شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حفل تكريم الشيخ أ.د." جعفر إدريس".. نموذج يحتذى به

كنت أسمع عن الشيخ جعفر شيخ إدريس كثيراً و أتابع له بعض المواد المتلفزة على الفضائيات الإسلامية، لكن لم أره سوى هذه المرة التي تمنيت أنها كانت منذ سنين.. في الحادي والعشرين من هذا الشهر الهجري نظمت "مجلة البيان" الإسلامية حفل تكريم لهذا الرمز من رموز العلم الشرعي في الأمة الإسلامية وأعتقد أنها لفتة كريمة وجميلة تقديراً لما قدمه هذا الرجل لأمته على مدار عقود طويلة.
كان الحضور من الذين تتلمذوا على يد هذا الشيخ ونهلوا من علمه الكثير لدرجة أن البعض منهم خلال إلقاء الشيخ كلمته إغرورقت عيناه تأثراً بحديث متواضع فيه زهد، يبتعد عن التفاخر بعلمه بل يتمنى المغفرة على التقصير، يخرج من لسان لطالما كان بالمرصاد لأعداء الله، ومدرسة تعلم طلاب العلم أمور دينهم.
أول تلامذة الشيخ جعفر إدريس كان رئيس تحرير "مجلة البيان" الإسلامية الذي أمتعنا بكلمة ترحيبيه جميلة مع بداية الحفل .. قال فيها : "أرحب بشيخنا الشيخ جعفر شيخ إدريس وهذا الجمع الكريم، لقاءنا لقاء حب ووفاء لقاء تقدير وعرفان لشيخنا واستأذنا فضيلة الشيخ جعفر وحقيقة هذا اللقاء من أسعد اللحظات على نفسي لأنني أشعر بأننا نقدم جزء يسير من حق شيخنا علينا، واسأل الله أن نكون متحابين بالله وأن يجمعنا في جنات النعيم في الفردوس الأعلى، وأن يبارك في جهوده وأعماله الكثيرة التي نحن ثمرة من ثمراتها".
ثم بعد ذلك كان الشيخ محمد عبد الكريم رئيس قسم الثقافة الإسلامية في جامعة الخرطوم وأحد الذين نهلوا من علم الشيخ الكثير الملقي الثاني في الحفل الذي بدوره تحدث لنا عن المزيد من تفاصيل حياة الشيخ التي لم نعرفها وعاشها سواء في السودان أو خارجها، و قال معلقا على كلمة الشيخ الصويان: "كم أنا سعيد لهذه التقدمة لفضيلة الشيخ إدريس، وأحسب أنني من الجيل الذي استفاد غاية الاستفادة من كتابات الشيخ ونصائحه وتوجيهاته ومواقفه، وفضيلة الشيخ أجرى الله تبارك وتعالى على يديه الخير في النصح و الدعوة والعمل لهذا الدين في داخل السودان وخارجه فجمع هذين الحسنين".
ثم استطرد الشيخ عبد الكريم في الحديث عن تفاصيل حياة شيخ إدريس في السودان قائلاً : "له تاريخه المضيء الناصع في الحركة الإسلامية في السودان، وإذا تتبعنا سيرته وجدناه أنه منذ أن بدأت الحركة الإصلاحية في السودان ومع وجود الاستعمار الإنجليزي أبى إلا أن يكون فاعلا في كل تلك الأدوار والأطوار التي مر بها السودان، بدءاً من انخراطه في جماعة أنصار السنة المحمدية في "بور سودان"، و كذلك بعد نشأة الجماعة كان بالدعوة إلى السنة ثم ما كان منه من مواقف عظيمة مشرفة عندما بدأت الحركة الإسلامية في شيء من النضوج ومقاومة الاستعمار حيث تحولت إلى حركة التحرير الإسلامي التي تحولت بعد ذلك إلى جماعة الإخوان المسلمين".
وتابع رئيس قسم الثقافة الإسلامية في جامعة الخرطوم قائلاً : "الشيخ جعفر إذا رجعنا إلى حقبة الستينات والسبعينات في تاريخ السودان لوجدنا انه من القلائل الذين كانوا يكتبون كتابات يبينوا فيها النهج الإسلامي ويقاومون فيها طرائق الليبراليين والعلمانيين أنا ذاك.. وأذكر أنني وأنا ابحث في الأرشيف عن كثير من مواقف بعض العلمانيين في السودان وهم الآن يقفون مواقف مخزية إزاء الشريعة الإسلامية، دائما أجد في الكتابات القديمة قلم الشيخ جعفر شيخ ادريس حاضرا في تلك الحقبة، وهو ينافح ويدافع ويبين كثيرا من المنزلقات الفكرية، سواء في الفكر الجمهوري لمحمود محمد طه والفكر الذي زعمه الدكتور حسن الترابي والعصرانيين وموقفهم من محكمات الدين أو منافحته عن الشريعة وتطبيق شرع الله سبحانه وتعالى" .
لم يتوقف عبد الكريم عن الثناء على الشيخ وعن إنجازاته العلمية وكتبه التي كان أبرزها "الفيزياء ووجود الخالق" و كذلك "نظرات في منهجنا الإسلامي"، و "الدعوة الإسلامية والغزو الفكري" و "صراع الحضارات "والكثير الكثير من روائعه العلمية التي دعمت المكتبة الإسلامية، حتى عرج على حياة الشيخ الأكاديمية و تدريسه في الجامعات السعودية مثل "جامعة الملك سعود" و "جامعة الإمام محمد بن سعود" ، وأضاف قائلا :" ومن عاصره كذلك في أمريكا وغيرها، له مواقف عظيمه في كثير من الأمور حتى في بداية التسعينات حيث استفدت منه في بداية التسعينات، خاصة في المعركة الكبيرة التي كانت بين الدعاة في السودان والاتجاه العصراني فوجدنا عند الشيخ الكثير من المواقف السابقة والمعلومات التي بنينا عليها في تلك المعارك الكبيرة".
ثم يبدأ البروفيسور عبدالله الصبيح بالحديث عن الشيخ إدريس كتلميذ يتحدث عن معلمه فيقول :" مما أنعم الله علي به معرفتي بالشيخ العالم الجليل جعفر "شيخ إدريس" حفظه الله وتتلمذي عليه أكثر من ثلاثة عقود. والعالم المربي هو بمثابة الوالد بل ربما كان أثره أعظم من الوالد، والشيخ جعفر كان لي والداً مربياً بسمته وخلقه وعلمه".
ويتابع قائلاً :" ترجع معرفتي بالشيخ جعفر إلى ما قبل خمس وثلاثين سنة حينما كنت في الصف الثاني الثانوي وقرأت له مقالاً يتحدث فيه عن وجود الله عز وجل ويرد فيه على مقولة المادة لا تفنى ولا تستحدث. المقال كان فريداً في موضوعه، ويفند قضية كانت شائكة وكنت سمعت من البعض هذه المقولة وكانوا يصفونها بأنها قانون علمي وحقيقة ثابتة، وكما تعلمون فللعلم سطوته وللسن حكمه فلم يكن لدي حجة لدحضها إلا أنني لم أرتح لهذه المقولة، ولما وجدت مقالة الشيخ جعفر وجدت فيها إجابة على ما كان في نفسي وكان مما شدني في المقال تسلسل أفكاره المنطقي فحرصت بعدها على قراءة ما أجده لهذا المفكر العالم. ومقالة الشيخ هذه وسعها فيما بعد وأصدرها في كتاب عنوانه "الفيزياء ووجود الخالق". وحديثي في هذه المناسبة الكريمة: مناسبة تكريم شيخي أبي عبد الرحمن هو عن بعض جوانب شخصيته العلمية.
وأضاف الصبيح: استمعت للشيخ جعفر كثيراً وقرأت له كثيرا وحاورته كثيراً وفي كل ذلك وجدته العالم الذي يحترم عقل سامعه وقارئه ولم أجده يستعين على عقل قارئه بإثارة عاطفته ليقع في أسره وتبعيته بل كان يحرك كوامن العقل ليرتقي القارئ والسامع ويكونان في درجة واحدة معه فيفكرون سويا.
ويتحدث الصبيح بشغف عن سيرة حياة رجل قارب الثمانين عاما، كان في يوم من الأيام أحد تلاميذه، ويقول :" الشيخ جعفر يعيب أولئك الذين ينتقصون من العقل، ويقول إنه لم يرد في القرآن أو السنة ذم له، بل كان الذم نصيب أولئك الذين لا يعقلون، قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون} [الأنفال:22] أما من يقدم العقل على النص فيسميهم الشيخ بأهل الهوى، ويقول إن علماءنا صنفوا المعتزلة الذين اشتهر عنهم تقديم العقل على النص ضمن أهل الأهواء ولم يسموهم بالعقلانيين أو أهل العقل".
ثم يستذكر الماضي قائلاً :" مما رأيته في الشيخ أنه من القلة التي درست الفلسفة وتبحرت فيها ومع ذلك بقيت عنده صفتان: الأولى: تعظيم الكتاب والسنة، والثانية : احترام علماء الأمة ومحبتهم. وهذا بخلاف كثيرين شدوا شيئاً في الفلسفة ثم اعتلوا بعض المنابر فإذا هم يفتعلون خصومة مع نصوص الوحي أو تراث الأمة وعلمائها، فيتأولون في النصوص ويردون منها ماشاؤوا، وربما انتقصوا علماء الأمة، ومن قرأ لهم أو استمع إليهم يجد في صدره حسيكة على علماء الأمة وخيارها، ولاسيما أهل الأثر منهم. والشيخ جعفر حماه الله من ذلك، ومن تتلمذ عليه انطبع في قلبه تعظيم الوحيين واحترام العلماء. وأكثر من وجدت الشيخ يثني عليه ويستشهد به من العلماء اثنان: ابن تيمية في القديم وابن باز في العصر الحديث رحمهما الله".
ويتابع : "والشيخ لايفتر من ذكرهما والثناء عليهما والاستشهاد بهما، وإن كان مما شد الشيخ لابن تيمية عقله الواسع في نقد الفلسفة فالذي شده لابن باز تعظيمه للأثر وعقله الواسع في الفقه. سألته مرة عن عالم فقيه متميز هل هو أفقه من ابن باز؟ فقال: لا، لا يمكن أن يساويه. ثم سألت أهل الاختصاص ممن درسوا الاثنين فأكدوا ما قاله الشيخ".
ثم يقول : "الشيخ درس الحضارة الغربية وعاش في بلادها سنوات طالباً متعلماً ثم معلما ومحاضراً فلم يتحول مبشرا بها بوقا لها متمدحاً بما نال منها من فكر وتجربة. بل كان مراقبا أمينا لأمته فكان نعم الناقد ونعم الناقل، يختار الحسن فينقله وينتقد الخلل ويحذر منه. ولعل من أكثر مافتن به المثقفون مفهوم الديمقراطية فكان للشيخ موقف واضح منها مؤسس على النقل والعقل والخبرة البشرية، وهذا الموقف الرافض لها لم يدفعه إلى قبول الواقع وتأييد الاستبداد والغفلة عن مقاصد الحكم في الشريعة الإسلامية".
ويحاول عبدالله الصبيح في كلمته استدراك عض المواقف للشيخ إدريس قائلاً: "وأعظم مأخذ أخذه الشيخ على الحضارة الغربية هو قولها بنسبية الحق. ويقول الشيخ: إن الحق واحد لا يتعدد، وجهل الناس به لا ينقله من رتبة الصواب إلى رتبة أدنى، واعتناق الناس لمذهب أو فكرة لاينقلها من رتبة الخطأ إلى رتبة الصواب، ويستدل بقوله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس:32]".
والشيخ كثيراً ما استمعت إليه - حينما كنت مبتعثاً - يخاطب الطلاب المبتعثين في أمريكا في المؤتمرات والملتقيات الإسلامية قائلاً إنني أخشى على أمتكم منكم فربما كنتم سبباً في تغريبها، فلعل بعضكم ينقل سيء الحضارة الغربية إلى أمته ظاناً أنه حسن، ومن استمع إليه ربما أحسن فيه الظن بسبب سمته الإسلامي فصدقه.
لعل أكثر موضوع شغل ذهن شيخي حفظه الله هو التأصيل الإسلامي للعلوم، فالشيخ كتب في هذا الموضوع وحاضر منذ أربعين سنة أو تزيد، ومما ذكره لي أنه ألقى محاضرة في أحد المؤتمرات الإسلامية في أمريكا في التسعينات الهجرية من القرن الماضي وهي من أول ما ألقى في ذلك، فأيد من أيد واعترض من أعترض وسخر من سخر وكانت أعلى الاعتراضات صوتا من بروفيسور في الاقتصاد يحاضر في إحدى الجامعات الأمريكية ، وحجته أن العلم محايد لايتأثر بدين أو ثقافة. يقول الشيخ وبعد سنة وفي مؤتمر مماثل حضر البروفسور نفسه ومعه بحث طويل يؤيد ماقلته فقلت ماذا حصل يافلان فقال :"I did my homework" "لقد عملت واجبي المنزلي".
الشيخ كتب في هذا الموضوع باللغتين العربية والانجليزية كثيراً، ولكن ما كتبه لم يجمع، وأظنه لو جمع لبلغ مجلداً. ولعل ما كتبه هو أنضج ما كتب في هذا الباب وأنفسه، و لا عجب في ذلك فالشيخ إمام في التأصيل.
الشيخ يرى أن العلوم تستند إلى أطر معرفية توجهها وتحدد قضاياها ومناهج البحث فيها، وهذه الأطر تتأثر بثقافة العالم ورؤيته الخاصة و ما هو سائد في مجتمعه. وفي الغرب خاصة تكون الإطار المعرفي للعلوم من خلال تراكم معرفي نتيجة تجربة حضارية خاصة اتسمت بالصراع مع الدين. ويرى الشيخ أننا لكي نؤصل العلوم لابد أن نؤسس أطراً معرفية مستقلة تستند إلى القرآن والسنة و نبني عليها علومنا.
وعملية التأصيل عند الشيخ لا تنفصل عن التمكن من اللغة العربية وإتقان الدلالة اللغوية للمفردات ولاسيما دلالة استعمالها في القرآن والسنة. وكثيرا ما احتج الشيخ في حديثنا معه بالمعنى اللغوي للمفردة كمفردة "العقل" التي بحثها كثيرا وكتب فيها عددا من المقالات، مفردة "السبب والسببية" وكانت موضوع رسالته في الدكتوراه، واعتمد فيها اعتماداً كبيراً على معنى السبب في اللغة العربية، وكان ما كتبه مبهراً لمناقشيه.
وكثيراً ما سمعنا الشيخ يقول لنا اكتبوا و لا تحقروا أنفسكم فما تكتبونه يبقى وسوف يستفيد منه من يأتي بعدكم، لاتستهينوا بالكتابة. الشيخ يقول عن نفسه إنه بحمد الله سلفي، وهذه السلفية تلقاها صغيراً من بعض أقاربه ممن هو من جماعة أنصار السنة، ويقول إن المنهج السلفي وابن تيمية خصوصاً أعاناه في تقييم الفلسفة ومنحاه الاستقلال الفكري الذي يتمتع به.
وأختتم كلمته بالقول :" أخيراً أشكر "مجلة البيان" على تكريمها للشيخ، وهذا ليس غريباً علي القائمين عليها وعلى رأسهم الشيخ أحمد الصويان، فهم من عرف الشيخ وقدره قدره ففتح له صفحات المجلة منذ سنوات يكتب فيها مقاله الشهري الذي نتج عنه كما أخبرني الشيخ أحمد أربعة كتب، فجزاهم الله خيرا الجزاء".
ثم يعود الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان للحديث عن مواقف شاهده على انتفاع الأمة بعلوم الشيخ إدريس قائلاً :" موقفان يحصل أنني اذكرهما في هذا المقام الكريم.. الموقف مر علي في معرض الكتاب قبل ثلاثة أيام حينما جاء شاب يسأل عن كتب الشيخ جعفر، وبقي جزء لم يكن متوفر في المعرض وكان حريصا على اقتناءه فسألته ما السبب الذي يجعلك تفضل هذه الكتب عن غيرها؟!.
ويكمل الصويان قائلاً : "فأجاب.. بأن كل مسألة تشكل علي من الناحية الفكرية أجد فيها جواب شافياً لا أجده عند الكثيرين من المفكرين الذين أقرء لهم إلا عند الشيخ جعفر... كم من الاتصالات والرسائل تأتينا تثني على مقالات الشيخ جعفر وتأثيرها في صناعة الفكر الإسلامي".
ثم تابع حديثه قائلا : "موقف أخر مر معي قبل حوالي سنة التقيت بمجموعة من الشباب في أحدى الجامعات وجاء إلي أحدهم وسألني عن الشيخ جعفر ثم قال.. لك شيء من حولي كان يشدني إلى الإلحاد حتى استنقذني الله سبحانه وتعالى بكتاب الفيزياء ووجود الخالق.. وطلب مني أن أبلغ هذه الرسالة للشيخ جعفر وأشكره على لسان هذا الأخ على هذا الكتاب".
ثم يقدم الصويان الشيخ جعفر شيخ إدريس للحديث للحضور الذين اجتمعوا لتكريم هذا العالم الجليل قائلاً : "أنا اجزم أنكم تريدون سماع شيء من علمه وفكره لكنه يعتذر عن ذلك ونسأل الله تعالى أن يمد في عمره على الطاعات".
عم الهدوء قليلا في القاعة التي نظم فيها الحفل وهي تقع في مقر "مجلة البيان" بالعاصمة السعودية الرياض، ثم بدأ شيخنا حديثه بصوت يظهر فيه الإعياء قائلاً :
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
: "فإن من أشق الأشياء على الإنسان أن يتحدث بين أناس يمدحونه وهو جالس، ما كنت أظن أنني سأمدح هذا المدح بين أخوين جالسين بجنبي.. هذا ما قدر الله وما شاء الله كان.. بالنسبة لي أرى أن تفرقوا بين إنتاجي الفكري وبين سلوكي.. قد تسمعون كلام عني في سلوكي أو في كذا أو في كذا وهذا لا علاقة له بفكري، الإنسان قد يخطئ أخطاء وينحرف .. لكن هذا لا يطعن في منهجه الفكري"..حاول الشيخ الاستدلال بآية من القرآن على كلامه لكنه توقف قليلا ثم أكمل قائلا:" أنا مريض ومن أثار المرض النسيان ربنا سبحانه وتعالى ذكر يمكن أن يجمع بين الخير والشر... يمكن أن يجمع بين ما هو سلوك حسن و ما هو قول باطل.. الإنسان معرض لهذا ولذاك.. بالنسبة لكتاباتي أظن أنني حرصت جدا على أن تكون كلها على منهج أهل السنة ... لكن الإنسان إذا التزم بمنهج هذا لا يعني انه لا يخطئ.. كثيرا ما أقول أن الالتزام بالمنهج العلمي التجريبي لا يعصم من الخطأ.. لا يوجد منهج يعصم الإنسان من الخطأ .. الإنسان بطبعه يخطئ .. إذا ما فائدة الالتزام بالمنهج الصحيح.. إذا الإنسان التزم بمنهج صحيح وأخطأ يمكن أن أناقشه.. كذلك بالنسبة للعوم الطبيعة، إذا قال إنسان عن شيء ما أنه خطأ يمكن مناقشته .. هذا هو فائدة الالتزام بالمنهج العلمي الصحيح".
ثم أنهى الشيخ جعفر شيخ إدريس كلمته بالدعاء قائلاً : "أسال الله أن يعينني وإياكم على الالتزام بالمنهج الصحيح.. لا في أقوالنا فقط بل في سلوكنا وأن يعيننا على الالتزام بالحق ودخول الجنة بإذن الله سبحانه وتعالى..
ثم اختتم الحفل رئيس تحرير "مجلة البيان" الشيخ الصويان قائلاً : "ربما تسغربون يا إخوان أن كتاب "صراع الحضارات"، الشيخ ما عرف به والسبب أنني اتفقت مع أبناءه الكرام دون علمه بأن تجمع المادة العلمية التي كتبها الشيخ منذ عقود وتفرقت .. الشيخ منذ عقود يكتب تفرقة هذه الكتابات في أوراق متفرقة هنا وهناك ومجلات مطبوعة.. اكبر أبناءه عبد الرحمن متحمس جدا لهذا الأمر وقد جمع مادة متفرقة .. ونرجو أن نستمر في هذا حتى نخرج بقية الكتب بإذن الله تعالى.. ومن عنده شيء من كتابات الشيخ ومقالاته أن يزودونا بها".
بدأ الحفل مساء الخميس 21/4/1433 واختتم بتسليم ذرع للشيخ جعفر شيخ إدريس تقديراً لما قدمه، ساد في هذه اللحظة شعور بالتقصير مع هذا الرجل ممزوج بالسعادة من الفكرة ذاتها وهي تكريم علماء الأمة الإسلامية الذين يقدموا لأمتهم الكثير لكن أمتهم غافلة عنهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.