أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سلاطين دارفور وصُرَّة الحرمين الشريفين

عندما لاح في الأفق كُدُور نجم الدولة المهدية في خواتيم القرن الرابع عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، حزم، ملازم الخليفة عبد الله التعايشي، علي دينار بن زكريا بن السلطان محمد الفضل الرأي بالعودة إلى ديار أجداده قبل خوض المعركة الفاصلة في كرري على تخوم الحاضرة أم درمان، وإعادة ملكهم الذي سلبته جيوش الغزو التركي-المصري وأعوانها عام 1291ه/1874م، ورفضت المهدية أن تعيد إليهم حقهم السليب في إطار سلطة شبة مستقلة يتعارض سلوكها مع توجهات المهدية الأيديولوجية.
الصورة لمحمل السلطان علي دينار عام 1904، ماراً بامدرمان، بمعية الشيخ السيماوي
شعرة معاوية
وبعد رحلة عناء طويلة حط علي دينار رحاله بمعقل أجداده بالفاشر عام 1315ه/1898م، وصفى فاتورة حسابه مع المعارضين، ثم عجم عيدان سلطانه على المنطقة، وبدأ في خطب ود قادة الحكم الثنائي وجنرالاته في السودان (1315-1375ه/1898-1956م)، بحجة أنه سيظل مخلصاً لحكومة العهد الثنائي بالخرطوم، متى أقرت هذه الأخيرة شرعية سلطانه على دارفور. ويبدو أن الحكومة في الخرطوم لم تكن راغبة في توريط نفسها في صراع مع السلطان علي دينار، لأنها كانت لا تملك مالاً، ولا رجالاً، ولا مواصلات تعينها على غزو دارفور المتمردة القصية، ومن ثم آثرت الإذعان إلى توصيات اللورد كرومر، المندوب البريطاني السامي في القاهرة، حيث ارشدها على قبول سلطان علي دينار على دارفور، شريطة أن يعلن ولاءه التام إلى سيادة الحكومة برفع العلمين على سرايا قصره بالفاشر، ويدفع جزية سنوية تقدر بخمسمائة جنيه أستراليني، وذلك تعبيراً عن ولائه المشكوك في أمره. ويبدو أن السلطان علي دينار قد تعامل مع هذا الواقع بوعي سياسي متقدم، يقضي بإبقاء "شعرة معاوية" موصولة بينه وبين صاغة القرار السياسي في الخرطوم، ولذا لم يسمح لأي مسؤول حكومي بزيارة الفاشر، ولم يشد الرحال إلى الخرطوم بغية تلقي النصح والارشاد من أهل السيادة والسلطان، بل ظل على موقفه المشوب بالحيطة والحذر إلى أن اندلعت الحرب الكونية الأولى، وبموجبها أضحى الطرفان على طرفي نقيض، وقطعا شعرة معاوية التي كانت بينهما.
المحمل الشريف لمكة والمدينة
وفي أثناء هذه الفترة المشوب بالحيطة والحذر (1317-1332ه/1900-1914م) استقل السلطان دينار بحنكة سياسية أعلان حاكم السودان العام، ونجت باشا، في منشور أصدره لخاصة أهل السودان وعامتهم في 28 شوال 1317ه/ 28 فبراير 1900م، وأبان فيه سياسة حكومة السودان الجديدة، وفي بعض مقاطعة قال: "ولقد بدأتُ بتشييد مساجدكم، وإقامة شعائر دينكم المقدسة، وتسهيل طريق الحج إلى بيت الله الحرام، بعد أن حال بينكم وبينه أولئك الطغاة العصاة الذين استأصل الله شأفتهم." (نعوم شقير، ص 193). فلا جدال أن موقفه هذا تجاه فرضية الحج كان عبارة عن كلمة حق أُريد بها باطل، يمكن أن يشوه من خلاله صورة المهدية في أذهان الناس.
بيد أن السلطان علي دينار استثمر هذا الموقف استثماراً سياسياً حاذقاً من أجل تمكين قواعد سلطانه السياسية في دارفور، ومن ثم أرسل خطاباً إلى سلاطين باشا مفش عام السودان يطلب منه البت في ثلاث قضايا مهمة، تتمثل في رسم حدود سلطنة دارفور، ومساعدته الجيش الحكومي مادياً، والسماح له بإرسال المحمل الشريف إلى مكة المكرمة كما كان يفعل أسلافه سنوياً. فرد عليه حاكم السودان العام، ونجت باشا، بخطاب صادر في 12 محرم 1319ه/ 1 مايو 1901م، أقر فيه تعيين السلطان علي دينار حاكماً عاماً على دارفور، شريطة أن يلتزم بقرارات الحكومة وسيادتها المبسوطة على كل أنحاء السودان، وبدلاً من دعمه المادي لجيش الحكومة طلب منه أن يدفع جزية سنوية تقدير بخمسمائة جنيه أسترليني، أما قضية المحمل فقد ترك له الخيرة من أمره، تعللاً بأن الطريق سيظل مفتوحاً بين السودان والحجاز، فعلى السلطان علي دينار أن يتصرف ويتدبر أمره بما يراه مناسباً في هذا الشأن. (ثيوبولد، ص 42-43). وفي ضوء هذه الترتيبات السياسية أرسل السلطان علي دينار إلى سلاطين باشا خطاباً مؤرخاً في 6 رجب 1321ه/ 27 سبتمبر 1903م، يخاطبه قائلاً:
[...] أعلم مكارمكم أفندم أنني قد وجهت الأفكار بإرسال الوقف للحرمين الشريفين، وقد تجهز الآن قادماً لأرض الحجاز صحبة المعين من ملوكنا المكرم صالح علي، ومن معه من الرجال قادماً، فغاية الأمل حال وصوله أمدرمان لم يتأخر غير راحة يوم أو يومين، فحالاً تقوموا بواجبات سفره بكافة من معه، وتحرروا له الرواح لمديرون المحطاة بربر، ولغاية سواكن، بسرعة قدومهم وشمول نظر سعادتكم نحوهم [...] وبعد عودتهم يفادونا بهم، وهما عل أثر جوابكم يأتونا، كما أملي في سعادتكم رجائي في علو همتكم أدام الله بقاكم. (دار الوثائق القومية بالخرطوم، مخابرات، 7/1/5)
ويبدو أن هذه الرحلة الحجازية قد كُللت بالنجاح، كما جاء في خطاب السلطان علي دينار المعنون لسلاطين باشا في 27 جمادي آخر 1322ه/ 7 سبتمبر 1904م، والذي تقرأ بعض مقاطعه هكذا: "... وزيادة سرورنا وحبورنا قيامكم في أمر المحمل النبوي الذي بُعث منطرفنا للحرمين الشريفين، مكة المشرفة والمدينة المنورة، وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ومقابلتكم بالأكرام والإجلال والراحة في كافة لوازم تسهيلاته، وسرعة سفريته على جانب أعتاب الحكومة العادلة في ذهابة وإيابه [...]. وقد تم وصول جمل المحمل ومن معه من المعينين بالسلامة."
صُرَّة الحرمين الشريفين
فلا عجب أن نجاح هذه المهمة قد شجع السلطان على دينار على إرسال محمل ثان في عام 1321ه/1904م، مزودٍ بصُرّة الحرمين الشريفين، إلا أن الصُرَّة قد نهبت في الطريق قبل أن تصل إلى مكة، الأمر الذي دفع سلاطين باشا لإرسال خطاب إلى السلطان علي دينار ينصحه بعدم إرسال المحمل الشريف سنوياً إلى الأراضي المقدسة، وذلك تفادياً لمخاطر الطريق، ويقترح عليه بأن تكون رحلة المحمل الشريف مرة واحدة كل سنتين أو ثلاث سنوات، ويتجلى هذا المقترح في قوله:
جناب السلطان: إن الحكومة لن تدخر وسعاً في منح المساعدة للمحمل الشريف وسوف لن نتأخر على هذا حرصاً منها على إحترام الدين والشعائر الإسلامية، وأنا متأسف لعدم وصول هديتكم المرسله لبيت الله الحرام. وطالما أن الطريق بعيد وفيه صعوبات فأري أنه لا يوجد موجب لإرسال هذا المحمل كل سنه، بل كل سنتين أو ثلاثة، لأن الثواب ليس بكثرة التردد والمواصلة، بل بحسن النية. (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 7/2/4/24).
ويبدو أن هذا المقترح قد وجد قبولاً لدى السلطان علي دينار، لأن لم يرسل محملاً شريفاً إلى الأراضي المقدسة عام /1322ه/1905م، بل استأنف ذلك عام 1324ه/1906م، عندما أرسل خطاباً إلى سلاطين باشا، في 18 شعبان 1324ه/ 3 ديسمبر 1906م، يوضح فيه أن المحمل الشريف قد توجه إلى الخرطوم تحت أمرة الشيخ محمد سيماوي الركابي، وفي صحبته ثلاثمائة حاج، ويفصِّل في ذات الخطاب محتويات صُرَّة الحرمين الشريفين التي تتكون من "1100 ونصف قنطار سن فيل، و17 مربوع ريش نعام، و30 رطل ريش نعام أسود، و34 رطل ريش ربده"، ثم يوصى ببيعها في أمدرمان إذا كانت الأسعار مجزية، وفي حالة العدم يتم عرضها في الحجاز، علماً بأن عائداتها ستوزع حسب مصارفها المعلومة لدي أمير الحج الشيخ محمد سيماوي. (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 7/1/8/176).
وبعد ثلاثة أعوام بدأ التواصل بين السلطان علي دينار وسلاطين باشا، حيث حرر علي دينار خطاباً إلى سلاطين باشا، في 20 جمادى آخر 1327ه/ 8 يوليو 1909م، جاء فيه: "من بعد السلام اللطيف لذاك المقام المنيف نخبر جناب سعادتكم افندم يكون معلوم إننا فيهذا العام عازمين على إرسال المحمل الشريف للحرمين الشريفين انشالله ومن الوجوب اعلامكم بذلك افندم." (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 2/4/15).
وفي 15 شوال 1331ه/16 سبتمبر 1913م، خاطب السلطان علي دينار سلاطين باشا، معلماً أياه بتحرك المحمل الشريف من الفاشر إلي الخرطوم، ومنها إلى سواكن، ثم الأراضي المقدسة، دون أن يدرك أن ذلك المحمل سيكون آخر المحامل الدارفورية الشريفة وصُررها المباركة إلى الحرمين الشريفين، وفي هذا المضمار يقول:
... نعرض لجناب دولتكم أفندم أن محملنا لله ورسوله مضت لنا في إرساله عدة أعوام ولم أرسلناه، وفيهذا العام استصوبنا إرساله، وها هو قادماً للحرمين الشريفين بعون الله معية خدامنا محمد الشيخ سيماوي، والخدما المحافظين على المحمل الشريف، ومعهم الحجاج من الوطن، ومن حيث أنه من الواجب إعلام سعادتكم بما ذكر فلزم عرض هذا لجناب سعادتكم وبه أرجوا من الحكومة تعديهم على جناح السرعة لموافات الحج بالراحة حسب المعهود في عدالتها وتفيدون بما يتم في أمرهم بعد التوجه ونكون ممنون ومتشكر أفندم. (دار الوثائق القومية الخرطوم، مخابرات، 7/2/15/834).
في هذه الإثناء كان سلاطين باشا مقيماً في قاهرة المعز، فأرسل في 1شوال 1327ه/16 أكتوبر 1909م، برقية لمفتش مركز مدينة النهود يطلب منه أخطار السلطان علي دينار في جبل الحلة بأن المحمل الشريف قد وصل سالماً آمناً إلى الخرطوم، ومنها في طريقه إلى الإراضي المقدسة. فكان هذا المحمل هو آخر محمل تودعة مدينة الفاشر أبوزكريا، وبعده اُسدل الستار على إرث سلاطين الفور وتقليدهم الإسلامي التليد، الذي أضحى أمانة في ذمة التاريخ والمؤرخين.
وداع المحمل في الفاشر
وتحدثنا المصادر التاريخية أن تحرك المحمل الشريف في الأعوام المشار إليها أعلاه كان له طعم ومذاق خاص في مدينة الفاشر، حيث تتقاطر جموع المودعين إلى ساحة قصر السلطان علي دينار، "ليشهِّلوا" موكب المحمل الشريف الذي يتقدمه أمير الحج وفقيه الصلوات الجامعة، وفلول الحجيج القادمة من مدن دارفور وضواحيها والتخوم المجاورة لها. وعندما يستقيم ميسم التجمع في ساحة القصر السلطاني، ويتعالى صوت القرع على نحاسات السلطان، وترفع أصوات المزامير، يخرج ممثل السلطان إلى الجموع ويخطرهم بأوامره القاضية بتحرك المحمل الشريف. وفي ضوء هذه الإشارة السلطانية يبدأ الموكب مشهلاً بآي الذكر الحكيم التي يتلوها طلاب الخلاوي وحفظة القرآن، زافِّين بها المحمل إلى مشارف مدينة الفاشر. وبعد ذلك يتوجه الموكب صوب الحاضرة الخرطوم، محروساً بجند من الفور يحملون حراباً مذوقة بريش النعام، وبعد راحة قصيرة في الخرطوم يتجدد المسير تجاه الأراضي المقدسة عبر ميناء سواكن ومن بعدها بورتسودان. ويقال أن الناس في جدة ومكة كانوا يخرجون زرافات ووحداناً لمشاهدة محمل دارفور وحراسه الذين درجوا على تقديم بعض العروض الفنية بحرابهم المذوقة بريش النعام وذلك في خفة ومهارة.
محمل دارفور الشريف وتداعيات الحرب الكونية الأولى
في السنوات السابقة لإنداع الحرب الكونية الأولى بدأت تتوتر العلاقات بين السلطان علي دينار وحكومة السودان، لأن السلطان، كما يرى المؤرخ مكي شبيكة، "منذ البداية لم يطمئن لها، وما كان يريد عرشاً يُشاد على حماية أو تدخل أجنبي، بل كان يريد عرشاً خالصاً مستقلاً، ولكنه من حسن السياسة رأى أن يستعين بالحكومة للوصول إلى غايته." (شبيكة، ص 423) وفي هذا الجو المشحون بالترغب والحذر أرسل ونجت باشا خطاباً يخطر فيه السلطان بإندلاع الحرب ضد ألمانيا، ويحثه على عدم الأخذ بالإشاعات الكاذبة، ووقوفه صفاً في جانب الحلفاء، ويمضي الخطاب ويقول: "وليكن بعلمكم أن أخبار هذه الحرب الحقيقية تنشرها جريدة السودان، التي تظهر في الخرطوم، والتي على ما أظن تصلكم في دارفور، فإذا بلغكم من بعض الناس الجهلاء الذين لا يعرفون الحقائق أو المفسدين الذي يحبون نشر أخبار كاذبة لا تنطبق على ما تنشره الجريدة المذكورة، فإني أوصيكم بأن تأمروا موظيفكم بالقبض على هؤلاء الكاذبين، وتبقوهم عندكم تحت المراقبة أو ترسلوهم للحكومة." (ثيوبولد، ص 138)
ويبدو أن هذا الخطاب قد أُرسل جساً لنبض السلطان علي دينار الذي كان مشكوكاً في أمر مساندته للحلفاء. وفي هذه الأثناء بدأ السلطان اتصالاته بالخليفة العثماني في استانبول والشيخ محمد المهدي السنوسي في جغبوب (ليبيا)، وقد خاطب الخليفة في هذا الشأن بقوله:
وقد أحاطت أيدى النصارى الكلاب الكفار بالمسلمين من يميننا وشمالنا وورائنا وأمامننا، وجازوا ديار المسلمين كلها، ممالك البعض سلطانها مقتول، والبعض سلطانها مأسور، والبعض سلطانها مقهور، ويلعبون بأيديهم كالعصفور، ما عدا دارفور قد حفظها الله من ظلمات الكفار. والداعي أنهم حالوا بيننا وبين الحرمين الشريفين اللذين حرسهم الله ومنحكم بخدمتهما. ولم نر حيلة نتوسل بها لأداء الفرض الذي فرضه الله علينا من حج بيته الحرام، وزيارة نبيه عليه الصلاة والسلام، وانجبرنا على مواصلة دولة الانجليز، وسرنا نعاملهم تارة بالمشاحنة معهم، وتارة رغبة في حفظ إيماننا وإسلامنا في بلادنا. (شبيكة، ص 425-426)
ورداً على هذا الخطاب بعث أنور باشا، وزير الحرب العثماني، خطاباً للسلطان علي دينار في 13 ربيع أول 1333ه/3 فبراير 1915م، يهيب فيه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بحمل السلاح ومساندة دولة الخلافة في مواجهة الحلفاء، ويخطر السلطان علي دينار بأن الخليفة قد أعلن الجهاد المسلح، وأن المشيخة الإسلامية افتت بأن الجهاد الآن فرض عين على كافة المسلمين. ويبدو أن السلطان قد سر بهذا الخطاب، ورد علي أنور باشا قائلاً: "ونخبر جنابكم أننا منذ انتشار الحرب بين جلالة سلطان الإسلام وبين الألداء الكفار والفساق الأنجليز وفرنسا وما يليهم، فمن وقته قطعت ما كان بيني وبين الكفار الملعون من العلائق الودية، وجاهرتهم بالعدواة، وأعلنتهم بالحرب، واستعديت لهم بقدر ما يستطعنى من القوة، غيرة في دين الله، وحمية للإسلام." (شبيكة، ص 426).
الخاتمة
فهذا هو موقف السلطان علي دينار الذي أدى إلى قطع شعرة معاوية بينه وبين حكومة السودان، وقاد أيضاً إلى تعطيل المحمل الشريف والصُرَّة الدافورية إلى الأراضي المقدسة. وتبلورت حصيلة ذلك المشهد في إعلان الحرب على السلطان علي دينار الذي أعلن من جانبه الجهاد على حكومة السودان وأنصارها ممن صاغوا سفر الولاء في الخرطوم، ودخل معهم في مواجهة عسكرية مشكوفة وغير متوازنة الأطرف، لكنها كانت تقوم علي مبادئ آمن السلطان بها ورعيته الذين آثروا الجهاد ضد الغزاة بشراسة، وظلوا يقاتلون إلى أن واجه قائدهم السلطان قدره المحتوم من رصاصة طائشة أردته قتيلاً في 10 محرم 1335ه/ 6 نوفمبر 1916م. وبذلك اسدل الإنجليز وأعوانهم الستار على صفحة من صفحات تاريخ دارفور الحديث (1315-1335ه/ 1898-1916م)، ودقوا اسفيناً في نعش موكب المحمل الشريف الذي كان جزءاًً لا يتجزأ من أعياد أهل الفاشر أبو زكريا ومناسباتهم الدينية العظيمة في ذلك الحين.
مراجع مختارة:
أ.ب. ثيوبولد، علي دينار آخر سلطان لدارفور (1898-1916)، لندن، 1965م (بالإنجليزية).
أحمد عبد الرحيم نصر، أغوات الحرمين الشريفين: دارسة تاريخية مقارنة، ط 2، كوالا لمبور: الجامعة الإسلامية العالمية، 2006م.
أمين سامي، تقويم النيل، القاهرة: مطعبة دار الكتب، 1936م.
مكي شبيكة، السودان عبر القرون، القاهرة: مطعبة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966م.
يحي محمد إبراهيم، تاريخ التعليم الديني في السودان، بيروت: دار الجيل، 1987م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.