سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بين البشير والإعلام: حالة تلبُس الدولة وإلتباس المفاهيِّم!!
نشر في السودان اليوم يوم 23 - 12 - 2015


بسم الله الرحمن الرحيم
ما بين البشير والإعلام: حالة تلبُس الدولة وإلتباس المفاهيِّم!!
إذا كان كل ديكتاتور يستبطن بشكل أو بآخر مقولة لويس الرابع عشر(أنا الدولة!)، فتاليا كل الدكتاتوريين شُركاء في المنطلقات والأرضية او التصور للدولة والسلطة والشعب! وبغض النظر عن تبدل العصور ودوران عجلة الزمان وتغيُّر المكان وتقدم حركة التاريخ. ولو أن الديكتاتوريين اللأحقون أكثر درامية ودموية ومعاندة لحركة التاريخ، مقارنة بأسلافهم الأوائل! وفي كلٍ شر وفساد في الأرض لا يطاق. إلا أننا نجد أن البشير كديكتاتور (عوير!) يحمل سماته الخاصة او فرادته الإستبدادية. فديكتاتورية البشير تقوم علي نوع من الخلط المتعسف، للدين والعسكرية والشعوبية! أي هي خلاصة الوهم المركب لعناصر الطهارة والإستقامة والإنضباط، مع مسحة شعبوية تخرج هذا المزيج، في شكل أقوال وأفعال وقرارات في غاية الكاريكاتورية، او التهور والرعونة والإرتجال. بمعني آخر، طريقة البشير في إدارة الدولة، قائمة علي دعائم من غياب المعرفة والدراية وإحتقار النظام والكفاءة، وإنعدام الحكمة وبعد النظر، أي الإمتناع عن التدبر في العواقب لكل ما يتخذه من قرارات او مواقف او ردات فعل تجاه المستجدات! وليس قليل من ضمور مواهب القائد وفقدان معني القيادة، وبكل ما يترتب عليهما من حساسية وطنية ومسؤوليات جسيمة. لذلك نجد أن هذه الطريقة البشيرية في إدارة الدولة، تحرج أقرب المقربين وتثير حيرة المتابعين، وتجعل كل من يهتم بحال الوطن، يأسف علي هذا المصير القاتم، بقدر ما يأسي علي حال المواطنين! بل تجعل حتي الغريب او من يملك قبس ولو بسيط من نور البصيرة، او أدني فكرة عن أحوال السودان والسودانيين، يندهش لكيفية إحتلال شخص بهذه المواصفات، قيادة دولة بهذا الحجم والتعقيِّد والإرث الحضاري، ولمدة تزيد عن ربع قرن من السنوات حسوما؟! ولكن المفارقة تكمن في أن تواضع إمكانات البشير القيادية والإدارية، قد تكون هي السبب الأساس في إستمراره طوال هذه الفترة العصيبة! بمعني، إن جهل البشير بأصول السلطة ومستلزمات الحكم، مكَّن المتلاعبين والمفسدين من الإندياح بكل إرتياح، في ممارسة أنشطتهم غير المشروعة، وتاليا توظيف جزء كبير من موارد الدولة لحماية هذه الأنشطة، وذلك بالتوازي مع زيادة المنافع المترتبة علي إرتفاع تكاليف الدفاع عن السلطة/البشير! أي غياب المشروعية لا يسمح بنمو وسيادة الأنشطة غير المشروعة فقط، ولكنه يهدر جزء كبير من موارد الدولة، لأجل شراء وحماية المشروعية البديلة او الزائفة، في معادلة بئيسة لكنها طاغية، تقوم علي إستبدال التنمية بدعم وزيادة قوات الدفاع والخدمات بتمدد ورفاه أجهزة الأمن؟! وتاليا كل متطلبات المشروعية ومشاريع تملك السلطة والنفوذ، أصبحت تمر عبر العلاقة الشخصية والمصلحية بالبشير! خصوصا بعد دخول الإنقاذ مرحلة البشيرية الدولتية او وصولها محطة البشير/الدولة! فعندها ضعفت كل أنواع العلاقات والروابط المؤسسية والتنظيمية في السلطة، وبما فيها علاقة التنظيم الإسلاموية والروابط القبلية والجهوية، علي عكس ما يعتقد البعض! لتحل محلها روابط الدم والنسب وعلاقات الصداقة والزمالة العسكرية، بالسلطة البشيرية! أي ما يمكن وصفه بالمشاعية البشيرية، او مرحلة إنفلات الفساد الشامل من عقاله. بمعني، وخلال سيطرة الجماعة الإسلاموية بقيادة شيخها(المتشايخ) الترابي، علي البشير والسلطة. كان الفساد منضبط وله مرجعية سياسية، ولو أنها فاسدة وغير شرعية! إلا أنها تندرج في خانة اللعبة السياسية رغم قذارتها! وكذلك الخراب للمؤسسات والخدمات(السكك الحديدية التعليم..الخ) كان متعمد ولأغراض سياسية، ولو أنها دنيئة وبما يشبه جماعة ضالة ومضلة. ولكنها رغم ذلك، علي العكس من الوضعية البشيرية، والتي إنفلت فيها زمام السياسة او شيوع اللاسياسة بالتوازي مع اللاشرعية! أي ساد الفساد من أجل الفساد (وليس السياسة)، او سيطر الفساد كمحرك وحارس للسلطة ومحفز وداعم للفاسدين المناصرين! وبكلام محدد، قدر قليل ومشوه من السياسة(الجماعة الإسلاموية المنحرفة) أفضل من غيابها تماما(الحالة البشيرية المنفلتة!). أي نظام أقل، أفضل من إنعدام النظام والإنفلات، وهو عين ما تجسده المرحلة البشيرية(الطغووية!). وذلك بناءً علي القول الشائع، عدو عاقل خير من صديق جاهل. فما بالك إذا كان هذا الجاهل، خالص العداء للوطن وشديد الإحتقار للمواطنين! وما تهديده الأخير للصحافة والصحفيين، إلا بيِّنة علي هذاء العداء وإفتضاح لكم الإزدراء! مع التنويه أن ذلك لا يشكل مفاضلة بين شرين، بقدر ما يؤكد أن الإستبداد شر عظيم، وحكم الفرد شر مطلق، فوق أنه مهين للعقل ومذل للكرامة. ولكن كل ذلك لا يمنع تواجد الإسلامويين بكثافة داخل أروقة السلطة البشيرية، ولكن ما يجمعهم روابط راسمالية او سياسية/منصبية (مصدرها شخصي وليس تنظيمي!)، وبالطبع بعد إتقان فنون المولاة وإظهار فروض المداهنة وآيات الإنسحاق في حضرة (البيه) البشير، أي كعربون ثقة لهذه العلاقة او الروابط الآثمة.
ومع طغيان السلطة البشيرية كان لابد من تغيير قوانين اللعبة السياسية، وتاليا الإفتئات علي حرمة الدستور، رغم إصطناعه مسبقا علي مقاس رغبات البشير(التي يبدو أنها متغيِّرة بإضطراد!)، وصولا للتهديد المبطن الأخير، للصحافة بصفة عامة والصحافيين(حقنه!) بصفة خاصة! علما بأن الأخيرين هم من أسباب تضخم شخصية البشير، ومن ثم بروز السلطة البشيرية المطلقة او في نسختها المتوحشة او المفترسة! ولسخرية القدر دخلوا هم أنفسهم دوائر الرعب والتهديد، بعد أن كانوا ينعمون بظل حماية البشير ويتفيؤون ظلال عطاياه، تاركين لظي المضايقات الأمنية ومكابدة الحروب الإقتصادية، لصحفي وصحف العارضة. المهم، المرحلة البشيرية، لم تطال العلاقات والسياسات والروابط السابقة لها، بالجرح والتعديل فقط! ولكنها طاولت الوعي السلطوي وآليات فهمه، للفضاء الداخلي بكل أنشطته ومكوناته. أي بحيث يتناغم هذا الواقع مع إيقاع رغبات البشير ومزاجه! وتاليا يعاد النظر في مفهوم الإعلام ودوره ووظيفته وطريقة إخراجه الي الجمهور العام! وتفسير ذلك، أن ينحدر الإعلام من دوره الكشفوي ووظيفته التنويرية كأحد مكتسبات الحداثة، الي مجرد آلية تعبوية ووسيلة تضليلية، تقدس السلطة وتغيَّب الحقيقية وتستخف بالجمهور. أي حضور الإعلام في المشهد الداخلي، لا يكتسب رضا السلطات، إلا عبر مدح البشير ومساعديه، والإشادة بتصرحياتهم والتطبيل لقراراتهم، وبغض النظر عن مدي صحتها او موافقتها للمصلحة العامة، فيكفيها فخرا وشرعية أنها صدرت منه او من أحد أعضاء حكومته! والذين بدورهم يشكل لهم البشير السند والمعين، او صاحب الفضل ونازع النعمة والإمتيازات متي ما يشاء! وتاليا طاعته مقدمة علي واجب الوظيفة ومصلحة الوطن! وهذا فوق أنهم يشكلون إمتداد لسلطته وبدرجة أقل شخصه، وتاليا مسهم بتهمة التقصيِّر او مجرد الإعتراض عليهم! هو مس لشخصه وإعتراض علي إختياراته، وهذا ما لا يجوز في حقه، او يمكن التغاضي عن زجره او تركه يمر دون عقوبة. والحال هكذا، يصبح ليس هنالك حرية إعلام وخلافه فحسب، ولكن حتي ما يتاح من مساحة للإعلام، رغم محدوديتها والكم الهائل من الشكوك المحيطة بها، إلا أنها يجب أن تسبح بأسم البشير وتهلل بحمد السلطة! أي أن يتحول الصحفيون الي أحمد البلال الطيب والإعلاميون الي ربيع عبد العاطي! لتنحصر وظيفتهم في كشف المخفي من وعود المشاريع المنجزة او المقترحة، والتي بالطبع لا تأتيها العيوب من بين جنباتها ولا داخلها، ولا يعرف التقصيِّر طريقه الي تنفيذها وإقامتها، ولا يمسها شئ من رذيلة أسمها الفساد، هذا من جهة! ومن الجهة المقابلة، مواجهة أعداء السلطة بالزعيق والمغالطات، وإستسهال إطلاق تهم العمالة ونعوت الخيانة علي حضورهم وممارساتهم، وهذا دون قول شئ عن الإستخفاف بالعقول وإهانة المعقول، وإكراه البداهة علي التواري خجلال من مسرح الجدل/السفسطة. ولكن كل ذلك لا يمنع، أن عناد الواقع وقوة الوقائع وإنكشاف طبيعة السلطة داخليا وخارجيا، قد إتاح قدرا من الهامش للحريات المحسوبة، والمقيدة بالقوانين التعسفية والرقابة الأمنية وعقوبة الإيقاف المجانية! أي بعد أن عجزت السلطة عن منع هامش الحريات، حرصت علي توظيفه! أي بتحويله الي هامش يتقصد إكمال مظهر الديمقراطية المفتري عليها، وشرعنة الشرعية الإغتصابية! ليس بالإنقلاب وحده، ولكن أضيف لها السطو علي الديمقراطية، من مدخل الإنتخابات المزورة وتشويه او تعمية الإرادة الشعبية! أي إتاحة هامش الحريات ليس عن قناعة بوظيفة الإعلام الحر او بدور الصحفيين الأحرار، ولكنه من الضرورات التي تبيح الصمت علي المحظورات (الحريات) او الصحفيين المشاغبين. وكدليل علي جدية السياسة الإعلامية المرتقبة، او من باب الإستعداد لكل من يأنس في نفسه الإمعية لمجاراتها او يرغب الحضور في المشهد الإعلامي القادم! أي في الحقبة البشيرية التدجينية المنتظرة، فقد قرر البشير أن يتولي ملف الإعلام بنفسه، ليصيغه علي هواه او يؤطره وفق رؤيته الخاصة! ولكن السؤال في هذه الحالة، ما دور الجهات المنوط به الإشراف علي ملف الإعلام، من وزير ووزارة وموظفين ومراقبين لحركاته وسكناته؟! هل سيحالون الي الصالح العام؟ أم سيحتلون وظائف ويأخذون مرتبات من دون أعباء او عمل، أي عطالة مدفوعة الأجر؟! أم سيكون هنالك تعديل في هذه المهام وطبيعة الوظائف والموظفين؟! او علي أقل قدر من التوضيح، ما هي الكيفيَّة التي سيتولي به البشير ملف الإعلام؟ وهل هو مؤهل لهذا الدور وغيره من الأدوار؟ وهل لديه الزمن والجهد للقيام بهذه المهمة علي أكمل وجه؟ وهل تتقبل ميزانية الدولة أعباء جديدة وهي موضوعة سلفا؟ وهل هنالك تكيُّف قانوني ودستوري لهذه المهمة الجديدة، التي صدرت في لحظة غضب؟! أم لترزية القوانين والدساتير مخرج آخر، يضاف لجُبَّة الدستور البشيري، وإتساعها لأبعد مدي من الترقيعات؟! أم كالعادة مزاج البشير هو أهم وأعلي سلطة دستورية في البلاد..الخ من هذه التساؤلات المريرة؟ أما مصدر الإزعاج في هذه التصريحات البشيرية الهوجاء، أنها ترسل إشارة الي أجهزة الأمن للتحرك من أجل إغلاق الصحف وإعتقال الصحفيين! أي تصريح لعين كهذا يعرض الصحافة والصحفيين لمزيد من الإنكشاف والتحرُّش، إن لم يرفع من ثيرمومتر الرقابة الذاتية الداخلية، لتُكبِّل كل حركة لكشف الخطأ والفساد او مبادرة لنشر الوعي والتبشير بالحرية والديمقراطية والسلام! علما بأنهم سلفا في وضع أكثر هشاشة او الحلقة الأضعف أمام السلطات، كما أنهم مصدر ريبة وإتهام حتي تثبت براءتهم! في الوقت الذي تكسب فيه الأجهزة الأمنية وأفرادها مزيد من النقاط، بقدر إهدارهم لدم الصحافة وذمهم للصحفيين! وهو عين ما حدث لصحيفة التيار ورئيس تحريرها الأستاذ عثمان ميرغني. والذي لم تشفع له ميوله الإسلامية ومناصرة النظام في وقت من الأوقات، أي قبل إعلان ثورة الغضب ورفع راية العصيان علي طريقته الخاصة. ويبدو أن الأستاذ عثمان ميرغني(فك الله أسره وأسر صحيفته) لم يتقن قراءة المرحلة البشيرية وحدود خطوطها الحمراء، او عجز عن التلون بلون هذه المرحلة! والتي يتقنها ويتلون بها من يصطحب البشير في رحلاته وجلساته الخاصة، وتاليا هو دارس جيد لمزاج البشير وطريقته الإرتجالية في إصدار القرارات العشوائية، ومن ثم هو دائم التواجد في المياه الدافئة، ومستمتعا بأرزاقها الوفيرة ومنافعها العديدة ومحميتها الطبيعية. ولكن من ناحية ثانية او الأكثر عبث في هذه التصريحات، أنها تكشف بوضوح أن البشير وصل به الحال الي تُلبس حالة الدولة، وصولا الي تمثل أدق تفصيلاتها! أي أن يسمح لنفسه بمراقبة ومحاسبة الإعلام، وتاليا غيره من الأنشطة والإجراءات التي تدور في فضاء الدولة! أي أن يتجاوز حتي أعوانه الخلص ومساعديه المطيعين، إن لم يكن معنِّفا لهم ومتهما لهم بالتقصير، في إيصال قراراته ومشاريعه ومظهره بالطريقة المثلي لكافة الجماهير. ولكن من دون أن يرد علي خاطره، أن يكون هو ذاته مصدر تساؤل ومحاسبة علي أقواله وأفعاله او مجرد السماح بتقييم أداءه او طريقة إدارته للدولة؟ أي بقدر ما حالة تلبُس الدولة، متعالية علي الدولة وتاليا فوق المجتمع، بقدر ما تمتلك السلطات المطلقة، لتسيير شؤون الدولة، من دون تساؤل او إعتراض او إستنكار، بل في كل مسالكها تتوقع الإنبهار والإعجاب ومن ثم المدح والثناء! أي بوصفها ذات لا تنطق إلا حِكما ولا تفعل إلا الخير العام، مع إمتناع إعطاء هذه الحكمة او ذاك الخير أي فرصة للإختبار، لأن الجوهر لا ينتج إلا جوهر وجواهر! أي حالة تلبُس الدولة هي إضافة للدولة وليس العكس، وذلك من خلال إندغام الذات المتسلطة بالسلطة، ومن ثم إكساب السلطة ميزات متعالية وجوهرية وإطلاقية، ومن ثم فهي غير قابلة للخطأ او المراجعة! وتاليا لا معني في مدارها للمساءلة او وجود للتساؤل؟! أي الصحافة نفسها زائدة دودية لا حاجة لها، إلا كمُعبِّر نزيه عن سمو وجلال تلك الذات العلوية؟! أما إلتهابها بالنقد والتشكيك فهو إعلان او مقدمة لزوالها، حفاظا علي سلامة تلك الذات؟ والحال هكذا، يصبح نقد الإعلاميين لوزير المالية، والميزانية التي تسخر من معاناة المواطنين! هو صحيح من وجهة نظر الإعلام المحترم في الدول المحترمة! ولكن وبما أن المعايير الحاكمة للإعلام وغيره من الأنشطة المجتمعية، هي معايير مزاجية وتحكمها مصالح وميول البشير، وسعيه المحموم للبقاء السرمدي علي سدة السلطة! فعندها يصبح الخطأ ليس في إنتقاد وزير المالية او رفض ميزانيته المفارقة، التي تعطي السلطة وتحرم الجمهور! ولكن الخطأ يكمن في مراجعة فرد يرضي عنه البشير، او تسفيه ميزانيته، او مجرد جرح خاطره بمقال في صحيفة، يعتاش من وراءها العشرات. وهذا ليس بمستغرب طالما البشير نفسه يعتقد بصلاح الميزانية، بدلالة إعتمادها علي الديون والمنح الغربية والعربية التي ستُضخ في شرايينها؟! كما أن نصيب الأسد منها سيوجه للمؤسسة العسكرية، ولو أنه أقل مما يجب، أن يمنح لتلك المؤسسة وغيرها من التكوينات الأمنية والشرطية، والتي من المفترض أن توجه الميزانية بأكملها لخدمتها، حسب تصور الجنرال البشير! وهو تصور يصب في إتجاه الخدمات التي توجهها تلك الأجهزة والمؤسسات للبشير شخصيا، ولبقية مكونات السلطة الحاكمة بصفة عامة. وهو تصور/وهي خدمات تتحالف لتعمل ضد الصالح العام وعلي عكس مصالح الجماهير! أي تستهدف إطلاق يد البشير وأعضاء حكومته في الدولة، نظير فتح خزائن الدولة وعرض مواردها أمام السادة العساكر والأمنجية والشرطة، وما تبقي من فتات هذه العلاقة الجائرة، سواء علي مستوي السلطة او الموارد، فهو حلال علي بقية الجمهور. علي هذا الأساس، يصبح إمتعاض البشير من الصحف والأقلام التي تكتب ضد النظام، مبرر من أكثر من وجهة:
أولا، هو من أعطاهم المساحة او هامش الحريات الذي تتحرك فيه الصحافة والأقلام، رغم عدم قناعته بهذا النشاط وتشككه في أهلية ووطنية أصحابه! وتاليا هو يتوقع رد الحسنة بعشر أمثالها! أي عشر صحف من نوعية الرأي العام، وعشرة صحفيين من نماذج راشد عبد الرحيم!
ثانيا، هو من يتواضع لله، ويتغاضي عن عدم نشر صورته في صدر الصحف اليومية، كتحية صباحية من قائد الأمة الملهم لجمهور القراء والمعجبين! أي يستحق أن ترفع مكانته إعلاميا! او قد لا يكون تواضع، ولكنه جهل بقيمة الصحافة وإستخفاف بأهمية الصحفيين، هو الأرجح!
وثالثا، هو من يصطفي بعض الصحفيين، ليسر لهم بأحوال النظام وخفايا الدولة، ليتكسبوا منها كسبق صحفي وتحليلات كاشفة او كرسائل الي من يهمهم الأمر! ولو أن أحد الصحفيين في الداخل، يحاول أن يظهر بمظهر العالم ببواطن الأمور، ولتأكيد تلك البواطن يكتب بلغة أهل الباطن، التي يصعب إختبارها، أي لغة الألغاز والتهويمات، بل هي أقرب للتعاويذ الدجلية والرموز الشيطانية، ودائما ما يتخيل أنه يقود معركته الجهادية الخاصة، ضد كفار الحركة الشعبية ومرتدي المعارضة!
رابعا، لأن صورته وأقواله وإنجازاته، مكتملة بذاتها كما أسلفنا، وتاليا لا تحتاج للتعريف بها او تسليط الأضواء عليها، وهل يُعرَّف الضياء؟ ولذلك كل ما يقوم به الصحفيون(حقنه!) هو من باب تأكيد المؤكد، ولتفتح لهم أبواب الشهرة والمال والمناصب والترحال! أما أن يقصروا في هذا الدور الهامشي او ينقلبوا ضده حسب تصوره، فهذا ما لا يمكن قبوله، وهو ما يدفعه لمباشرة مراقبة الصحافة بنفسه! علي إعتبار ما قوَّم صحافتك وصحفييك مثل مراقبتك ومحاسبتك بنفسك.
ولكن ما فات علي البشير، أنه أرهق الصحفيين (حقنه!) وهم يجاهدون يوميا لتلطيف القرارات الخرقاء، ويسكبوا الماء علي التصريحات المشتعلة بالفتن لإطفاء غضب الجماهير، ويستلفوا من البراهين الساذجة والأدلة العرجاء والمبررات الواهية الكثير، لتقويِّم السياسات المعطوبة والشعارات الجوفاء والبرامج الخداعة! وكم كابروا لإقناعنا بنصاعة الإستبداد وسوء مرد الحرية وفتنة الديمقراطية، وأن الجوع زيادة إيمان والفقر غني الأتقياء وإنتشار المرض إبتلاء! وترف السلطة صلاح وواجباتها مكرمة، ومسؤولياتها فرض كفاية إذا قامت ببعضها سقطت عنها الأخري! وأن الفساد جزئي يقوم به بعض الفاسدين بعيدا عن معرفة السلطة، عوضا عن أنه ظاهرة عالمية وملازم للإجتماع البشري! إضافة الي شغل الراي العام بتوافه الأمور والقضايا، والحوادث الفارغة والمشاريع المضروبة، والهروب من مواجهة جذور الأزمات والمشاكل، او إحلال النتائج محل الأسباب والثانويات محل الأساسيات، لمزيد من التضليل والتمويه والتعجيِّز. وعموما يظل مصدر متاعب الصحفيين (حقنه!) الأساس، أنهم يدافعون عن رئيس مطارد دوليا، بسبب تهم تتعلق بجريمة الإبادءة الجماعية، ويعجز عن ردها او مواجهة محكمتها، بإفتعال الضجيج حولها، وتصوير القضية وكأنها تصفية حسابات شخصية مع أحد قضاتها، او رد الأمر لجانب المساس بالكرامة الوطنية، وغيرها من الترهات التي يمتح من معينها أولئك الصحفيون المكابرون! وكأن المطاردة والتهم في حد ذاتها، بريئة من جرح خاطر الكرامة الوطنية المزعومة؟! وكذلك معاناة أولئك الصحفيين تبرز، عندما يقرر البشير السفر الي أي دولة، فعندها يبدأ سهر الليالي والقلق والإضطراب وهم يقعون بين نارين! نار الإحراج، بسبب عناد البشير وإصراره علي ركوب مخاطر السفر، لكسر طوق العزلة من حوله ولإتمام نصاب شرعيته المنقوص وإكمال هيبة (الأسد النتر) المراقة علي مذبح الحبس الداخلي! ونار الدفاع عن البطولة الوهمية، بسبب النجاة من الإعتقال، عندما يعود (هاربا!) من غمار وأهوال الرحلة الخارجية؟! أما منبع الكلفة الأعظم، وغير إهدار كرامتهم الوطنية وضياع مكانتهم الإجتماعية، وتمريغ سمعتهم ومصداقيتهم في المصالح الخاصة، وذلك من خلال مناصرتهم للطغاة وتبريرهم للإستبداد! أنهم الخاسر الأكبر من أي تحول ديمقراطي، يستهدف مصالحة الجماهير ومصالح الوطن ودعم الخير العام! أي تأييدهم للإستبداد بتوظيف مواهبهم وقدراتهم لدعمه، حولهم لمستبدين صغار يتعيشون بالتطفل علي المستبد الأكبر! وتاليا لا حياة لهم إلا في بيئة من الإستبداد. أي هم معادون للحرية بالفطرة وللديمقراطية بتهديدها لوجودهم، ومن ثم دفاعهم عن الطغاة/البشير هو في الحقيقة دفاع عن وجودهم! ورغم مسؤولية الأخير المباشرة عن هذا الخراب الماثل، ليس من الآن ولكن منذ القيام بإنقلاب أو أكبر الكبائر وإن شئت أم الكبائر، التي جلبت خلفها كل هذه المحن والكوارث! إلا أن دفاعهم عنه أشد وبما يتناسب مع حجم الخراب! فكلما إزداد حجم الخراب كلما زادت الحاجة إليهم وزاد كم العطاء لهم. أي تعاظم العطاء في علاقة طردية مع خراب العمران وضعف النفوس وتشوهات العقول. أي هم كالبوم الذي يقال أنه يهوي العيش في الخراب او أضل سبيلا! في هذا المعني، يصبح النقد الذي يوجهه هؤلاء الصحفيون(حقنه!) للسلطة، هو من باب رفع العتب الإجتماعي والحفاظ علي ما تبقي من سمعة صحفية في الحضيض، من جهة! ومن جهة مقابلة، لذر الرماد في العيون، للإدعاء أن هنالك إمكانية لنقد السلطة وتوافر للحريات، كدليل علي ديمقراطية النظام الإستبدادي! إضافة الي أن إستِعَّار حِميَّة النقد لبعض مكونات الحكومة، مرجعيتها ليست وطنية كما يحلو لهم تصويرها، ولكنها تصفية لحسابات بينية بين مراكز السلطة والأفراد، ما دون سلطة البشير ومما لا يثير غضبه! ولكن مشكلتهم أن البشير عجز عن إستيعاب هذا النقد المخفف، والذي يتحاشي إدخال البشير وشرعيته وتاليا ممارساته ضمن إطاره!؟ ناهيك علي أن يسمح له بالمرور دون إشرفه وإطمئنانه الشخصي! وهنا مكمن حيرة وإرهاق هؤلاء الصحفيين!؟ أي كيفية ضبط معادلة نقد الحكومة ومدح البشير في آن واحد، من جانب! والحرص في نفس الوقت، علي إرضاء المجتمع وعدم إغضاب البشير، من جانب آخر. أي محاولة الجمع بين المتناقضات من دون تناقض! ويا له من إرهاق مفتوح علي الإستدامة والخسران المبين؟!
المهم، وبما أن البشير لا يحكم من خلال مؤسسة او منهجية لضبط العمل، فتاليا هو يحكم من خلال بعض آليات عمل المجتمع (كالقيِّل والقَال) او ما يصله من طريق المراقبين والمقربين والمرافقين، وتاليا بما يتوافق ومصالحهم الشخصية ومصالح معارفهم وأقرباءهم وأصدقاءهم! إذا صح ذلك، فمؤكد أن الحملة الشعواء الأخيرة علي الصحافة، وراءها مراكز فساد راسخة، يزعجها أي قدر من الحرية او مجرد محاولة خجولة لكشف الخفايا، حتي ولو من أقرب الصحفيين المناصرين او لأجل التغطية علي جرائم أكبر!؟ لأنهم يعلمون بحسهم الأمني وحرصهم الإجرامي، أن باب حرية الإعلام عندما يفتح، ستدخل منه رياح التقصي ومتابعة خيوط الجرائم وتحديد هوية المجرمين! أي قادر علي تأسيس البيئة الصحية، وتاليا كنس الفساد والأوساخ المتراكمة في القيعان، وتعرية العلاقات المتفسخة ومتحللة في الظلام، من كل الروابط المؤسسية والقيم الوطنية والمنظومة الإجتماعية. وهذا لا ينفي أن تكون الحملة مفتعلة من قبل البشير وأعوانه، كمقدمة لمرحلة جديدة من تكميم الأفواه وإرهاب المجتمع! أي كمؤشر علي مدي الرعب والخوف مما تحمله قادم الأيام، من مخاطر علي البشير وسلطته المتعفنة! التي أفسدت السياسة وجوعت المواطنين ونشرت الفساد وفككت الوطن، وتنذر بإشعال الفتن الأهلية بين مكونات المجتمع. وأخيرا، إذا كان صمت البشير علي الفساد كارثة، فنطقه وقراراته في شأن الفساد كأرثة أعظم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر الكلام
المشكلة ليست في الإعتراض علي نقد الميزانية او وزير المالية او غيره من الوزراء والمقترحات الفاسدة، ولا هي أزمة ثقة كما عبر الأستاذ عثمان ميرغني، ولكن المشلكة الحقيقية هي أزمة حكم يفتقد للشرعية وضوابطها! الشئ الذي حول الدولة كلها، الي حالة من الإستباحة العامة، لكل صاحب سلطة او نفوذ!؟ ولذلك دون الرجوع للشرعية الديمقراطية، وتاليا تحكيم الشعب في مصيره وتمكينه من خياراته. فإن مسلسل التضييق والمنع والحجب للإعلام او سواه، او ترحيل أزمة السلطة الي الشعب ومنظماته المدنية، لن ينتهي! إن لم يزداد تعديا وفجورا علي الفضاء العام، ومذلة وإمتهان للحريات الخاصة. ودمتم في رعاية الله
عبدالله مكاوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.