السفير السعودي لدى السودان يعلن خطة المملكة لإعادة إعمار ستة مستشفيات في السودان    مليشيا الدعم السريع تكرر هجومها صباح اليوم على مدينة النهود    منتخب الشباب يختتم تحضيراته وبعثته تغادر فجرا الى عسلاية    اشراقة بطلاً لكاس السوبر بالقضارف    المريخ يواصل تحضيراته للقاء انتر نواكشوط    شاهد بالفيديو.. رئيس مجلس السيادة: (بعض الوزراء الواحد فيهم بفتكر الوزارة حقته جاب خاله وإبن أخته وحبوبته ومنحهم وظائف)    الحسم يتأجل.. 6 أهداف ترسم قمة مجنونة بين برشلونة وإنتر    شاهد بالفيديو.. رئيس مجلس السيادة: (بعض الوزراء الواحد فيهم بفتكر الوزارة حقته جاب خاله وإبن أخته وحبوبته ومنحهم وظائف)    شاهد بالصور والفيديو.. على أنغام الفنانة توتة عذاب.. عروس الوسط الفني المطربة آسيا بنة تخطف الأضواء في "جرتق" زواجها    المجد لثورة ديسمبر الخالدة وللساتك    بالصورة.. ممثلة سودانية حسناء تدعم "البرهان" وثير غضب "القحاتة": (المجد للبندقية تاني لا لساتك لا تتريس لا كلام فاضي)    المجد للثورة لا للبندقية: حين يفضح البرهان نفسه ويتعرّى المشروع الدموي    استئناف العمل بمحطة مياه سوبا وتحسين إمدادات المياه في الخرطوم    الناطق الرسمي للقوات المسلحة : الإمارات تحاول الآن ذر الرماد في العيون وتختلق التُّهم الباطلة    هيئة مياه الخرطوم تعلن عن خطوة مهمة    قرار بتعيين وزراء في السودان    د.ابراهيم الصديق على يكتب: *القبض على قوش بالامارات: حيلة قصيرة…    هل أصبح أنشيلوتي قريباً من الهلال السعودي؟    باكستان تعلن إسقاط مسيَّرة هنديَّة خلال ليلة خامسة من المناوشات    جديد الإيجارات في مصر.. خبراء يكشفون مصير المستأجرين    ترامب: بوتين تخلى عن حلمه ويريد السلام    باريس سان جيرمان يُسقط آرسنال بهدف في لندن    إيقاف مدافع ريال مدريد روديغر 6 مباريات    تجدد شكاوى المواطنين من سحب مبالغ مالية من تطبيق (بنكك)    ما حكم الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع في الصلاة؟    عركي وفرفور وطه سليمان.. فنانون سودانيون أمام محكمة السوشيال ميديا    صلاح.. أعظم هداف أجنبي في تاريخ الدوري الإنجليزي    تعاون بين الجزيرة والفاو لإصلاح القطاع الزراعي وإعادة الإعمار    قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ؟!    الكشف عن بشريات بشأن التيار الكهربائي للولاية للشمالية    ترامب: يجب السماح للسفن الأمريكية بالمرور مجاناً عبر قناتي السويس وبنما    كهرباء السودان توضح بشأن قطوعات التيار في ولايتين    تبادل جديد لإطلاق النار بين الهند وباكستان    علي طريقة محمد رمضان طه سليمان يثير الجدل في اغنيته الجديده "سوداني كياني"    دراسة: البروتين النباتي سر الحياة الطويلة    خبير الزلازل الهولندي يعلّق على زلزال تركيا    في حضرة الجراح: إستعادة التوازن الممكن    التحقيقات تكشف تفاصيل صادمة في قضية الإعلامية سارة خليفة    المريخ يخلد ذكري الراحل الاسطورة حامد بربمة    ألا تبا، لوجهي الغريب؟!    الجيش يشن غارات جوية على «بارا» وسقوط عشرات الضحايا    حملة لمكافحة الجريمة وإزالة الظواهر السالبة في مدينة بورتسودان    وزير المالية يرأس وفد السودان المشارك في إجتماعات الربيع بواشنطن    شندي تحتاج لعمل كبير… بطلوا ثرثرة فوق النيل!!!!!    ارتفاع التضخم في السودان    بلاش معجون ولا ثلج.. تعملي إيه لو جلدك اتعرض لحروق الزيت فى المطبخ    انتشار مرض "الغدة الدرقية" في دارفور يثير المخاوف    مستشفى الكدرو بالخرطوم بحري يستعد لاستقبال المرضى قريبًا    "مثلث الموت".. عادة يومية بريئة قد تنتهي بك في المستشفى    وفاة اللاعب أرون بوبيندزا في حادثة مأساوية    5 وفيات و19 مصابا في حريق "برج النهدة" بالشارقة    عضو وفد الحكومة السودانية يكشف ل "المحقق" ما دار في الكواليس: بيان محكمة العدل الدولية لم يصدر    ضبط عربة بوكس مستوبيشي بالحاج يوسف وعدد 3 مركبات ZY مسروقة وتوقف متهمين    الدفاع المدني ولاية الجزيرة يسيطر علي حريق باحدي المخازن الملحقة بنادي الاتحاد والمباني المجاورة    حسين خوجلي يكتب: نتنياهو وترامب يفعلان هذا اتعرفون لماذا؟    من حكمته تعالي أن جعل اختلاف ألسنتهم وألوانهم آيةً من آياته الباهرة    بعد سؤال الفنان حمزة العليلي .. الإفتاء: المسافر من السعودية إلى مصر غدا لا يجب عليه الصيام    بيان مجمع الفقه الإسلامي حول القدر الواجب إخراجه في زكاة الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحرير الخلاف فى الحركة الشعبية شمال: "قُضي الأمر الذي فيه تستفتَيان"(3-3)
نشر في سودان تربيون يوم 28 - 08 - 2017


[email protected]
اعتبارات منهجية
37. وثالث الملاحظات، ما ورد من إشارات فى ثنايا حوارات القواعد تفيد بتضمين حق تقرير المصير فى مانيفستو الحركة الشعبية 2008، يمثل نصف الحقيقة. فوثيقة المانيفستو، التي صادف أن كلفت بصياغتها، بصفتي نائبا لرئيس لجنة إعداد المانيفستو، لم تتعرض لتقرير المصير كهدف أو مبدأ، ولم تفرد له المسودة أي عنوان، ولو كان جانبياً. بل، تمت الإشارة إليه مرة واحدة فى معرض تحليل تحديات وتناقضات النضال من أجل السودان الجديد، فى أعقاب الإنقسام فى 1991، وإقتراب المؤتمر الأول فى 1994 من، معالجة موضوع تقرير المصير (الفقرة II.3.5، مانيفستو 2008). وفوق ذلك كله، لم يكن تقرير المصير أحد المرتكزات النظرية الخمسة لرؤية السودان، التي طرحها المانيفستو وأجازها المؤتمر العام الثاني فى 2008، بالوقوف تصفيقاً، وهي: 1/ تطوير هوية "سوداناوية" تعكس طبيعة السودان التعددية والمتنوعة عرقياً وإثنياًوثقافياً، 2/ تأسيس وحدة البلاد على (أسس جديدة) من المجموع الكلي للعناصر التي تشكل جميعها التنوع التاريخي والمعاصر للسودان، 3/ إعادة هيكلة السلطة في المركز وتعزيز لامركزية السلطة، 4/ إقامة نظام حكم ديموقراطى تكون فيه المساواة والحرية والعدالة الإقتصادية والإجتماعية واقعاً ملموساً يعيشه الناس، و5/ صياغة نمط للنمو المتكافئ والتنمية المستدامة بيئيا.
38. لم تكن الحركة الشعبية فى يوم حركة "قومية" أو "ديمقراطية". وذلك، بمعايير إنتقال سلطة القيادة سلمياً عن طريق الإنتخاب، والتمثيل المتساوي والمشاركة الفاعلة لكافة مكوناتها فى سلطة إتخاذ القرار، خاصة "الشماليين"، أو "قطاع الشمال" لاحقاً، ربما إلا خلال الفترة الإنتقالية، بالرغم من أنها كانت مشاركة رمزية بدون أي قيمة مضافة. فالحركة الشعبية أصلاً نشأت كتنظيم عسكري، بعد معارك بور والبيبور وأيود، وتحالف الوحدات العسكرية في القياديتين الجنوبية والشمالية وتكوين الجيش الشعبيلتحريرالسودان، فىى16 مايو 1983. ومن المهم التنبيه هنا إلى أنه منذ بداية الحركة وحتى النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضى كانإجراء التدريب العسكرى والإلتحاق بالجيش الشعبى هو الشرط الأساس للانضمام إلى الحركة، والتي كانت كياناً جنوبياً صرفاً ساعة التكوين خلال السنوات الأولي. وذلك إلى أن التحق المقاتلون من جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق بالجيش الشعبي، فى النصف الثاني من الثمانينات، ثم تبعهم نفر قليل من بقية أنحاء السُّودان الشمالى. وهكذا، كانتالمؤسسةالوحيدةلإتخاذ القرار فى الحركة هي"القيادة السياسية-العسكرية العليا"، التي يقتصر التمثيل فيها على القيادات العسكرية من أقاليم الجنوب الثلاثة، كل بحسب ثقل قاعدته القبلية، ولاحقاً ممثل واحد لكل من القوات المنضوية للجيش الشعبي من المنطقتين. لذلك، جاء التمثيل فى المؤتمرا لأول العام، فى 1994، على نفس الشاكلة، مع مشاركة ضئيلة ل"الشماليين" ممن التحق بالجيش الشعبي/ الحركة الشعبية حينئذ. وحتى بالنسبة للمنطقتين، فقد أقر المؤتمر تكوين مجلس التحرير القومي من 183 عضواً، بينهم أربعة فقط من جنوب كردفان، وممثل واحد فقط من جنوب النيل الأزرق. إذن، لم يكن للشماليين، وأبناء المنطقتين، مكان من الإعراب فى مؤسسات وسلطة إتخاذ القرار فى الحركة، إلا ربما خلال الفترة الإنتقالية التي تلت التوقيع على إتفاقية السلام الشامل، ومن ثم تأسيس "قطاع الشمال"، ومشاركة مندوبيه فى إجتماعات مجلس التحرير القومي، والمكتب السياسي للحركة.
39. ومع ذلك، وبالرغم من هذه المشاركة لقطاع الشمال والمنطقتين، لم يكن لهم نفوذيذكرفى صناعة القرارعلىمستوىالقيادة، خاصةوأنأجندةوأولوياتالحركةكانت "جنوبية" الهوى، وعلى رأسها التمهيد لإنفصال سلس، وما على ممثلي قطاع الشمال والمنطقتين إلا البصم على القرارات.
بل، وهم مطالبون بالدفاع عنها والتصدي للمنتقدين، فى ظل هجمة ملحوظة ضد قطاع الشمال، منقبلقياداتنافذةفىالحركة.أماالمؤتمر الثانى للحركة (مايو 2008)، فقد شكل فرصة طال إنتظارها وظلت قواعد الحركة تهفو إليها للمشاركة في حوارٍ جادٍ وشفاف حول القضايا المصّيرية المُرتبطة بتطور الحركة وإنتقالها من تنظيم مُسلح إلى حركة سياسية ديمقراطية. ولكن، جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن، وخاب ظن المؤتمرين في أجندة المؤتمر ونتائجه. فمن جهة،نجح المؤتمر في حسَّم الصِّراع على سُلطة قيادة الحركة بصورةٍ ودية وديمقراطية، والحفاظ على وحدة الحركة وتماسك قيادتها،ولوأنا لتطورات اللآحقة، بعد الوصول إلى سلطة الدولة الجديدة،قدأثبتت مدي هشاشة هذاالتماسك، فتفرقت القيادةأيدي سبأ.
ومن جهةأخرى،لم تتطرق مداولات المؤتمر لهذه القضاياالحيوية، كما لم تطرق على قضيةبناء هذه الحركة السياسية،فأستحق المؤتمر بجدارة وصف "مؤتمر الفرصة المُهدرة". ولم يخيِّب قطاع الشمال ظن المناوئين له، فأخفقت قيادته في الإستفادة من الفرصة التي وفرتها الإنتخابات العامة في التسلح بأصوات الناخبين، طالما لم يتسنَّ للشماليين التسلح بالذخائر الحيَّة، فأضحوا خارج مؤسَّسات الدولة التشريعية والتنفيذية، مما أضعف وضع القطاع في منظومة الحركة وحجم نفوذه تماماً.
40. إستدعت حوارات القواعد معادلة "المركز والهامش"، وما يشار إليه ب "منهج التحليل الثقافي" فى معرض التطرق لرؤية السودان الجديد. ودون الخوض فى جدل نظري، إكتفى بالإشارة إلى أن صاحب الرؤية، الزعيم الراحل، لم يُستخدم أيا من هذين المفهومين فى تشخيصه للمشّكلة السُّودانية، ولم يشّر لهما فى أي منهما فى خطاباته ومحاضراته (أنظر، الواثق كمير، تحرير، جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية، المكتبة الوطنية، الخرطوم، 2005). فمفهوم السودان الجديد لا ينطوي بأي حال على مضامين عرقية أو عنصرية أو إنفصالية، كما أنه أكثر شمولاً لمقاربة المشكلة السودانية، ولفهم النزاع السودان، متجاوزاً ثنائية المركز والهامش. وقد نقل هذا المفهوم النقاش والحوار من التركيز على الأقليم والعرق والدين إلى قضايا المواطنة. فالتضاد بين المركز والهامش لا يعنى، بأى حال من الأحوال، أن يفضى الصراع إلى القضاء على المركز أو إضعاف سلطته، فالمشكلة ليس فى وجود المركز بل فى طبيعة سلطة المركز، وطبيعة العلاقة بينه وبين الهامش أو الأقاليم بمقدار السلطات الممنوحة لهذه الأقاليم، فلا يمكن لأي دولة أن تقوم بمهامها الأساسية، وأن تحافظ على استقرارها وبسط سيادتها، بدون مركز قوي شريطة أن تشارك فيه كل القوى السياسية والقوميات المختلفة. ومن ركائز مشروع السودان الجديد، 1) إعادة هيكلة السلطة المركزية بصورة تضع في الإعتبار مصالح كل السودانيين، خصوصاً في المناطق المهمشة، والمجموعات الإقتصادية والإجتماعية الفقيرة والمستضعفة، و2) لامركزية السلطة وذلك بإعادة تنظيم علاقة السلطة بين المركز في الخرطوم والأقاليم وذلك بمنح سلطات أوسع لهذه الأقاليم، وأين ومتى ما كان ذلك ضرورياً، الحكم الذاتي الكامل(مانيفستوالحركةالشعبية، مايو 2008).
41. بالنسبة التحالفات، فقد ظلت الحركة الشعبية دوماً حريصة على التفاعل وخلق صلات مع مختلف القوى السياسية والإجتماعية في الشمال، منذ بداية النصف الثاني من الثمانيات. ولعبت الحركة دوراً محورياً في جمع هذه القوى في وقت مبكر في كوكادام (إثيوبيا)، وتحديدا في مارس 1985، ولم يمض عامان على تأسيسها. وهكذا، فقد أقامت الحركة الشعبية تحالفات مع جميع القوى السياسية الحديثة والتقليدية، بغرض المضي قدماً بعملية البناء الوطني. توجتالحركةهذهالتحالفات بعضوية فاعلة في التجمع الوطني الديمقراطي، والذي تبوأ قائدها رئاسة قواته، كماأسهم رئيس الحركةالراحل بفعالية مشهودة فى توقيع قوى التجمع على إتفاقيةالقاهرةمع الحكومةالسودانية، فى يونيو 2005. للمفارقة، كان الزعيم الراحل، جون قرنق، يفضلالتحا لفمع القوى السياسية "التقليدية"، على الإئتلاف مع القوى "الحديثة". فقد طرح على قوى التغيير فى الشمال،بعدفشل مبادرة "لواءالسودان الجديد"، خيار العمل فى إطار التجمع كتحالف عريض ومفتوح، يوفر مكاناً لكل قوى السودان الجديد فى طريق بناء هذا السودان، خاصة وأن بعض أقسام هذه القوى كان يسعى لإقامة تحالف إستراتيجي مع الحركة وإقصاء وإستبعاد القوى "التقليدية"، وهو توجه وصفه الزعيم الراحل بأنه محفوف بالمخاطر. وعلى حد تعبيره "فقد يقدر المرء إستياء هذه القوى من بطء حركة التجمع الوطني الديموقراطي، ولكن يجب أن يؤخذ التجمع كتنظيم واسع وفضفاض، ولكنه يتحرك كالجبل، فإذا تحرك لمسافة مليمتر فى الإتجاه الصحيح، فإن ذلك يمثل انجازاً لايُستهان به.
42. ومن ناحية أخرى، فإن قوى الريف والحركة الشعبية لا تعرف الكثير عن هذه القوى "الحديثة"، إلا من خلال تعريفها الذاتي لنفسها كقوى "ديموقراطية" و"تقدمية"، مما يجرد التحالف المطروح من شروطه الموضوعية وضروراته الواقعية" (الواثق كمير، 2005، نفس المصدر، ص. 56). وفى رأيي أن حرص زعيم الحركة الشعبية الراحل على التحالف مع القوى السياسية الشمالية، خاصة القوى التقليدية، لم يكن فقط من أجل تحقيق هدف التجمع الرامي إلى إزالة النظام وتنصيب نفسه بديلاً، بل لحشد سند ودعم هذه القوى، كشرط لازم وضروري لممارسة حق تقرير المصير عن طريق الإستفتاء. وبالفعل، هذا هو ما وقع.
خيارات الحل: "قُضي الأمر الذي فيه تستفتَيان"!
43. على خلفية هذه الإعتبارات، فإنه ليس من العسير إدراك مدى محدودية، وصعوبة إن لم تكن إستحالة، خيارات الحل الساعية لتوحيد قيادة الحركة الشعبية شمال من جديد، والتي تقدم بها نفرً من عضوية الحركة والأصدقاء والحادبون على وحدة الحركة وتماسك قواتها. تفاقم الأزمة فى قيادة الحركة لم يترك غير خيارين "نظريين" لحل الخلاف، على نحو يبقي على وحدة الحركة وتماسك جيشها. الخيار الأول، هو تسليم الرئيس والأمين العام بقرارات المجلسين وقبول دعوةرئيس الحركةالجديد بالمشاركة فى المؤتمر العام المزمع، مع حقهما فى الترشيح للمواقع الدستورية فى الحركة. أما الخيار الثاني، فهو أن تتم عملية إنتقال السُلطة فى الحركة بالتنحي الطوعي للقيادة الإنتقالية "الثلاثية"، بحكم مسئوليتها التضامنية-الجماعية، على أن يتفق الثلاثة على قيادة إنتقالية مؤقتة مهمتها الأساس التمهيد لهذا الإنتقال تتمثل فى عقد المؤتمر العام لإجازة رؤية الحركة وبرنامجها الإطاري ودستورها، ومن ثم تنتخب قيادتها الجديدة ديموقراطياً. أنا أري أن الخيارين لا يصلحان فى خلق أرضية مشتركة للتوافق، وأنهما غير قابلين للتطبيق.فليس من الواقعيةالسياسية فى شئ أن نتوقع خضوع رئيس الحركة وأمينهاالعام، السابقين، لقررات المجلس الإقليمي، أو قبول رئيس الحركة الجديد بالتنحي الطوعي ليضع نفسه فى سلة غريميه.
44. وأيضاعلىخلفيةهذهالإعتبارات، فإن استخدام القوةمتجذر فى الواقع السياسي للحركة، وفى تاريخ إدارة الصراعات الداخلية، وتجاربها منذ صراعات السلطة الدموية فى البدايات الأولى لتكوين الجيش الشعبي. هذا هو حال الحركة منذ نشأتها، فدوماً يفرض الفريق الأكثر قوة على الأرض، والمسيطر على زمام الأمور، واقعاً جديداً على مستوي الحركة، تعتمد إستدامته على التوفيق فى تحقيق الأهداف المرجوة من الصدام.وبعدإخفاق كل المبادرات الساعية للتوصل إلى أرضية مشتركة تجمع القيادة "الثلاثية" من جديد، جاء الخطاب الأخير لرئيس الحركة الشعبية شمال ليقطع الطريق أمام أي دعوة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فالأمر قد تم حسمه وأصبح مفروغا منه. (خطاب الفريق عبد العزيز فى إجتماع القيادات العسكرية والسياسية والمدنية لإقليم جبال النوبة، 6 يوليو 2017). ومن جانب رئيس الحركة والأمين العام السابقين، فقد رفضا قبول كل قرارات المجلسين الإقليميين، وتمسكا بموقعيهما فى قيادة الحركة، ما عدا فى حالة قبول رئيس الحركة الجديد بالتخلي، معهما سوياً، عن مقعده فى قيادتها. بل، وأعلنا أنهما يجريان إتصالات مع كل الرافضين للإنقلاب للبدء فى مسيرة جديدة لإعادة بناء حركة وفق رؤية السودان الجديد لكافة السودانيات والسودانيين. وهكذا، فقد "قُضي الأمر الذي فيه تستفتَيان"!
45. هذا الإنشقاق الماثليفرضتحدياتعلىقياداتالحركة، منالجانبين. علىرأس هذه التحديات، أنه طالماظل هدفهماالمشترك هو بناء السودان الجديد،فلندع كل طرف يثابر بحرية فى الوصول إليه، بعد تحديد الوسائل، وفى مجابهة التحديات الجسام فى هذا الطريق، دون حاجة للإستقطاب والعنف اللفظي، والتنابذ وتبادل إتهامات التخوين. ولنحكم عليهم بأعمالهم، كمال قال الرئيس السابق الفريق إبراهيم عبود. ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمثابرة على تفصيل البرامج العملية والسياسات الجاذبة، مما يوفر للجمهور والقواعد حرية الإختيار.
وهذا، بدوره، يستدعي أن تضع هذه القيادات تداعيات هذا النزاع المحتدم ومآلات المستقبل، نصب أعينها، لعل سيرورة ودينامية التطور السياسي، قد تدفعهم إلى فهم مشترك وتفهم أعمق لكثير من القضايا الخلافية، ولو على مدي بعيد، عسى ولعل أن يلتقوا يوماً على طول الطريق. ويشكل الوضع الذي تعيشه الحركة حاليا اختبارا للقيادتينفىكيفيةمراجعةمسيرة الحركة فىكل مراحلها والاستفادة من تجاربها ما قبل انفصال الجنوبوما بعده، ومنذ مراحل النضالالأولى، و التخطيط لتجهيز كوادرها لمرحلة ما بعد الكفاح المسلح، واعدادهم لإدارة مناطقهمبعدوقفالحرب.
46. لا شك، أن القيادة الجديدة للحركة، برئاسة الفريق الحلو، تواجه تحديات كبيرة فى سبيل تحقيق أهدافها المعلنة، على المستويين التنظيمي والسياسي، عنوانها الرئيس كيفية وقف الحرب ونزيف الدم. تكمن أول التحديات فى القدرة على مخاطبة ومعالجة الأوضاع المتفجرة فى جنوب النيل الأزرق. إن الإنقسام السياسي قد أفضى بالفعل إلى إشتباكات عنيفة ذات طابع قبلي قوي بين وحدات الجيش الشعبي في أجزاءٍ من جنوبِ ولاية النيل الأزرق التي تسيطر عليها الحركة، وفي المخيمات التي تستضيف لاجئين من الولاية، عبر الحدود، في ولاية أعالي النيل في جنوب السودان. تفاقمت التوترات القبلية القائمة من قبل بسببالإنقسامات الناشبة بين كبار قادة الحركة. ويعوق العجز القيادي، الذي يعد أحد أسباب الإنقسام الحالي، وأحد آثاره في نفس الوقت،ويعيق آليات الإستجابة للأزمة الداخلية والإنسانية إعاقة مباشرة. إضافةًالي،أن هذا العجز يزيد من مخاطر إندلاع المزيد من الحروب الأهلية، الأمر الذي يخلق فراغاًقيادياً خطيراً على الصعيدين الإقليمي والمحلي (سليمان بلدو، ردود الفعل إزاء الصراعات الدائرة بين القيادات داخل الحركة الشعبية شمال، مشروع كفاية، يوليو 2017).
47. لا حاجة للتشديد بأن الحفاظ على تماسك الجيش الشعبي فى جبال النوبة ، وضمان دعمه المستمر للقائد العام ورئيس الحركة، ووحدته فى المنطقتين، هي المفتاح لمعالجة هذا التحدي. ويبرز تحدي آخر، لصيق الصلة، يتمثلفى توصيل المعونات الإنسانية للمحتاجين فى المناطق الخاضعة لسلطة الحركة، خاصة وهناك المقترح الأمريكي على طاولة التفاوض، حانت ساعة إعادة تنشيطه. وهذا، بدوره، لا ينفصل عن المهام المُلحة فى تفويض القيادات العسكرية والسياسية والمدنية لرئيس الحركة الجديد، وعلى رأسها شغل المواقع القيادية الشاغرة، وتشكيل وفد التفاوض، وصياغة موقف الحركة، ولعل الأهم هو الشروع فى التواصل والتفاعل مع المجتمعين الإقليميى والدولي، خاصة الآلية الأفريقية رفيعة المستوى.
48. ثمة تحديان كبيران يجابهان القيادة الجديدة للحركة. أولهما، محاولة التوفيق "النظري" بين السودان الجديد وتقرير المصير، الذي نجح فيها الزعيم الراحل للحركة الشعبية فى المؤتمر القومي الأول، فى 1994. ففى رأيي، أن تقرير المصير سيدفع بالكثيرين، من المؤمنين برؤية السودان الجديد، للإحجام عن الإنضمام للحركة. بل إن هناك قطاعات كثيرة في الشمال كانت تتعاطف مع الحركة الشعبية في مشروعها لبناء سودان موحد ستجد نفسها مجبرة على التخلي عن هذا التعاطف في حال استبطان القيادة الجديدة للحركة تقرير المصير، كهدف جوهري مقدم على ما عداه، من حيث تأكيدها على الاستناد على ذات المفاهيم التي قامت عليها الحركة وهي التي فذلكت رؤيتها بأنها تقدم وحدة السودان على تجزئته. كل هذه التحديات تستدعي، بالضرورة، أن تنجح القيادة فى خلق الإجماع حول المطلب فى داخل الحركة، مع تحييد الخصوم، وبناء العلاقات السياسية بغرض كسب التأييد، والسعي الحثيث لضمان السند الإقليمي والدعم الدولي. وثانيهما، كيفية توحيد الكيانات الثلاثة، جنوب كردفان والنيل الأزرق وقطاع الشمال، فى هيكل تنظيمي موحد ومتماسك، خاصة وأن تحقيق هذا الهدف ظل قيد الإنتظار منذ تأسيس الحركة الشعبية فى 1983. فهل سيقود المؤتمر العام "الاستثنائي" المرتقب إلى بناء حركة شعبية قومية ديمقراطية موحدة؟ أمستتجهالقيادةالجديدةلإعادةإنتاجالعجلة؟
49. ومن ناحية أخرى، بنفس القدر، تواجه القيادة السابقةتحديات ماثلة ومشابهة لتحقيق أهدافها المعلنة. ولعل التحدي الرئيس يتمثل في كيفية الإنتقال من تجديد رؤية السودان الجديد إلى تجديد البنية التنظيمية للحركة؟ فالبرغم من الإعلان عن ميلاد ثان لمشروع السودان الجديد، بما يعني مواصلة النضال من أجل التغيير تحت رايته، إلا أن الغموض يظل يكتنف الآلية والمنهج والوسيلة، وطبيعة الشكل التنظيمي الذي سيأخذه هذا الميلاد الجديد، والقاعدة الجماهيرية التي يستند عليها. فموقف الجيش الشعبي فى النيل الأزرق، ما زال غير معروف، خصوصاً بعد تأييد بعض القيادات العسكرية والسياسية فى الولاية لمقررات مجلس تحرير جبال النوبة والقيادة الجديدة للحركة. فهل الميلاد الجديد يعني الانقطاع عن إرث النضال المسلح، أم سيسعى الرئيس والأمين العام إلى تطوير جيش جديد وتحالفات جديدة فى النيل الأزرق، وخارجها، بغرض حجز مقعد على طاولة المفاوضات، التي تقتصر على الحكومة وحاملي السلاح فقط ؟ ومن جهة أخري، تمور الخلافات أيضا وسط قواعد الحركة فى قطاع الشمال بين مؤيد ومعارض لقرارات مجلسي التحرير فى المنطقتين. فكيف يتم جمع هذه القوى لتشكل قاعدة لأي كيان أو اتجاه جديد؟ ولعل بيان القيادة السابقة الأخير، قبلنشرهذا المقال، قد أفصح عن شروعها فى "كتابة وثيقة حول قضايا التجديد والبناء والطريق إلى الأمام"، وذلكبغرضإعتماد "طريق جديد في بناء الحركة الشعبية كحركة تحررية وطنية ديمقراطية". بل، وتجري الاتصالات والمشاورات على قدم وساق لإعلان هيكل قيادي انتقالي خلال شهر (بيان الناطق الرسمي للحركة الشعبية، 10 أغسطس 2017).
50. من الجدير بالذكر، فالبرغم من أن الصراع فى الحركة الشعبية شمال قد يبدو شأنا داخليا، إلا ان تداعياته وآثاره تمتد خارج نطاق الحركة إلى القوى السياسية الحليفة والنظام الحاكم، على حد سواء، بل والمشهد السياسي السوداني برمته. فللحركة دور رئيس فى معادلة الحرب والسلام، مما يوسع من شبكة المتأثرين بمصير الحركة بصور مختلفة، والمهتمين والمهمومين بالقضايا الوطنية، كما أنها تتفاوض مع الحكومة وفق مرجعيات إقليمية. كما أن التطورات الأخيرة فى الحركة لا شك ستلقى بظلالها على التحالفات السياسية التاريخية، منذ مؤتمر كوكادام فى مارس 1986، مما لم يترك مجالا للحلفاء غير الانتظار لحين اشعار آخر، أو إسداء النصح والدعوة لطرفي النزاع إلى نبذ الفرقة وإلى وحدة القيادة. أما الحكومة فقد عدت التغييرات فى قيادة الحركة بمثابة خطوة إيجابية نحو السلام، بفهم أن هذه القيادة بتخلصها من الرئيس والأمين العام السابقين قد حصرت نفسها فى قضابا المنطقتين، وعلى وجه الخصوص جبال النوبة، والوصول إلى اتفاق بشأنها أمر سهل طالما تخلت عن المواضيع القومية (المؤتمر الصحفي، والي جنوب كردفان، 9 أغسطس 2017). ويبدو أن الحكومة استدعت تجربتها مع رياك مشار ولام أكول بعد أن رفعا راية تقرير المصير، ونجاحها فى استدراجهما لتوقيع اتفاقية تتضمن الاعتراف بحق "نظري" لتقرير مصير، لم تكن أصلا ترغب فى تنفيذ إجراءات ممارسته.
51. أخيراً، بعد هذا الإنشقاق، كامل الدسم، لن تكون هي نفس الحركة الشعبية قبل وقوعه، كما لم تكن الحركة فى 1983 هي نفس الحركة الشعبية فى 1991، ولا هي ذات الحركة، قبل، وبعد توقيع إتفاقية السلام الشامل فى 2005. ولكن بطبيعة الأشياء، فقد صدق الزعيم الراحلفى قوله، "مثلما أن السودان القديم يتعرض لتغيّرات جذرية في مسيرة انتقاله نحو السودان الجديد فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان نفسها لابد أن ينالها التطوير وتخضع بذلك لتحولات أساسية. ورغم أن الحركة ظلت تحتفظ بمضمونها الرئيسي، إلا أنها شهدت تحولات عبر السنين، وفي غضون تلك التحولات بدت الحركة مختلفة في المراحل المختلفة للكثير من الناس وجماعات المهتمين مما يفسر اللبس- القائم عند البعض- حول طبيعة ومضمون الحركة الشعبية". ومع ذلك، ظلت القوة المكتسبة من النضال المسلح كالوسيلة الأساس فى تحقيق التغيير المنشود، هى التي تحدد طبيعة الحركة وشكل عملية إتخاذ القرار بداخلها. ولذلك، إختتم بسؤال لم أجد إجابة عليه: هل يمكن، من باب الواقعية السياسية، أن تتشكل حركة "قومية" وديمقراطية من مكونات متنافرة، وفى وضع غير متكافئ، تحمل بعض مكوناتها السلاح، بينما يقاوم البعض الآخر سلمياً، فى ظل مطالبة بحق تقرير المصير تفتقد إلى الإجماع داخليا، وتعاني من نفور إقليمي ودولي؟ بعبارة أخرى، كيف يمكن بناء حركةقومية من جديد سياسيا وتنظيميا، بينما قواعدها مبعثرة بين المنافي ومناطق العمليات، مما يبعدها عن الالتحام بالجسم الجماهيري الكبير فى البلاد (الواثق كمير، الكفاح المسلح والنضال المدني: هل يلتقيان؟ سودان تربيون، 19 يناير 2017).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.