البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد)    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    قرار مثير لرئيس وزراء السودان    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قطري حبيبي": ملهاة الإخوان ومأساة الناصرية
نشر في سودانيات يوم 07 - 05 - 2013


[صورة عن فيديو برنامج "البرنامج" لباسم يوسف]
jadaliyy
زينة حلبي
بعد انتخابه ديموقراطياً، بدأ محمد مرسي عهده متكئاً على بنية قمعية إعلامية، قانونية، قضائية، وعسكرية. لكنّ هذه الممارسات السلطوية القديمة/ الجديدة ما لبثت أن أثارت سلسلة من ردود الفعل النقدية ضمن مجموعة متنامية من الناشطين والفنانين والصحافيين والمدونين الذين ساهموا في أعمال دورية لا تزال تتحدى وتفضح النظام السياسي. وفي صلب ذلك، تقع الكوميديا والمحاكاة الساخرة التي يشكل باسم يوسف أحد أبرز وجوهها.
باسم يوسف وجون ستيوارت
باسم يوسف، وهو من المعجبين ببرنامج "دايلي شو" لجون ستيوارت، بدأ بتسجيل حلقات عن آخر أيام نظام حسني مبارك وحكم العسكر، من داخل غرفته، قبل أن يقوم بتحميلها على موقع "يوتيوب". لكنّ الجرّاح الذي تحول إلى كوميدي، بات بين ليلة وضحاها نجماً افتراضياً، مما دفع قنوات مصرية معارضة إلى منحه منبراً على شاشتها. وهكذا وُلد البرنامج الذي ارتأى باسم يوسف تسميته، ببساطة، "البرنامج". كأنه كان يعلم أنّ برنامجه سيصبح فعلاً "ال" برنامج الأول على الشاشات المصرية، ويجذب حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي قرابة أربعة ملايين مشترك.
****
بعد تسريبات إعلامية غير مؤكدة بشأن نية دولة قطر استئجار الأهرامات المصرية وقناة السويس، وبعد الانحياز الفاضح لقناة "الجزيرة" لمصلحة الإخوان المسلمين، تحوّلت الإمارة الصغيرة إلى اسم غير مرغوب به لدى المعارضة المصرية، واتهم الناشطون المصريون الإخوان بتحولهم إلى دمى تحرك خيوطها قطر، كما أدانوا النيات القطرية المشبوهة لجهة تسليع الموارد والمواقع التاريخية المصرية. هكذا ظهرت قطر، في 5 نيسان، في برنامج "البرنامج"، من خلال أغنية "قطري حبيبي".ثلاثة مغنّين وجوقة كاملة من الشابات والشبان مرتدين ثياباً رسمية تعود موضتها إلى الستينات والسبعينات، بدأوا بأداء الأغنية الآتية وسط ذهول الجمهور:
Dimofinf Player
http://www.youtube.com/watch?feature...&v=bpDQNoshDK0
قطري حبيبي .. الأخ الأصغر
يوم ورا يوم .. أمواله بتكتر
استثماراته .. مالية حياته
قطري بيصرف وبيتفشخر
قطري .. قطري
لقد رأى عدد من المعلقين في هذه الأغنية مثالاً آخراً على الشوفينية المصرية تجاه دول الخليج، وتعبيراً ساذجاً عن التبرّم من الثروة الجديدة للأخ القطري الأصغر. لكن، في أقل من 24 ساعة، حققت الأغنية نجاحاً منقطع النظير. فأين يكمن سر هذا النجاح؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء.
****
منذ أواسط الخمسينات، برز جمال عبد الناصر كتجسيد لمنظومة عربية جديدة قائمة على التحرر من الاستعمار ومحو آثار النكبة. وكما كان لهذه المنظومة فكرها القومي العربي، كانت لها أيضاً ثقافتها وأناشيدها. ففي العام 1960، قام الموسيقار محمد عبد الوهاب والشاعر أحمد شفيق كامل بإنتاج "أوبريت الوحدة العربية: وطني حبيبي"، بطلب من عبد الناصر نفسه.
وفي الفيلم المصوّر لتلك الأغنية، يظهر عبد الوهاب وهو يقود كورساً كبيراً من النساء والرجال، فيما يقوم عشرات الفتيات والفتيان بما يشبه العرض العسكري حاملين أعلام البلدان العربية المستقلة حديثاً. هكذا تبدأ الأغنية التي يستغرق وقتها قرابة العشر دقائق:
Dimofinf Player
http://www.youtube.com/watch?feature...&v=_ERFXIntNhQ
وطني حبيبي... الوطن الأكبر
يوم ورا يوم... أمجاده بتكبر
وانتصارته... مالية حياته
وطني بيكبر وبيتحرر
وطني... وطني
وفي لعبة تقنية لافتة في زمن التلفزيون الأسود والأبيض، تبدأ منصّة بالارتفاع من أسفل المسرح، ليظهر عليها مؤدو الأوبريت الذين تربعوا على عرش الأغنية المصرية في الزمن الناصري: عبد الحليم حافظ، فايدة كامل، شادية، ونجاة. كلٌّ بدوره، ينشد مقطعاً من الأغنية المستقاة من أدبيات القومية العربية (وطن، خلود، جنّة، الشعب العربي، الوحدة)، الثورة (تحرّر، حرية)، المقاومة (جحيم، نار)، العدو (استعمار، طغيان، استعباد)، والنصر (مجد، انتصارات، عزّة)، إضافة إلى توجيه التحية لأقطار عربية عدة (مراكش، الجزائر، عمان، بيروت، البحرين، اليمن، دمشق، جدّة، بور سعيد، وفلسطين). والغالب في هذه الأنشودة التضاد بين ثنائيات الثائر والظالم، الخير والشر، العربي والمستعمر. وهي مفاهيم اختُزلت بثنائية ضمير المتكلم "نحن" (وطننا، قلوبنا) وضمير الغائب "هم" (استعمارهم، دمّرهم).
وقد شارك في أداء هذه الأغنية التي شهدت انتشاراً واسعاً في الستينات والسبعينات كل من الجزائرية وردة واللبنانية صباح اللتين لم تترددا في الإنشاد بلهجة مصرية واضحة. ولا عجب في ذلك، فنحن في العام 1960، في زمن القومية العربية بنسختها الناصرية.
وإلى ذاك الزمن، حملنا باسم يوسف في أنشودته الساخرة التي يعلم أن نجاحها يتطلب إلفة لدى المتلقي مع النسخة الأصلية. لذلك وضع يوسف تغريدة تحمل عنوان الأغنية الأصلية "وطني حبيبي" على موقع يوتيوب، غداة بثّ حلقته الأخيرة. لكنّ الإعلامي المصري لم يكن وحده من استلهم "أوبريت الوحدة العربية".
****
في العام 1998 أو بعد ثلاثة عقود من صدور "وطني حبيبي"، اجتمع أربعة وعشرون مغنياً من بلدان عربية مختلفة بقيادة المنتج الموسيقي المصري أحمد العريان ليؤدوا "الحلم العربي"، وهي اوبريت من ثماني عشرة دقيقة عرضت على القنوات الفضائية العربية. حاولت الأغنية تقديم نفسها كتكملة للمشروع الغنائي الضخم الذي بدأه عبد الوهاب عام 1960. لكن، اذا وضعنا عنوان "اوبريت" وعدد المغنين جانباً، لن نرى اي شبه بين الأغنيتين، خصوصاً في الخطاب السياسي لكل منهما. فعلى غرار المثال الذي يحاول أن يحتذي به، يرتكز "الحلم العربي" على ضمير المتكلم الجامع (حلمنا، عمرنا، يضمّنا). لكن ضمير الغائب "هم" الذي كان مكوناً اساسياً في الأغنية الأصلية، سقط نهائياً من النسخة الجديدة. نحن اذا تجاه ظلم لا يتخذ أي شكل سياسي أو اقتصادي كالاستعمار مثلاً. فلا يمكننا التعرف على ماهية الظلم ولا على مرتكبيه والدوافع التي تحركهم.
نحن في حضرة مجموعة من البشر (نفترض انهم عرب) يعانون من الفراق والظلم ويحلمون بحضن جامع:
Dimofinf Player
http://www.youtube.com/watch?list=PL...&v=PVgo9eCInSM
جايز ظلام الليل... يبعدنا يوم
انما يقدر شعاع النور... يوصل لأبعد سما
دا حلمنا... طول عمرنا
حضن يضمنا يضمنا
لكنّ الظلم هنا هو بمثابة النور والسماء والحلم، مرتبط عضوياً بذاتنا البشرية ليس إلا. فالفيديو الذي يرافق الأغنية، يبرز محطات تاريخية معروفة تبدأ من 1948 مع نكبة الفلسطينيين وتنتقل الى عبد الناصر والعدوان الثلاثي ثم النكسة، فحرب لبنان، وصولاً الى الانتفاضة الأولى عام 1986 والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1996. لكنّ أياً من هذه المحطات لا يجد طريقه إلى النص المغنّى. هي مجرّد مشاهد تصويرية تبعث على التضامن الإنساني وحسب.
وكذلك الحال بالنسبة إلى عنوان الأغنية. فإذ ننتقل من " الوطن العربي" الى "الحلم العربي"، تبقى صفة "عربي" في العنوان، لكنها تختفي تماماً من كلمات الأغنية التي لا تشير إلى أي هوية قومية إطلاقاً. فتظهر مكان "الشعب العربي" مجموعة من "الناس" لا تربط بينها هوية عربية بل هوية انسانية بحتة. لكنّ الهوية ليست وحدها ما يفرّق بين الأنشودتين. ف"الحلم العربي" يجمع في لقطاته التصويرية لحظات في التاريخ العربي اجتمعت فيها عناصر الهزيمة والظلم، وهو ما يشكل تناقضاً واضحاً مع مفاهيم الثورة والتحرر والمقاومة التي روجت لها الأوبريت الأولى.
لكن تغيب عن الفيديو لحظات أخرى لأنواع مختلفة من الظلم والقمع كمجزرة حماة عام 1983 وحلبجا عام 1988 وانتفاضات القطيف بدءًا من 1979 التي تشكل أمثلة قليلة على وقائع ما زالت الرواية التاريخية الرسمية تساوم عليها.
هكذا يظهر "الحلم العربي" في نسخة صديقة للأنظمة العربية، بل إنه يقوم على تصوير بكائي وخطابي للعالم العربي في أواخر التسعينيات حين لعب مجلس التعاون الخليجي دوراً مهماً بقيادة السعودية بتحديد السياسيات العربية في المنطقة.
وهو دور يظهر أيضاً في التحول اللغوي الذي طرأ على "الحلم العربي". ففيما كانت الأغنية الأصلية باللهجة المصرية، ظهرت في الأغنية الجديدة لهجات عربية عدة منها لهجات مغاربية ومصرية وشامية، ولكن اللهجة الغالبة والمتكررة كانت خليجية. لا عجب في ذلك، فان المغنين ومنتجي الأغنية كانوا متعاقدين مع "روتانا"، شركة الوليد بن طلال للانتاج الموسيقي.
ظهر اذا "الحلم العربي" في 1998، في زمن يمكن أن نسمّيه "باكس روتانا".
****
رغم النجاح الجماهيري الكبير الذي حققه "الحلم العربي" بفضل انتشاره على الفضائيات العربية، سرعان ما تبخّر الإعجاب به تحت وطأة التحولات السياسية والحروب (اجتياح العراق، حرب تموز، العدوان على غزة) التي أثبتت أنّ العالم أكثر تعقيداً ممّا يظهر على شاشة "روتانا".
فها هو الشاعر المصري أحمد عبدالله يعود في العام 2009 إلى النسخة الأولى من الأوبريت، بعد خمسين عاماً على ظهورها الأول، ليقدّمها في اطار فني أخذ شكل المحاكاة الساخرة للأوبريت الأصلية. ترتكز الأغنية الجديدة على لحن الأصلية نفسه، لا بل استندت الى تركيبة الجملة ذاتها، لكنها حملت عنوان "وطني نصيبي":
Dimofinf Player
http://www.youtube.com/watch?feature...&v=r6MrZWUcWuI
وطني نصيبي... وطني الأكبر
يوم ورا يوم... أزماته بتكبر
وانكساراته... مالية حياته
وطني بيُنهب وبيُستعمر
وطني وطني
يعرض "وطني نصيبي" ملخصاً عما آل اليه العالم العربي في ظل فشل الأنظمة العربية في تحرير فلسطين وتشرذم الموقف الرسمي تجاه القضايا المصيرية وسطوة الفساد والقمع في المجتمعات العربية. يظهر العرب في هذه الأغنية كشعب لا يوحده وعد عبد الناصر بالوحدة العربية، بل تجمعه وحدة مصير مبنية على تواطؤ الأنظمة العربية في ترسيخ الفقر والقمع والفساد. تظهر في الأغنية مأساة دارفور والحرب على العراق وحصار غزة في نص يقوم على التضاد الكامل مع النص الرئيسي، إذ لا يرى مكامن الخطر في جهات خارجية كالاستعمار والامبريالية وحسب، بل يعتمد نظرة داخلية تشير الى مكامن الفشل في الأنظمة والمجتمعات العربية نفسها.
هذه النظرة الداخلية نفسها بلغت ذروتها بين عامَي 2009 و2011، حين شهدت مصر سلسلة من الاحتجاجات التي أسفرت عن اسقاط نظام مبارك، تلاها وصول الجيش المصري الى الحكم وممارسته قمعاً منقطع النظير لم يتوانَ عن القيام بعمليات اهانة وتعذيب للمتظاهرين وتعرية وسحل للمتظاهرات. زادت هذه الممارسات من نقمة النشطاء المصريين الذين تخطوا الاسطورة السائدة حول نزاهة الجيش المصري الذي
يسعى الى الحفاظ على البلاد. فاجتمع عدد من النشطاء وألفوا نسخةً جديدةً من "وطني حبيبي" يقولون فيها:
وطني حبيبي... كَلوه العسكر
يوم ورا يوم... بيحرقوا فيه أكثر
ومؤامراته... مالية حياته
يسقط يسقط حكم العسكر
كلمة "وطن" التي كانت تعود الى "الوطن العربي" في نسخة 1960 تظهر في هذه الأغنية بحلة جديدة يطغى عليها المعنى الوطني الضيق، أي مصر التي تتخبط في مواجهة ممارسات الثورة المضادة. ظهرت هذه الأغنية عام 2011، وكان ذلك زمن الثورة المصرية.
****
تشكل هاتان الأغنيتان بالاضافة الى أغنية باسم يوسف "قطري حبيبي" أمثلة على المحاكاة الساخرة في الأغنية السياسية. وهذه عبارة عن عملية تفكيك لنص أصيل يعاد تركيبه وتأويله في نص جديد. ولا يشترط نجاح المحاكاة الساخرة على أن يكون المتلقي على دراية كاملة بالنص الأصيل فحسب، بل أن يكنّ له أيضاً مشاعر كالحنين أو الخيبة أو الفخر أو الغضب أو مشاعر أخرى شبيهة تفرزها العودة المعاصرة الى النص التاريخي الذي يحتوي على دلالات ثقافية وتاريخية معينة.
ٌفهذا تحديداً ما حصل مع مشاهدي برنامج باسم يوسف الذين استمعوا الى الأغنية. فمنهم من شعر "بالمرارة" ومنهم من أحسّ "بألم عميق" يعود الى الدور الذي لعبتة الأغنية الساخرة في نبش ماضٍ قد تمت أرشفته ضمن تركيبة نفسية وسياسية شديدة التعقيد تتراوح بين الشعور بالحنين والفخر والهزيمة.
لكن، رغم ذلك، اجتاحت العديد من محبي باسم يوسف ردة فعل أولية هي عبارة عن قلق من ردة الفعل القطرية: ما هو مصير باسم يوسف بعد اعلانه الحرب (الساخرة) على قطر؟ والأخطر هو ما مصير آلاف المصريين الذين يعملون في قطر، وهل سيتعرضون للطرد؟ ورغم كون هذه الهواجس مشروعة، يتطلب الأمر قراءة مختلفة.
لقد وصلت آلافَ المشاهدين رسالة واضحة مفادها أن قطر باتت، شئنا أم أبينا، محركاً سياسياً واقتصادياً رئيسياً في العالم العربي اليوم. فبدلاً من وطني حبيبي|أكبر|أمجاده|انتصاراته|بيكبر|بيتحرر، ها نحن أمام قطري حبيبي|أصغر|أمواله|استثماراته|بيصرف|بيتفشخر. الوطن العربي الذي استحوذ على مخيلة العديد من العرب في الستينات تحول الى فانتازيا تدور حول الأخ القطري وثروته المستجدة. عندما تمسي الأمجاد أموالاً والانتصارات استثماراتٍ والتحرر تفشخراً، فاعلم انك تعيش في "باكس قطري" Pax Qatari. وللمفارقة، وعلى الرغم من مشروعية نقد السياسات القطرية، فان نقداً كهذا يفند ويعيد انتاج الواقع الذي سعت قطر لتكريسه في السنوات الماضية عبر مواكبتها الدقيقة للأزمات العربية بدءًا من الحرب الاسرائيلية على لبنان واعادة بناء قرى لبنانية بأكملها الى دورها في دعم ثورتي مصر وسوريا ورعايتها المتعثرة للقضية الفلسطينية. ذلك أنّ مجرّد استبدال "الوطن العربي" ب"الوطن القطري" هو اعتراف بالدور الكبير الذي بات يؤديه الأخ الصغير. وأغلب الظن ان قطر قد تتلقف هذا النقد على الرغم من قساوته بكثير من الامتنان. تشكل السخرية من قطر اذا مستوى النقد الأول لكن الأقل دلالة في هذه الأغنية المتعددة الطبقات والمعاني.
أما النقد الضمني، فيصيب الإخوان الذين لا يتهمهم مباشرة باسم يوسف ببيع موارد مصر فحسب، بل يستحضر عدوّهم التاريخي، جمال عبد الناصر نفسه، من خلال "وطني حبيبي"، في لحظة تاريخية حساسة. لكنّ باسم يوسف يستحضر عبد الناصر لدقائق معدودة كافية لفضح الاخوان ويعود بعدها لدفنه. بمعنى آخر، يستخدم عبد الناصر للسخرية من الاخوان من أجل تحقيق هدف آخر، وهو اعادة قراءة المرحلة الناصرية. وهنا ينتقل باسم يوسف إلى مستوى آخر من النقد.
والحال أنّ ثمّة قراءتين خاطئتين لموقف باسم يوسف من التجربة الناصرية: القراءة الأولى ترى باستعادة عبد الناصر نوعاً من الحنين الى زمن قد ولّى. وأما الثانية، فترى بهذه الاستعادة ادانة صريحة لشخصية تاريخية وضعت ركائز التسلط والقمع السياسي في مصر. كلتا النظرتان ممكنتان، ولكنهما تنبعان من قراءة حرفية للنص الساخر الغني بتناصّه وتعدد معانيه.
فالأرجح أنّ استعادة باسم يوسف لعبد الناصر من خلال المحاكاة الساخرة ليست من باب الحنين أو الإدانة، بل في تقاطع هذين الموقفين المتناقضين. يسترجع باسم يوسف أغنية "وطني حبيبي" لإبراز مثال واضح على البروباغاندا الناصرية في قدرتها على تأطير الرأي العام في قالب أيديولوجي وحيد لا يقبل النقاش أو النقض. بهذا المعنى، فإن باسم يوسف يتهم الاخوان باستبطان ممارسات عبد الناصر التي دفعوا هم أنفسهم ثمنها قبل نصف قرن.
ولكن باسم يوسف لا يتخلى عن عبد الناصر تماماً، بل يعود ويستخدمه كمثال لقومية ترفض أي شكل من أشكال التدخلات الخارجية التي تجسدها قطر وسياساتها اليوم. بمعنى آخر، يمكننا استشفاف عودة لزمن مضى عرفت مصر فيه استقلالاً حقيقياً بعيداً عن مصر في عصر الاخوان. بالاضافة الى ذلك، اذا نظرنا إلى موقف باسم يوسف من الثورات العربية، نرى أنه خصص حلقات بأكملها يدعم فيها الاحتجاجات في ليبيا وتونس وسوريا والبحرين. ومن هنا تبرز أهمية تفكيك باسم يوسف للتكلات القمعية السياسية بمستوياتها الطائفية وتحالفاتها الإقليمية والتي روجت إلى فردية الحالة الثورية ("مصر ليست تونس" و"سوريا ليست مصر") في كل بلد شهد إحتجاجات. وإذا كان من الصعب القول إن باسم يوسف يروج لمنظومة قومية عربية جديدة، فإنه يجب التنبه في الوقت عينه إلى محاولة الأغنية استحضار وإحياء ماضٍ فاقد لمعناه لدى جمهور شاب لم يرث من التجربة الناصرية الا مؤسسات وأطراً قمعية يعاد تدويرها.
إذاً، تكمن أهمية المحاكاة الساخرة في أغنية "قطري حبيبي" تحديداً في نوعية المطالب التي تفرضها على جمهورها. فمن جهة، تطلب منه أن يقوم بقراءة معاصرة لتاريخ كان قد فُصل عنه عنوة، ومن جهة أخرى، تحدد لهذا الجمهور مكامن النقد السياسي الواضح دون الوقوع في حنين لمرحلة ليس الرجوع اليها مستحباً. "قطري حبيبي" أعادت إذاً تسييس أوبريت "وطني حبيبي" بعدما حاول "الحلم العربي" إخراجها من دائرة المسيّس. لكنّها في ذلك، بدت أقرب إلى الانتفاضات العربية التي وقفت أساساً ضد القمع الداخلي للأنظمة. وككثير من الأعمال الفنية التي ظهرت في مصر ما بعد الثورة، عادت "قطري حبيبي" إلى الماضي لتبحث عن المكبوت، فتحرّره من الحنين الآسر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.