريقيا، حيث تشهد هذه العلاقات تطورات مستمرة وقفزات سريعة. وهناك مجموعة أساسية من الدول الأفريقية تمثل أبرز شركاء إسرائيل، وهي: جنوب أفريقيا وأثيوبيا وكينيا ونيجيريا. ويلاحظ تزايد أهمية عدد من دول حوض النيل في التجارة الخارجية الإسرائيلية. ففيما يخص أثيوبيا، فقد تضاعفت الواردات الإسرائيلية منها أكثر من ثلاثين مرة خلال عقد التسعينيات، من 0.4 إلى 13.9 مليون دولار سنويًّا، بينما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية لها ثلاث مرات فقط من 1.9 - 5.8 ملايين دولار سنويًّا. أما الواردات الإسرائيلية من كينيا فقد تضاعفت مرتين ونصف المرة، من 8.6 إلى 20.9 مليون دولار سنويًّا، بينما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية مرتين تقريبًا من 14 مليون دولار إلى 29.3 مليون دولار. أما فيما يخص الكونغو، فقد وصلت الواردات الإسرائيلية منها إلى مليون دولار تقريبًا بعد أن كانت لا شيء تقريبًا، أما الصادرات الإسرائيلية فتضاعفت عشر مرات تقريبًا، من 0.9 إلى 5.2 ملايين دولار سنويًّا. ويُعَدّ مركز التعاون الدولي في وزارة الخارجية "الموشاف" -الذي يرأسه نائب وزير الخارجية- الجهاز المسئول عن تصميم وتنفيذ سياسات التعاون مع الدول الأفريقية. وكان "الموشاف" من وسائل الاتصال الأساسية مع كبار المسئولين في الدول الأفريقية، على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية، كما حدث مع كينيا وزامبيا وتنزانيا وأثيوبيا، حيث كانت العلاقات الاقتصادية والفنية أكثر قوة من العلاقات السياسية. وأبرز الأنشطة التي يعمل فيها "الموشاف" إقامة المزارع وتأسيس غرفة للتجارة الأفريقية الإسرائيلية، وتقديم الدعم في مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية، من خلال التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية والسفارات الأجنبية، وبصفة خاصة هيئة المعونة الأمريكية USAID التي نشطت على ضوء مبادرة كلينتون للشراكة مع أفريقيا. ويتركز نشاط "الموشاف" على فئات معينة مثل القادة والنساء والخبراء والشباب الذين سيصحبون صناع السياسة مستقبلاً. ويتجه "الموشاف" للتركيز على التجمعات الإسلامية والعربية التي تعارض تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛ للحصول على تأييدها في دول مثل كينيا، من خلال تقديم منح لتدريب أبناء الطوائف الإسلامية، وفتح مجالات للاتصال بقادتهم. 5 - توظيف الصراعات العرقية: وذلك من
خلال صنع شبكة علاقات وتحالفات وثيقة مع بعض الأطراف على حساب الأخرى؛ ومن أهم القوى التي تدعمها إسرائيل قبائل التوتسي الحاكمة في رواندا والنظام الأوغندي. وتقوم المخابرات الإسرائيلية بتغذية الصراعات بين التوتسي والهوتو، وتقوم بتصدير السلاح إلى طرفي الصراع معًا؛ فمن المعروف أن الإسرائيليين كانوا يسلحون في آن واحد كلاًّ من الهوتو المنكفئين في كيفو، والتوتسي المتمركزين في كيجالي، والقوات المسلحة الزائيرية. والدور الإسرائيلي في استغلال الصراعات العرقية في المنطقة قديم؛ فإسرائيل دعمت الحركة الانفصالية في جنوب السودان منذ انطلاقها، ثم دربت كوادر الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا عندما لاحت بوادر انتصارها، وقامت بتدعيم أنظمة حاكمة مثل الباجندا في أوغندا، ونظام الأمهرا في أثيوبيا، وعملت على إقامة علاقات حديثة مع قبائل "الكامبا" و"الكيلوي" في إطار مزاولة الاستثمار الإسرائيلي في ممباسا ونيروبي. وثمة مخاوف في منطقة وسط أفريقيا من النزعة القومية لدى قبائل التوتسي التي تتوزع في بوروندي وجنوب أوغندا (الرئيس الأوغندي موسيفيني ينتمي أصلاً إلى التوتسي) وشرق زائير ورواندا والتي تسعى للسيطرة الكاملة على المنطقة عبر الدعم الأمريكي - الإسرائيلي، بما يعنى إقامة دولة التوتسي الكبرى، وإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية والدولية في وسط أفريقيا. وقد امتد دعم قوات لوران كابيلا -التي يشكل التوتسي عمودها الفقري- للوصول إلى السلطة في زائير، من إريتريا وأثيوبيا في القرن الأفريقي إلى أوغندا ورواندا في وسط أفريقيا؛ وفي حين قدمت أوغندا دعمها السياسي والعسكري، قدمت رواندا دعمها البشري والعسكري، مما كان له أبلغ الأثر في انتصار كابيلا، وهزيمة قوات موبوتو. 6 - التدخل عبر المساعدات الإنسانية: استغلت ظروف الحروب الأهلية -خصوصًا في الصومال- وتحركت تحت غطاء إنساني، فأقامت مراكز عدة في العاصمة مقديشو لأول مرة، وفي بعض الأقاليم الأخرى لتقديم المساعدات إلى الصوماليين والتي يتولاها صندوق إغاثة الصومال، وهو صندوق تدعمه وزارة الخارجية الأمريكية والمنظمة الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي، ومنظمة "بني بريث"، ومنظمة "جونيت" اليهودية، وعدة منظمات وجمعيات صهيونية أخرى في الولايات المتحدة. وقد تم تأهيل هذه المراكز بخبراء إسرائيليين وصلوا إلى الصومال في أواخر عام 1992، وبلغ عددهم 250 شخصًا. وحاولت إسرائيل نسج علاقات مع قادة الفصائل الصومالية، ولوّحت بمساعدات عسكرية واقتصادية وصحية مباشرة، وذلك من خلال مشاركتها في المؤتمر الدولي الثاني لتنسيق المساعدات الإنسانية للصومال في أديس أبابا في كانون الأول/ ديسمبر 1992. وفي أعقاب تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس 1998 أرسلت إسرائيل فرقًا للبحث والإنقاذ، ومساعدات طبية وإنسانية إلى كينيا وتنزانيا. 7 - النشاط العسكري مع دول المنطقة: فتح التعاون العسكري الباب أمام إسرائيل في دول منابع النيل، في ظل حاجة الدول الأفريقية لمصادر السلاح من أجل توفير الأمن والحماية من الانقلابات العسكرية التي يدبرها أعداء الداخل أو أعداء الخارج. وتقوم أجهزة المخابرات الإسرائيلية بتزويد الدول الأفريقية بالخدمات الاستخباراتية من مصادرها الخاصة، أو بالاعتماد على مصادر الموساد في المخابرات الأمريكية. ويلعب المدخل العسكري والأمني دورًا أساسيًّا في تطوير العلاقات؛ نظرًا لحاجة القادة الأفارقة إلى المساعدات العسكرية؛ وقد لجأ بعض القادة الماركسيين المتشددين المتحالفين مع الاتحاد السوفيتي، مثل منجستو، إلى إسرائيل من أجل المساعدات العسكرية. وتُعَدّ الصادرات العسكرية الإسرائيلية من الأدوات الأساسية في تنفيذ السياسة الخارجية؛ فهي ترتبط برؤية إستراتيجية وأمنية إسرائيلية تهدف إلى التغلغل في دول منابع النيل؛ وذلك إلى جانب أهميتها الاقتصادية، حيث تُعَدّ الصادرات العسكرية من أبرز القوى الدافعة للاقتصاد الإسرائيلي. ويؤكد شلومو جازيت (رئيس الاستخبارات العسكرية السابق) أن إسرائيل تعاونت في مجال التسلح مع عدد كبير من الدول الأفريقية، منها أثيوبيا وزائير وكينيا وليبيريا وجنوب أفريقيا والكاميرون. وهكذا يتراوح النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة بين تصدير الأسلحة وإقامة قواعد عسكرية. وقد حصلت أثيوبيا على أسلحة إسرائيلية مقابل تهجير يهود الفلاشا، كما تحصل الدول والقبائل في منطقة البحيرات العظمى على أسلحة إسرائيلية متنوعة. وقد ذكرت تقارير المخابرات الفرنسية أن إسرائيل سلحت جيشي رواندا وبوروندي بالأسلحة القديمة، بدون مقابل؛ لكسب ود السلطات الحاكمة والتغلغل في منطقة البحيرات العظمى. هذا ما فعلته إسرائيل -وما زالت تفعله- لإسالة لعاب دول أعالي النيل، أو دول المنبع.. فماذا فعلت الدول العربية لإسالة لعاب تلك الدول؟ وماذا فعلت لكي تمنع "اللعب" الإسرائيلي في منطقة تُعَدّ من أكثر المناطق تأثيرًا وخطورة على الأمن المائي لدولة المحور في العالم العربي والإسلامي على حد سواء؟

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.