مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بين البشير والإعلام: حالة تلبُس الدولة وإلتباس المفاهيِّم!!
نشر في السودان اليوم يوم 23 - 12 - 2015


بسم الله الرحمن الرحيم
ما بين البشير والإعلام: حالة تلبُس الدولة وإلتباس المفاهيِّم!!
إذا كان كل ديكتاتور يستبطن بشكل أو بآخر مقولة لويس الرابع عشر(أنا الدولة!)، فتاليا كل الدكتاتوريين شُركاء في المنطلقات والأرضية او التصور للدولة والسلطة والشعب! وبغض النظر عن تبدل العصور ودوران عجلة الزمان وتغيُّر المكان وتقدم حركة التاريخ. ولو أن الديكتاتوريين اللأحقون أكثر درامية ودموية ومعاندة لحركة التاريخ، مقارنة بأسلافهم الأوائل! وفي كلٍ شر وفساد في الأرض لا يطاق. إلا أننا نجد أن البشير كديكتاتور (عوير!) يحمل سماته الخاصة او فرادته الإستبدادية. فديكتاتورية البشير تقوم علي نوع من الخلط المتعسف، للدين والعسكرية والشعوبية! أي هي خلاصة الوهم المركب لعناصر الطهارة والإستقامة والإنضباط، مع مسحة شعبوية تخرج هذا المزيج، في شكل أقوال وأفعال وقرارات في غاية الكاريكاتورية، او التهور والرعونة والإرتجال. بمعني آخر، طريقة البشير في إدارة الدولة، قائمة علي دعائم من غياب المعرفة والدراية وإحتقار النظام والكفاءة، وإنعدام الحكمة وبعد النظر، أي الإمتناع عن التدبر في العواقب لكل ما يتخذه من قرارات او مواقف او ردات فعل تجاه المستجدات! وليس قليل من ضمور مواهب القائد وفقدان معني القيادة، وبكل ما يترتب عليهما من حساسية وطنية ومسؤوليات جسيمة. لذلك نجد أن هذه الطريقة البشيرية في إدارة الدولة، تحرج أقرب المقربين وتثير حيرة المتابعين، وتجعل كل من يهتم بحال الوطن، يأسف علي هذا المصير القاتم، بقدر ما يأسي علي حال المواطنين! بل تجعل حتي الغريب او من يملك قبس ولو بسيط من نور البصيرة، او أدني فكرة عن أحوال السودان والسودانيين، يندهش لكيفية إحتلال شخص بهذه المواصفات، قيادة دولة بهذا الحجم والتعقيِّد والإرث الحضاري، ولمدة تزيد عن ربع قرن من السنوات حسوما؟! ولكن المفارقة تكمن في أن تواضع إمكانات البشير القيادية والإدارية، قد تكون هي السبب الأساس في إستمراره طوال هذه الفترة العصيبة! بمعني، إن جهل البشير بأصول السلطة ومستلزمات الحكم، مكَّن المتلاعبين والمفسدين من الإندياح بكل إرتياح، في ممارسة أنشطتهم غير المشروعة، وتاليا توظيف جزء كبير من موارد الدولة لحماية هذه الأنشطة، وذلك بالتوازي مع زيادة المنافع المترتبة علي إرتفاع تكاليف الدفاع عن السلطة/البشير! أي غياب المشروعية لا يسمح بنمو وسيادة الأنشطة غير المشروعة فقط، ولكنه يهدر جزء كبير من موارد الدولة، لأجل شراء وحماية المشروعية البديلة او الزائفة، في معادلة بئيسة لكنها طاغية، تقوم علي إستبدال التنمية بدعم وزيادة قوات الدفاع والخدمات بتمدد ورفاه أجهزة الأمن؟! وتاليا كل متطلبات المشروعية ومشاريع تملك السلطة والنفوذ، أصبحت تمر عبر العلاقة الشخصية والمصلحية بالبشير! خصوصا بعد دخول الإنقاذ مرحلة البشيرية الدولتية او وصولها محطة البشير/الدولة! فعندها ضعفت كل أنواع العلاقات والروابط المؤسسية والتنظيمية في السلطة، وبما فيها علاقة التنظيم الإسلاموية والروابط القبلية والجهوية، علي عكس ما يعتقد البعض! لتحل محلها روابط الدم والنسب وعلاقات الصداقة والزمالة العسكرية، بالسلطة البشيرية! أي ما يمكن وصفه بالمشاعية البشيرية، او مرحلة إنفلات الفساد الشامل من عقاله. بمعني، وخلال سيطرة الجماعة الإسلاموية بقيادة شيخها(المتشايخ) الترابي، علي البشير والسلطة. كان الفساد منضبط وله مرجعية سياسية، ولو أنها فاسدة وغير شرعية! إلا أنها تندرج في خانة اللعبة السياسية رغم قذارتها! وكذلك الخراب للمؤسسات والخدمات(السكك الحديدية التعليم..الخ) كان متعمد ولأغراض سياسية، ولو أنها دنيئة وبما يشبه جماعة ضالة ومضلة. ولكنها رغم ذلك، علي العكس من الوضعية البشيرية، والتي إنفلت فيها زمام السياسة او شيوع اللاسياسة بالتوازي مع اللاشرعية! أي ساد الفساد من أجل الفساد (وليس السياسة)، او سيطر الفساد كمحرك وحارس للسلطة ومحفز وداعم للفاسدين المناصرين! وبكلام محدد، قدر قليل ومشوه من السياسة(الجماعة الإسلاموية المنحرفة) أفضل من غيابها تماما(الحالة البشيرية المنفلتة!). أي نظام أقل، أفضل من إنعدام النظام والإنفلات، وهو عين ما تجسده المرحلة البشيرية(الطغووية!). وذلك بناءً علي القول الشائع، عدو عاقل خير من صديق جاهل. فما بالك إذا كان هذا الجاهل، خالص العداء للوطن وشديد الإحتقار للمواطنين! وما تهديده الأخير للصحافة والصحفيين، إلا بيِّنة علي هذاء العداء وإفتضاح لكم الإزدراء! مع التنويه أن ذلك لا يشكل مفاضلة بين شرين، بقدر ما يؤكد أن الإستبداد شر عظيم، وحكم الفرد شر مطلق، فوق أنه مهين للعقل ومذل للكرامة. ولكن كل ذلك لا يمنع تواجد الإسلامويين بكثافة داخل أروقة السلطة البشيرية، ولكن ما يجمعهم روابط راسمالية او سياسية/منصبية (مصدرها شخصي وليس تنظيمي!)، وبالطبع بعد إتقان فنون المولاة وإظهار فروض المداهنة وآيات الإنسحاق في حضرة (البيه) البشير، أي كعربون ثقة لهذه العلاقة او الروابط الآثمة.
ومع طغيان السلطة البشيرية كان لابد من تغيير قوانين اللعبة السياسية، وتاليا الإفتئات علي حرمة الدستور، رغم إصطناعه مسبقا علي مقاس رغبات البشير(التي يبدو أنها متغيِّرة بإضطراد!)، وصولا للتهديد المبطن الأخير، للصحافة بصفة عامة والصحافيين(حقنه!) بصفة خاصة! علما بأن الأخيرين هم من أسباب تضخم شخصية البشير، ومن ثم بروز السلطة البشيرية المطلقة او في نسختها المتوحشة او المفترسة! ولسخرية القدر دخلوا هم أنفسهم دوائر الرعب والتهديد، بعد أن كانوا ينعمون بظل حماية البشير ويتفيؤون ظلال عطاياه، تاركين لظي المضايقات الأمنية ومكابدة الحروب الإقتصادية، لصحفي وصحف العارضة. المهم، المرحلة البشيرية، لم تطال العلاقات والسياسات والروابط السابقة لها، بالجرح والتعديل فقط! ولكنها طاولت الوعي السلطوي وآليات فهمه، للفضاء الداخلي بكل أنشطته ومكوناته. أي بحيث يتناغم هذا الواقع مع إيقاع رغبات البشير ومزاجه! وتاليا يعاد النظر في مفهوم الإعلام ودوره ووظيفته وطريقة إخراجه الي الجمهور العام! وتفسير ذلك، أن ينحدر الإعلام من دوره الكشفوي ووظيفته التنويرية كأحد مكتسبات الحداثة، الي مجرد آلية تعبوية ووسيلة تضليلية، تقدس السلطة وتغيَّب الحقيقية وتستخف بالجمهور. أي حضور الإعلام في المشهد الداخلي، لا يكتسب رضا السلطات، إلا عبر مدح البشير ومساعديه، والإشادة بتصرحياتهم والتطبيل لقراراتهم، وبغض النظر عن مدي صحتها او موافقتها للمصلحة العامة، فيكفيها فخرا وشرعية أنها صدرت منه او من أحد أعضاء حكومته! والذين بدورهم يشكل لهم البشير السند والمعين، او صاحب الفضل ونازع النعمة والإمتيازات متي ما يشاء! وتاليا طاعته مقدمة علي واجب الوظيفة ومصلحة الوطن! وهذا فوق أنهم يشكلون إمتداد لسلطته وبدرجة أقل شخصه، وتاليا مسهم بتهمة التقصيِّر او مجرد الإعتراض عليهم! هو مس لشخصه وإعتراض علي إختياراته، وهذا ما لا يجوز في حقه، او يمكن التغاضي عن زجره او تركه يمر دون عقوبة. والحال هكذا، يصبح ليس هنالك حرية إعلام وخلافه فحسب، ولكن حتي ما يتاح من مساحة للإعلام، رغم محدوديتها والكم الهائل من الشكوك المحيطة بها، إلا أنها يجب أن تسبح بأسم البشير وتهلل بحمد السلطة! أي أن يتحول الصحفيون الي أحمد البلال الطيب والإعلاميون الي ربيع عبد العاطي! لتنحصر وظيفتهم في كشف المخفي من وعود المشاريع المنجزة او المقترحة، والتي بالطبع لا تأتيها العيوب من بين جنباتها ولا داخلها، ولا يعرف التقصيِّر طريقه الي تنفيذها وإقامتها، ولا يمسها شئ من رذيلة أسمها الفساد، هذا من جهة! ومن الجهة المقابلة، مواجهة أعداء السلطة بالزعيق والمغالطات، وإستسهال إطلاق تهم العمالة ونعوت الخيانة علي حضورهم وممارساتهم، وهذا دون قول شئ عن الإستخفاف بالعقول وإهانة المعقول، وإكراه البداهة علي التواري خجلال من مسرح الجدل/السفسطة. ولكن كل ذلك لا يمنع، أن عناد الواقع وقوة الوقائع وإنكشاف طبيعة السلطة داخليا وخارجيا، قد إتاح قدرا من الهامش للحريات المحسوبة، والمقيدة بالقوانين التعسفية والرقابة الأمنية وعقوبة الإيقاف المجانية! أي بعد أن عجزت السلطة عن منع هامش الحريات، حرصت علي توظيفه! أي بتحويله الي هامش يتقصد إكمال مظهر الديمقراطية المفتري عليها، وشرعنة الشرعية الإغتصابية! ليس بالإنقلاب وحده، ولكن أضيف لها السطو علي الديمقراطية، من مدخل الإنتخابات المزورة وتشويه او تعمية الإرادة الشعبية! أي إتاحة هامش الحريات ليس عن قناعة بوظيفة الإعلام الحر او بدور الصحفيين الأحرار، ولكنه من الضرورات التي تبيح الصمت علي المحظورات (الحريات) او الصحفيين المشاغبين. وكدليل علي جدية السياسة الإعلامية المرتقبة، او من باب الإستعداد لكل من يأنس في نفسه الإمعية لمجاراتها او يرغب الحضور في المشهد الإعلامي القادم! أي في الحقبة البشيرية التدجينية المنتظرة، فقد قرر البشير أن يتولي ملف الإعلام بنفسه، ليصيغه علي هواه او يؤطره وفق رؤيته الخاصة! ولكن السؤال في هذه الحالة، ما دور الجهات المنوط به الإشراف علي ملف الإعلام، من وزير ووزارة وموظفين ومراقبين لحركاته وسكناته؟! هل سيحالون الي الصالح العام؟ أم سيحتلون وظائف ويأخذون مرتبات من دون أعباء او عمل، أي عطالة مدفوعة الأجر؟! أم سيكون هنالك تعديل في هذه المهام وطبيعة الوظائف والموظفين؟! او علي أقل قدر من التوضيح، ما هي الكيفيَّة التي سيتولي به البشير ملف الإعلام؟ وهل هو مؤهل لهذا الدور وغيره من الأدوار؟ وهل لديه الزمن والجهد للقيام بهذه المهمة علي أكمل وجه؟ وهل تتقبل ميزانية الدولة أعباء جديدة وهي موضوعة سلفا؟ وهل هنالك تكيُّف قانوني ودستوري لهذه المهمة الجديدة، التي صدرت في لحظة غضب؟! أم لترزية القوانين والدساتير مخرج آخر، يضاف لجُبَّة الدستور البشيري، وإتساعها لأبعد مدي من الترقيعات؟! أم كالعادة مزاج البشير هو أهم وأعلي سلطة دستورية في البلاد..الخ من هذه التساؤلات المريرة؟ أما مصدر الإزعاج في هذه التصريحات البشيرية الهوجاء، أنها ترسل إشارة الي أجهزة الأمن للتحرك من أجل إغلاق الصحف وإعتقال الصحفيين! أي تصريح لعين كهذا يعرض الصحافة والصحفيين لمزيد من الإنكشاف والتحرُّش، إن لم يرفع من ثيرمومتر الرقابة الذاتية الداخلية، لتُكبِّل كل حركة لكشف الخطأ والفساد او مبادرة لنشر الوعي والتبشير بالحرية والديمقراطية والسلام! علما بأنهم سلفا في وضع أكثر هشاشة او الحلقة الأضعف أمام السلطات، كما أنهم مصدر ريبة وإتهام حتي تثبت براءتهم! في الوقت الذي تكسب فيه الأجهزة الأمنية وأفرادها مزيد من النقاط، بقدر إهدارهم لدم الصحافة وذمهم للصحفيين! وهو عين ما حدث لصحيفة التيار ورئيس تحريرها الأستاذ عثمان ميرغني. والذي لم تشفع له ميوله الإسلامية ومناصرة النظام في وقت من الأوقات، أي قبل إعلان ثورة الغضب ورفع راية العصيان علي طريقته الخاصة. ويبدو أن الأستاذ عثمان ميرغني(فك الله أسره وأسر صحيفته) لم يتقن قراءة المرحلة البشيرية وحدود خطوطها الحمراء، او عجز عن التلون بلون هذه المرحلة! والتي يتقنها ويتلون بها من يصطحب البشير في رحلاته وجلساته الخاصة، وتاليا هو دارس جيد لمزاج البشير وطريقته الإرتجالية في إصدار القرارات العشوائية، ومن ثم هو دائم التواجد في المياه الدافئة، ومستمتعا بأرزاقها الوفيرة ومنافعها العديدة ومحميتها الطبيعية. ولكن من ناحية ثانية او الأكثر عبث في هذه التصريحات، أنها تكشف بوضوح أن البشير وصل به الحال الي تُلبس حالة الدولة، وصولا الي تمثل أدق تفصيلاتها! أي أن يسمح لنفسه بمراقبة ومحاسبة الإعلام، وتاليا غيره من الأنشطة والإجراءات التي تدور في فضاء الدولة! أي أن يتجاوز حتي أعوانه الخلص ومساعديه المطيعين، إن لم يكن معنِّفا لهم ومتهما لهم بالتقصير، في إيصال قراراته ومشاريعه ومظهره بالطريقة المثلي لكافة الجماهير. ولكن من دون أن يرد علي خاطره، أن يكون هو ذاته مصدر تساؤل ومحاسبة علي أقواله وأفعاله او مجرد السماح بتقييم أداءه او طريقة إدارته للدولة؟ أي بقدر ما حالة تلبُس الدولة، متعالية علي الدولة وتاليا فوق المجتمع، بقدر ما تمتلك السلطات المطلقة، لتسيير شؤون الدولة، من دون تساؤل او إعتراض او إستنكار، بل في كل مسالكها تتوقع الإنبهار والإعجاب ومن ثم المدح والثناء! أي بوصفها ذات لا تنطق إلا حِكما ولا تفعل إلا الخير العام، مع إمتناع إعطاء هذه الحكمة او ذاك الخير أي فرصة للإختبار، لأن الجوهر لا ينتج إلا جوهر وجواهر! أي حالة تلبُس الدولة هي إضافة للدولة وليس العكس، وذلك من خلال إندغام الذات المتسلطة بالسلطة، ومن ثم إكساب السلطة ميزات متعالية وجوهرية وإطلاقية، ومن ثم فهي غير قابلة للخطأ او المراجعة! وتاليا لا معني في مدارها للمساءلة او وجود للتساؤل؟! أي الصحافة نفسها زائدة دودية لا حاجة لها، إلا كمُعبِّر نزيه عن سمو وجلال تلك الذات العلوية؟! أما إلتهابها بالنقد والتشكيك فهو إعلان او مقدمة لزوالها، حفاظا علي سلامة تلك الذات؟ والحال هكذا، يصبح نقد الإعلاميين لوزير المالية، والميزانية التي تسخر من معاناة المواطنين! هو صحيح من وجهة نظر الإعلام المحترم في الدول المحترمة! ولكن وبما أن المعايير الحاكمة للإعلام وغيره من الأنشطة المجتمعية، هي معايير مزاجية وتحكمها مصالح وميول البشير، وسعيه المحموم للبقاء السرمدي علي سدة السلطة! فعندها يصبح الخطأ ليس في إنتقاد وزير المالية او رفض ميزانيته المفارقة، التي تعطي السلطة وتحرم الجمهور! ولكن الخطأ يكمن في مراجعة فرد يرضي عنه البشير، او تسفيه ميزانيته، او مجرد جرح خاطره بمقال في صحيفة، يعتاش من وراءها العشرات. وهذا ليس بمستغرب طالما البشير نفسه يعتقد بصلاح الميزانية، بدلالة إعتمادها علي الديون والمنح الغربية والعربية التي ستُضخ في شرايينها؟! كما أن نصيب الأسد منها سيوجه للمؤسسة العسكرية، ولو أنه أقل مما يجب، أن يمنح لتلك المؤسسة وغيرها من التكوينات الأمنية والشرطية، والتي من المفترض أن توجه الميزانية بأكملها لخدمتها، حسب تصور الجنرال البشير! وهو تصور يصب في إتجاه الخدمات التي توجهها تلك الأجهزة والمؤسسات للبشير شخصيا، ولبقية مكونات السلطة الحاكمة بصفة عامة. وهو تصور/وهي خدمات تتحالف لتعمل ضد الصالح العام وعلي عكس مصالح الجماهير! أي تستهدف إطلاق يد البشير وأعضاء حكومته في الدولة، نظير فتح خزائن الدولة وعرض مواردها أمام السادة العساكر والأمنجية والشرطة، وما تبقي من فتات هذه العلاقة الجائرة، سواء علي مستوي السلطة او الموارد، فهو حلال علي بقية الجمهور. علي هذا الأساس، يصبح إمتعاض البشير من الصحف والأقلام التي تكتب ضد النظام، مبرر من أكثر من وجهة:
أولا، هو من أعطاهم المساحة او هامش الحريات الذي تتحرك فيه الصحافة والأقلام، رغم عدم قناعته بهذا النشاط وتشككه في أهلية ووطنية أصحابه! وتاليا هو يتوقع رد الحسنة بعشر أمثالها! أي عشر صحف من نوعية الرأي العام، وعشرة صحفيين من نماذج راشد عبد الرحيم!
ثانيا، هو من يتواضع لله، ويتغاضي عن عدم نشر صورته في صدر الصحف اليومية، كتحية صباحية من قائد الأمة الملهم لجمهور القراء والمعجبين! أي يستحق أن ترفع مكانته إعلاميا! او قد لا يكون تواضع، ولكنه جهل بقيمة الصحافة وإستخفاف بأهمية الصحفيين، هو الأرجح!
وثالثا، هو من يصطفي بعض الصحفيين، ليسر لهم بأحوال النظام وخفايا الدولة، ليتكسبوا منها كسبق صحفي وتحليلات كاشفة او كرسائل الي من يهمهم الأمر! ولو أن أحد الصحفيين في الداخل، يحاول أن يظهر بمظهر العالم ببواطن الأمور، ولتأكيد تلك البواطن يكتب بلغة أهل الباطن، التي يصعب إختبارها، أي لغة الألغاز والتهويمات، بل هي أقرب للتعاويذ الدجلية والرموز الشيطانية، ودائما ما يتخيل أنه يقود معركته الجهادية الخاصة، ضد كفار الحركة الشعبية ومرتدي المعارضة!
رابعا، لأن صورته وأقواله وإنجازاته، مكتملة بذاتها كما أسلفنا، وتاليا لا تحتاج للتعريف بها او تسليط الأضواء عليها، وهل يُعرَّف الضياء؟ ولذلك كل ما يقوم به الصحفيون(حقنه!) هو من باب تأكيد المؤكد، ولتفتح لهم أبواب الشهرة والمال والمناصب والترحال! أما أن يقصروا في هذا الدور الهامشي او ينقلبوا ضده حسب تصوره، فهذا ما لا يمكن قبوله، وهو ما يدفعه لمباشرة مراقبة الصحافة بنفسه! علي إعتبار ما قوَّم صحافتك وصحفييك مثل مراقبتك ومحاسبتك بنفسك.
ولكن ما فات علي البشير، أنه أرهق الصحفيين (حقنه!) وهم يجاهدون يوميا لتلطيف القرارات الخرقاء، ويسكبوا الماء علي التصريحات المشتعلة بالفتن لإطفاء غضب الجماهير، ويستلفوا من البراهين الساذجة والأدلة العرجاء والمبررات الواهية الكثير، لتقويِّم السياسات المعطوبة والشعارات الجوفاء والبرامج الخداعة! وكم كابروا لإقناعنا بنصاعة الإستبداد وسوء مرد الحرية وفتنة الديمقراطية، وأن الجوع زيادة إيمان والفقر غني الأتقياء وإنتشار المرض إبتلاء! وترف السلطة صلاح وواجباتها مكرمة، ومسؤولياتها فرض كفاية إذا قامت ببعضها سقطت عنها الأخري! وأن الفساد جزئي يقوم به بعض الفاسدين بعيدا عن معرفة السلطة، عوضا عن أنه ظاهرة عالمية وملازم للإجتماع البشري! إضافة الي شغل الراي العام بتوافه الأمور والقضايا، والحوادث الفارغة والمشاريع المضروبة، والهروب من مواجهة جذور الأزمات والمشاكل، او إحلال النتائج محل الأسباب والثانويات محل الأساسيات، لمزيد من التضليل والتمويه والتعجيِّز. وعموما يظل مصدر متاعب الصحفيين (حقنه!) الأساس، أنهم يدافعون عن رئيس مطارد دوليا، بسبب تهم تتعلق بجريمة الإبادءة الجماعية، ويعجز عن ردها او مواجهة محكمتها، بإفتعال الضجيج حولها، وتصوير القضية وكأنها تصفية حسابات شخصية مع أحد قضاتها، او رد الأمر لجانب المساس بالكرامة الوطنية، وغيرها من الترهات التي يمتح من معينها أولئك الصحفيون المكابرون! وكأن المطاردة والتهم في حد ذاتها، بريئة من جرح خاطر الكرامة الوطنية المزعومة؟! وكذلك معاناة أولئك الصحفيين تبرز، عندما يقرر البشير السفر الي أي دولة، فعندها يبدأ سهر الليالي والقلق والإضطراب وهم يقعون بين نارين! نار الإحراج، بسبب عناد البشير وإصراره علي ركوب مخاطر السفر، لكسر طوق العزلة من حوله ولإتمام نصاب شرعيته المنقوص وإكمال هيبة (الأسد النتر) المراقة علي مذبح الحبس الداخلي! ونار الدفاع عن البطولة الوهمية، بسبب النجاة من الإعتقال، عندما يعود (هاربا!) من غمار وأهوال الرحلة الخارجية؟! أما منبع الكلفة الأعظم، وغير إهدار كرامتهم الوطنية وضياع مكانتهم الإجتماعية، وتمريغ سمعتهم ومصداقيتهم في المصالح الخاصة، وذلك من خلال مناصرتهم للطغاة وتبريرهم للإستبداد! أنهم الخاسر الأكبر من أي تحول ديمقراطي، يستهدف مصالحة الجماهير ومصالح الوطن ودعم الخير العام! أي تأييدهم للإستبداد بتوظيف مواهبهم وقدراتهم لدعمه، حولهم لمستبدين صغار يتعيشون بالتطفل علي المستبد الأكبر! وتاليا لا حياة لهم إلا في بيئة من الإستبداد. أي هم معادون للحرية بالفطرة وللديمقراطية بتهديدها لوجودهم، ومن ثم دفاعهم عن الطغاة/البشير هو في الحقيقة دفاع عن وجودهم! ورغم مسؤولية الأخير المباشرة عن هذا الخراب الماثل، ليس من الآن ولكن منذ القيام بإنقلاب أو أكبر الكبائر وإن شئت أم الكبائر، التي جلبت خلفها كل هذه المحن والكوارث! إلا أن دفاعهم عنه أشد وبما يتناسب مع حجم الخراب! فكلما إزداد حجم الخراب كلما زادت الحاجة إليهم وزاد كم العطاء لهم. أي تعاظم العطاء في علاقة طردية مع خراب العمران وضعف النفوس وتشوهات العقول. أي هم كالبوم الذي يقال أنه يهوي العيش في الخراب او أضل سبيلا! في هذا المعني، يصبح النقد الذي يوجهه هؤلاء الصحفيون(حقنه!) للسلطة، هو من باب رفع العتب الإجتماعي والحفاظ علي ما تبقي من سمعة صحفية في الحضيض، من جهة! ومن جهة مقابلة، لذر الرماد في العيون، للإدعاء أن هنالك إمكانية لنقد السلطة وتوافر للحريات، كدليل علي ديمقراطية النظام الإستبدادي! إضافة الي أن إستِعَّار حِميَّة النقد لبعض مكونات الحكومة، مرجعيتها ليست وطنية كما يحلو لهم تصويرها، ولكنها تصفية لحسابات بينية بين مراكز السلطة والأفراد، ما دون سلطة البشير ومما لا يثير غضبه! ولكن مشكلتهم أن البشير عجز عن إستيعاب هذا النقد المخفف، والذي يتحاشي إدخال البشير وشرعيته وتاليا ممارساته ضمن إطاره!؟ ناهيك علي أن يسمح له بالمرور دون إشرفه وإطمئنانه الشخصي! وهنا مكمن حيرة وإرهاق هؤلاء الصحفيين!؟ أي كيفية ضبط معادلة نقد الحكومة ومدح البشير في آن واحد، من جانب! والحرص في نفس الوقت، علي إرضاء المجتمع وعدم إغضاب البشير، من جانب آخر. أي محاولة الجمع بين المتناقضات من دون تناقض! ويا له من إرهاق مفتوح علي الإستدامة والخسران المبين؟!
المهم، وبما أن البشير لا يحكم من خلال مؤسسة او منهجية لضبط العمل، فتاليا هو يحكم من خلال بعض آليات عمل المجتمع (كالقيِّل والقَال) او ما يصله من طريق المراقبين والمقربين والمرافقين، وتاليا بما يتوافق ومصالحهم الشخصية ومصالح معارفهم وأقرباءهم وأصدقاءهم! إذا صح ذلك، فمؤكد أن الحملة الشعواء الأخيرة علي الصحافة، وراءها مراكز فساد راسخة، يزعجها أي قدر من الحرية او مجرد محاولة خجولة لكشف الخفايا، حتي ولو من أقرب الصحفيين المناصرين او لأجل التغطية علي جرائم أكبر!؟ لأنهم يعلمون بحسهم الأمني وحرصهم الإجرامي، أن باب حرية الإعلام عندما يفتح، ستدخل منه رياح التقصي ومتابعة خيوط الجرائم وتحديد هوية المجرمين! أي قادر علي تأسيس البيئة الصحية، وتاليا كنس الفساد والأوساخ المتراكمة في القيعان، وتعرية العلاقات المتفسخة ومتحللة في الظلام، من كل الروابط المؤسسية والقيم الوطنية والمنظومة الإجتماعية. وهذا لا ينفي أن تكون الحملة مفتعلة من قبل البشير وأعوانه، كمقدمة لمرحلة جديدة من تكميم الأفواه وإرهاب المجتمع! أي كمؤشر علي مدي الرعب والخوف مما تحمله قادم الأيام، من مخاطر علي البشير وسلطته المتعفنة! التي أفسدت السياسة وجوعت المواطنين ونشرت الفساد وفككت الوطن، وتنذر بإشعال الفتن الأهلية بين مكونات المجتمع. وأخيرا، إذا كان صمت البشير علي الفساد كارثة، فنطقه وقراراته في شأن الفساد كأرثة أعظم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر الكلام
المشكلة ليست في الإعتراض علي نقد الميزانية او وزير المالية او غيره من الوزراء والمقترحات الفاسدة، ولا هي أزمة ثقة كما عبر الأستاذ عثمان ميرغني، ولكن المشلكة الحقيقية هي أزمة حكم يفتقد للشرعية وضوابطها! الشئ الذي حول الدولة كلها، الي حالة من الإستباحة العامة، لكل صاحب سلطة او نفوذ!؟ ولذلك دون الرجوع للشرعية الديمقراطية، وتاليا تحكيم الشعب في مصيره وتمكينه من خياراته. فإن مسلسل التضييق والمنع والحجب للإعلام او سواه، او ترحيل أزمة السلطة الي الشعب ومنظماته المدنية، لن ينتهي! إن لم يزداد تعديا وفجورا علي الفضاء العام، ومذلة وإمتهان للحريات الخاصة. ودمتم في رعاية الله
عبدالله مكاوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.