أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التسول في المساجد احتياج ام احتراف

ما أن يعلن الإمام الانتهاء من الصلاة وذلك بقوله ( السلام عليكم ورحمة الله) عن يمينه ويتبعها بأخرى عن يساره ، وقبل أن تنتهي من قولك (استغفر الله) ثلاث مرات، إلا وتجد شخصاً ينهض مسرعاً ويبدأ في مخاطبة المصلين ويطلب منهم المساعدة . ويختلف الخطاب لدى كل واحدٍ من هؤلاء فمنهم من تمرس في هذا العمل وأصبح خبيراً في اختيار العبارات الرقيقة التي تجذب عطف الناس إليه ويستخدم كل فنون الخطابة ، وبالمقابل يتدافع المصلون نحوه ويدفعون له الأموال .
وأحياناً كثيرة تجد أن عدداً من المتسولين وقفوا في مسجدٍ واحد وأصبح كل واحد منهم يعتمد على رفع صوته حتى يجذب أنظار الناس إليه ويحكي كيف أنه يعيش في مأساةٍ ، وترى كل واحد منهم ينظر إلى الآخر بطرف عينه ، وقد تستغرب جداً وأنت تنظر إلى بعض المتسولين وهم في مقتبل العمر وفي أتم الصحة والعافية ، وأحياناً أخرى تجدهم أطفالاً لم يبلغوا سن الرشد يدَّعى كل واحد منهم أن والده توفي وترك له مجموعة من البنات وهو الولد الوحيد .
هذا بخلاف الذين يجلسون خارج المسجد على الأبواب، الصامتون الذين لا يتكلمون، وكأن هؤلاء المصلين (الأغنياء) أتوا إلى المسجد لينفقوا أموالهم (الفائضة عن حاجتهم) .
في هذا التحقيق أردت تسليط الضوء على هذه الظاهرة التي انتشرت في الآونة الآخيرة ، وكلنا يعلم أن الإنسان لم يولد متسولاً أو مجرماً أو لصاً وإنما هنالك دوافع وأسباب أدت إلى انتشار هذه الظاهرة ونموها فإلى مضابط التحقيق.
20 جنيهاً شهرياً
عمنا محمد آدم أحد المتسولين بالمساجد عندما سألناه عن سبب تسوله قال : ما عندي أي حاجة وجيت من البلد للعملية وقروشي كلها كملت ، والآن أريد فقط ما أعالج به نفسي وإذا وجدته سأترك التسول .
ألم يساعدك المسؤولون في المستشفى ؟ جزاهم الله خير وقالوا لي لا زم أجيب بطاقة تأمين صحي ، وذهبت لناس التأمين الصحي وأعطونى بطاقة علاجية ولكنها ليست مجانية ولا بد أن أدفع شهري وأنا لا أملك شيئاً .
أليس لك أهل وأرحام هنا ؟ لا ، كل أهلي تشردوا بسبب الحرب وحتى أولادي لم أجدهم .
أين تسكن ؟ في السوق وناس السوق بساعدوني في الاكل والشرب .
هل قلَّ الخير عند الناس
هكذا بدأ عمنا آدم وهو متسول أيضاً والتقيته في أحد المساجد وعندما سألته عن سبب سؤاله الناس بدأ بقوله : عندي زول عيان وداير حق العلاج وجميع ما عندنا نفذ في البداية ومريضنا لم يشف بعد ، تركنا الطبيب الأول وذهبنا إلى طبيب آخر وكانت المفاجأة أن التشخيص كان خطأ وكل ماصرفناه ذهب هباءً منثوراً وبدأنا رحلة العلاج من النقطة الأولى. أين الأهل والأرحام ؟ وقفوا معنا في البداية وبعد الخطأ في التشخيص لم يساعدنا أحد والحالة صعبة .
التسول والإحتيال
حكى لي أحد الإخوة أنه ذات مرة وهو في مسجدٍ إذا بمجموعة من الرجال يحملون (جنازة) ويدخلون بها المسجد وما أن صلوا عليها حتى وقف أحد (أهل الميت) ، وبدأ يتحدث عن أن هذا (الميت) عليه ديون كثيرة ويجب علينا أن نقضي عليه دينه قبل أن ندفنه ، فما كان من المصلين إلا أن تدافعوا وساهموا بكل ما يملكون ، وبعد هدوء المسجد ومع الزحمة لم يجدوا أي أحد من الذين أتوا (بالجنازة) وبعد طول انتظار لم يجد المصلون بُداً من أن يدفنوا هذا (الميت) وبعد أن حملوه إكتشفوا بأنهم يحملون مجموعة من الكراتين والحطب والأقمشة البالية وهي ملفوفة بطريقه تجعلك لا تشك أدني شك بأنها ليست جنازة .
وفي ذات السياق يتحدث الأستاذ ربيع شوكت وهو يتبع للمعهد العالي لديوان الزكاة حيث قال إن هناك أسبابا كثيرة أدت لانتشار ظاهرة التسول ومنها :
أولاً : الفقر وهو عامل رئيسي للتسول في المساجد .
ثانياً : طيبة الشعب السوداني في مساعدة المساكين والفقراء .
هذه العادة انتشرت في الآونه الأخيرة وهناك قبائل بعينها امتهنت هذه الظاهرة ، بالإضافة إلى الأجانب الذين أصبحوا رقماً لا يمكن تجاوزه وقد استغلوا طيبة الشعب السوداني .
ويواصل الأستاذ ربيع قوله بأن هناك عملاً منظماً يقوم به أفراد لكي يجلبوا الأموال من التسول وخاصةً من المساجد ، وتجد الحجج التي يطرحونها قوية جداً ، ويستخدمون الطلاب والأطفال وفي نهاية اليوم (الدوام) يأتي المنظمون ويجتمعون بهؤلاء المساكين الذين يستخدمونهم كطعم لجمع المال ويلتقون بهم في مكان محدد ويجمع كل واحد ما تحصل عليه ثم يقوم المنظمون بإعطائهم 5 جنيهات والذي لم يجمع المال يُجلد جلداً مبرحاً .
هذه المجموعة لا يستهان بها وتعمل بنشاط وحيوية ومساحة واسعة ، ورغم هذا الانتشار الواسع لا يوجد تشريع واضح من الدولة لإيقاف هذه الظاهرة والذين يمتهنون التسول. وخسرت الدولة أكثر من مليار جنيه في إرجاع المتسولين الأجانب إلى بلدانهم . ديوان الزكاة له دور كبير في الحد من هذه الظاهرة ولكن المتسولين وضعوه في موضع التهمة . وقد كوَّن ديوان الزكاة لجاناً وسماها باللجان القاعدية حتى على مستوى الحي ، والذين يسجلون لديوان الزكاة في الأحياء قلة ، ولا يتسولون في نفس الحي الذي يسكنون فيه وإنما يذهبون إلى أحياء أخرى .
التسول وعلم النفس
انتشرت في الآونة الآخيرة بصورة مزعجة، هكذا ابتدر الدكتور مهيد محمد المصطفى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة أم درمان الإسلامية حديثه عن التسول في المساجد وقال: من يتسول ويتخذ التسول مهنة فهذه مصيبة عظيمة بالنسبة له ، ويمكن أن نقول أنه قد تعطل نموه الأخلاقي في مرحلة مبكرة من عمره ، ويسمى بالشخصية ضد المجتمع وفي علم النفس تسمى هذه الشخصية بالسايكوباتية وربما يجد متعة ولذة في أنه يتحايل على الناس ويتكسب من ورائهم.
ويواصل الدكتور مهيد وهو أيضاً إمام مسجد بالحاج يوسف ومرت به العديد من حالات الذين يمتهنون التسول ولكن حدث ما لا يرغبونه وقصصهم كثيرة ويذكر منها أن جاء أحد المتسولين وادعى أن والدته قد عملت عمليه وهي بالمستشفى ويريد ما يُرجعه إلى بلده ، وقد تكفل أحد المصلين بما يوصله إلى بيته ، وكان هذا يوم الخميس وتفاجأ الرجل الذي تكفل للمتسول بكل ما يخص السفر يوم السبت بنفس الرجل يسأل في مسجد آخر بنفس مسألته ، وهذا دليل واضح على كذبهم.
وآخر أتى إلى المسجد وطلب مساعدته لإجراء عملية وكان يحمل معه مجموعة من الروشتات وأوراق مختومة من الأطباء بالمستشفى ، وبالتحري والدقة وجدنا أن لا علاقة لهذا الرجل مع أيٍ من هذه الروشتات والأوراق ، حيث يوجد اختلاف بين الأسماء التي ذكرها والتي على الروشتات وعندما سألناه اضطرب . أنا لا أمنع إعطاءهم ولكن يجب علينا أن نتحرى .
لم يمت أحد من الجوع
ومواصلة للموضوع يقول المهندس أنس عبد المطلب إن الظاهرة أصبحت منتشرة بصورة غير حميدة حتى أن بعض الناس أصبحوا يمتهنونها كمهنة وهناك عصابات ، وأنا لا أحبِّذ هذه الظاهره وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : (يأتي السائل يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ) وكذلك (من يستعفف يعفه الله) ، والإنسان عليه أن يستعفف ورزقه لا محالة آتي ، (وما في زول مات من الجوع) ، وهناك بعض الناس يستغل الدين في أمور التسول كأن يقول أريد دعماً لخلوة ، أو يقول إنه يدرس في خلوة ولا يملك ما يوصله ، وكذلك لا نستطيع أن نُميِّز بين المحتاج وغير المحتاج .
وكذلك التقينا بالشيخ ساتي صديق الداعية المعروف وسألناه عن الجانب الشرعي لعملية التسول في المساجد فقال : التسول عموماً ممنوع ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا لثلاثة : رجلٌ تحمل حمالة ، فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ، ثم يمسك . ورجل أصابته جارحة ، اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش . ورجل أصابته فاقة حتى يصيب قواماً من عيش . وهذا الحديث في شأن المتسول وليس المنفق . إذاً فالمسألة عموماً لا تجوز إلا لهذه الأصناف الثلاثة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم .
والمساجد بُنيت لذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال سبحانه وتعالى في سورة النور : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) ، والمساجد هي مكان إصلاح المجتمع من ناحية تربوية ومن ناحية أخلاقية وسلوكية ، وكذلك المسجد هو مأوى الفقراء والمساكين كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الصُفَّة الذين كانوا يسكنون في المسجد وهم الفقراء من الصحابة عليهم رضوان الله ، كانوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن كانوا في المسجد من غير مسألة أي لا يسألون الناس ، والصحابة عليهم رضوان الله لا يسألون الناس ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف فالصحابة مع أنهم كانوا فقراء لم يُمدُّوا أيديهم إلى الناس في بيت الله سبحانه وتعالى لأنه علمهم النبي صلى الله عليه وسلم عدم سؤال الناس ، وكذلك عدم إنشاد الضالة في المسجد ، ويفهم من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم منع كل ما من شأنه أن يدخل الإنسان في أمور الدنيا ، ويقول عليه الصلاة والسلام وكره لكم ثلاثة :( قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ) فشاهدنا كثرة السؤال وسؤال الناس ممنوع أصلاً وبالذات إذا كان في ناحية الكثرة ، كما جاء في الأثر : ( ما فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر ) ، وهؤلاء الناس يدخلون بيت الله عز وجل فرغم أن الأفضل لهم أن يسألوا الله عز وجل لكنهم يسألون خلقه وهذا من أكبر العيب عليهم ، والانسان إذا أراد أن يسأل شخصاً يذهب له في داره أو مكان عمله ويسأله ، فكيف بهؤلاء يأتون إلى بيت الله سبحانه وتعالى ويسألون غيره ، ومن الأفضل على المسلمين في المساجد أن لا يُحوِّجوا هؤلاء الناس إلى السؤال فالمصلون إذا تعاونوا وتعاضدوا على هؤلاء المساكين ووقفوا معهم في محنهم مثل أن يكون الانسان مريضاً أو ألمَّت به جارحة فساعدوهم من دون أن يسألوا الناس فيكونون قد حققوا التكافل والتعاون الاجتماعي المطلوب بين المسلمين فاليد العليا خير من اليد السفلى .
وأما السائل فلا تنهر
يواصل الشيخ ساتي صديق ويقول : يجب عدم نَهر واحتقار من يسأل الناس لقول الله تعالى : (وأما السائل فلا تنهر). والسائل نوعان : أولاً الذي يسأل في أمور دينه فلا ينهر مهما كان السؤال ، وذلك لما جاء الأعمى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتولى عنه أنزل الله سورة عبس ، وثانياً السائل الذي يسأل الناس من المال فلا ينهر وإنما يعلم ويؤدب وينصح ويرفق به ، وإن كان أخرقاً لا عمل له نوجهه إلى أماكن العمل .
التسول منافٍ للأخلاق
ويواصل الشيخ ساتي صديق حديثه عن التسول ويقول : التسول منافٍ للأخلاق والأخلاق معنى كبير ومن الأخلاق المنح والإعطاء والانفاق في سبيل الله وليس سؤال الناس، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول ) ، والسؤال فيه ذل وإهانة وفيه الكذب أحياناً والطمع والجشع ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (وازهد فيما عند الناس ؛ يحبك الناس) ، وكذلك فيه القنوط من رحمة الله عز وجل لأن هذا السائل كان الأولى به أن يصبر ، وقد يظن أن الله سبحانه وتعالى لا يعطيه إلا عن طريق السؤال ، وقد يكون له أسباب كأن يكون رجلا أعمى أو مريضا مرضاً يمنعه من العمل وحتى هذا يكون حقيراً أمام الناس ولا يشبع من المال مهما أعطي، وسيسأل الله عز وجل يوم القيامة أي شخص من ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه .
هل أصبح التسول مهنة ؟
يجيب على هذا السؤال الشيخ ساتي صديق بقوله : نعم بعض الناس امتهنوا التسول ، ونقول لهم إن هذا المال ليس مالك وإنما مال أخيك وأخذته منه بطريق غير شرعي ، وذلك عندما تمد يدك إليه ويظن أنك فقيرا وأنك محتاج ويعطيك المال وأنت غير محتاج وغير فقير ، وكذلك يُعلم الناس الكسل والخمول فبدل أن يعمل ويكد ويتعب يذهب إلى المسجد ويكذب حتى يلفت أنظار الناس فيعطوه من غير أن يتعب أو يكد ، ويكون قد تعود على الكسل والخمول وإذا لم يعطه الناس يفكر في طرق أخرى كالسرقة وخداع الناس والأخذ بالقوة لأنه فقط يفكر في المال الذي عند الناس .
كذلك كثرة التسول تعلِّم المحسنين عدم الانفاق وذلك بكثرة تردد وجه المتسول مرات عديدة ، ولا يفرق المحسن بين الصادق والكاذب لذلك لا ينفق ماله. لا يتطلب على المنفق أن يتفحَّص المتسول إذا كان مسلماً أو غير مسلم لأن الاسلام ليس في وجهه وإنما في طبعه وحتى إذا لم يكن مسلماً فإنه في النهاية إنسان وقد يكون سبباً لدخوله الاسلام .
للفائدة
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة فأجاب بما نصه : أصل المسألة محرم في المسجد وغير المسجد إلا للضرورة ، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحداً بتخطيه رقاب الناس ، ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ، ولم يجهر جهراً يضر الناس مثل أن يسأل والخطيب يخطب ، أو هم يسمعون علماً يشغلهم به ، ونحو ذلك جاز والله أعلم .
وفي الختام نقرأ قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (215) سورة البقرة ، وبالرجوع إلى تفسير الشيخ السعدي - رحمه الله - يقول : أي يسألونك عن النفقة ، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه ، فأجابهم بقوله :( قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ ) أي مال قليل أو كثير ، فأولى الناس به ، وأحقهم بالتقديم ، أعظمهم حقاً عليك ، وهما الوالدان الواجب برهما ، والمحرم عقوقهما . ومن أعظم برهما النفقة عليهما ، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما ، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة ، على الولد الموسر . ومن بعد الوالدين ، الأقربون على اختلاف طبقاتهم ، الأقرب فالأقرب ، على حسب القرب والحاجة ، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة رحم . ثم (وَالْيَتَامَى) وهم الصغار الذين لا كاسب لهم ، فهم في مظنة الحاجة ، لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم ، وفقد الكاسب ، فوصى الله بهم العباد ، رحمة بهم ولطفاً . ثم (وَالْمَسَاكِينِ) وهم أهل الحاجات ، وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة ، فينفق عليهم لدفع حاجاتهم وإغنائهم . ثم (وَابْنِ السَّبِيلِ) أي الغريب المنقطع به في غير بلده ، فيعان على سفره بالنفقة التي توصله إلى مقصده .
ولمَّا خصّص الله تعالى هؤلاء الأصناف ، لشدة الحاجة ، عمم تعالى ، فقال : (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ) على هؤلاء وغيرهم ، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات ، لأنها تدخل في إسم الخير . ( فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) ، فيجازيكم عليه ، ويحفظه لكم ، كل على حسب نيته وإخلاصه ، وكثرة نفقته وقلتها ، وشدة الحاجة إليها ، وعظم وقعها ونفعها . إنتهى كلامه رحمه الله .
فلننظر أخي القارئ كيف درَّج الله سبحانه وتعالى المستحقين لهذه النفقة ، والواجب علينا أن نسير بهذا التدرج فبعد أن نكفي حاجة الوالدين ، ونكفي حاجة الأقربين ، ونكفي حاجة اليتامى ، نبحث بعد ذلك عن المساكين وابن السبيل وغيرهم من أصحاب الحاجات .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.