التعليم هو الحل إذا أردنا خيرا بالبلاد !! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    بدلاً من الإعتذار .. بقلم: نورالدين مدني    استنجدت بألمانيا لملاحقة تعهدات مؤتمر برلين: هذه موازنة "الصندوق"، فأين موازنة المواطن؟ .. بقلم: خالد التيجاني النور    الشرطة والشعب ! .. بقلم: زهير السراج    كروان السودان مصطفي سيد أحمد (2) .. بقلم: صلاح الباشا    الجرائد تكذب كثيراً .. بقلم: نورالدين مدني    من بعد ما عزِّ المزار .. بقلم: بروف مجدي محمود    رفع اعتصام شندي والمقاومة تتمسك بالوالي آمنة المكي    المريخ يحول تأخره أمام الهلال الأبيض إلى انتصار عريض    اعتصام مفتوح وسط سوق نيالا بسبب حجر (نالا)    إجازة موازنة 2021 بعجز (1.4%)    الخرطوم الوطني يصحح مساره بهدفين في الشرطة    لجنة شؤون اللاعبين تعتمد تسجيل عجب والرشيد وخميس للمريخ وتحرم المريخ من فترة تسجيلات واحدة    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    تطورات جديدة في قضية محاكمة (علي عثمان)    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأسماء السودانية من منظور اجتماعي ثقافي

هذا بحث طريف بقلم الاستاذ معتصم مصطفى، أستاذ الأدب والنقد في جامعة الزعيم الأزهري ، تناول فيه تاريخ الأسماء ومدلولاتها الثقافية ومرجعية الأسماء الشهيرة المتداولة بالسودان، ويقول انه من خلال الأسماء يمكن أن نستشف الكثير من تقاليد المجتمع وعاداته وثقافته.
الأسماء مفردات ذوات نطق وشكل كتابي، وقد يكون لبعضها دلالات لغوية معلومة أو غير معلومة، وقد لا تكون لها تلك الدلالات اللغوية. ومن بعد فالأسماء انعكاس لعقلية المجتمع الذي إليه تنتمي، ففيها يظهر شيء من تقاليد هذا المجتمع وثقافته. ومن هنا جاز لنا أن نتناول موضوع الأسماء السودانية من منظور ثقافي، واللغة كما يقول عنها د. وافي: (مرآة ينعكس فيها كذلك ما يسير عليه الناطقون في شئونهم الاجتماعية العامة). (1) وقدم الإسلام في السودان مما لا يحتاج إلي دليل، فهو قد مازج الثقافة السودانية السائدة وقت أن دخل، غير أن الإسلام قد طغى على ما سواه من الثقافات، ويتجلى أثر الإسلام في الأسماء السودانية، حيث استمدت الأسماء من الأسماء التي تسمى بها الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ومن أسماء صحابته، ومن أسماء أئمة المسلمين، ومن أسماء أمهات المؤمنين، ومن أسماء الأنبياء، ومن أسماء الملائكة، ومن ألقاب الإسلام، ومن أسماء الأمكنة الإسلامية، ومن ألقاب الصوفية. ومن أسماء الشهور الهجرية.
فمن أسماء الرسول تسمي الرجال بمحمد واحمد ويس وطه، بل وتسموا بألقابه الشفيع أبو القاسم. كما تسمت النساء بأسماء والدة الرسول ومرضعته وبناته وزوجاته، فمن بين أسماء النساء السودانيات حليمة، سعدية، آمنة، بنت وهب، خديجة، عائشة، ماريا، فاطمة .
وقد تسمى الرجال بأسماء الصحابة والخلفاء الراشدين، والتابعين وتابعيهم، ومن بين تلك الأسماء أبو بكر وعمر وطلحة وعثمان وعلى والزبير وسعد وخالد وانس وأبو هريرة، وقد تسمي الرجال أيضا بأسماء الأئمة كمالك والشافعي ، ويكثر في السودان اسم مالك لشيوع المذهب المالكي، كما تسمي الرجال بأسماء الأنبياء آدم ونوح وزكريا ويوسف ويعقوب ويونس وداؤود واليسع والخضر واليأس وموسي، ويشيع التسمي بأسماء الأنبياء في سوداننا الغربي.
ومن أسماء الملائكة اتخذ السودانيون لأنفسهم اسمين جبريل (أمين الوحي) ورضوان (خازن الجنان) ولعل هذا مرده إلي التبرك، ولم يعهد عن السودانيين أنهم تسموا بغير هذين الأسمين، وكانت الشهور العربية مصدرا لأسمائهم، فمنها أخذوا رمضان وشعبان ورجب وربيع، وذلك من قبل التبرك. ومن أسماء المدن والأمكنة الإسلامية نجد في أسماء النساء مكة ومنى ومدينة ومزدلفة وبقيع والحرم والصفاء وزمزم وعرفة، ونجد عند الرجال عرفات، كما نجد مكي ومدني منسوبان إلي مكة والمدينة.
وإذا نظرنا للشيعة باعتبار أنهم طائفة إسلامية نجد صدى لأثرهم في الحياة السودانية، فالمهدية في السودان – وبلاشك- أثر من أثار الفكر الشيعي القائم على فكرة الإمام الغائب الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، فنجد الشاطر بصيلي يقول عن فكرة المهدية (هذه الفكرة قديمة ترجع إلى أقدم العصور، وقد دخلت هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي وأخذت في الظهور بين الفينة والفينة، مكتفية بالظروف المحيطة بها، وكانت ركنا أساسيا في الشيعة).(2)
ومن الأسماء التي يمكن أن نعتبرها أثرا شيعيا، اسم على وكرار، والأخير يعد في مبدأ أمره صفة للأول، لكنه سرعان ما أصبح علما قائما بذاته. ومن الأسماء السودانية ما جاء موافقا لأئمة الشيعة الصادق، الهادي، جعفر، زين العابدين، والباقر.
وفي أسماء النساء نجد اسما يشيع في السودان وحده، وهو اسم (علوية)، وهو مؤنث (علوي) والانتساب الشيعي ظاهر في الاسم لا يحتاج إلى بيان، وعندنا تسمي البنت التي تلازم الصبيان في ألعابهم وأسمارهم (محمد ولد) مما يدل على أن الاسم العام للسودانيين هو محمد، وكذلك جليس النساء ويسمي (فاطناوي) منسوبا الى فاطمة، حيث أصبح الاسم رمزا لكافة النساء، ويجمع ذلك، بل يؤكده، قولهم لمن لا ولد له (عندك محمد ولا فاطنة) في معرض الاستنكار عليه إذا انصرف عن الجماعة. وكذلك يقولون في أمثالهم (تشوف محمد في السوق تعرف فاطنة في البيت)، أي إذا كان الأخ جميلا كانت أخته على شاكلته هي الأخرى، وكذلك تجد الرجل في موقف الفخر بنفسه يقول (انا اخوك يا فاطنة) فمما سبق يتضح لنا أن اسم محمد رمز لكافة الرجال، وفاطمة لسائر النساء.
وقد اتخذ السودانيون من الرجال بعض الألقاب الدينية أسماء لهم دون أن تكون لهم الصفة المؤهلة للقب مثل خليفة وإمام والحاج والفكي (بمعني الفقيه) والشيخ، ونجد مثل هذا عند قبيلة الهدندوة مثل أوشيك التي هي تحريف لنطق الشيخ حيث أبدلت اللام واوا والخاء كافا، واوهاج وهي تحريف لنطق الحاج حيث أبدلت اللام واوا والحاء هاء.وبازدياد الوعي الديني صار الناس ينقبون في مفردات القرآن الكريم بحثا عن أسماء لأبنائهم فنج من أسماء البنات- الاء- نمارق- تسنيم- زلفى- أعراف- لينة- مؤمنين ومن الأثر الإسلامي في التسميات السودانية. تأسي الإمام المهدي (علىه السلام) بسنة المصطفي علىه صلوات الله وسلامه في تغيير بعض أسماء الصحابة (3) فقد ورد في كتاب بابكر بدري (تاريخ حياتي) قوله: "هاجرنا أنا ووالدتي ومعنا خالي باشا الذي غير اسمه المهدي (عليه السلام) (4) إلي محمد يوسف" ولا يخفي أن الأمام المهدي قد غير اسم خال بابكر بدري لارتباطه بألقاب الحاكمين الأتراك، وقد غير الأمام المهدي اسم جبريل الذي صار فيما بعد إلي محمدود ود احمد بدارفور، وكان اسمه جبريل إلا أن المهدي اختار له اسم محمود" (5) وقد فعل المهدي الشيء نفسه مع محمد الضكير الذي صار اسمه إلي محمد الخير حيث نجد إبراهيم عكاشة يقول "أفادني محمد الماجد بن احمد بن عبد الله الأغبش بن محمد كندمر وبذلك يكون محمد الخير من الجعليين وقد كان يلقب (بالضكير) نسبة لشهامته إلا أن المهدي استبدل الكلمة بالخير" (6)
البعد الاجتماعي للأسماء السودانية:-
قد نستهجن أمر الرق، ولكنه لا سبيل لإنكاره لكثرة الشواهد عليه حتى في لغتنا، حيث نجد تعابير مثل فرخ- فرخة- عبد- خادم وما إلي ذلك، وفي أمثالنا "والعب البيضلع من شلوفتو" "شفقة المعتوقة على القناعة، والناظر إلي طبقات ود ضيف الله يتحقق من صحة الأمر ووجوده، وفي أسمائنا طبقية إذ للرقيق أسمائهم الخاصة، والسودانيون في ذلك يتأسون بالعرب في أمر هذه الطبقية، بل وفي دلالات الأسماء يقول إبراهيم السامراني في مقال له نقلا عن كتاب ابن دريد "الاشتقاق" واخبرنا سهل بن محمد السجستاني قال: ما بال العرب سمت أبناءها بالأسماء المستشنعة، وسمت عبيدها بالأسماء المستحسنة، فقال: لأنها سمت أبناءها لأعدائها وسمت عبيدها لأنفسها. واعلم أن العرب مذاهب في تسمية أبنائها فمنها ما كان تفاؤلا على أعدائها نحو غالب وغلاب، وظالم وعارم، ومنازل، ومقاتل، ومعارك، ومثل ذلك: مسهر ومؤرق، ومصبح، ومنبه، وطارق. ومنها ما تفاءلوا به للأبناء نحو: نائل، ووائل ومسعدة وأسعد، (7) ولعل في ذلك إيمان بدور الكلمة في السحر. ويتضح من أسماء الرقيق أنهم كانوا يسمون رقيقهم لأنفسهم دالين بمعاني أسمائهم على قوتهم، ومنعتهم، وعزتهم، وقديما كان الأمويون وهم أهل تجارة – يسمون عبيدهم بلال ورباح وميسرة. وقد أثبت نعوم شقير فصلا عن الأسماء في كتابه جغرافية وتاريخ السودان حيث يقول : وأما أرقاؤهم فيلقبون في الغالب بألقاب جميلة يقصد بها أسيادهم، منها للذكور: مر الجواب وعبد الأسد ودكام (شجاع) وشطة وعبد الرجال وسعيد وسعد الله وبخيت وهلال وألماظ وفيروز وسوميت. وللإناث: تاج الملوك والصبر جميل وسمح جيبه ودربه قاسية وثقيل ميزانه وبحر النيل وبيت الأمان ولمن دامت وفوق قلوبهم والعز وهاط وتام النفايل والحي يشوف والله معانا وكيل وجنة ويمامة ومن قدره والستار الله وكعب الغزال وكي الحاسد"(8)
والغريب أنهم يطلقون كلمة (الفرخ) في السودان على المسترق من الرجال، والفرخة مؤنثة على المسترقات من النساء، ولهذا أصل عربي قديم حيث نجد العقاد في كتابه "اليوميات" ينقل عن الثعالبي في كتابه (الكنايات) قوله "أهل المدينة يسمون اللقيط فرخا وهو عندهم فرخ زنا. فيحكي أن الرشيد كان يأكل يوما مع جعفر فوضعت لهما ثلاثة افراخ فقال الرشيد لجعفر يمازحه: قاسمني لنستوي في أكلهما، فقال: قسمه عدل أم قسمة جور؟ قال قسمة عدل... فأخذ جعفر فرخين وترك واحدا فقال الرشيد أهذا العدل؟ قال نعم، معي فرخان ومعك فرخان. قال: فأين الأخر قال هذا.. وأوما إلي الفضل بن الربيع، وكان الفضل متهما في نسبته. (9) ويمض العقاد في نصه محللا، إذ كان يرد على سؤال عن أصل كلمة (فرخ) والتي هي مستخدمة عن أهل صعيد مصر بمعنى العبد، فيقول "الغالب أن استعارة الفرخ لابن الحرام سرت إلي بعض لهجات الصعيد من قبيلة نزلت به وسمعت منها هذه الاستعارة بهذا المعني، ويجوز أن يكون الأصل فيها عند أهل المدينة أن الفرخ وهو- ابن الطير- تعرف أمهاته ولا تعرف آباؤه أو أن الولد من الحرام يطير من العش فيحلق بالطير على هذه الشاكلة.(10)
فالعقاد يذهب بالتسمية مذهب التطور الدلالي لكلمة فرخ من الدلالة على ابن الطير إلي الدلالة على ابن الطير إلي الدلالة على ابن الزنا، وأوافقه الرأي إذ أنهم كانوا يستحلون اماءهم، فيكثرون بينهم أولاد الزنا، والعبارة من بعد منطوية على تحقير وازدراء وفي أسمائنا السودانية دلالات اجتماعية أخري، من بينها تحيزهم للولد على الأنثى، ولغل ذلك مرده لدرجة الضن بالحياة على البنت ووأدها، وعندنا في السودان تضع المرأة بنتا تهنئها النساء بقول يشتم فيه التحيز لجنس الأولاد، وكراهية ولادة البنات، فالنساء يقلن (البحل امو كلو طيب) أي أنه لا قيمة للبنت في هذه الولادة سوي أنها أنقذت أمها من مخاطر الوضوع. وكذلك إذا أكثرت المرأة من ولادة البنات، فأنها تسمي بعد الضيق والبأس (ختمة) أو (ختام)، متمنية أن تتوقف عن ولادة البنات وتلد ولدا، وليس هناك من اسم بعينه للأولاد إذا تكررت ولادتهم له دلالة (ختمة) أو (ختام)، وربما إذا ولدت البنت بعد عدد من الأولاد تسمي (ختام) ايمان بدور سحري للكلمة. ومن بين تلك الدلالات الاجتماعية للأسماء أنه لو كان أطفال المرأة يموتون تباعا عقب ولادتهم، فان الواحدة تسمى ابنها باسم قبيح حتى لا يخطفه الموت كإخوته، ومن تلك الأسماء (كوكو)- (دوكة) والي مثل هذا أشار اولمان بقوله (ففي بلاد العصور الوسطي كان الأطفال يسمون بأسماء وقائية كان يدعي الواحد منهم (بالموت الصغير) أو (ليس حيا)، أو القزارة)، أو (الوسخ)، وذلك لصرف الأرواح الشريرة عن هذه المخلوقات. وعندنا نحن من العادات الخرافية والخزعبلات، وما يعكس هذه الرهبة العميقة الجذور، رهبة الكلمة وسحرها العجيب) (11) وكذلك إذا توفي للمرأة ولد وولدت بعده أخر تسميه (عوض) أو (قسم الله) أو (صبري أو صابر) عند المحدثين، وإذا كانت المولودة أنثى تسمي (قسمة) أو (عوضيه) ونفس هذا الأمر نجده عند قبيلة الدينكا حيث أفادني صديقي شول دينق المخرج بإذاعة أمدرمان أن كلمة شول تعني عوض.
وتطلق على من يولد بعد أخ مات. ونستشف من الأسماء مكانة الرجال في المجتمع، فالزوجة لا تنادي زوجها باسمه مجردا، فضلا عن أن حماته لا تأكل معه، وكما يفضل أن تلد المرأة ولدا لا بنتا، فالمجتمع منحاز لجنس الرجال، والمرأة تشارك في هذا الانحياز راضية به، وعن ذلك يقول نعوم شقير (وهم يفرحون للصبي ويتكدرون للبنت) (12).
ويقول نعوم عن الزوجة (ولا تنطق باسم زوجها ولا تدعوه به بل تكنيه باسم ولده البكر بأن تقول يا أبا فلان وإذا لم يكن له ولد كنته على اسم ابيه بقولها يا ود فلان) (13). وأضيف بأنها قد تطلق عليه أبو العيال أو أبو الأولاد أو أبونا. ونجد مثل هذا الأمر في قبيلة الزولو حيث يقول مؤلفا كتاب الجنس واللغة:
(And among the Zulu in Africa woman is not allowed to mention the name of her father – in – law and his brothers).
وقد أخبرني عن وجود نفس الشيء في بلاد الحبشة صديقي المستر Kanaa Daba المدير المالي السابق لشركة شل بالخرطوم.
وعندنا في السودان إذا وافق اسم البنت والدة أبيها، فإن أمها حينئذ تبحث لها عن لقب كان تناديها باسم أم الناس أو ست البنات، فوالدتي واسمها آمنة تدعي ست الجيل لموافقة اسمها لجدتها من أبيها. وأخبرني صديقي الفلسطيني حفظي العودة أنه مما يشيع في بلاد الشام وجوب مخاطبة الشخص بأحب الكنى إليه.
فالذي له أولاد يكنى باسم أكبر أولاده فمثلا، وإذا لم يكن متزوجا أو لم يكن له أولاد فيكنى باسم والده، فإن كان اسمه حسن محمود يقال له (أبو محمود) وهذه الكنية عندهم مظهر من مظاهر الاحترام، يحافظ عليها وقت الرضا والوئام وسرعان ما يجرد منها الشخص عند الغضب عليه، دلالة على قيمتها الاجتماعية المقصودة، فهي تخلع على الإنسان حسب الموقف منه.
البعد الصوفي للأسماء السودانية:-
الأثر الصوفي في نفوس السودانيين عميق، وقد وفدت إلينا الطرق الصوفية من العراق واليمن والشام والحجاز والمغرب لذلك نجد أسماء تنتسب إلي هذه الجهات مثل:- عراقي، ويمني وشامي ومغربي وشامية، ويمكن أن نضيف إليها حجازي وتهامي ونجدي.
وتجد السودانيين وقد تسموا بمشاهير الصوفية مثل الجنيد والجيلاني وعربي (اختصار لمحي الدين بن عربي صاحب (الفتوحات المكية)، كما أن السودانيين مولعون بتسمية أبنائهم بأسماء الأولياء الصالحين والخلفاء (ويعني بهم خلفاء الصوفية) طلبا للتبرك إذ تكثر في كل دائرة نفوذ صوفي أسماء بعينها إن ذكرت تستطيع أن تعرف إلي أي البنيات الصوفية ينتسب صاحبها، فبعد أتباع الشيخ إبراهيم الكباشي تشيع أسماء إبراهيم وكباشي وطه والمسلمي، وفي بيئة الطريقة السمانية تنتشر أسماء السماني – قريب الله نور الدائم – محمد شريف – جليس – يعقوب – أبو صالح، وعند اليعقوبات تكثر أسماء هجو وبانقا ومحمد توم ومثل ذلك في البنيات الصوفية الأخرى وارد وموجود.
البعد البيئي للأسماء السودانية:-
يقول إبراهيم السامراني (انصرف البدوي إلي أخذ أعلامه من هذه البيئة التي لم تكن ثرة الموارد، فهو يستعير العلم من النبات والشجر وأسماء الحيوان، ومن الموارد البدوية الأخرى وما تشتمل عليه من حجر وتراب ورمل وسهل وحزن وغير ذلك) (15) ومثل هذا التأثير موجود في أسماء الحيوان التي تسمي بها السودانيون مثل: الأسد- الفيل- الجمل- الناقة- النمر- التمساح- عشاري (وتعني في عامية أهل السودان التمساح الذي طوله عشرة أذرع)، واللدر وهي تعني في العامية التمساح، وقال شاعرهم مادحا.
اللدر العلى ضهرو الخبوب والطين
ومن أسمائهم المتأثرة بالبيئة سهل وأبو جبل، وفي أسماء البنات عند المحدثين ياسمين ووردة وزهرة ونسرين وسوسن، ولعل هذا راجع إلي الوعي الثقافي أكثر من التأثير بالبيئة.
ومن نافلة القول أنهم اختاروا للرجال من أسماء الحيوانات ما هو متصف بالصبر، واختاروا للنساء أسماء الورود لرقتها.
الألقاب في الأسماء السودانية:-
خصص ريتشارد هل في معجمه للشخصيات السودانية فصلا عن الألقاب العسكرية والدينية والسياسية رادا كل لقب إلي أصله فمنها:-
شرتاي: (الفور) يساوي العمدة في الإدارة الأهلية ويشيع اللقب في منطقة كردفان ودارفور.
شريف: (عربي) لقب يطلق على الذين هم من سلالة البيت.
شيخ: (عربي) زعيم قبلي أو ديني سواء أكان مسلما أو قبطيا أو مسيحيا، او شيخ البلد: رئيس مجموعة قبائل متحدة:
أرباب: لقب يعطي بواسطة سلاطين سنار، واشتقاقه غير معروف، ربما كان من (رب).
مانجل: (أصل الكلمة يرجع لجذور الهمج) وهو لقب محدود الاستعمال بواسطة عدد من الناس يعينهم سلاطين سنار (16) هذا خلافا لألقاب المهدية أمين وأمير ورأس المية، وألقاب التركية باشا وسنجك وبك وقد انتهت هذه الألقاب بانتهاء دولها، وان كانت بعض الألقاب تطلق دون أن يكون لها دور وظيفي، مثل سنجك التي يطلقها الناس على أي فرد من قبيلة الشايقية، خاصة إذا كانت تميزه الشلوخ الثلاثة المستعرضة على خديه.
وقد بقيت بعض الألقاب التي تمثل عند بعض الناس استشعارا لماضي القبيلة، مثل المانجل الذي ما يزال العبدلاب يطلقونه على المبرزين اجتماعيا من رجالهم. وما يزال لقب الأرباب يطلق من غير أن تكون له وظيفته التي كان يتمتع بها يوما ما.
هذا وتسمى الألقاب التي يطلقها الأفراد حسب ظروف المقام الذي يخلفها باسم الفقر في العامية السودانية nickname وعند أهل الشمال يسمونه الدمبهون. هذا وترجع كثرة الألقاب لكونها عائدة الى حقب تاريخية متعددة، وعهود سياسية شتى. وعن هذه الألقاب يحدثنا الشاطر بصيلي عن لقب شيخ المشايخ فيقول (شيخ المشايخ الذي يكون عادة شيخ أقوي قبيلة في المجموعة وقد عرف هذا اللقب في عهد السلطنة السنارية باسم المك أو المانجل وتستعمل كلمة أرباب على أفراد الأسرات المالكة) (17).
التأثير بالأحداث في التسميات:-
الاعجاب بزعيم عربي أو اسيوي أفضى ببعض الناس الى تسمية أبنائهم بأسماء أولئك الزعماء، ومنهم تيتو وغاندي وعبد الناصر وماو واوممبا، وعند زيارة السيدة أم كلثوم للسودان أعقاب النكسة في 1967م سمي كثير من الناس مواليدهم من البنات باسمها، على أثر التحالف الثلاثي الذي تم بين مصر والسودان وليبيا سمي بعض الناس بناصر أو نميري أو قذافي إعجابا بالتوجه الوحدوي، وقد اتفق أن ولد لبعض الناس توائم ثلاثية من الذكور فأطلقت عليهم أسماء الزعماء الثلاثة. ومن أمثال تلك التأثيرات أنه في أعقاب ثورة اكتوبر سمي الناس بناتهم ثورة وانتصار وسموا أولادهم قرشي وعبد الحفيظ، ومما سبق يتضح لنا تفاعل السودانيين مع الأحداث عالميا ومحليا. ومما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق – وهو يأتي مصدقا لقول ابن خلدون المأثور (المغلوب مولع بإفناء الغالب) تأثر السودانيون بأسماء الأتراك ومن بينها اسم (باشا) وما ذلك إلا لاقتناعهم بشخصية الباشا،. كما قادهم إعجابهم بشخصية الهانم جعلهم يسمون بناتهم ب (هانم) رغم أنه لقب تركي بمعني (سيدة)، ومن أسماء الأتراك النسائية تسمي السودانيون ب (توحيدة- مفيدة- تفيدة) ومن أسماء الرجال تلك التي تنتهي بتاء مفتوحة أصلها تاء مربوطة مثل (ثروة- عزت- مدحت- صفوت).
ولا تنسى ما لوسائل الإعلام من تأثير في هذا المضمار، فالإعجاب ببعض الممثلات والمغنيات مبرر تسميه الأنباء وبخاصة البنات بمثل أسماء (نجلاء، فاتن- شيريهان).
وهنالك بعض من الأسماء دال على التمركز حول الذات (egocentrism) أو ربما دال على التعلق بموهبة مانح التسمية، مثل أولئك الذين سموا بناتهم على أغانيهم أو أسماء كتبهم أو طبيعة موهبتهم فالمغني عثمان الشفيع سمي ابنته. (ذكريات) على أغنيته، والشاعر محمد على سمي بنتيه على ديوانه ألحان وأشجان، واللمحن بشير عباس سمي ابنته الحان وكاتب الأغنية إسماعيل خورشيد سمي ابنته كلمات.
الاسم في الموروثات الشعبية:-
نجد في السودان صدى للسيرة الهلالية في منشأ دولة الفور، وتسمية مدينة الهلالية، لذا نجد من بين أسماء السودانيين بو زيد وهلالي، ونجد أصداء لسيرة سيف بن ذي يزن، ولعل قدم السيرة تاريخيا – والذي يعرضها للتحريف – عرض اسم بن ذي يزن للتحريف فأصبح سيف اليزل، والسيرة الشعبية مظنون فيها ذلك، أنه هي إلا رغبات وآمال الأمم تضيفها إلي شخصية بطل السيرة، فتنتهك وقائع التاريخ في السيرة، وتحرف أسماؤها. وكذلك يرد في سيرة على بن أبي طالب اسمي كرار وعلى.
والأمثال الشعبية هي الوعاء الذي يجمل خبرات الشعوب، وعادة ما تبدا بقول يستحسنه الناس فيرددونه وتصبح له السيرورة، والمثل السوداني دليل على وجدان الشعب السوداني، ونجد في الأمثال السودانية مجموعة الأمثال الآتية:-
1805 – الاسم عالي والجيب خالي. يضرب في تحسر الكرام حين يعجزون عن طلب العشام.
يقال هذا المثال إذا ذكر اسم شخص فيه عاهة خلقية أو به مرض عضال.
أظنه مصريا يتمثل يتمثل به حينما يسند فعل أو أمر لغير فاعله أو غير مستحقه المباشر، عمله كقوله الخيل تقلب والشكر لحماد.
لكل مسمي من اسمه نصيب، يضرب لمن يتحد اسماهما وتتشابه اخلاقهما.
الرجل الفقير ذو السمعة الحسنة خير من الرجل الغني ذو السمعة السيئة لان الأول يتمتع بلذة معنوية ودائمة بعده، والثاني يتمتع بلذة مادية تتقطع بموته. ويضرب للحث على التمسك بالأخلاق.
المصدر : مجلة كتابات سودانية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.