كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سلاطين دارفور وصُرَّة الحرمين الشريفين

عندما لاح في الأفق كُدُور نجم الدولة المهدية في خواتيم القرن الرابع عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، حزم، ملازم الخليفة عبد الله التعايشي، علي دينار بن زكريا بن السلطان محمد الفضل الرأي بالعودة إلى ديار أجداده قبل خوض المعركة الفاصلة في كرري على تخوم الحاضرة أم درمان، وإعادة ملكهم الذي سلبته جيوش الغزو التركي-المصري وأعوانها عام 1291ه/1874م، ورفضت المهدية أن تعيد إليهم حقهم السليب في إطار سلطة شبة مستقلة يتعارض سلوكها مع توجهات المهدية الأيديولوجية.
الصورة لمحمل السلطان علي دينار عام 1904، ماراً بامدرمان، بمعية الشيخ السيماوي
شعرة معاوية
وبعد رحلة عناء طويلة حط علي دينار رحاله بمعقل أجداده بالفاشر عام 1315ه/1898م، وصفى فاتورة حسابه مع المعارضين، ثم عجم عيدان سلطانه على المنطقة، وبدأ في خطب ود قادة الحكم الثنائي وجنرالاته في السودان (1315-1375ه/1898-1956م)، بحجة أنه سيظل مخلصاً لحكومة العهد الثنائي بالخرطوم، متى أقرت هذه الأخيرة شرعية سلطانه على دارفور. ويبدو أن الحكومة في الخرطوم لم تكن راغبة في توريط نفسها في صراع مع السلطان علي دينار، لأنها كانت لا تملك مالاً، ولا رجالاً، ولا مواصلات تعينها على غزو دارفور المتمردة القصية، ومن ثم آثرت الإذعان إلى توصيات اللورد كرومر، المندوب البريطاني السامي في القاهرة، حيث ارشدها على قبول سلطان علي دينار على دارفور، شريطة أن يعلن ولاءه التام إلى سيادة الحكومة برفع العلمين على سرايا قصره بالفاشر، ويدفع جزية سنوية تقدر بخمسمائة جنيه أستراليني، وذلك تعبيراً عن ولائه المشكوك في أمره. ويبدو أن السلطان علي دينار قد تعامل مع هذا الواقع بوعي سياسي متقدم، يقضي بإبقاء "شعرة معاوية" موصولة بينه وبين صاغة القرار السياسي في الخرطوم، ولذا لم يسمح لأي مسؤول حكومي بزيارة الفاشر، ولم يشد الرحال إلى الخرطوم بغية تلقي النصح والارشاد من أهل السيادة والسلطان، بل ظل على موقفه المشوب بالحيطة والحذر إلى أن اندلعت الحرب الكونية الأولى، وبموجبها أضحى الطرفان على طرفي نقيض، وقطعا شعرة معاوية التي كانت بينهما.
المحمل الشريف لمكة والمدينة
وفي أثناء هذه الفترة المشوب بالحيطة والحذر (1317-1332ه/1900-1914م) استقل السلطان دينار بحنكة سياسية أعلان حاكم السودان العام، ونجت باشا، في منشور أصدره لخاصة أهل السودان وعامتهم في 28 شوال 1317ه/ 28 فبراير 1900م، وأبان فيه سياسة حكومة السودان الجديدة، وفي بعض مقاطعة قال: "ولقد بدأتُ بتشييد مساجدكم، وإقامة شعائر دينكم المقدسة، وتسهيل طريق الحج إلى بيت الله الحرام، بعد أن حال بينكم وبينه أولئك الطغاة العصاة الذين استأصل الله شأفتهم." (نعوم شقير، ص 193). فلا جدال أن موقفه هذا تجاه فرضية الحج كان عبارة عن كلمة حق أُريد بها باطل، يمكن أن يشوه من خلاله صورة المهدية في أذهان الناس.
بيد أن السلطان علي دينار استثمر هذا الموقف استثماراً سياسياً حاذقاً من أجل تمكين قواعد سلطانه السياسية في دارفور، ومن ثم أرسل خطاباً إلى سلاطين باشا مفش عام السودان يطلب منه البت في ثلاث قضايا مهمة، تتمثل في رسم حدود سلطنة دارفور، ومساعدته الجيش الحكومي مادياً، والسماح له بإرسال المحمل الشريف إلى مكة المكرمة كما كان يفعل أسلافه سنوياً. فرد عليه حاكم السودان العام، ونجت باشا، بخطاب صادر في 12 محرم 1319ه/ 1 مايو 1901م، أقر فيه تعيين السلطان علي دينار حاكماً عاماً على دارفور، شريطة أن يلتزم بقرارات الحكومة وسيادتها المبسوطة على كل أنحاء السودان، وبدلاً من دعمه المادي لجيش الحكومة طلب منه أن يدفع جزية سنوية تقدير بخمسمائة جنيه أسترليني، أما قضية المحمل فقد ترك له الخيرة من أمره، تعللاً بأن الطريق سيظل مفتوحاً بين السودان والحجاز، فعلى السلطان علي دينار أن يتصرف ويتدبر أمره بما يراه مناسباً في هذا الشأن. (ثيوبولد، ص 42-43). وفي ضوء هذه الترتيبات السياسية أرسل السلطان علي دينار إلى سلاطين باشا خطاباً مؤرخاً في 6 رجب 1321ه/ 27 سبتمبر 1903م، يخاطبه قائلاً:
[...] أعلم مكارمكم أفندم أنني قد وجهت الأفكار بإرسال الوقف للحرمين الشريفين، وقد تجهز الآن قادماً لأرض الحجاز صحبة المعين من ملوكنا المكرم صالح علي، ومن معه من الرجال قادماً، فغاية الأمل حال وصوله أمدرمان لم يتأخر غير راحة يوم أو يومين، فحالاً تقوموا بواجبات سفره بكافة من معه، وتحرروا له الرواح لمديرون المحطاة بربر، ولغاية سواكن، بسرعة قدومهم وشمول نظر سعادتكم نحوهم [...] وبعد عودتهم يفادونا بهم، وهما عل أثر جوابكم يأتونا، كما أملي في سعادتكم رجائي في علو همتكم أدام الله بقاكم. (دار الوثائق القومية بالخرطوم، مخابرات، 7/1/5)
ويبدو أن هذه الرحلة الحجازية قد كُللت بالنجاح، كما جاء في خطاب السلطان علي دينار المعنون لسلاطين باشا في 27 جمادي آخر 1322ه/ 7 سبتمبر 1904م، والذي تقرأ بعض مقاطعه هكذا: "... وزيادة سرورنا وحبورنا قيامكم في أمر المحمل النبوي الذي بُعث منطرفنا للحرمين الشريفين، مكة المشرفة والمدينة المنورة، وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ومقابلتكم بالأكرام والإجلال والراحة في كافة لوازم تسهيلاته، وسرعة سفريته على جانب أعتاب الحكومة العادلة في ذهابة وإيابه [...]. وقد تم وصول جمل المحمل ومن معه من المعينين بالسلامة."
صُرَّة الحرمين الشريفين
فلا عجب أن نجاح هذه المهمة قد شجع السلطان على دينار على إرسال محمل ثان في عام 1321ه/1904م، مزودٍ بصُرّة الحرمين الشريفين، إلا أن الصُرَّة قد نهبت في الطريق قبل أن تصل إلى مكة، الأمر الذي دفع سلاطين باشا لإرسال خطاب إلى السلطان علي دينار ينصحه بعدم إرسال المحمل الشريف سنوياً إلى الأراضي المقدسة، وذلك تفادياً لمخاطر الطريق، ويقترح عليه بأن تكون رحلة المحمل الشريف مرة واحدة كل سنتين أو ثلاث سنوات، ويتجلى هذا المقترح في قوله:
جناب السلطان: إن الحكومة لن تدخر وسعاً في منح المساعدة للمحمل الشريف وسوف لن نتأخر على هذا حرصاً منها على إحترام الدين والشعائر الإسلامية، وأنا متأسف لعدم وصول هديتكم المرسله لبيت الله الحرام. وطالما أن الطريق بعيد وفيه صعوبات فأري أنه لا يوجد موجب لإرسال هذا المحمل كل سنه، بل كل سنتين أو ثلاثة، لأن الثواب ليس بكثرة التردد والمواصلة، بل بحسن النية. (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 7/2/4/24).
ويبدو أن هذا المقترح قد وجد قبولاً لدى السلطان علي دينار، لأن لم يرسل محملاً شريفاً إلى الأراضي المقدسة عام /1322ه/1905م، بل استأنف ذلك عام 1324ه/1906م، عندما أرسل خطاباً إلى سلاطين باشا، في 18 شعبان 1324ه/ 3 ديسمبر 1906م، يوضح فيه أن المحمل الشريف قد توجه إلى الخرطوم تحت أمرة الشيخ محمد سيماوي الركابي، وفي صحبته ثلاثمائة حاج، ويفصِّل في ذات الخطاب محتويات صُرَّة الحرمين الشريفين التي تتكون من "1100 ونصف قنطار سن فيل، و17 مربوع ريش نعام، و30 رطل ريش نعام أسود، و34 رطل ريش ربده"، ثم يوصى ببيعها في أمدرمان إذا كانت الأسعار مجزية، وفي حالة العدم يتم عرضها في الحجاز، علماً بأن عائداتها ستوزع حسب مصارفها المعلومة لدي أمير الحج الشيخ محمد سيماوي. (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 7/1/8/176).
وبعد ثلاثة أعوام بدأ التواصل بين السلطان علي دينار وسلاطين باشا، حيث حرر علي دينار خطاباً إلى سلاطين باشا، في 20 جمادى آخر 1327ه/ 8 يوليو 1909م، جاء فيه: "من بعد السلام اللطيف لذاك المقام المنيف نخبر جناب سعادتكم افندم يكون معلوم إننا فيهذا العام عازمين على إرسال المحمل الشريف للحرمين الشريفين انشالله ومن الوجوب اعلامكم بذلك افندم." (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 2/4/15).
وفي 15 شوال 1331ه/16 سبتمبر 1913م، خاطب السلطان علي دينار سلاطين باشا، معلماً أياه بتحرك المحمل الشريف من الفاشر إلي الخرطوم، ومنها إلى سواكن، ثم الأراضي المقدسة، دون أن يدرك أن ذلك المحمل سيكون آخر المحامل الدارفورية الشريفة وصُررها المباركة إلى الحرمين الشريفين، وفي هذا المضمار يقول:
... نعرض لجناب دولتكم أفندم أن محملنا لله ورسوله مضت لنا في إرساله عدة أعوام ولم أرسلناه، وفيهذا العام استصوبنا إرساله، وها هو قادماً للحرمين الشريفين بعون الله معية خدامنا محمد الشيخ سيماوي، والخدما المحافظين على المحمل الشريف، ومعهم الحجاج من الوطن، ومن حيث أنه من الواجب إعلام سعادتكم بما ذكر فلزم عرض هذا لجناب سعادتكم وبه أرجوا من الحكومة تعديهم على جناح السرعة لموافات الحج بالراحة حسب المعهود في عدالتها وتفيدون بما يتم في أمرهم بعد التوجه ونكون ممنون ومتشكر أفندم. (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 7/2/15/834).
في هذه الإثناء كان سلاطين باشا مقيماً في قاهرة المعز، فأرسل في 1شوال 1327ه/16 أكتوبر 1909م، برقية لمفتش مركز مدينة النهود يطلب منه أخطار السلطان علي دينار في جبل الحلة بأن المحمل الشريف قد وصل سالماً آمناً إلى الخرطوم، ومنها في طريقه إلى الإراضي المقدسة. فكان هذا المحمل هو آخر محمل تودعة مدينة الفاشر أبوزكريا، وبعده اُسدل الستار على إرث سلاطين الفور وتقليدهم الإسلامي التليد، الذي أضحى أمانة في ذمة التاريخ والمؤرخين.
وداع المحمل في الفاشر
وتحدثنا المصادر التاريخية أن تحرك المحمل الشريف في الأعوام المشار إليها أعلاه كان له طعم ومذاق خاص في مدينة الفاشر، حيث تتقاطر جموع المودعين إلى ساحة قصر السلطان علي دينار، "ليشهِّلوا" موكب المحمل الشريف الذي يتقدمه أمير الحج وفقيه الصلوات الجامعة، وفلول الحجيج القادمة من مدن دارفور وضواحيها والتخوم المجاورة لها. وعندما يستقيم ميسم التجمع في ساحة القصر السلطاني، ويتعالى صوت القرع على نحاسات السلطان، وترفع أصوات المزامير، يخرج ممثل السلطان إلى الجموع ويخطرهم بأوامره القاضية بتحرك المحمل الشريف. وفي ضوء هذه الإشارة السلطانية يبدأ الموكب مشهلاً بآي الذكر الحكيم التي يتلوها طلاب الخلاوي وحفظة القرآن، زافِّين بها المحمل إلى مشارف مدينة الفاشر. وبعد ذلك يتوجه الموكب صوب الحاضرة الخرطوم، محروساً بجند من الفور يحملون حراباً مذوقة بريش النعام، وبعد راحة قصيرة في الخرطوم يتجدد المسير تجاه الأراضي المقدسة عبر ميناء سواكن ومن بعدها بورتسودان. ويقال أن الناس في جدة ومكة كانوا يخرجون زرافات ووحداناً لمشاهدة محمل دارفور وحراسه الذين درجوا على تقديم بعض العروض الفنية بحرابهم المذوقة بريش النعام وذلك في خفة ومهارة.
محمل دارفور الشريف وتداعيات الحرب الكونية الأولى
في السنوات السابقة لإنداع الحرب الكونية الأولى بدأت تتوتر العلاقات بين السلطان علي دينار وحكومة السودان، لأن السلطان، كما يرى المؤرخ مكي شبيكة، "منذ البداية لم يطمئن لها، وما كان يريد عرشاً يُشاد على حماية أو تدخل أجنبي، بل كان يريد عرشاً خالصاً مستقلاً، ولكنه من حسن السياسة رأى أن يستعين بالحكومة للوصول إلى غايته." (شبيكة، ص 423) وفي هذا الجو المشحون بالترغب والحذر أرسل ونجت باشا خطاباً يخطر فيه السلطان بإندلاع الحرب ضد ألمانيا، ويحثه على عدم الأخذ بالإشاعات الكاذبة، ووقوفه صفاً في جانب الحلفاء، ويمضي الخطاب ويقول: "وليكن بعلمكم أن أخبار هذه الحرب الحقيقية تنشرها جريدة السودان، التي تظهر في الخرطوم، والتي على ما أظن تصلكم في دارفور، فإذا بلغكم من بعض الناس الجهلاء الذين لا يعرفون الحقائق أو المفسدين الذي يحبون نشر أخبار كاذبة لا تنطبق على ما تنشره الجريدة المذكورة، فإني أوصيكم بأن تأمروا موظيفكم بالقبض على هؤلاء الكاذبين، وتبقوهم عندكم تحت المراقبة أو ترسلوهم للحكومة." (ثيوبولد، ص 138)
ويبدو أن هذا الخطاب قد أُرسل جساً لنبض السلطان علي دينار الذي كان مشكوكاً في أمر مساندته للحلفاء. وفي هذه الأثناء بدأ السلطان اتصالاته بالخليفة العثماني في استانبول والشيخ محمد المهدي السنوسي في جغبوب (ليبيا)، وقد خاطب الخليفة في هذا الشأن بقوله:
وقد أحاطت أيدى النصارى الكلاب الكفار بالمسلمين من يميننا وشمالنا وورائنا وأمامننا، وجازوا ديار المسلمين كلها، ممالك البعض سلطانها مقتول، والبعض سلطانها مأسور، والبعض سلطانها مقهور، ويلعبون بأيديهم كالعصفور، ما عدا دارفور قد حفظها الله من ظلمات الكفار. والداعي أنهم حالوا بيننا وبين الحرمين الشريفين اللذين حرسهم الله ومنحكم بخدمتهما. ولم نر حيلة نتوسل بها لأداء الفرض الذي فرضه الله علينا من حج بيته الحرام، وزيارة نبيه عليه الصلاة والسلام، وانجبرنا على مواصلة دولة الانجليز، وسرنا نعاملهم تارة بالمشاحنة معهم، وتارة رغبة في حفظ إيماننا وإسلامنا في بلادنا. (شبيكة، ص 425-426)
ورداً على هذا الخطاب بعث أنور باشا، وزير الحرب العثماني، خطاباً للسلطان علي دينار في 13 ربيع أول 1333ه/3 فبراير 1915م، يهيب فيه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بحمل السلاح ومساندة دولة الخلافة في مواجهة الحلفاء، ويخطر السلطان علي دينار بأن الخليفة قد أعلن الجهاد المسلح، وأن المشيخة الإسلامية افتت بأن الجهاد الآن فرض عين على كافة المسلمين. ويبدو أن السلطان قد سر بهذا الخطاب، ورد علي أنور باشا قائلاً: "ونخبر جنابكم أننا منذ انتشار الحرب بين جلالة سلطان الإسلام وبين الألداء الكفار والفساق الأنجليز وفرنسا وما يليهم، فمن وقته قطعت ما كان بيني وبين الكفار الملعون من العلائق الودية، وجاهرتهم بالعدواة، وأعلنتهم بالحرب، واستعديت لهم بقدر ما يستطعنى من القوة، غيرة في دين الله، وحمية للإسلام." (شبيكة، ص 426).
الخاتمة
فهذا هو موقف السلطان علي دينار الذي أدى إلى قطع شعرة معاوية بينه وبين حكومة السودان، وقاد أيضاً إلى تعطيل المحمل الشريف والصُرَّة الدافورية إلى الأراضي المقدسة. وتبلورت حصيلة ذلك المشهد في إعلان الحرب على السلطان علي دينار الذي أعلن من جانبه الجهاد على حكومة السودان وأنصارها ممن صاغوا سفر الولاء في الخرطوم، ودخل معهم في مواجهة عسكرية مشكوفة وغير متوازنة الأطرف، لكنها كانت تقوم علي مبادئ آمن السلطان بها ورعيته الذين آثروا الجهاد ضد الغزاة بشراسة، وظلوا يقاتلون إلى أن واجه قائدهم السلطان قدره المحتوم من رصاصة طائشة أردته قتيلاً في 10 محرم 1335ه/ 6 نوفمبر 1916م. وبذلك اسدل الإنجليز وأعوانهم الستار على صفحة من صفحات تاريخ دارفور الحديث (1315-1335ه/ 1898-1916م)، ودقوا اسفيناً في نعش موكب المحمل الشريف الذي كان جزءاًً لا يتجزأ من أعياد أهل الفاشر أبو زكريا ومناسباتهم الدينية العظيمة في ذلك الحين.
مراجع مختارة:
أ.ب. ثيوبولد، علي دينار آخر سلطان لدارفور (1898-1916)، لندن، 1965م (بالإنجليزية).
أحمد عبد الرحيم نصر، أغوات الحرمين الشريفين: دارسة تاريخية مقارنة، ط 2، كوالا لمبور: الجامعة الإسلامية العالمية، 2006م.
أمين سامي، تقويم النيل، القاهرة: مطعبة دار الكتب، 1936م.
مكي شبيكة، السودان عبر القرون، القاهرة: مطعبة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966م.
يحي محمد إبراهيم، تاريخ التعليم الديني في السودان، بيروت: دار الجيل، 1987م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.