[email protected] عرفت البشرية نظام الحكم عبر تاريخ التطور الطبيعي قدر الكائن المستخلف في كوكب الأرض , من منظومة الأسرة والعشيرة فالقبيلة ثم التحالفات بغرض الحماية والمنعة والأمن , والقدرة على جلب المنافع ودفع الاعتداءات .. فمنذ الوهلة الأولى انبرى الأب لمهام جلها يعد من صميم السلطة , وإن كانت دائرتها صغيرة ( الأسرة ) إلا أنها في اتساع مضطرد ( عشيرة / قبيلة/ تحالفات ) وتبعا لذلك تتسع السلطات وتكثر مهام الشيخ الحاكم . الذي يزداد نفوذه بكثرة أعداد قبيلته وقوة فرسانه المقاتلين .. تلك المنظومة الاجتماعية ولدت الحاجة إلى السياسة التي تقتضي دوما اتخاذ القرار المتوقف على السمع والطاعة , وهذا بدوره يستوجب الحكمة وسوق الناس بالعدل والإنصاف اللذان تزداد بهما الثقة والنفوذ والتوقير المفضي إلى بوابة التقديس . غير أن عجلة التطور لم تتوقف على هذا الشكل .. بل تدرجت البشرية عبر الحقب والقرون في أشكال متعددة ومختلفة للحكم . تنشد الاستقرار وبعضها التمدد والنفوذ على حساب الغير المختلف لفرض الإتاوات وسلب الممتلكات , وفوق ذلك طمس الهوية واستبدالها بالمنظومة القيمية للجهة المسيطرة . بالطبع جميع ذلك الحراك أنتج القياصرة والإمبراطوريات المعتدية الظالمة أو المعتدلة وفق المنطق التاريخي التطوري وحكمة وأدب الوقت . ويلاحظ أن كدح البشرية وكسبها مصبوب في مصلحة الفرد وتحريره ومحاولة الارتقاء به بسن القوانين التي تحفظ كيانه وحريته وفردانيته المطلقة . وقد أتفق عقلاء البشرية والمحافل الأممية أن الفرد هو غاية الغايات وجوهرة الوجود وسيد الكوكب. فما ينبغي أن يستخدم وسيلة لأي قيمة متخيلة ! وهذه النقطة الجوهرية ما زالت ضبابية في أذهان العقول الصدئة الاستبدادية المهووسة بالعقائد الدينية وتقديس التراب. في الوقت الذي تنجلي فيه الحقيقة المطلقة ان الفرد هو أقدس الأقداس في هذه البسيطة بمنطق الأديان نفسها وحكم الذات الإنسانية وفرادتها في السيادة على ظهر كوكب الأرض . غير أن جنوح العقول المستبدة المتطلعة للسيطرة والقيادة تستغل العقائد والأرض والأعراق لغير أهدافها ومراميها المنوطة بها , في عمل مغاير مؤدى إلى انحراف جوهري عن سلم التطور الطبيعي والارتقاء . هذه هي العقبة الكئود والمعضلة الصلبة التي تواجه الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة وسيرها السرمدي ... فإن كان الاستبداد والهيمنة وروح الإقصاء والوصايا قد وجد له موطن قدم في ماضي البشرية بحكم أدب الوقت وحاجياته , فاليوم لا مكان له من الإعراب ومرفوض جملة وتفصيلا . وهو الأمر نفسه الذي لم تستطع الأنظمة المجنونة استيعابه وإدراكه في الوقت المناسب . لماذا ؟! لأنها أنظمة مجنونة في الأساس ! تأبى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة إلا بحد السيف ملاصقة النطع خيارها الوحيد المعبر عن هواجسها وأمراضها ودخيلتها الفاسدة ..فليس في وسعها الاستفادة من تجربتها الطويلة المريرة في الحكم والتسلط . كما لا يمكنها الاستفادة من الواقع الآني الحاكم بسقوط الطواغيت الجبابرة , المأخذين شعوبهم بالسيف و من أخذ الناس بالسيف بالسف أخُذ قول سيدنا المسيح عليه السلام . الذي اشتدت حاجة البشرية لمقامه المحمود .. فبالرغم من أن واقع المنطقة الموصوفة بقلب العالم " المعلول " يشهد كل يوم حتف جرثوم قاتل ومحاصرة ومطاردة أخر .. إلا أن إخوته المهرجون المتسلطون على رقاب الناس لا يعون ولا يبصرون " وجعلنا من بين أيدهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " فقد طمس الله على قلوبهم وأبصارهم بعد أن أفقدهم البصيرة " بوصلة النجاة " فأصبحوا يموجون ويعيدون في تجاربهم الفاشلة التي لا تورث حكمة لأنها تكرر نفسها , كما قال الأستاذ الجليل محمود محمد طه . غير أن كلفة تلك الأنظمة المهترئة الجاثمة على صدر شعوبها من غير تفويض ولا رشاد , غالية وكبيرة جدا !! يشهد على ذلك واقع الأوطان التي عشش فيها الفساد وكبتت فيها الحريات ونهبت فيها الثروات بواسطة أسر استأسدت على شعوبها واستأثرت بالسلطة والجاه والمال , بعد أن يتحول الوطن إلى ضيعة للرئيس وآل معاليه يعربدوا فيها كيف شاءوا ؟! أما المواطن الشريف فإن نجا من الزنازين والمعتقلات , فمصيره التشرد والهجرة أو العيش ذليل في بلاده مكبل داخل قفص الحاجة يفتقر إلى أبسط مقومات حياته الضرورية يرثى لحاله وحال الوطن الفقيد . وهذا هو " الشديد القوى " الذي دفع بشعوب المنطقة إلى الطوفان المسمى ب ( الربيع العربي) الذي نشهده في هذه الأيام المباركات وكما قيل ما من طاغية إلا وله علامات فلما علا مات ! وليكن في علم هؤلاء الجبابرة أن لا عاصم لهم اليوم من الطوفان وهدير الشعوب الغاضبة . فإن كان سلوكهم في الحكم واحد فمعاناة شعوبهم واحدة دلت الوقائع أن لا فرق بين تونس الخضراء وقاهرة المعز , وتعز وصنعاء اليمن , وطرابلس المجنون , وكذا واقع الحال في الخرطوم , فمعاناة المواطن الدمشقي لا تفوق بأي حال ضنك الحال في الخرطوم . وعنف النظام السوري في درعا وحماة لا يبلغ معشار مأساة دارفور وجنوب كردفان وجبال النوبة واليوم قد أضيف إليهم المزيد ؟! ولو اجتمعت شرور الأنظمة العربية التي سقطت والتي هي على حافة السقوط لما ظن منصف مساواتها بنظام الخرطوم ! الذي تقدم على الأنظمة الجائرة بتمزيق البلاد إلى دولتين قابل للزيادة , وقتل وشرد ما يفوق المليونين , وما زال معدل قتله وتشريده لمواطنيه يفوق قتلى جميع الأنظمة العربية . أما بخصوص اللجوء والنزوح فقد استطاع هذا النظام المجنون أن يتوج الجنسية السودانية بالمرتبة الأولى للنزوح في العالم . فهل بعد ذلك من مسوغ لوجوده أو مقارنته بغيره ؟! ومن طيش هذا النظام وجنونه فإن تمزيقه للبلاد يعده من المنجزات فهو نظام مثالي في جلب الشرور لمواطنيه ودفع المصالح عنهم . فخططه مبنية على قلب الطاولة و" نظرية الحوص" كل ذلك مشوب بهوس لا يعلم له مصدر ولا تعرف له غاية ؟! فرأس النظام يعتمد على مجموعة من النفعيين هم أقرب إلى أصحاب الاحتياجات الخاصة , تجدهم في حاجة لمساعدة الآخرين لهم بدلا عن القيام بالمسؤوليات الملقاة على عواتقهم . فعندما يمارس أحدهم الفساد ( هدر المال والأرواح ) ويعترف بذلك .. يصيح الرئيس غاضبا في وجه المواطن المسكين : ان هذا المحارب قد بنا 128 عمارة فإن تحطمت واحدة يعني أيه ؟!! ثم يصدر القرار بترقية الجاني ليتحمل مسئولية حماية الوطن من أعداء الخارج ! فتزداد فصول عبثية المسرح السياسي السوداني قتامه باعتداء الدولة العدوة المحرم إليها السفر أكثر من مرة على شرق البلاد . فيتطاير زبد الوزير الهمام ويتوعد بالرد ! وبالفعل تقوم الطائرات برمي الصواريخ والقاذفات وتحرق القرى البسيطة في دار فور بدلا عن إسرائيل ؟ فيموت حملة القرآن عوضا عن حملة التلمود الأشرار بمنطق أبواق النظام الذين سخروا المنابر للنوبات التي تعتري السلطان , فالرئيس لا يرغب في أسير ولا جريح ولا أنس معارض ولا جان ! وفجأة يتذكر الشريعة بعد أكثر من عقدين من الحكم . ويتوعد بتطبيقها دون دغمسة ..؟! وقد نسى تسليمه لإخوانه الأشد هوساً بتطبيقها لمخابرات الأمريكان ! لهذه الأسباب ..,وغيرها . تصبح كلفة الأنظمة المجنونة باهظة الثمن , ليس لها دلالة أبلغ وعظم من ان تدل الناس مطلق الناس إلى قيمة العدالة والحرية وتداول السلطة ومساواة الناس أمام القانون من غير تمييز للنوع ذكراً كان أو أنثى أو تفضيل لمعتقد روحي على غيره أو تميز عرق اثني على خلافه . ذلك القانون الذي يكفل حق الاعتقاد وحق التنظيم وحق الكلمة وحق الاحتجاج والتظاهر , وحق الناس في سحب الثقة من الحكومة المفوضة من قبل الشعب , فضلا عن تلك الآتية إلى الحكم من على ظهر دبابة في ليل دامس بهيم . نشر بتاريخ 13-09-2011