إعادة إنتاج النظام السابق !! .. بقلم: الطيب الزين    أبو دليق: صراع السلطة والأرض .. نحو تطوير الادارة الأهلية .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    دار الريح .. الزراعة هي المخرج ولكن! (2) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    الدولة كمزرعة خاصة .. بقلم: الحاج ورّاق    ما رأيكم؟! .. بقلم: كمال الهِدي    نحو مذهب استخلافى في الترقي الروحي .. بقلم: د.صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم    يا حمدوك والحلو الودران خليتوهو وراكم في أمدرمان: حرية العقيدة في أصول القرآن أكثر كفاءة من العلمانية!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    وجدي صالح: ضغوط من شخصيات ب(السيادي) والحكومة على لجنة إزالة التمكين    (213) حالة اصابة جديدة بفايروس كورونا و(4) حالات وفاة .. وزارة الصحة تنعي (7) اطباء توفوا نتيجة اصابتهم بفايروس كورونا    السودان: وزارة الصحة تعلن وفاة (7) أطباء في أسبوع    ترمب وديمقراطية سرجي مرجي!. بقلم: عمر عبد الله محمد علي    السودان والموارد الناضبة (2) .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    النصري في زمن الكورونا .. بقلم: كمال الهِدي    طريق السالكين للمحبة والسلام .. بقلم: نورالدين مدني    لابد من إجراءات قبل الإغلاق الكلي .. بقلم: د. النور حمد    ترامب يستثمر عيوب المسلمين .. بقلم سعيد محمد عدنان/لندن، المملكة المتحدة    السوباط على خطى شداد!! .. بقلم: كمال الهِدي    أغنيتنا السودانية: حوار ذو شجون بين الطيب صالح وأحمد المصطفى!. .. بقلم: حسن الجزولي    تصريح بنفي شائعة شراء منزل لرئيس الوزراء بأمريكا بغرض التطبيع مع إسرائيل    أفرح مع الغربال ولا أبكي من البرهان .. بقلم: ياسر فضل المولى    العائد الجديد .. بقلم: عمر الحويج    وفاة(4) مواطنين إثر حادث مروري بحلفا    بيان لوزارة الداخلية حول ملابسات حادث محلية كرري    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بحوث: وظيفة الرسل الإصلاحية

إن مما اجتمع عليه جميع الرسل الدعوة إلى الإصلاح، وقد تركزت على محورين أساسين:الأول: إصلاح العلاقة مع الخالق.والثاني: إصلاح علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وغيره من المخلوقات.وهذان الهدفان أو المحوران عالجهما الرسل بطرق شتى وأساليب متنوعة، فقد قال تعالى:(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) (المائدة:48) هذه الطرق والأساليب تتوافق مع عصر كل رسول من الرسل، وصور التحديات التي واجهته وطبيعتها.
أما الأمر الأول وهو إصلاح العلاقة مع الله تعالى، فقد عالجه كل الرسل، واتفقوا على إصلاحه، بل هو من الأسباب الرئيسة لإرسال الرسل، لأن فساد هذه العلاقة يمثل الفساد الأكبر والذنب الأعظم، والمحرك لكل فساد آخر، مما يحتاج إلى عملية إصلاح حقيقية وعميقة، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا فساد أكبر من الكفر، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13) وفي السنة عن عبد الله قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت إن ذلك لعظيم قلت ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك. قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك.[1] وهذا الحديث يشير إلى الفساد في الجانبين: الفساد العقدي والفساد الخلقي، فالأول في حق الله والثاني في حق العباد، لكن الأول أعظم من الثاني، وربما كان الثاني (الخلقي) نتيجة للأول (العقدي) والأول سببا في الثاني.
الأصل في البشرية الصلاح وكذلك الكون، وإنما الفساد داخل عليهما، فقد قال تعالى لآدم وزوجه وهما هابطان من الجنة: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه:123). والعداوة بين آدم وذريته من جهة والشيطان وجنوده من جهة أخرى، إنما هي عداوة بين الحق والباطل والخير والشر والصلاح والفساد.وجاء في الخبر أن ذرية آدم كانت على التوحيد مدة عشرة قرون حتى داخلها الشرك فأرسل الله تعالى نوحا، يدعو الناس إلى إصلاح العلاقة مع الله تعالى.وكذلك الأصل في الكون الصلاح، وإنما كان يكون الفساد طارئا عليه بفعل الإنسان: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) (فصلت:10) (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (لأعراف:56) وإنما حصل الفساد في الكون بسبب فساد الإنسان قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41(.
الإصلاح العقدي
ونعني به رد الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، بمعنى دعوة الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، الذي لا خالق ولا محيي ولا مميت ولا رازق سواه إلى غير ذلك من صفات ربوبيته، التي هي صفات كمال وجلال وجمال لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وإنما الواجب على خلقه الإقرار له بها، بل هذا من الأمور الفطرية التي جبل عليها الناس، ولا ينكرها إلا جاحد، فهي من الميثاق الذي واثق الله به عباده وهم في عالم الذر أي قبل أن يولدوا، وقد كانوا على ظهر أبيهم آدم، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (لأعراف:172) وجاء في تفسيرها أن الله لما خلق آدم مسح على ظهره فاستخرج ذريته فقررهم بأنه الرب و أنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم و كتب ذلك في رق.[2] والله تعالى يذكر الناس بالخطاب الشرعي ذاك الميثاق الفطري (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (المائدة:7).ولهذا لما تنكر فرعون لهذا الأمر الفطري قال له موسى: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) (الإسراء:102) وقال الله فيه وفي قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(النمل:14).فكل إنسان مثبت في فطرته هذه العقيدة؛ أن الله الخالق لا خالق سواه، وإنما كانت مهمة الرسل هي التذكير بهذه الفطرة والدعوة إلى تكملة الإيمان، وإتمام العقيدة، فلا يكفي أن يقر الإنسان بربه ويقف عند هذا الحد، فلا يعبده ولا يطيع أمره، بل هذا قدح صريح في الإيمان بربوبيته وخالقيته، فالرب والخالق أولى من غيره بأن يعبد ويسمع له ويطاع (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف: من الآية54).
فهما اتجاهان في العقيدة؛ اتجاه من الله نحو خلقه حيث تكفل بخلقهم وتسويتهم ورزقهم وإرشادهم ورعايتهم وبيان مصالحهم، واتجاه من الخلق نحو خالقهم حيث وجب عليهم أن يشكروه على نعمائه وذلك بعبادته وتوحيده والطاعة لأمره، فالأول يسمى ربوبية والثاني يسمى عبودية، فالعبودية من لوازم الربوبية ومقتضياتها، والربوبية داعية إلى تحقيق العبودية، فلا تصح إحداهما بدون الأخرى.ومن فوائد هذه العقيدة أنها تحرر الإنسان التحرر الحقيقي من كل القيود، وتسمو به وبروحه وعقله وجوارحه كلها حتى لا يكون لأحد عليه منة إلا الله الذي خلقه وأحياه ورزقه.فمن أراد التحرر الكامل والحقيقي فعليه أن يكون لله عبدا، وبالتالي سيكون سيدا، لأنه سيملك زمام نفسه فلا يتحكم فيه غير خالقه وولي نعمته، وهذا هو التكريم الحقيقي للإنسان: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70).إن كثيرا ممن يشدو باسم الحرية والتحرر، لا يفقه معناها ولا يعيش حقيقتها، بل تجده عبدا مطيعا لمن هو أقل منه درجة؛ فهو إما عبد لحجر أو شجر أو قمر أو بشر أو بقر أو درهم أو دينار، وهي الوثنية التي حاربها الدين الحق، لأن الدين يريد أن يرتفع بالإنسان فوق هذه الأشياء ونحوها فهي لا تستحق أن تكون معبودة، وأن يسِّخر الإنسان نفسه لها، ولخدمتها، وإنما هي في المفهوم الديني خلقت لخدمة الإنسان وتوفير الراحة له، فهو في الحقيقة سيدها المنتفع بها، فالعلاقة بينهما علاقة تسخير وانتفاع، هي مسخرة له وهو منتفع بها، لا علاقة تقديس وتأليه. (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (لقمان:20). أما من عكس فقد انتكس، لأنه قلب الموازين، وأخل بنظام الوجود، وجعل الوسيلة غاية، والغاية وسيلة؛ قال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج:31) وقال صلى صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أُعطي رضي وإن مُنع سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش.[3]
فالشرك إخلال بالمواثيق، ووضع للأشياء في غيره موضعها، وهو الظلم، ولهذا كان الشرك ظلما عظيما، لأنه جعل المخلوق المسخر إلها معبودا، وأساء إلى الإله الحق أيما إساءة، قال تعالى فيمن جعل لله الولد : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً)(مريم: 88-95).فالعقيدة الصحيحة هي التحرير الحقيقي للإنسان من الوثنيات على مختلف أنواعها وصورها، ليكون الإنسان عبدا لله سيدا في الوجود، وهو مقتضى الاستخلاف الرباني للإنسان: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة:30).فما أجمل أن يكون الإنسان عبدا لخالقه ورازقه وولي نعمته، يسعى لمرضاته، ويستزيده من فضله، وينظر لبقية الأشياء على أنها مثله في الخلق والانقياد، أو دونه في التفضيل والتكريم، فلا شيء غير الله يستحق أن يعبد، أو يحب ويرهب بقدر ما يكون لله تعالى، وبهذا يكون وصف الإنسان بالعبودية هو تكريم له وتشريف، إذ هو تحرير له وانعتاق؛ نعم إنه تحرير له من سلاطين كثيرة استعبدت كثيرين وأذلتهم؛ منها: سلاطين المال والجاه والشهرة والجمال والحاجة والغنى وغير ذلك مما يطلبه الكثيرون ويريقون في سبيله مياه وجوههم، ويحنون في طلبه قاماتهم وظهورهم، فإن حصَّلوه شعروا بالفرح والسرور وإن فاتهم أو فاتوه كانت التعاسة والشقاء، والإسلام يعلمنا: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.[4] فهو بين شكر وصبر وكلاهما عبادة لله، فالله هو المعطي المانع، والمعز المذل، والباسط الخافض، والمقدم المؤخر.فليس عند المؤمن شيء أغلى ولا أعلى من عقيدته وإيمانه وقيمه وأخلاقه، في سبيل ذلك يضحي بكل شيء، وكل صعب بعد ذلك يهون.
والقرآن الكريم يسوق لنا مثلين؛ مثلا للكفر ومثلا للشكر، الكافر الذي حجبته النعمة عن المنعم فأضافها لنفسه، والشاكر الذي عرفته النعمة بالمنعم فكان شاكرا حامدا؛ أما الأول فهو قارون الذي كان من قوم موسى عليه السلام وآتاه الله من الأموال والكنوز ما يعجز عن حمل مفاتيحها أولو القوة من الرجال: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 76-83).تأمل في حال قارون من الغنى وفي مقالته من إضافة ذلك إلى نفسه وقدراته، فكان جاحدا للمنعم الحقيقي، المنعم الذي لا غنى مع غناه، ولا قوة مع قوته، وتأمل أيضا مقالة سفهاء العقول من الناس الذين تبهرهم المظاهر، وتخطف أبصارهم البروق، فتمنوا ما عليه قارون، وليكن ما يكون،بأي طريق جاء، أو في أي سبيل ينفق، وما أكثر أمثال هؤلاء في دنيا الناس، يريدون الثراء فحسب، إنهم عباد الشهوات والنزوات.لكن تأمل مقالة أهل العلم والمعرفة؛ كيف آثروا الحقيقة على الوهم، واليقين على الظن، والتعفف على الانحدار، فتحولوا إلى وعاظ ومرشدين لا إلى منبهرين ومخدوعين، وهذا هو الغنى الحقيقي.
أما المثل الثاني فهو لسيدنا سليمان الذي آتاه الله من الملك والنعم فوق ما آتى قارون لكنه قابلها بالشكر والامتنان، فكانت سببا في رفع شأنه وعلو منزلته، بينما قابلها قارون بالجحود والنكران، فكانت سببا في دماره وهلاكه، فسليمان نفعه إيمانه ونبوته، بينما قارون خذلته نفسه وكفره.. فانظر ماذا قصَّ علينا القرآن بشأن سليمان عليه السلام:(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(النمل 38-40).أيهما أكبر سعادة وأعظم راحة ملِك بلا إيمان ولا يقين، أم فقير معه إيمان ويقين، فالأول هو الجوعان الذي لا يشبع، والثاني هو الملك في الحقيقة؛ لأنه ملك نفسه وتحكم في نزواته وشهواته، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام الذي سأله العطاء مرات: يا حكيم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رحمه الله.[5]
ولهذا جاء الإسلام بمصطلحات غير بها كثيرا مما ساد بين الناس من مفاهيم، مثل: القوة، والرجولة، والغنى، والإفلاس، ونصرة ذي القربى الظالم، وغير ذلك، فجعل القوي من يملك نفسه عند الغضب، لا من يستبد بقوته وجبروته: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب[6]، وجعل الرجولة مروءة وعبادة وجهادا لا فحولة وذكورة، فقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:3637) وجعل الغنى غنى النفس لا غنى الأيدي والجيوب، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس.[7] وجعل الإفلاس هو الخلو من الحسنات لا الخلو من الدراهم والدنانير، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه معلما: أتدرون ما المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.[8] وجعل نصرة ذي القربى الظالم برده عن الظلم، لا بإعانته عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره.[9] وبهذا وأمثاله يصبح الإنسان حرا طليقا، قويا شديدا، سيدا عزيزا. ولا يتحقق ذلك إلا بالعقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص والإيمان العميق.
وبالعقيدة الصحيحة في الله يتحرر الفكر الإنساني من الأوهام والخيالات الكاذبة، فلا ينخدع بها ولا يخضع لها، ولهذا نجد أن الإسلام حارب السحر والشعوذة والدجل والكهانة والعرافة والتنجيم والتطير والتشاؤم ونحو ذلك من الأمور التي لا تقيم للعقل الإنساني وزنا، ولا تحترم قواعد الفكر الصحيح، وإنما هي تلاعب بالألفاظ، وغش وخداع للأبصار، وتزوير للحقائق، الغرض منه التكسب الحرام، وأكل أموال الناس بالباطل، فضلا عن أنها مضيعة للأوقات وعبث بطاقات العقل فتهدر فيما لا يعود بفائدة على الأفراد والمجتمعات، غير الحسد والبغضاء والظن السيء المتبادل بين الأفراد، والقعود عن العمل المفيد، والإنتاج المثمر، ولهذا كان الإسلام حكيما حينما أعلن الحرب عليها، ليكون الإنسان المؤمن حرا من ضغوطها وطليقا من أوهامها؛ ومستفيدا من طاقاته أن يطلقها في مجالها الطبيعي والمثمر، فجاء في الإسلام النهي عن التكهن والعرافة والسحر والنهي عن إتيان من يتعاطى هذه المنهيات.. وقد قص علينا القرآن الكريم قصة سحرة فرعون، وأنهم يستخدمون السحر للتكسب به، ولهذا لما جاءوا فرعون قالوا: (أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)(الشعراء: من الآية41) فوعدهم فرعون بالأجور المادية والمناصب العلية (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (لأعراف:114) ثم أعملوا سحرهم لخداع الناس حتى (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (لأعراف:116) حتى موسى عليه السلام (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه:66) لكن لما جاء الحق زهق الباطل، ولما جاء الضياء انقشع الظلام، فجاء النداء العلوي، والأمر الرباني: (قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طه:68،69) فكانت النتيجة: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) (طه:70) نعم آمنوا قبل فرعون وهامان لأنهم كانوا أعرف بالآيات، وأعلم بالتفريق بين السحر والمعجزة، فصاحب الصنعة أعلم بعيوب صنعته، ومنع الكبر والعلو في الأرض بالفساد فرعون أن يستجيب لنداء الفطرة، وظهور الحق، وجلاء المعجزة، ونتيجة التحدي، فكان من المغرقين الهالكين.
فالإسلام وفر الحماية للعقل الإنساني من مزالق الميتافيزيقا، فأقام له ميتافيزيقا تقوم على اليقين لا على الظنون، دليلها الوحي الإلهي لا الأوهام والتخرصات، فحدثنا الإسلام عن عالم الملائكة وعالم الجن وعالم الأرواح والأموات، وما يكون بعد الموت والبعث بما يفيدنا في حياتنا الدنيوية والأخروية، فعل ذلك حتى لا يتركنا صرعى للتخمينات والتقولات والرجم بالغيب، كل ذلك حماية لنا، وتوفيرا لطاقاتنا العقلية والذهنية أن تذهب سدى، وأن تضيع في غير طائل، ومنع القول على الله بغير علم، والخوض في الغيب بلا دليل وجعل ذلك من المنهيات: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف:33) (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36).فبعد أن تكفل الله بهذا الجانب على القدر الذي يفيد، فليتوجه العقل الإنساني والفكر البشري إلى مجالات أخرى يحسنها ويستطيع أن يقول فيها شيئا، ويأتي فيها بالجديد والجديد.
وفائدة أخرى من فوائد العقيدة في الله أنها توحد بين الناس، بعد أن دعت الناس إلى توحيد الخالق، فهما توحيدان: توحيد الخالق، وتوحيد المخلوقين، حيث يكونون جميعا عبيدا لخالق واحد فلا تفاضل بينهم على أساس من نسب أو حسب أو لون أو قبيلة أو جاه، أو نحو ذلك، وإنما الناس يتفاضلون على أساس التقوى والخلق الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)، فالله تعالى امتن على خلقه بأنه فاوت بين أنواعهم، فجعلهم ذكورا وإناثا، وفاوت بين قبائلهم وشعوبهم، فجعلهم أنسابا وأحسابا، وفاوت بين ألوانهم فجعل منهم الأبيض والأسود، وفاوت بين ألسنتهم فجعل منهم العربي وغيره، وفاوت بين أرزاقهم فجعل منهم الغني والفقير؛ لكن لا تفاضل بينهم إلا على أساس ما اكتسبوه بأيديهم من الإيمان والعمل الصالح، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وعليه فليس لأحد على أحد فضل، فالرب واحد، والمعبود واحد، والأب واحد، والأصل واحد؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت قالوا بلى يا رسول الله، قال فليبلغ الشاهد الغائب.[10] وهذا التوحيد بين الناس من الضمانات الاجتماعية الكبرى، ومن أسباب قوة الأمة، حيث يشعر كل فرد من أفرادها أن قيمته الحقيقية لا ينالها بسبب لونه أو قبيلته أو لسانه أو ماله، وإنما بسبب صلاحه ومشاركته في الإصلاح، إنه عضو صالح وفعّال في المجتمع، لا يعيش متكئا على غير كسبه؛ من لون وحسب ولسان.
ولهذا جعل الإسلام معيار التفاضل بين الناس على أساس الصلاح؛ وجعل ذلك شرطا في الشهادة، وفي تولي الولايات، والترشيح لها؛ فقال تعالى في صفات الشهود: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)(الطلاق: من الآية2) وفي أمر تولي الولايات قال تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ )(المائدة: من الآية95) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) (المائدة:106) وقال صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.[11] وفي أمر اختيار الزوجين قال صلى الله عليه وسلم في شأن اختيار الرجل: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.[12]، وأما في شأن اختيار المرأة فقد قال صلى الله عليه وسلم:تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك.[13] وقال صلى الله عليه وسلم: قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي، وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب.[14]وعليه فلا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا، لأن الرب واحد، هو رب العالمين، فكان توحيد الخالق توحيدا للخلق، بحيث يتساوى الجميع أمام الله، وأمام شرعه، وأمام تكليفاته، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64).
وظيفة الشعائر التعبدية في تحقيق التحرر:
شرع الله تعالى الشعائر التعبدية لتكون شعارا وعلامة على إيمان صاحبها، وإذعانه لأحكام الإسلام، وهذه الشعائر تبلغ في أهميتها أن تكون أركانا للدين، لا يقوم الدين إلا بها، ولا يصلح أمره إلا برعايتها والقيام بها، ولهذا جاء في الحديث: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان.[15]وهذه الأركان إلى جانب ذلك فهي التدريب العملي لتحقيق العبودية لله، ولما أسلفنا قوله من معاني التحرر الحقيقي للإنسان، والتحرر الاجتماعي للبشرية، بحيث تتساوى أمام الخالق وأما تشريعاته، فلا طغيان بسبب نوع أو لون أو لسان، وبيان ذلك كالتالي:
أما الشهادتان فهما إعلان للتحرر من كل معبود غير الله ومن كل متبوع غير رسوله، وإعلان ذلك يكون بشكل يومي ومتكرر، فيه من التذكير ما فيه، وفيه من تجديد الإقرار والاعتراف ما فيه، فالشهادتان على أساسهما يلتقي الزوجان، وبهما يُستقبل المولود فور ولادته، ويُرفع بهما الأذان والنداء إلى الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، ويقالان في كل صلاة، وبهما يودع المؤمن دنيا الناس، وعنهما يسأل كل مقبور، ولا نصيب لأحد في الجنة ورضوان الله إلا بهما، فما أعظمها من كلمة؟! جاء في الحديث أن موسى عليه السلام قال لربه:يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به قال: قل يا موسى : لا إله إلا الله قال : كل عبادك يقول هذا قال: قل: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كلإة (كفة) مالت بهن لا إله إلا الله.[16] فبالشهادتين يعلن المؤمن أنه عبد لله، وليس شيء في المخلوقات يستحق أن يعبد من دون الله أو مع الله، فهو شعار يلازم المؤمن، وينبغي أن يلتزم بمقتضياته من الطاعات وأنواع القربات.
وتأتي بعد الشهادتين الصلاة، وقد سبق الإشارة إلى ما فيها من الأنس والطمأنينة والراحة النفسية التي يجدها المؤمن في الصلاة، ويتكرر ذلك خمس مرات في اليوم والليلة، وإذا حزبه أمر واشتد عليه كرب فزع إلى الصلاة، طلبا لتفريج همه، ودفع كربه. إضافة إلى ما سبق ففي الصلاة من إعلان العبودية لله والتدرّب على إقامتها ما فيها!!.. فهي تعني تحقيق الصلة بالله، إذ هي دخول في جناب الله، وانقطاع في محراب العبودية لله، تبدأ بالتكبير، الله أكبر، كأن المؤمن يعلن ويقر ويتعهد بأن الله أكبر من كل شيء، وأن لا شيء يستحق أن يُلتفت إليه مع الله، ولهذا سميت تكبيرة الدخول إلى الصلاة بتكبيرة الإحرام، فبها تحرم كثير من الأشياء التي كانت مباحة قبل الدخول إلى الصلاة، من الأكل والشرب والنوم وما يخرج من السبيلين، وما لا علاقة له بالصلاة من الكلام والحركة والالتفاتة، كل ذلك صار بالصلاة حراما، يبطل الصلاة ويفسدها، لأنه يتنافى مع مفهومها، ويخل بمقتضياتها، مع أن هذه الأمور التي حرمت بالصلاة من الأمور الفطرية الضرورية التي لا يقدر الإنسان أن يتخلى عنها على الدوام، لكنه التدريب على العبودية؛ أنا عبد لله لا عبد للأشياء، ولو كانت ضرورية، أن يسمع المؤمن ويخضع لربه، ويعلن أن نداء ربه أولى، وطاعة خالقه أشرف، وأنه سيصبر على ترك الضروريات، ليتعلم أنها لا تتحكم في حياته، بل هناك من هو يتحكم في حياته، وهو الذي خلقه، وخلق هذه الأشياء..إن الصلوات الخمس مفرقة على اليوم الليلة، يبدأ بها المؤمن يومه، ويختم بها ليلته، ويفيء إليها ما بين ذلك ثلاث مرات، ليغترف من معينها، ويتزود من زادها، ويستعين بها على صعاب الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا.[17] ويظل المؤمن في هذا الخشوع وهذا الخضوع قائما وراكعا وساجدا وجالسا؛ في هيئاته كلها، وبجوارحه جميعها، منقطعا لله وبالله ومع الله، وفي كل حركة يذكِّر نفسه بالتكبير وبأن الله أكبر من كل شيء، (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ )(الأنعام: من الآية19).. حتى إذا إذن له ربه في الخروج والعودة إلى الناس والأشياء فعل ذلك لكن بعد أن يعلن الشهادة لله في آخر صلاته، لتكون آخر عهده وميثاقه، ثم يخرج منها بالتسليم على أهل الدنيا، يمنة ويسرة، كأنه كان في رحلة ثم عاد منها.وفائدة آخرى من فوائد هذه الشعيرة العظيمة، وهي أنها تدرب المؤمن على ترك الخبائث، وتجنب المضار من الأشياء، وذلك لأنه في الصلاة استطاع أن يصبر على ترك المباحات بل الضروريات من الأشياء، فقدرته على ترك الخبائث المضرات أولى وأولى، فلا حجة لأحد في التمسك بالعوائد الضارة والسلوكيات الفاسدة. وصدق الله العظيم القائل: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(العنكبوت: من الآية45).
أما الشعيرة التالية فهي الزكاة، التي هي أخت الصلاة وقرينتها في الذكر، فإذا كانت الصلاة صلة بين الإنسان وربه، فالزكاة صلة بين الإنسان وأخيه الإنسان بأمر الله وتوجيهه، وإذا كانت الصلاة لإعلان توحيد الله تعالى، فالزكاة لإعلان وحدة الأمة وتراحمها وتعاطفها، فلا تبقى بينها فجوات اجتماعية متصارعة، تضرب وحدتها، وتضر بقوتها، وقد شاء الله تعالى أن يجعل بين الناس الغنى والفقر، والقوة والضعف، والكثرة والقلة، ليبلو بعضهم ببعض، ويمتحن بعضهم ببعض، ومن ذلك الزكاة وما في حكمها من الصدقات والعطايا والهدايا والهبات، والنفقات.فالزكاة التي هي إخراج مال معلوم في وقت معلوم لشخص معلوم، تحقق في صاحبها التحرر من الشح والبخل، وتحرر المعطى له من الحسد والبعض والخيانة ونحوها، وذلك أن الغني يُخرج بأمر الله من ماله الذي فيما يبدو للناس أنه اكتسبه بجهده وكده وجده، لكن إيمانه يقول له: المال مال الله، والخلق عيال الله، فهو يأخذ من الله ويعطي بأمر الله.إن الغني يخرج هذا القدر الواجب ليصل به السائل والمحروم، وربما كان السائل لا تصله بالغني قرابة ولا صلة، ولا بينهما معرفة، ولا تجمعهما مصلحة، ولا يضمهما بلد، إنها تحرر المزكي من سلطان المال، الذي استعبد كثيرين وأذلهم، حتى كان الشح شعارهم، والبخل دثارهم، لكن المزكي عبد لله، لا عبد للمال، المال في يده لا في قلبه، يأخذه من حله ويضعه في حله، شاكرا حامدا، فكان نعم المال الصالح عند الرجل الصالح.إن المزكي يزكي نفسه قبل أن يزكي ماله، يطهر نفسه أمراض الشح والبخل ونحوها، ويطهر ماله من حق الفقراء الذين تعلقت قلوبهم وأعينهم بهذا المال، فكان المزكي بزكاته يحمي نفسه وأمواله، يدفع عن نفسها أمراضها، ويدفع عن أمواله آفاتها؛ ولهذا كانت الزكاة هي الربا الحلال والزيادة الحقيقية، والربح المبارك، قال تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم:39) وقال صلى الله عليه وسلم: ما نقص مال من صدقة.[18]ولهذا كان مانع الزكاة معرضا نفسه لغضب الله تعالى، الذي يغضب لحق الفقراء، وكان المانع معرضا نفسه لغضب الفقراء، الذين قد يتحركون لأخذ حقوقهم بالقوة، وقد يتجاوزون في ذلك حتى ينالوا من المانع نفسه ومن ذريته، وبهذا تكون الفوضى والاضطراب، وكم شهد العالم من فوضى، ومن دمار بسبب إهمال هذه الشريحة الضعيفة في المجتمع، ولم يعرف العالم أن حكومة شنت حربا على الأغنياء لتستخلص منهم حق الفقراء مثل ما فعلت حكومة الإسلام، وذلك على يد أبي بكر الصديق، الخليفة الأول في دولة الإسلام، حيث حرك حربا على مانعي الزكاة، وقال فيها: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.[19] ومن فوائد الزكاة أيضا أنها تهذب سلوك صاحبها، فلا يعقل منه ولا يقبل منه أن يأخذ ما ليس له من أموال الناس، معتديا عليها، ومتلفا لها، كيف وقد أنفق ما عنده نفقة واجبة أو مستحبه طاعة لله، وصلة للفقراء والمساكين، فهل يتوقع من مثل هذا سرقة أو اختلاس أو اعتداء على الأموال العامة أو الخاصة؟! كيف يعطي بيمينه ويأخذ بالأخرى ما ليس له؟! قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة:103) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو و الرفث و طعمة للمساكين..[20]
أما الشعيرة الرابعة والركن الرابع، فهو الصيام، وهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق وإلى مغيب الشمس من شهر رمضان من كل عام، إن الصيام في ظاهره امتناع عن إتيان المباحات بل الضروريات التي لا تقوم الحياة ولا تستمر إلا بها، من الطعام والشراب والتناسل، لكنه امتناع مؤقت، طاعة لله تعالى، وهو في حقيقته استعلاء على الضرورات، وارتفاع عن جواذب الشهوات، حتى لا تتحكم فيه، بل هو يتحكم فيها، فهو يسيرها لا تسيره، ويأمرها لا تأمره، ويوجهها لا توجهه، إذ هو عبد لله لا عبد للشهوات، حتى ولو كانت ضرورات فكيف إذا كانت كمالات، حتى ولو كانت مباحات فكيف إذا كانت محرمات، حتى ولو كانت نافعات فكيف إذا كانت مضرات؟! وهذا ما يسميه البعض بتقوية الإرادة، أي أن الصيام يصنع لدى المؤمن إرادة قوية على مغالبة الشهوات، ومدافعة النزوات، فها هو الطعام والشراب بين يديه، لكنه لا يمد له يدا، وإن اشتهته نفسه، ولو أراد لفعل، ولو في السر، لكنه لا يفعل طاعة لله، فإن الصوم لله وهو الذي يجزيء به.. والصائم لا يرد السوء بالسوء بل يعفو ويصفح؛ منتصرا على حب الانتقام، ولو كان بالحق، فكيف إذا كان بالباطل؟! ففي الحديث الشريف: الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم [21]. إنها التقوى التي يخرج بها المؤمن من مدرسة الصيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) ليقبل على الحياة وهو أكثر استمساكا بالواجبات وحبا للخير، وأكثر بعدا عن المحرمات، وبغضا للشر، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما.
أما الشعيرة الخامسة والأخيرة، وهي من أركان الإسلام التي تجب في العمر مرة واحدة على من كان بالغا وقادرا، وهي في ظاهرها التوجه إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة لأداء مناسك معلومة في أزمنة مخصوصة، وعلى هيئة مخصوصة، يترك فيها المؤمن بلده وأهله وعمله، وما اعتاده من عوائد في الأكل والشراب والنوم واللباس والحركة والاجتماع، ليتجرد من ذلك كله طاعة لله تعالى، وأول ما يتجرد يتجرد من ثيابه المعتادة، ويلبس ثوبين أبيضين، ويمسك عن ظفره وشعره، وعن الطيب والنساء، وعن اللغو والرفث والجدال، فيكسر تلك العوائد التي كانت تحيطه وتسيطر عليه، فيعلن في وضوح أنه عبد لله لا عبد لشهوة وإن كانت حلالا، ولا لعادة وإن كانت مباحة، وأول كلمة يقولها وقد بدأ أنساكه: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. فتأمل ما في هذه الافتتاحية من المعاني والعهود والالتزامات، وما فيها من التجرد من كل ند وشريك، وما فيها من الإخلاص والقنوت لله تعالى.إن الحج امتحان حقيقي للمؤمن، ومدرسة متكاملة له، فيها الصلاة والقراءة والإنفاق والصوم والدعاء، وهو جهاد لا قتال فيها، صبر ومصابرة، صبر على هجر الأوطان والأهل والأولاد والوظائف والأعمال، وصبر عن عوائد الطعام والشراب واللباس والمنام والأصدقاء، وصبر على المزاحمة على المناسك، من أناس لم يعرفهم إلا في هذا المشهد، تختلف ألوانهم وألسنتهم وطباعهم، وهو مأمور بترك جدالهم والتعدي عليهم بالرفث والفسوق، بل يجب احترامهم وتقديرهم والإحسان إليهم والتجاوز عنهم، حتى يرجع إلى أهله طاهرا نقيا كيوم ولدته أمه، فالحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة.ولا يعقل ولا يقبل ممن حج إلى بيت الله الحرام، فتجرد من عوائد الطعام والشراب والشهوات والأوطان، وصبر على شدائد الحج، فبذل المال والوقت والجهد، لا يعقل منه أن يعود إلى سالف عهده من الفسوق والفجور والعدوان، وإلا لم يكون له من حجه إلا التعب والضنك. بل الأمل فيه أن يعود إلى بلده بروح جديدة، وأمل جديد، وخلق سديد، وعزم أكيد، والحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة.[22]
فهذه الآثار هي التي ينبغي أن تتركها العبادات على أصحابها، وإلا كانوا يلوكون ألفاظا بلا معاني، ويحركون أجسادا بلا أرواح، أسهروا لياليهم، وأتعبوا أبدانهم، وأضاعوا أوقاتهم، وبددوا أموالهم، كل ذلك في غير فائدة ترجى، ولا خير يؤمل، ولهذا لم يفقه معنى هذه العبادات من التزمها وهو مقيم على المعاصي، مصر على أذية الناس والإضرار بهم، فمن فعل ذلك فقد صدق فيه قول الله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً) (الغاشية: الآيات 1-4). أما الصلاة الكاملة فهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة الهادفة التي تطهر صاحبها من الرفث والخبث، والصيام الحقيقي الذي يحمل على ترك الزور قولا وفعلا، والحج هو الذي يجرد صاحبها من الفسوق والعدوان كما جرده من المخيط والمحيط من اللباس.وقد روي أنهم ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة وذكروا من قيامها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها، فقال صلى الله عليه وسلم: هي في النار.[23] فهذا ما اتفق عليه جميع الأنبياء من إقامة العبودية لله تعالى، وتوحيده، وإفراده بالمعرفة والعبادة، وهذه وسائلهم التي اتفقوا أيضا على تعليم الناس لها، ولهذا نجد أن القرآن يحدثنا عن إبراهيم عليه السلام فيقول: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127) (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26) (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27)وقال عن شعيب: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود:87) وقال عن موسى عليه السلام: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه:14)وقال عن زكريا ومريم عليهما السلام: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37) وقال عيسى عليه السلام: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (مريم:31). فهذا دين الله الذي جاءوا به واتفقوا عليه، الدعوة إلى توحيد الله وعبادته... وهو ما عبرنا عنه سلفا بإصلاح العلاقة مع الله، وهو المحور الأول من محوري الدين.أما المحور الثاني: فهو إصلاح العلاقة بين الخلق، وهو يشمل إصلاح العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، والإنسان والبيئة.فإن دعوات الرسل كلها دعوات إصلاحية، والفساد الذي يطرأ على البشرية يكون في المحورين، العقدي والخلقي؛ كما تقدمت الإشارة إليه، فإذا كان أول انحرف عقدي وقع في البشرية في زمن نوح، فإن أول جريمة قتل كانت بين ابني آدم، فكانت سنة للقتل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل.[24]فالأنبياء إنما جاءوا بالإصلاح وللإصلاح، حتى قال شعيب عليه السلام: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود: الآية 88).
نماذج من الدعوات الإصلاحية:
فلوط عليه السلام مثلا إلى جانب دعوته إلى الإصلاح العقدي، كان يواجه مشكلة أخلاقية مستحكمة، وهي أن قومه كانوا يأتون الذكران دون النساء، وهذه جريمة بشعة تنتكس فيها الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وهي حكم على البشرية بالفناء، لأنها تقتضي عرقلة التناسل والتكاثر، فكانت مهمة لوط هي تقويم هذا الأمر، ورده إلى طبيعته: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (العنكبوت الآيتان:28، 29) (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (النمل الآيتان: 54-55). وكان قومه على عناد شديد، سدت الشهوات منافذ عقولهم، حتى انقلبت لديهم الموازين، واختلت عندهم المعايير، فرأوا المنكر معروفا، والمعروف منكرا، إلى حد أنهم قالوا: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل الآية:56). هكذا! وبهذا الوقاحة والفجاجة! أن يخرج الأطهار ويبقى الأنجاس، إنها أزمة أهل الأهواء في كل زمان ومكان، يريدون لأهوائهم أن تتحكم، مهما كانت مخالفة لمنطق الفطرة ومنطق العقل ومنطق المصالح العامة، لا يلوون على شيء إلا إشباع نزواتهم، وإرواء شهواتهم، ولو كان ذلك على حساب الأمة ومستقبلها، بل على حساب النوع الإنساني ووجوده، فكم من مصانع تعمل وتنتج ما يفسد صحة الإنسان النفسية والعقلية والبدنية والاجتماعية، ويسوِّقون لبضاعتهم المفسدة بشتى وسائل الدعاية والإغراء والإغواء، بل يحاربون من يقف في طريق بضاعتهم، أو ينصح الناس بتجنبها، فيصفونهم بأقبح الأوصاف، وأنه ضد الحرية، والإبداع، وحقوق الإنسان. فكانت حاجة الناس إلى الرسالات السماوية والهدايات الربانية لردهم إلى الفطرة والصلاح والاستقامة، وفضح أمر أهل الفجور والفساد، وأنهم ضد كرامة الإنسان ومصلحته.وباءت كل محاولات الإصلاح بالفشل، ورضي القوم بانتكاسة الفطرة، وغياب صوت العقل والحكمة؛ بل استعجلوا العقوبة، معلنين التحدي، أن ينالهم العذاب لا أن يتحولوا عما هم فيه: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (العنكبوت الآية: 29)، بل إلى الحد الذي جعل نفوسهم المريضة تطمعهم في ملائكة الله التي جاءت لإنزال العذاب عليهم: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)( هود الآيات: 77-83).
ونموذج آخر؛ شعيب عليه السلام الذي جاء على نهج الرسل السابقين واللاحقين، يدعو إلى التوحيد، إلى تحرير الإنسان من عبودية الأهواء والنزوات، إلى عبودية الله الواحد الأحد، ووجد قومه يعانون من انحراف أخلاقي في جانب الأخذ والعطاء، والبيع والشراء، كانوا يطففون ويغشون في الكيل والوزن، ويبخسون الناس أشياءهم، ويقطعون السبيل؛ أي قطاع طرق، ويخيفون الناس حتى يأخذوا أموالهم وأملاكهم، كل هذا لخلو قلوبهم من الإيمان بالله واليوم الآخر، طغوا وتجبروا، وتكبروا واستكبروا، فجاءهم شعيب عليه السلام مذكرا ومنذرا، ذكرهم بما منَّ الله عليهم من قوة الكثرة، وأنذرهم عاقبة الظالمين، فكان الواجب عليهم أن يشكروا الله على نعمه، ويتجنبوا سخطه: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)(الأعراف الآيات: 85-87).إن النعم إنما تدوم مع الشكر، وتزول بالكفر؛ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم:7). ومن الكفر بها استعمالها في الشر: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)(هود الآيات: 84-86) لكن بماذا قابل هؤلاء دعوة الإصلاح، وأهل الإصلاح؟ بما فعل السابقون: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)(الأعراف من الآية: 88)فتوسل لهم بكل وسيلة، وسلك معهم كل سبيل، وأكد لهم أن قصده إصلاحهم، وحذرهم عاقبة السابقين: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود الآيات:88-90)لكن النتيجة عتو واستكبار، وسخرية واستهزاء، وتوعُّد وتحد: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ).فقابل ذلك بالتذكير مرة أخرى (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) فلم يجد ذلك نفعا حتى جاءهم العذاب: (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) (هود الآيات:91-95).
ونموذج آخر في الإصلاح؛ نبي الله يوسف عليه السلام، والذي قصته في القرآن الكريم هي أحسن القصص، وأبرز ما في سيرته من النماذج الإصلاحية، أنه لا يقابل الإساءة بالإساءة، بل بالعفو والإحسان؛ فقد اعتدى عليه إخوته غيرة وحسدا، فحاولوا التخلص منه: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (يوسف الآيتان:9،10)..فلما جمعهم الله به وقد صار على خزائن أرض مصر، وهم في حاجة ومجاعة، ولو شاء أن ينتقم لفعل، لكنه عفا مع مقدرة، وسامح مع غنى، فكان صاحب خلق كريم، ونفس سمحة؛ (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف:90-92). بل في ختام قصته وهو يعدد ما منَّ الله به عليه من النعم، لم يشأ أن يجرح مشاعر إخوته، الذين كانوا سببا في متاعبه فقال: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(يوسف: من الآية100) فنسب ما وقع منهم إلى الشيطان، ولم ينسبه لهم. ومن صور الإصلاح في سيرته عليه السلام؛ أنه لما دخل السجن ظلما وزورا، لم يجعله ساحة بكاء على الماضي ورثاء للمستقبل، وسب ولعن للحاضر، ولم يقتل وقته باللهو والعبث، بل جعل من السجن ساحة تعليم ودعوة وإصلاح ونفع، بحيث كان اجتماعه بنزلاء السجن اجتماعا نافعا: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:36) فأجابهم ولم يبخل عليهم ولم يكتم عنهم (قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا) (يوسف من الآية:37) لكن قبل ذلك لا بد أن يوصل لهم من القيم والمبادئ ما هم أحوج له من تأويل الرؤى والأحلام:(ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (يوسف:37-38) ثم دعوة صريحة منه إليهم، دعوة إلى التوحيد الخالص، وإفراد الله بالعبادة، وهو أساس كل شيء: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ثم أخيرا كانت الإجابة على سؤالهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف الآيات: 39-:41)ثم تأتي يوسف الكريم سانحة للانتقام من ظالميه، لكن نفسه الكريمة التي أبت عليه خيانة العزيز في أهله (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(يوسف: من الآية23) تأبى عليه مرة أخرى أن يخون أمانة العلم والبيان؛ وذلك حين جاءه الرسول يستفتيه في رؤيا الملك، فأجابهم بما فيه خلاصهم وصلاحهم، وكان في مقدوره أن يتأبى أو أن يشترط، لكنها نفوس الكبار، لم يتأبى ولم يشترط، بل أجابهم بلا تلعثم ولا تلكؤ.فلما أعجب الملك بحسن رأيه وسداد تأويله، أرسل إليه ليخرج، لكن يوسف عليه السلام يتأبى على الخروج، لأن الأمر متعلق بشخصه، فهو لا يلهث وراء الخلاص ولو كان بأي ثمن، وإنما يحرص على الطهارة والنقاء ولو كان ثمنها السجن فقال للرسول: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)(يوسف: من الآية50) نعم الآن له أن يشترط، حتى تبرأ ساحته، وترد عليه كرامته، إنه يريد أن يخرج من السجن مرفوع الرأس، بطهارة سيرته، وبياض صفحته، فله أن يتشدد في ذلك إلى أبعد الحدود، وقد نجح؛ فقال الملك مخاطبا النسوة: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف الآيات:51-53).خرج يوسف الصديق؛ مرفوع الرأس، شامخ القامة، حاد النظر، فلما عرضت عليه الوزارة مكافأة؛ اختار أصعبها وأكثرها حرجا، وزارة الاقتصاد، وهو لها ولأمثالها؛ لعلمه وأمانته: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف:54-55).
نموذج آخر من إصلاحات الأنبياء؛ موسى عليه السلام، فقد أرسله الله تعالى إلى فرعون وإلى إخراج قومه بني إسرائيل من قبضة فرعون، وكان فرعون معلنا بالغطرسة والكبرياء، مدعيا ربوبيته على الناس وألوهيته لهم: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعات:24)(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي )(القصص: من الآية38) واستعلى بما لديه من الملك: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51) بل لما واجهه موسى بدعوة الحق تعالى واستكبر وقال: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)(القصص: من الآية38).ومن علوه وإفساده في الأرض أنه كان يذل بني إسرائيل فيقتل مواليدهم الذكور ويستحيي الإناث منهم للخدمة، وذلك على أثر تنجيم يقول: إنه سيولد في بني إسرائيل من سيكون زوال ملك فرعون على يديه. قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4).فشاء الله تعالى أن يذل كبرياء فرعون، ويبدد قوته، ويفضح غطرسته، فكان أن تربى موسى في بيته ورضع عند أمه وهو محمي من سيدة القصر: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9) (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:12-13).وشاء الله أيضا أن يكون تخليص شعب بني إسرائيل على يد موسى عليه السلام من طريق خفي، وهو أن فرعون استعان بسحرتهم على موسى، فكانوا هم أول من آمن برب موسى وهارون، وخرجوا متابعين لموسى، تاركين فرعون وما هو فيه من الملك والجاه والمال: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه:72). إنه إيثار الحق على الخلق، وبيع العاجل الفاني بالآجل الباقي، وهي التي نحتاجها وتحتاجها البشرية في كل حين؛ فما أكثر من يبيعون المبادئ، ويضيعون الثوابت، ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا؟!ففرعون كان يمارس استبدادا سياسيا؛ متحكما في الرقاب، مصادرا لآراء الآخرين، بحيث لا قول مع قوله، ولا اختيار مع اختياره، بل كما قال هو عن نفسه: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر: من الآية29) ولما جاءه موسى بالبينات قال: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف:52) ثم رفض دعوة الحق وهمَّ بقتل صاحبها: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26) هكذا وبهذه الغطرسة!! وأمثال هؤلاء المتغطرسين قد يجدون في حاشيتهم من ينفخ فيهم، ويزيدهم غطرسة وصلفا، ابتغاء رضوانهم، أو تصفية لخصومهم، أو حفاظا على مواقعهم؛ فقال بعض الملأ: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)(لأعراف: من الآية127). فلما آمن السحرة ودخلوا في دين الله الحق مختارين قال فرعون: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) (طه:71) حتى اختيار العقيدة كان يحتاج أن يأذن به فرعون، إنه نموذج للاستبداد الذي ما زالت روحه تسري في بعض الناس وفي بعض العصور، وإلى يومنا الذي نحن فيه. وهذه الروح الفرعونية المعاصرة تتشدق بألفاظ الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وهي تمارس أبشع أنواع الاستبداد!! فيفرضون على الناس أن يغيروا مناهجهم السياسية والتعليمية والإعلامية وأن يغيروا لغاتهم وثقافاتهم في الأكل والشرب واللباس وسائر مناشط الحياة، حتى لا يبقى مجال إلا لثقافة واحدة؛ هي ثقافة الغرب، وإن شئت قلت ثقافة أمريكا.النموذج الأخير؛ رسول الله عيسى عليه السلام، فقد بعثه الله تعالى إلى قومه من بني إسرائيل وكانوا على التوراة بعد أن حرفوها وانحرفوا عنها، واتصف هؤلاء بسمات مادية صارخة لا تدع مجالا للتفكير في الغيبيات فضلا عن الإيمان بها، فالحياة عندهم أرقام ومصالح مادية، وهذا ما اتصف به الشعب اليهودي منذ أمد بعيد، بل منذ أن كانوا في صحبة موسى عليه السلام، وإلى الآن.. فإنهم الذين قالوا لموسى وقد أنجاهم الله من الهلاك على يد فرعون الباطشة، وأحدث لهم معجزة فلق البحر وهم يبصرون، لكنهم وقعوا في الخطأ العقدي من أول الطريق: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (لأعراف:138). ثم طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى جهرة، بل اشترطوا ذلك للإيمان به ومتابعته: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:55). ومن صور المادية والتعلق بالحياة المادية، أن الله وعدهم الأرض المقدسة ليكون فيها قرارهم وخلاصهم، فلما شارفوها قالوا: (يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:22-26). وفي فترة التيه قالوا لموسى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (البقرة:61). هذه الروح المادية هي التي سرت في الشعب اليهودي حتى قال الله عنهم: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96) يريد الواحد منهم أن يعيش بأي ثمن، ولهذا كان مذهب ميكافيلي (الغابة تبرر الوسيلة) من صنع أفكارهم.
فأمثال هؤلاء احتاجوا إلى رسالة تهذب من ماديتهم، وتردهم إلى الاتزان، فليست الحياة كلها ماديات، وأرقاما وحسابات، ونتائج معادلات، ومكاسب ومرابحات، يُتوصل لها بكل طريق، ولو كان على حساب حقوق الآخرين!! فبعث الله لهم عيسى عليه السلام، فكانت ولادته من غير أب معجزة لا تخضع للحسابات المادية، وكذلك كلامه في المهد، وما جرى على يديه من معجزات أخرى، مثل: إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، والنفخ في الطين ليكون طيرا، وإخبارهم ببعض المغيبات عنهم إلى غير ذلك مما أذن الله له فيه؛ مما يكسر حجاب المادية الكثيف المتمكن من قلوب الشعب اليهودي: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف:14).ولهذا اشتهرت رسالة المسيح بالتسامح، والتغافر، ويؤثر عنه أنه كان يقول: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن نازعك في ردائك فانزع له رداءك وإزارك، أحبوا مبغضيكم، باركوا لاعنيكم. فهذا إن صح عنه فهو يناسب دعوته الإصلاحية، لتهذيب الروح اليهودية القائمة على المادية والجشع والطمع والكيد والغدر، والبطش بالآخرين من أجل المغانم.ولهذا جاء ذكر الأمة الإسلامية من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، بما يجمع لهم الوصفين؛ الروحية والمادية، حتى يحصل لهم التوازن، المفقود لدى أصحاب الديانتين السابقتين بعد تحريفهما؛ فقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(الفتح:29). فكان وصفهم بالروحيات لدى أصحاب التوراة الموغلين في الماديات، ووصفهم بالماديات لدى أصحاب الإنجيل الموغلين في الروحيات، فنال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكمال من طرفيه.
[1] صحيح البخاري 4/1626 كتاب التفسير رقم الحديث 4207 ، وصحيح مسلم 1/90 كتاب الإيمان رقم الحديث 141
[2] انظر: مستدرك الحاكم 1/628 برقم: 1682 وشعب الإيمان 3/ 451 برقم: 4040 وصحح الألباني أصله في تخريج الطحاوية.
[3] رواه البيهقي في سننه 9/159 برقم 18279 وأصله في صحيح البخاري 3/1057 برقم 2730 .
[4] صحيح مسلم 4/2295 رقم 2994.
[5] رواه البخاري في صحيحه 3/1010 برقم 2599.
[6] متفق عليه رواه البخاري في صحيحه 5/2267 برقم 5763 ومسلم في صحيحه 4/2014 برقم 2609.
[7] متفق عليه رواه البخاري في صحيحه 5/2268 برقم 6081، ومسلم في صحيحه 2/726 برقم 1051.
[8] رواه مسلم في صحيحه 4/1997 برقم 2581.
[9] رواه البخاري في صحيحه 6/2550 برقم 6552
[10] الترغيب والترهيب 3/375 برقم 4494 وصححه الألباني.
[11] رواه البخاري في صحيحه 6/2612 برقم 6723.
[12] سنن الترمذي 3/394 برقم 1084 وحسن رواية له 3/395، وانظر سنن ابن ماجه 1/632 برقم 1967.
[13] متفق عليه رواه البخاري في صحيحه 5/1958 برقم 4802، ومسلم في صحيحه 2/1086 برقم 1466.
[14] سنن الترمذي 5/735 برقم 3956. وحسنه الألباني.
[15] متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه 1/12 برقم 8، ومسلم في صحيحه 1/45 برقم 66.
[16] مسند أبي يعلى 2/528 برقم 1393 ضعفه الألباني في كلمة الإخلاص لابن رجب الحنبلي 1/58، وفي الباب ما هو أصح منه. .
[17] متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه 1/197 برقم 505، ومسلم في صحيحه 1/462 برقم 667.
[18] انظر: المعجم 2/374.
[19] متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه 2/507 برقم 1335 ، ومسلم في صحيحه 1/51 برقم 20 .
[20] رواه الحاكم في المستدرك 1/568 برقم 1488 وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[21] انظر: صحيح البخاري 2/670 برقم 1795، وسنن النسائي 4/164 برقم 2217 واللفظ له.
[22] انظر: سنن الترمذي 3/175 برقم 810 وقال حديث حسن صحيح غريب.
[23] انظر: مسند الإمام أحمد 2/440 برقم 9673 .
[24] متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه 3/1213 برقم 3157. ومسلم في صحيحه 3/1203 برقم 1677.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.