أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصطفى سيداحمد ..... الرحيل النبيل والغناء الجميل
نشر في سودانيات يوم 18 - 01 - 2012


بقلم : بدرالدين حسن علي
من هو مصطفى سيداحمد ؟
لماذا نكتب عنه كل عام ؟
لماذا نظل نذكره في كل مناسبة ؟
لماذا كلما مر السابع عشر من يناير يتقطع حشانا وتدمع عيوننا ؟
لماذا هذا الحب والعشق لذاك الإنسان وذاك الغنا ؟لماذا يكتب المبدعون والأدباء والنقاد كل عام عن مصطفى ؟
من هو مصطفى سيداحمد .. من هو هذا الشاب الوسيم ذو النظرات الرقيقة والقلب الكبير والوجه الذي ترتسم عليه خريطة الوطن وأحزان الناس وأفراحهم ؟
من هو هذا الفنان الإنسان الذي كلما نظرت إلى وجهه ترى أطفالاّ ونساءّا وشباباّ وشيوخاّ وترى الشهداء والأحياء ..... ترى كل الوطن ؟
من هو هذا الفنان المبدع الذي شغل الدنيا والناس بأغانيه ؟
بينما كنت منهمكا في الكتابة عن مصطفى سيداحمد بمناسبة ذكرى وفاته ال 16 فاجاني صديقي الشاعر عبدالعظيم إبراهيم " جنجوي " المقيم في كندا بقصيدة طويلة هي بمثابة مرثية في مصطفى ، وهو مثلي تماما ومثل مئات الآلاف الذين ما زالوا يذكرونه ويستمعون لغنائه.
بالمناسبة عبدالعظيم هذا شاعر جديد من أبناء دارفور سيطل عليكم قريبا من خلال ديوانه الشعري الأول " أنين السواقي وصوت المطر " .
يقول عبدالعظيم في مقطع من قصيدته جمل الشيل :
جيت قبل ميعادك المفروض تجي
يا ريت مشينا أ نحنا من ساعة مجيك
وكتين أنحنا بدينا نتفهم كلامك
شديت رحالك وفت للبلد البعيد ..
وكتين مشيت
لا طواحين الهبوب قدرت تجر الساقية بعدك
لا جمال الشيل ولا التور الفحل قادر يشيل
الكنت شايلو فوق قفاك ..
واقف براك ..الزين وعم عبدالرحيم ..
نعلاتك المقرونة فوق الكاجة يبست
رجليك شقوق الطين حفت ... وكتين مشيت
فوق الكدادي وفي الخلا .. لا عترت ولا شكيت
تقل الهوية ال في الضهر ...شيل المخالي
القرفة والسعن المقطرن والجراب ..
وكتين مشيت واقف براك
شايل سلامك للعميري ولي الرفاقة
الفاتو قبلك ونحن شايلنك سلام
هو مصطفى سيداحمد المقبول مختار عمر الأمين سلفاب .
المصطفى أحد أسماء النبي الكريم " ص " .. ووالده سيد الأرض .. أحد المزارعين الغلابة الذين وهبوا ذاتهم وكل حياتهم لكي تثمر الأرض زرعاّ وحصاداّ للمطحونين ، وجده المقبول عند الله تعالى لصفاء سيرته وحسن أخلاقه ... وأبوه لجده عمر المختار الأمين على وطنه وأهله وناسه ... سلفابي إبن سلفابي .
نعم هو من قرية ود سلفاب ومن مواليد 1953 ّّّ!!!!!!
رحل عن دنيانا في السابع عشر من يناير عام 1996 .... وذلك يعني أن حياته إمتدت لنحو 43 عاماّ فقط ! ملأها حتى آخر لحظة وهو يعاند المرض اللعين .. ملأها فرحاّ وغناءّ جميلاّ ... وحق لنا أن نقول عنه الرحيل النبيل .. إنه رحيل العباقرة المبدعين الذين غادروا ويغادرون مبكراّ أمثال معاوية نور والتجاني يوسف بشير ومحمد عبد الحي وخالد الكد وعبدالعزيز العميري ومحمد رضا حسين وحورية حاكم وعلي عبد القيوم وعمر الدوش وصلاح أحمد إبراهيم وغيرهم .
يوسف الموصلي الموسيقار والملحن والمطرب والباحث كان له مشروع طموح في الكتابة عن رموز الغناء السوداني الحديث والمعاصر وأصدر عدداّ من الكتب بمجهود شخصي من بينها كتابه عن صديقه ورفيق عمره مصطفى سيداحمد حتى أصبح الكتاب مرجعاّ مهما لمن يريد أن يتناول مشوار مصطفى سيداحمد على المستوي الإجتماعي والدراسي والفني .
الآن يمر العام ال 16 على رحيل هذا الفنان الرائع ، وما أروع أن نتذكره قطعاّ لوعد قلناه له دائماّ أنك حفرت إسمك في ذاكرة الغناء السوداني بعمق وإبداع وجهد مثابر، وإننا سننتظر ربما لألف عام كي ياتي واحد مثلك . .
يقول يوسف الموصلي في توثيقه لمسيرة مصطفى سيداحمد أن جده الأمين سلفاب قدم من شمال السودان ... ذلك يعني منطقة الشايقية التي قدمت الكثير في مجال الشعر والغناء ، ولكن جده إستقر جنوب غرب الحصاحيصا على بعد 7 كيلومترات منها ، وغرب أربجي بحوالي 13 كيلومتر ... وكان قدوم الأمين ود سلفاب للمنطقة حوالي عام 1710 .
وهكذا إستقر الأمين ود سلفاب في مكان قرية ود سلفاب الحالية والتي كانت أصلاّ قرية للدينكا كما يقول الموصلي في بحثه المشار إليه سابقاّ ، وأن هؤلاء الدينكا أبادهم وباء الجدري وما زالت هياكلهم العظمية ترقد تحت تراب القرية إلا إذا أخرجتها المطامير أو أساسات المباني العميقة المعاصرة فتخرج مع حفنات من السكسك والخرز ، والمغزى العميق في هذه المعلومة التاريخية تشير إلى تلاقح العنصرين العربي والإفريقي في قرية مثل ود سلفاب وهذا ما سندركه لاحقاّ كيف أن مصطفى سيداحمد حسم موضوع هويته السودانية منذ فترة مبكرة فجعلها هوية لكل السودان بتعدده الثقافي والفكري والديني والعرقي والسياسي والفني ، ليس شعراّ وغناءّ فقط وإنما في حواراته الكثيرة وجلسات الإستماع المتواصلة .
بالطبع عمل سكان ود سلفاب بالزراعة المطرية لبعدهم عن النيل ولوفرة الأمطار وكان ذلك قبل مشروع الجزيرة العملاق ، وبعد قيام المشروع توفر الري الصناعي والموروث من المعرفة بالزراعة القادمة معهم من شمال السودان ، لذلك كان والد مصطفى فلاحاّ بالفطرة كما يقول المصريون ، واحتقنت دماؤه بعاطفة الأرض والزراعة فكان مصطفى محصلة لتلك المصطلحات النوبية القديمة ، وهذا أيضاّ ما سنعرفه لاحقاّ عند تناول قصائده وأغانيه .
على المستوى الإجتماعي مصطفى له سبع شقيقات وأخ شقيق واحد ومن سخرية الأقدار أن شقيقه هذا وكان فناناّ مرهفاّ قد رحل مبكراّ أي قبل رحيل مصطفى ولعل المرء ليدهش إذا عرف أن شقيق مصطفى واسمه المقبول قد توفى وكان عمره آنذاك 27 عاماّ فقط ، وكان المقبول يكتب الشعر وصوته جميل .
كتب المقبول قصيدة السمحة وغناها مصطفى يقول فيها :
السمحة قالوا مرحلة
بعدك الفريق أصبح خلا
.
جاني الخبر جاني البلا
والسمحة قالوا مرحلة
هذه الأبيات تؤكد أن هذا شاعر عظيم إختطفه الموت في وقت مبكر ، وتكفي الإشارة إلى وصفه للفريق الذي أصبح " خلا " وكيف أن الخبر أصبح " بلا " .
ولكن القصيدة لها معاني أخرى كثيرة وهذا ما جعلها محببة لمصطفى وللكثيرين من عشاق فنه إذ يقول المقبول :
قول يا لسان في الراحلة
صوغ المعاني وجملا
نافر وما عارف العليّ
حالي العليّ حال الخلا
ها هو يلعب مرة أخرى على نغمة " الخلا " التي لا تغدو أن تكون سوى الصحراء في قصائد كبار الشعراء
يا عينيّ جافيتي المنام
وخدودي معاك بللا
وين بعدك ألقى عطوف يلم
أفكاري بعد البهدلة
كلمات بسيطة ولكنها غنية بالكلام السوداني المتداول من الجفا والبلل والعطف واللم والبهدلة .
روح يا نسيم روح قابلا
تلقاها نايمة وغافلة
داعب لخصلات شعرها
وألثم ضفائرها المسدلة
وأرفع كتفيها الهادلة
وكلل خدودها وقبلا
وقو ليها من بعدك خلاص
شفنا الفريق أصبح خلا
لاحظ هذا الإصرار والتنوع في إستخدام " الخلا " ولكن بمنظور شاعري مرهف للغاية حتى أصبح " الخلا " يعطي أكثر من معنى .
هذه القصيدة هي أول أغنيات الفنان مصطفى سيداحمد التي إبتدأ بها شهرته .
وهكذا فإن ملكة الشعر مغروسة في الشاعرين الرائعين ، ولمصطفى عشرات القصائد الجميلة من بينها قصيدته :
غدار دموعك ما بتفيد
في زول حواسوا إتهجرت
جرب معاك كل السبل
وإيديهو ليك ما قصرت
حطمت في قلبوا الأمل
كل الأماني الخدرت
كلماتو ليك ضاعت عبس
لا قدمت لا أخرت
كان مصطفى سيداحمد ومنذ طفولته على قدر من التمرد على كل ما يقيده .. كان منذ طفولته ينطلق إلى الأفق فكشف عن طفل له مستقبل واعد وطموح كبير .. فدخل المدرسة مبكراّ .. وأيضاّ مبكراّ جداّ كان يعشق صوت الراديو فيجلس أمامه لساعات طويلة يستمع للموسيقى ، فافتتن به وشكل جزءاّ من حياته .
دخل الإبتدائي بالحصاحيصا وحصل على ترتيب متقدم ثم إنتقل للدراسة الأكاديمية بمدرسة بورتسودان الثانوية عام 1973 . وهناك أصبح فنان بورتسودان الأول ، وبعد التخرج عمل بالتدريس في مدرسة ودسلفاب الثانوية العامة للبنين ، كانت الجزيرة دائمة الفرح وفي تنوع مدهش بالفرق الشعبية المحلية فنمت مواهب مصطفى في أجواء أسرة تحب الغناء والطرب فانتقل إلى الخرطوم بمعهد تدريب معلمي الثانوي العام ولكنه أضطر لترك مهنة التدريس ليعمل بمصنع النسيج السوداني مصمماّ نظراّ لموهبته في الرسم ، ثم بدأ إحتكاكه بالوسط الفني وكانت أغنيات : المسافة ، الشجن الأليم ، عشم باكر ، عباد الشمس وكان نفسي أقولك .
ثم إلتحق بمعهد الموسيقى والمسرح قسم صوت وكانت أولى تجاربه مع مستر كيم الكوري في أغنية رسائل للكاشف وعازة لخليل فرح وكانت له تجاربه في المسرح ، ولكن مصطفى لم يتمكن من تكملة الأربع سنوات بالمعهد ، كما وجد مشقة في التعامل مع الإذاعة والتلفزيون فلجأ إلى جلسات الإستماع التي جمعت عدداّ هائلاّ من محبي مصطفى سيداحمد .
كان مصطفى سيداحمد مؤمناّ بأن الغناء فن راق وأن الفنان ضمير عصره ، وعليه أن يشحذ في الناس الأحاسيس والمشاعر الصادقة بشفافية الفنان العاشق للناس والوطن ، وأن يدفعهم للإستمتاع بالفن الجميل ، يذكرني هذا بتلك الأيام الغابرة للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في مصر حيث طبقت شهرتهما الآفاق بتلك الجلسات الشعبية ، ولم تتمكن أجهزة الأمن من مصادرة أغانيهما ، والغناء عند مصطفى كان موقف وكان قضية ، كان يؤمن إيماناّ قاطعاّ بأن على الفنان أن ينشر الوعي بين الناس وأن يرتقي بالذوق العام .وقد قابلت الكثير جدا من السودانيين والعرب والأجانب أيضا الذين يحبونه .
ولكن المرض اللعين حاصره فغادر بسببه إلى روسيا ومصر والدوحة بحثاّ عن علاج لكلية واحدة ، وفي الدوحة فاضت روحه النبيلة رغم جهود أطباء أكفاء ليظل الراحل المقيم في قلوب كل أهل السودان الذين وقفوا معه في كل مراحل مرضه ، تلك المواقف التي خففت عنه كثيراّ ، ولم أعرف شخصاّ قاوم المرض مثل مصطفى ، وكان من بين الألم والمعاناة يخرج تلك الدرر الحية الباقية التي تغنى بها بإرادة وتصميم وأدخل البهجة في قلوب كل أهل السودان .
وحقيقة يقولون أن وراء كل رجل عظيم إمرأة .. فقد حباه الله ببثينة في وقت كان في أشد الحاجة إلى إنسانة مثلها ... وكما في التاريخ هناك جميل بثينة عاد التاريخ ليكتب قصة مصطفى بثينة ، إنها بثينة محمد نصر .. ذلك الحب والزواج الذي أثمر أغنيات خالدات وأثمر سامر وسيداحمد ، وعندما سألني صديقي لماذا تزوجت قلت له هذا من حقها ولن يمنعنا من حبنا لمصطفى .
قال عنها " لم أكن أعرفها .. جاءني صوتها عبر التلفون تطلب مني شريطاّ فيه أغاني محددة .. وعرفت من خلال هذا اللقاء إهتمامها بما أغني في إطار أسري .. واستمرت هذه الصلة لثلاثة أعوام وتكونت القناعات والشعور بأنك تحتاج لهذا الشخص ليقاسمك حياتك .. ما تكلمنا عن الحب كثيراّ ولكنا أحسسناه .. ومن حقنا أن نرى في الكلام إرهاصاّ وإختزالاّ لما نحس .. وما خاب ظني .. فقد كانت بثينة مدعاة للتماسك .. تغسل أحزاني وآلامي وتخرجني نظيفاّ إلى الناس .. لها حس مرهف بالألحان الجديدة بل والنصوص .. تجتهد في أن تجعل الظروف القاسية مساحة يمكن العمل فيها .. وتتحسس لحظات الإشراق والإنفعال لتسخر حتى حركتها داخل المنزل لتوفر جواّ أعمل فيه .. كيف لا وهي الستر والغطاء وأم سامر وسيداحمد "
عزاؤنا الخالص لك يا بثينة وللرائعين سامر وسيداحمد وعشمنا أن نرى فيهما مصطفى سيداحمد .
.
نعم رحل مصطفى تاركاّ 450 أغنية .. والبعض يقول أكثر من ذلك ، ولعله الفنان الوحيد الذي غنى لعدد كبير من الشعراء المعروفين والمغمورين والمجددين .. فقد غنى لهاشم صديق ، عمر الدوش ، أزهري محمد علي ، أبو ذر الغفاري ، نجاة عثمان ، صلاح حاج سعيد ، يحيى فضل الله ، حسن بيومي ، محمد الحسن سالم حميد ، قريب الله محمد عبدالله ، قاسم أبو زيد ، خطاب حسن أحمد ، عاطف خيري ، محمد المهدي عبدالوهاب ، الفرجوني ، الصادق الرضي ، محمد طه القدال ، بشرى الفاضل ، عوض مالك ، جمال حسن سعيد ، تاج السر عثمان ، محمد إبراهيم شمو ، عبدالعال السيد ، مدني يوسف النخلي ، حسن ساتي ، عبدالوهاب هلاوي ، عبدالقادر الكتيابي ، الصادق الياس ، حافظ عباس ومعذرة لمن خانتني الذاكرة ولم أذكرهم ، كما غنى لشعراء عرب مثل نزار قباني ومظفر النواب ومحمود درويش .
في كل إختيارات مصطفى سيداحمد لأغانيه نجد سحراّ خاصاّ في كل أغنية وهذا يعود إلى موهبته في الشعر والرسم ، فهو شاعر مرهف وإحساسه عميق بالكلمة وقدرة هائلة على إستكشاف روح القصيدة وتقديمها بأسلوب السهل الممتنع ، فهو يجعل المستمع سجين لحنه ، فأنت لا تستطيع أن تقدم أغنيته إلا باللحن الذي إختاره كما أن صوته الذي يوصف بأنه من فئة باريتون وهو نوع من الصوت البشري أكثر غلظة من التينور وأكثر حدة من صوت الباص ، وهنا تكمن صعوبة تقليد صوته .
مصطفى سيداحمد رغم رحيله المبكر إلا أنه ظاهرة فنية فريدة ومتفردة .. واسم عملاق يضاف إلى عمالقة الطرب في السودان الذين عرفهم كتاب التاريخ الموسيقي والغنائي إبداعاّ وخيالاّ وجمالاّ وإحساساّ وشفافية وخلوداّ .
أزهري محمد علي كتب له قصيدة " وضاحة " يقول فيها :
الصباح الباهي لونك
وضاحة يا فجر المشارق
غابة الأبنوس عيونك
يا بنية من خبز الفنادك
هنا الشاعر يصف وجه حبيبته بلون الصباح الباهي .. وما أجمل الصباح .. ويقول أنها وضاحة .. ويخلط الصفات في وصفها مثل الفجر وغابة الأبنوس وطعم الخبز .
وفي حالة من الوجد الشديد يقول :
شيدتي في جواي صوامع من الفرح
وفتحت في دنياي مسارح للمرح
هذا التعبير الجميل عن صوامع الفرح ومسارح المرح ، كل هذا العالم الجميل شيدته وفتحته الحبيبة في قلب هذا العاشق الولهان ، أليست الحبيبة هي الوطن ؟؟؟
ليس ذلك فقط فهو يقول :
وبقيتي لي سكة وعيون
فهو الآن يرى بعيونها وتهديه إلى الطريق
لا قدرت أطولك شان أجيك
لا قدرت من غيرك أكون
هذه هي حالة العشق والإندماج الكامل عندما يفنى الحبيب في محبوبته .
ونأتي إلى تعبير بسيط يأتي على لساننا مرات ومرات كل يوم عندما نقول مثلاّ " والله أنا عندي كلام كتير ما قادر أقولو " فيقول الشاعر
وأنا بيك ماليني الكلام
هذه هي بلاغة الشعر وعذوبته
ثم يجنح الشاعر ويترك خياله يسبح في عالم من الكلمات المختارة بعناية فائقة فتتحول الكلمات إلى ما يشبه المعجزات
حركت بيك عصب السكون
هنا الشاعر يتخيل أن للسكون عصب ، وقد حرك هذا السكون بحبيبته إلى أن يقول :
جلبت ليك الغيم رحط
طرزت ليك النيل زفاف
حرقت ليك الشوق بخور
وفرشت ليك الريد لحاف
ما من كلمة في هذه الأبيات إلا وأعطت صورة من الصعوبة بمكان أن تتاح لأي شاعر ، فتخيلوا معي كيف أن الشاعر جعل من الغيم رحط وطرز النيل ثوب زفاف لحبيبته ... أما البخور فهو الشوق الذي إحترق في مبخر العشق .. ثم فرش لها لحافاّ لتنام عليه وهو لحاف الريد ...
جلبت ليك الغيم رحط
طرزت ليك النيل زفاف
حرقت ليك الشوق بخور
وفرشت ليك الريد لحاف
لا السكة بيك بتنتهي
ولا معاك مليت طواف
يا ريتني لو بقدر أكونك
وضاحة يا فجر المشارق
الصباح الباهي لونك
يا بنية من خبز الفنادك
غابة الأبنوس عيونك
وعندما يغني مصطفى هذه القصيدة تجد نفسك في عالم من الخيال والسحر والجمال والنور الأخاذ .
لقد تغنى مصطفى بعشرات القصائد في وصف الحبيبة والتي يخلطها دائما بالوطن ، لأنه مسكون بحب الوطن إلى درجة الجنون ، وقد لاحظت عندما صدر كتاب " فجر المشارق " كتب في الإهداء " إلى كل ذرة من تراب الوطن الغالي مبللة بعرق الطيبين المحبين .. تنبت من بين الوجدان الصادق أزهاراّ تفوح طيباّ مسكوباّ من عبير رواد الكلمة .. أصدقائي الذين طوعوا الحرف للبلد العزيز "
نعم هو فنان مسكون بحب الوطن ، وها هو الشاعر هاشم صديق يقول :
حاجة فيك
تقطع نفس خيل القصائد
تشده أجراس المعابد
هنا الشاعر يتخيل أن للقصائد خيول " نفسها " إنقطع " بحاجة لم يفصح عنها الشاعر صراحة تتميز بها حبيبته .. والتي هي الوطن
ويقول
تشده أجراس المعابد
يا الله .. نحن نعرف أن أجراس المعابد والكنائس تشده الناس . فما هي تلك " الحاجة " في الحبيبة التي تشده أجراس المعابد ؟
.
لذا يئن الشاعر ويتوجع
توهتني .. تعبتني .. جننتني
جننت حرف الكلام
وبرضو أدتني السلام
وما أروع مصطفى عندما يردد شرف المدائن والسفاين والمناجم والموانئء .
حاجة في شرف المدائن
في غرف كل السفائن
جوه في عمق المناجم والعيون
حاجة زي ما تكون محلق في العواصف
وفجأة تهبط في السكون
حاجة زي نقر الأصابع
لما ترتاح للموسيقى
حاجة زي أخبار تناغم من جريدة
حاجة زي وتر الموانيء
لما يصدح لسفينة
ثم " يغلبه " الكلام .. لا يستطيع التعبير عن المشاعر الجياشة في داخله .. فيهدأ ويقول :
حاجة فيك لا بتبتدي
لا بتنتهي
خلتني أرجع للقلم
أتحدى بالحرف الألم
وأضحك مع الزمن العريض
وأنسف متاريس الطريق
وأعرف متين أبقى المطر
وأعرف متين أصبح حريق
هذا هو شعر هاشم صديق – في نبته حبيبتي وفي أحلام الزمان وفي كل دواوينه وقصائده فارس الكلمة وفارس الشعر وفارس الوطن الموجوع المنشطر المنقسم .
أنت يا صديقي لم تتخل يوما عن القلم .. دائما كان قلمك " مسنون" كما السيف والقرطاس والقلم ، ودائما كنت عبوة ناسفة للظلم والقهر وكنت مطراّ وحريقاّ كما كنت بلسماّ .
ومصطفى دائماّ كان قلمه وسيفه وعبواته الناسفة ذلك العود الذي يحمله بين يديه يتحدى به الألم والمرض والعذاب والمعاناة يضحك ويغني مع الزمن ومع كل الناس .
وهنا يطل أبو ذر الغفاري :
في عيونك ضجة الشوق والهواجس
ريحة الموج البنحلم فوقو بي جية النوارس
ياما نحلم نحكي ليكي عن المسافة
ونشتهيك
عن سفن بالشوق بترسم في بحيراتك ضفافها
عن ملامح غنوة هلت في عيونك هتافها
عن حقيقة نهاتي ليها في أساطير الخرافة
هذا هو الشعر الخرافي وذلك هو الغناء الخرافي
والله نحن يا مصطفى مع الطيور الما بتعرف ليها خارطة ولا في إيدها جواز سفر ، نمشي في كل المدائن نبني عشنا بالغناوي ، ننشد درر، والربيع يسكن جوارنا والسنابل تملأ دارنا والرياحين والمطر ، فنم هانئاّ فما زلنا نردد معاك : والله باكر يا حليوه نمشي في كل الدروب الواسعة ديك والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.