الجنائية وبراءة حميدتي !! .. بقلم: صباح محمد الحسن    بومبيو يجري اتصالا مع حمدوك بشأن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب    حركة/ جيش تحرير السودان المتحدة تستنكر وتدين مجزرة مدينة قريضة وقرية دونكي ابيض    قبل الطبع: شركات للامن والوطني تعمل بأرباحها .. بقلم: د. كمال الشريف    الاقتصاد التشاركي ودوره في التنمية الاقتصادية .. بقلم: الدكتور: عادل عبد العزيز حامد    هل النظام السياسي الأمريكي ديمقراطي ؟ .. بقلم: معتصم أقرع    سقوط عراقيل إزالة اسم السودان من تصنيف الدول الراعية للإرهاب !! .. بقلم: عثمان محمد حسن    امر تنفيذي بإزالة السودان من قائمة الإرهاب ومكالمة مشتركة بين البرهان وحمدوك ونتنياهو وترامب اليوم    الاختصاصي د. عبد الرحمن الزاكي: وكان القرشي صديقنا الأول!.    ذكريات صحيفة "الصحافة"(2): واشنطن: محمد علي صالح    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    الإعلان عن عودة الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع السكك الحديدية بالسودان    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    شُكراً حمدُوك!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«أئمة الشر».. الإخوان والشيعة
نشر في سودانيات يوم 18 - 05 - 2013


ثروت الخرباوي - أئمة الشر
ثروت الخرباوى يكتب: «أئمة الشر».. الإخوان والشيعة
ثروت الخرباوي يكشف: حكم الملالى وآيات الله
قصة أول اتصال بين المخابرات الأمريكية وصاحب اللحية الذى سيصبح المرشد فى ما بعد
خطة ال«CIA» لمساعدة الإسلاميين للوصول إلى كرسى الحكم كانت تحت عنوان «?why not»
عندما ارتجف قلب الطاغية وارتجف كرسى الحكم من تحته آل الحكم إلى زمرة الإسلاميين ودخلت البلاد إلى المرحلة الأولى من التجريف
ضاق الشعب ذرعا بهذا الحاكم الغبى المتغطرس، يا له من حاكم مستبد جهول، أغلق أذنيه جيدا فلم يسمع صيحات الشعب وآلامه، ظن أن جهازه الأمنى المنيع سيحميه «فليصرخ من يريد الصراخ، ولينفعل من يريد الانفعال، فقد خلق الله لى أذنا من طين وأخرى من عجين» هكذا كان لسان حال هذا الحاكم الطاغية، ومع إحساسه بقوته راهن على أمريكا ورئيسها، أمريكا معى حيثما أكون، وأينما تكون مصلحتى فثم وجه أمريكا «لقد تلقيت وعودا منهم بحمايتى وحماية نظامى كله»، كان هذا الوعد طبيعيا ومنطقيا، فهو حليفهم القوى فى المنطقة، وهو أيضا أحد الكنوز الاستراتيجية لإسرائيل، فكيف يفرطون فيه؟!
اندلعت الحوادث تترى فى البلاد، كان بعضها بسبب سوء الإدارة والفساد، وكان البعض الآخر بفعل فاعل، حرائق، كوارث، المئات يموتون حرقا فى حوادث مفجعة، والضحايا يسقطون وهم مخضبون بالدماء، يشتكون إلى الله هذا الحاكم وأعوانه، والمسؤولية التى من المفترض أن تكون فى رقبة هذا الطاغية المتبلد لا تحرك ضميره، يبدو أن السنوات الطويلة التى قضاها جالسا متيبسا على كرسى الحكم جعلت من جسده جدارا عازلا يفصل بين قلبه وشعبه، فهو ذلك الرجل خالى البال الذى لا يهتم، ينام ملء جفونه وشعبه يتحطم، أما هو ففى النعيم يقيم، وكيف لمن كان فى النعيم أن يطرف له جفن؟ الحكم من بعده سيؤول إلى ابنه، لا شك فى ذلك، أمريكا العظمى وعدته بهذا، مسؤول الأمن القومى بتلك الدولة العظمى قابله فى اجتماع خاص بنيويورك، كان معهما فى اللقاء الرئيس الأمريكى، وقتها قال له ذلك الرجل المتحكم فى أمن العالم: أمنك وسلامتك علينا، أعدك بأن ابنك سيكون خليفتك فى الحكم، نحن نضع الآن تصورا لكيفية تلك الخلافة، الأفضل أن تكون فى حياتك، لأنك إذا ما مت لا قدر الله فلن يسمح العسكر بتولية ابنك وسينقضون عليه، كما أن الشعب لا يتقبل توريث الحكم لابنك، سيحتاج هذا الأمر إلى جهود مضنية، ولكننا سننجح.
ظهر من حوارهم أن أمريكا عارفة ما يحدث داخل البلاد، ولكنها لا تعيرها التفاتا، «مصلحتنا أن تظل فى الحكم، فأنت أفضل من يرعى مصالحنا»، كانت هذه هى كلمات الرئيس الأمريكى له، ولكن سقف المعارضة ارتفع فى البلاد بشكل غير مسبوق، ظهرت الحركات الاحتجاجية فى البلاد، ولكن لا ضير، فكل الأمور تحت السيطرة: «لدينا جهاز أمنى لا مثيل له»، كان مجرد ذكر هذا الجهاز الأمنى يثير الخوف والرعب فى النفوس، كانت هذه الأجهزة تستخدم التعذيب المفرط وهى تستجوب المتهمين السياسيين، حتى إن البعض كان يسقط قتيلا من جراء التعذيب، وقتها كان من السهل تلفيق التقارير الطبية التى تسند الوفاة إلى سبب آخر غير التعذيب، ورغم الخوف والرعب الذى سيطر على قطاع كبير من الشعب فإن البعض امتلك الشجاعة والقدرة على التضحية، استمر سقف المعارضة فى الارتفاع، بدأت الطبقة المتوسطة تخرج من مكامنها فى مظاهرات احتجاجية على تلك الوهدة التى وقعت فيها البلاد سياسيا واقتصاديا وأمنيا، كان الليبراليون والعلمانيون والطلبة هم الوقود الذى أجج حالة الغضب، يا له من حاكم كنود ذلك الذى لا يبالى بالبطالة والتضخم واستشراء الفساد، ولا يلتفت إلى غضبة شعبه، إن الشعوب إذا غضبت خرجت، وإذا خرجت سقطت الأنظمة، لن تنفعه أمريكا، ولن تبكى عليه.
أما المفاجأة الكبرى فهى أن يد أمريكا لم تكن بعيدة عن تلك الاحتجاجات التى حدثت فى البلاد، أمريكا التى تساعد الحاكم وتدعمه، بل ظلت تدعمه عمره كله، فجأة ترتب للإطاحة به!! يا الله ما الذى يحدث فى هذا الكون؟ ما هذا العالم الغريب؟!! فى السياسة قد يستعصى الفهم فى بعض الأحايين، وفى السياسة أيضا قد لا تكون الصورة الخارجية هى الصورة الحقيقية، فللحقيقة أحيانا أكثر من وجه، وقد تكون كل الوجوه زائفة ما عدا الوجه الخفى الذى لا يراه أحد، الثورة قادمة قادمة، وإذا لم يكن من الثورة بد فمن الغباء أن تكون أمريكا بعيدة عنها.
قبل الثورة بأعوام قليلة بدأت أمريكا فى تقديم يد المعاونة لبعض الحركات الاحتجاجية، كانت هذه المعاونة تتم فى الخفاء، كل شىء فى الخفاء، بعيدا عن العيون، حتى عن عيون بعض الكبار فى البيت الأبيض، هذا نظام سيسقط حقا، كل علوم السياسة والاجتماع تؤكد ذلك، وقد كانت للخطايا التى وقع فيها «الطاغية» أكبر الأثر فى دفع الأمور ناحية الحافة، هذه هى منظمة العفو الدولية «التابعة أصلا للأجهزة المخابراتية البريطانية» تضع التقارير التى تدين إهدار هذا الحاكم الطاغية حقوق الإنسان، والنظام الأمريكى يهتم ظاهرا بهذه الحقوق، ويتحدث كثيرا عن الديمقراطية، والتداول السلمى للسلطة، اللسان الأمريكى بارع فى الكلام عن الحقوق، والنظام الأمريكى بارع فى هضم هذه الحقوق!! أمريكا أمة التناقضات.
كانت تقارير «العفو الدولية» بمنزلة حجر ثقيل، أمسكته جهات أمريكية كثيرة وأخذت تلوح به فى وجه هذا الحاكم المستبد، بدأت الأصوات فى أمريكا ترتفع: كيف لأمريكا راعية الحريات أن تدعم هذا الطاغية، ولكن الرسائل السرية التى كان يرسلها كبير مستشارى الأمن القومى فى أمريكا إلى هذا الحاكم كانت مطمئنة: «لا تجزع نحن معك، تلك الأصوات التى تهاجمك فى الإعلام الأمريكى لا تستهدف شيئا إلا الرأى العام فقط، إلا أن الناخب الأمريكى فى النهاية معنا فى سياسة دعمك لأننا كتبنا من خلال رجالنا فى الصحافة، وتحدثنا من خلال رجالنا فى الإعلام المرئى، أن بديلك هم الجماعات الإسلامية المتطرفة».
هدأ بال الحاكم، وقر عينا بهذا الذكاء الأمريكى فى معالجة الحوادث والأحداث، وزاد هدوء باله عندما قرأ التقارير التى قدمتها له جهاته الأمنية: «الأمور مستقرة، ولا تهديد للحكم، هذه المعارضة ما هى إلا مجموعة قليلة ليس لها أى تأثير»، ولكن الحاكم الذى ظن أنه فهم السياسة الأمريكية أوصى رجاله وإعلامه بتصدير صورة معينة، ليس القصد أن يتم تصدير الصورة للشعب فى الداخل، فالشعب لا يهمه فى شىء، ولكن النظام الأمريكى كان هو مقصده: «أمريكا لا تحب الإسلاميين، هل هناك من يشك فى ذلك؟! قولوا إن البديل لى هم تلك الجماعات المتطرفة، اكتبوا هذا فى كل مكان، واتركوا لهؤلاء الإسلاميين مساحة صغيرة للحركة، يجب أن تعلم أمريكا يقينا أن مصالح إسرائيل مهددة إذا ما وصل هؤلاء إلى الحكم»، تكون الطامة كبرى حين يظن الغبى أنه ذكى، هل هذا رأيك أيها «الطاغية»؟ أمريكا لا تحب الإسلاميين!! والإسلاميون يهددون مصالح إسرائيل!! يا أخى يجب أن تعلم أن كل شىء تحت السيطرة، الآن ثبت عليك قول الشاعر «يقولون هذا عندنا رأى.. ومن أنتم حتى يكون لكم رأى»!!
الأمور فى أمريكا مختلفة عن الذى يدور فى ذهن البسطاء، فقد كانت هناك ثمة اتصالات بالإسلاميين تجرى فى الخفاء، لا شىء فى العلن أبدا! وفى دائرة «البيت الأبيض» كانت هناك قلة هم من علموا بالاستراتيجية الكامنة وراء اتصالات المخابرات الأمريكية المستمرة برموز إسلامية، أعلاهم هو ذلك الرجل صاحب اللحية البيضاء، الذى سيصبح المرشد فى ما بعد، كانت المعلومات سرية للغاية، وليس من المقدر أن تصل هذه المعلومات إلى كل رجال السياسة فى إدارة الحكم، إذ كانت قاصرة على الرئيس الأمريكى وعدد محدود من المخابرات، ففى أروقة المخابرات لا تقدم المعلومات إلا على أساس «المعرفة على قدر الحاجة»، وعلى ذلك أدى بعض الموظفين فى درجات عادية لدى وزارة الخارجية، والبنتاجون، والمخابرات المركزية، عملهم فى إطار من السرية الجزئية أو التامة، وصلتهم التقارير الطبية التى تفيد أن الخازوق كما كانوا يطلقون عليه مريض بالسرطان، وأن جسده منهك بفعل المرض، وأن الذى يبقيه على قيد الحياة الرعاية الطبية الكبيرة التى يلقاها، الآن يجب ترتيب الأمور ليصل إلى الحكم حليف آخر، حليف سيبدو من صورته الظاهرة أنه من خصوم أمريكا، ومن أعداء إسرائيل، ولكن لا شىء فى السياسة محرم، والضرورات تبيح المحظورات، فلتستمر سياسة «الأقوال» فى طريقها الذى لا ينضب، فالأقوال لا تغير واقعا، وحين يصل الإسلاميون إلى الحكم لن يتغير شىء، وستستمر الحروب الكلامية، فقد تكون لهذه الحروب ضرورة أمريكية.
خطة المخابرات الأمريكية لمساعدة الإسلاميين للوصول إلى كرسى الحكم كانت تحت عنوان «?Why not» كبير مستشارى الأمن القومى هو العقل المدبر لها، والمتمم لآلياتها، كانت محاور الخطة الرئيسية تقوم على ضرورة استخدام «البطاقة الإسلامية» لزرع الفتنة فى المنطقة وتقسيمها، وفى سبيل التمهيد لذلك طلب مستشار الأمن القومى رسميا من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ إجراء «دراسة مستفيضة» على الأصولية الإسلامية، نظرا لما لها من «أثر سياسى متعاظم» فى أنحاء كثيرة من العالم، ووفقًا لما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» فإن مستشار الأمن القومى كان قبل ذلك قد وجه الأوساط الاستخبارية رسميا لعمل دراسة متعمقة على هذه الظاهرة.
لم يكن من السهل أن يلمح أحد أن خطة «?why not» أقيمت على فكرة استقرأها الفيلسوف والمؤرخ الإنجليزى الشهير برتراند راسل المتوفى عام 1970، كتب فكرته فى كتابه الشهير «أثر العلوم فى المجتمع» الذى خرج إلى النور عام 1951، قال برتراند راسل: «يتزايد سكان العالم حاليا بمقدار 58 ألف نسمة فى اليوم الواحد، ولم يكن للحرب -حتى الآن- أثر عظيم على الحد من هذه الزيادة، لقد ثبت أن الحرب مخيبة للآمال فى هذا الخصوص حتى الآن، لذلك يجب أن يبحث أصحاب العقول الراجحة عن وسائل بديلة للحرب بين الدول، حينئذ سيكون من السهل أن يتحول جزء كبير من العالم إلى قطعان من الفلاحين التى خبرها الأجداد فى القرون الوسطى، ويكون من السهل على الدول الصناعية الكبرى أن تقود العالم».
فكرة «ترييف العالم» وجعله سلة غذاء للدول الصناعية الكبرى، هى الفكرة التى استحوذت على عقل الإدارة الأمريكية، يجب أن يتحول البشر فى معظم العالم إلى قطيع من الفلاحين الأجراء، أو العبيد، كل عملهم هو إعداد «مائدة الطعام» للسيد الصناعى الكبير.
كيف تطورت فكرة برتراند راسل وأصبحت خطة كاملة؟ كان ذلك عام 1975، حيث «خرج إلى الوجود (مشروع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية لحقبة الثمانينيات)، وهو استقراء خططى للمستقبل جاء فى ثلاثين مجلدا، أما الذين شاركوا فى هذا العمل الضخم فهم أكبر العقول الاستراتيجية فى أمريكا، كان منهم سايروس فانس، وأنطونى سلومون، وهارولد براون، وبريجينيسكى».
يتلخص هذا المجلد الضخم فى كلمتين، هما «التفكيك المنضبط» لاقتصاد العالم، فكرة التفكيك هذه تقوم على إشاعة الفوضى الاجتماعية، والحروب الإقليمية بين الجارات، والحروب الأهلية فى الدولة الواحدة، وسيترتب على هذا زيادة نسبة الوفيات فى العالم، فى ما يشبه الإبادة، وستكون هذه الإبادة بيد سكان كل منطقة، لا بيد الدول الصناعية الكبرى، ولكى يؤتى المشروع ثماره يجب أن يكون تفكيك دول المنطقة عن طريق إشاعة الفتن الدينية والعرقية والحدودية، فلينقسم الشرق الأوسط إلى «سنة» و«شيعة»، ثم فلينقسم العالم السنى إلى أنصار الدولة الإسلامية وخصومها، ومن الأفضل تضخيم الروح العنصرية بين أبناء الدولة الواحدة، وليكن ما يكون.
ثم ماذا بعد؟ ما الذى سيحدث؟ وكيف سيستفيد «العالم الصناعى العملاق» من هذا الأمر؟ ستقوم حروب فى المنطقة لا شك، وفقا لنبوءة خطة التفكيك، وستشتعل فتن طائفية وعرقية حينما يتم تغذية مدخلاتها، وأكبر تغذية ستكون بتولية الإسلاميين الحكم فى بيئة صالحة للاضطراب والاشتباك العقائدى، ولكن هل ستجنى أمريكا من تلك الحروب أرباحا؟ الربح هو الذى يدير العقلية الأمريكية، هو المسيطر على طريقتها فى الإدارة، سواء كان الحكم عندهم «جمهوريا» أو «ديمقراطيا» فهو هو، أمريكا فى كل الأحوال هى المرابى «شيلوك» بصورته الحديثة المتطورة، هى المرابى الذى يريد اقتطاع أرطال اللحم من جسد العالم، وفى الشرق جسد على أتم الاستعداد لتقطيع لحمه، فكيف ستكسب أمريكا من سياسة تقسيم الشرق وتقطيع لحمه؟
كانت طريقة الاستفادة واضحة فى المجلدات التى احتوت على نبوءات أمريكا «الدولة الراسبوتينية» إذ ورد فى مجلدات النبوءة «أن النظام المالى والاقتصادى العالمى يحتاج إلى إصلاح كامل بما يضمن وقوعه تحت إدارة عالمية واحدة، بما يضمن القضاء على مفهوم الدولة الوطن وخلق مفهوم آخر يقوم على إشراف عالمى موحد يكون فى يد الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولى (الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولى هما فى الحقيقة جهات مخلوقة من رحم أمريكا الشيلوكية).
ولكى يتحقق مفهوم الإشراف العالمى يجب أولاً تقسيم العالم إلى مناطق أو تكتلات منفصلة، ثم يتم إدخال منطقتنا فى أزمات اقتصادية طاحنة تستنفد موارده وثرواته، حينئذ تكون لصندوق النقد الدولى سيطرة شبه مطلقة على تدفق العملة الأمريكية والأوروبية، ولن يتم ذلك إلا إذا تم تقسيم دول الشرق إلى مناطق صغيرة متحاربة».
استطردت النبوءة الراسبوتينية فى شرح النتائج، فقالت «سينشغل العالم الشرق أوسطى بنفسه، وسيندمج فى صراعاته، ولن يلتفت إلى تطوير نفسه وتحديث معارفه، وسيعود حتما للوراء عشرات السنين، وبذلك سيظل فى حاجة شديدة إلى دعم أمريكا له عن طريق مؤسساتها، وسيظل تابعا ذليلا لا يستطيع أن يبرم أمرا إلا من خلالنا، وسنضع الرؤساء ونستقدم الحكام كما نشاء، وسيجبرهم صندوق النقد الدولى على اتباع السياسات الاقتصادية التى نريدها».
انتهت الخطة المرسومة وجاء وقت التنفيذ، الآن جاءت ساعة الجد، وما كان يتم فى الخفاء جاء الأوان ليصبح فى العلن، فحين ظهر أن الطاغية سيرحل سيرحل، أعلن مستشار الأمن القومى عن رؤيته على الملأ، فقال: إن واشنطن سترحب بقوى الصحوة الإسلامية فى الشرق الأوسط، لأن القوة الإسلامية، كفكرة عامة أيديولوجية معارضة بطبيعتها للقوى السائدة فى المنطقة.
وبعد هذا التصريح أرسل مستشار الأمن القومى للطاغية رسالة مفعمة بالمحبة: لا تقلق نحن معك، ولن يستطيع أحد تحريكك من فوق كرسى الحكم، نحن نرتب لكى يكون ابنك هو الحاكم القادم، إلا أن قلب الطاغية ارتجف لأول مرة، وكرسى الحكم من تحته ارتجف، وها هى الثورة تشتعل فى البلاد، خرجت الجماهير فى مظاهرات صاخبة فى ذات التوقيت فى كل المحافظات، وقفت المظاهرات فى الميادين الكبرى، لن يحركها أحد حتى يسقط الطاغية، كانت الهتافات الغاضبة تطالب بسقوط النظام، وترفع شعارات «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية» يبدو أن هذا الشعار كان موحدا فى كل الثورات، فقد كان هو بعينه نفس الشعار الذى هتفت به الجماهير الثائرة إبان ثورة الشعب الروسى عام 1917، لم تكن الثورة آنذاك «بلشفية»، ولكنها كانت لكل الشعب ثم استولى عليها الشيوعيون.
الثورات مثل البركان، لا يستطيع أحد التحكم فى فوهتها إذا انطلقت، لذلك حينما تحركت مظاهرات ضخمة ضد الطاغية فى أواخر يناير، وازدادت حدة فى فبراير، قامت الثورة على «الطاغية» ونظامه، لم يستطع الأمن على كثرته إيقاف هذا الغضب الهادر، فكان أن سقط الطاغية، ومن بعده آل الحكم إلى زمرة الإسلاميين، لندخل إلى المرحلة الأولى من تجريف البلاد.
انتظر لا تغادر هذه الصفحات سريعا، بل عد لقراءتها مرة ثانية، فالحديث لم يكن متعلقا بثورة مصر ضد نظام مبارك، ولكننى كنت أتحدث عن الثورة الإيرانية التى نشبت عام 1979 وترتب عليها حكم الملالى وآيات الله، أبطال هذه الحكاية الحقيقية هم شاه إيران محمد رضا بهلوى، والرئيس الأمريكى كارتر، وبريجنسكى كبير مستشارى الأمن القومى الأمريكى فى ظل حكم كارتر، وما زالت له حتى الآن هيمنة على سياسات الإدارة الأمريكية، جنبا إلى جنب مع كيسنجر الداهية، يبقى أن تعلم أن الجهاز الأمنى لبهلوى الذى كان يثير الرعب فى النفوس هو السافاك، والابن الذى كان محمد رضا بهلوى يريد توريث الحكم له هو ولى عهده الشاب وقتها «رضا بهلوى» ابن الإمبراطورة «فرح ديبا».
أما طائفة الإسلاميين التى وصلت إلى الحكم من بعد بهلوى فهى مجموعات الملالى وعلى رأسها «الإمام الخمينى» وقطعا ستعلم أن الشيخ صاحب اللحية البيضاء الذى تواصلت معه أمريكا عن طريق أجهزة مخابراتها هو الخمينى الذى أطلق على نفسه بعد أن وصل إلى الحكم لقب «المرشد الأعلى»!!، وكان من تخطيط المخابرات الأمريكية لدعم الثورة الإيرانية التى أطلقوا عليها «الإسلامية» ترتيب لقاء بين الخمينى الذى كان فى منفاه فى فرنسا، وبين بعض قيادات الإخوان المسلمين كان على رأسهم يوسف ندا، صاحب الأدوار العالمية الغريبة، ومن بعد هذا اللقاء كان الدعم الإخوانى لثورة الخمينى، إذ لم يعرف العالم السنى تأييدا لهذه الثورة الشيعية من حركة تنتسب إلى أهل السنة غير الإخوان!
وقد كان بريجنسكى كبير مستشارى الأمن القومى فى عهد كارتر هو صاحب خطة تسليم الحكم للإسلاميين والمشرف على تنفيذها.
ثروت الخرباوى يكشف.. «2» فلسفة الثعبان المقدس «أئمة الشر.. الإخوان والشيعة»
الثورة الإيرانية لم تنطلق من مساجد طهران لكنها بدأت من معهد «تايفيستوك» البريطانى للعلوم السلوكية وتصنيع الرأى العام
متى بدأت إرهاصات الثورة الإيرانية؟ لم تبدأ من الشارع الإيرانى، ولم تبدأ من المساجد، إذ كانت الاحتجاجات خافتة الصوت والأثر، ولكن بدأت إرهاصات الثورة الخمينية من معهد «تافيستوك» البريطانى، الذى يضم نخبة متميزة من علماء «السلوك» وقد كان هذا المعهد من خلال خبرائه متخصصا فى تصنيع الرأى العام، وتشكيل الوعى فى الاتجاه الذى يريدون، وذلك من خلال وسائل غسيل مخ جماعية، وخلق حالات اجتماعية وسياسية يسهل من خلالها السيطرة على الجماهير، إذن ماذا فعل معهد «تافيستوك» بخصوص ثورة إيران؟
(بدأت فرق من الإخصائيين النفسيين الاجتماعيين من معهد تافيستوك فى تحديد خصائص «الثورة»، معتمدين فى ذلك على تجارب سابقة تخص عملية الغسل الشامل للأدمغة، وجد هذا المعهد إجابات لأسئلة كثيرة، كيف سيستجيب الإيرانيون إلى دعوة تصدر من ملا عاجز طاعن فى السن تحركهم للثورة؟ كيف سيستجيب لذلك أهل الريف، أو العمال المهرة أو الطبقة الوسطى، أو المفكرون؟ وأى أسلوب أنفع للطلاب للزجّ بهم فى الثورة؟ وما نقاط الضعف لدى الشرطة والقوات المسلحة؟ كل ذلك كان لا بد من تحليله ووضعه فى الاعتبار، وقد كان الفريق الذى أسندت إليه تلك القضية رجالا مخضرمين فى أساليب الحرب النفسية المتقدمة، وقد استقدموا فى معهدهم الخبير «مارفن زونيس» الأستاذ بجامعة شيكاغو الذى ألف كتاب (النخبة السياسية فى إيران) لوضع تقارير إيضاحية لطريقة التصرف التى يمكن أن تسلكها الطبقات الإيرانية ومجموعات معينة من الشعب تجاه تفعيل الاحتجاج ونقله إلى خانة الثورة).
لا بد أن غطرسة الشاه وثقته بقوته وظنه أن إيران فى عهده هى جزيرة الاستقرار فى المنطقة، كان لها أكبر الأثر فى نجاح الثورة، كما أن ثقته التى كانت فى غير محلها فى جهازه الأمنى «السافاك» كانت هى التربة الخصبة التى تحركت فوقها الثورة، وكان اغترار الرجل بأمريكا هو المسمار الأخير فى تابوت جنازته! ولأن «السياسة خداع» فقد مارس الرئيس الأمريكى كارتر عملية خداع الشاه على أعلى مستوى، إذ قال فى عام 1978 وهو يناصر الشاه: إن إيران هى جزيرة الاستقرار فى الشرق الأوسط المضطرب، فهل من بعد تصريحات كارتر هذه مكان للقلق؟! فى السياسة يجب أن يتحول جسدك كله إلى عيون، فلا أمان للدول العظمى، ولا أمان للأصدقاء والرفاق، ولكن بهلوى كان يجهل هذا، لذلك غفل عن الذى كان يجرى فى السر، ووضع فى بطنه «بطيخة أمريكانى». ومن الغريب أن فريق بريجنسكى كان ينفذ على قدم وساق وقت تصريحات كارتر المطمئنة للشاة خطة (why not?) التى كانت تستهدف الإطاحة بالشاه صاحب التاج من فوق الحافة واستبدال العمائم السوداء به.
وحين لا تحسب حسابا لشعبك فإنك مغادر بلا شك، لذلك فإن أمريكا ومخابراتها لم يكن فى إمكانها التخلص من الشاه لو كان متحصنا بشعبه، لو كان عادلا وشريفا، ولكن الحكام فى معظم دولنا يتحصنون بأمنهم وجيشهم، ومن فوق هذا وذاك «أمهم أمريكا»، فإذا تآمر عليه جيشه وجهازه الأمنى، وتخلت عنه أمريكا، فإن الشعب الذى ضج منه سيخلعه كما يخلع الرجل خاتمه، لذلك أخذ موقف الشاه بهلوى يزداد سوءا بعد سوء قبل عام من الثورة حين سكت عن الفساد، وأصم أذنيه عن استقبال أصوات شعبه المطحون، ثم عمد إلى تغيير ببعض الوزراء من أصحاب الكفاءة والشعبية آخرين، كما كان الحال مع رئيس الوزراء عباس أمير هويدا، ليعين بدلا منه جمشيد أموزيجار الذى شغل من قبل مناصب وزارية متعددة، وحين وضع أموزيجار قدمه على رأس الوزارة اتبع سياسة تحويل الاستثمارات إلى الزراعة بعيدا عن الصناعة والتكنولوجيا المتطورة، وفوق ذلك كله اتخذ أموزيجار موقفا معاديا مستفزا تجاه رجال الدين الملالى، كأنه يريد إثارتهم وتحريك مشاعرهم ضد الشاه! وكان من سياساته الغريبة التى انتهجها هى وقف الأموال التى كان يدفعها النظام آنذاك إلى رجال الدين، وعلى ما يبدو كان أموزيجار مصمما على إدخال الشاه فى عش الدبابير! وبذلك خرج رجال الدين من كهوفهم وسراديبهم، وهجروا تحالفهم السرى مع الشاه الذى أخذ يناصبهم العداء من خلال رئيس وزرائه، وبهذا ضمنت المخابرات الأمريكية ومعها معهد تافيستوك البريطانى دخول رجال الدين إلى رقعة الثورة التى بدأت تزداد اتساعا، ولعل الصورة واضحة الآن، فرئيس الوزراء الجديد أموزيجار البهائى ذو الأصول اليهودية، الذى تلقى تعليمه فى أمريكا، والذى تخرج فى جامعة «كورنيل» بنيويورك، كان مبعوثا خفيا لتأجيج حالة الغضب ضد النظام، كانت تصرفاته الظاهرة تبدو للذى يرى الصورة الخارجية كأنه يدافع عن نظام سيده الشاه ضد «القوى الظلامية»، فى حين أن الصورة الخفية تختلف كثيرا فى تفاصيلها، ويبدو أن معهد تافيستوك «السلوكى»، كان بارعا فى توجيه أموزيجار لاتخاذ قرارات بعينها، من شأنها أن تزيد من حالة الغضب وتوسع من رقعته، وكان أسوء ما فعله أموزيجار ضد الشاه، وأفضل ما فعله لصالح الثورة، هو قيامه عام 1978 بإصدار أوامر للشرطة بالإغارة على منزل الزعيم الدينى «آية الله شريعتمدارى»، كان هذا الزعيم الدينى صاحب شعبية كبيرة، وهيمنة روحية على الشيعة، فقد كان مرجعا دانت له بالتبعية شيعة إيران والعراق ولبنان وباكستان والهند، فإذا بأموزيجار البهائى يوجه إهانة شديدة للشيعة باقتحام منزل رجل دين من طراز رفيع! كانت تصرفات أموزيجار دافعا كبيرا للثورة عن طريق إثارة سلوك المتدينين ودفعهم إلى الغضب، وكان أن أقال الشاه أموزيجار فى أغسطس عام 1978، إلا أن هذه الإقالة لم تساعد على تهدئة الشارع ولا تهدئة الملالى وتسكين ثائرتهم.
كل ذلك كان مدعاة لتفجر السخط العارم، وقد بدا الشاه مع ذلك كأنه غير مبال بالبركان الذى ينشط على مقربة منه شيئا فشيئا، يكفيه اطمئنانا أن صديق طفولته حسين فردوست، هو الذى يدير جهاز المخابرات الإمبراطورية «السافاما» وقد كان قبلها وكيلا للجهاز الأمنى الخطير «السافاك» وفردوست رجل أمن من طراز رفيع، ومعه لا يمكن أن يخشى الشاه على ملكه، ولكن فى عالم السياسة لا ينبغى لحاكم أن يثق بصديق طفولته ثقة مطلقة، بل ينبغى أن يسير معه بعيون مفتوحة، فالقلب قُلَّب، والنفس قلابة، إلا أن الشاه لم يكن عارفا بعلوم النفس البشرية وخباياها، فظل على حاله يثق ثقة كاملة بجهاز السافاك، وجهاز السافاما، وكان ذلك هو أكبر أخطائه جميعا، ولا شك أن آلام الشاه كانت مضنية إلى حد كبير، لم يكن ألم الجسد الذى استشرت فيه الأورام السرطانية هو الذى يقض مضجعه ويسهر لياليه، ولكن ألم الخيانة هو الذى يدوم ولا ينقطع، تهون آلام الجسد أمام آلام النفس، فآلام الجسد مهما كانت تخدرها المسكنات، ولكن آلام النفس لا مُسكن لها.
كان الخائن الآخر الذى اغتنم الفرصة وطعن الشاه هو صديقه بهبهايان، الذى كان يستثمر له أمواله فى أوروبا، كانت ثروة الشاه طائلة، وكان بهبهايان رجل تجارة حاذقا، وتابعا أمينا للشاه، ولكن هذا الصديق المخلص انتهك صاحبه، إذ بعد الثورة وفقا لشهادة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل قال للشاه: لقد ضاع من ثروتك سبعين مليون دولار، صرخ الشاه: ويلك، أين ذهبت؟ هل وقعت فى بلاعات المجارى! ولم يتلق الشاه إجابة فقد هرب صديقه بهبهايان وسكرتيرته وهو يحمل معه الملايين والمجوهرات، كأنه وقع على كنز «على بابا»، ولكننا لم نكن نعلم أن على بابا لص، نعم كان على بابا لصا ولكننا فرحنا بسرقاته لأنه كان يسرق من لصوص.
هل التاريخ يكرر نفسه؟ لا أظن، ولكننا لا نعتبر من أخطاء السابقين فنقع فى مثل ما وقعوا فيه، فنكرر نحن التاريخ ولا يكرر هو نفسه، فى مسرحية «يوليوس قيصر» لشكسبير يقع قيصر مضرجا بدمائه من طعنات المتآمرين الذين دعوه إلى اجتماع فى مجلس الشيوخ، وكانت لحظة فارقة، ودهشة مذهلة أصيب بها قيصر عندما تقدم منه صديق عمره «بروتس» فيطعنه الطعنة القاتلة، تحشرج صوت يوليوس قيصر وهو ينظر بأسى وألم إلى صديق عمره، وأغمض عينيه حتى لا يرى الحقيقة وهو يقول: حتى أنت يا بروتس!! «Even you، Brutus» أراد بروتس أن يبرر لنفسه فعلته فقال: إنى أحبك ولكننى أحب روما أكثر، فارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه قيصر الحزين وقال: إذن فليمت قيصر.
ليس قيصر فقط هو الذى تعرض للخيانة، بل ظل البشر يكررون قصص الخيانة، ولا يزالون يكررون، فنظن أن التاريخ يُعيد نفسه، ولكننا نحن الذين نستعيده ولا يستعيد هو نفسه.
ترى هل كان حسين فردوست صديق العمر للشاه هو بروتس العصر الحديث؟ ولد فردوست عام 1918 فى طهران من أسرة عريقة فى المجال العسكرى، إذ كان والده ضابطا فى قوات الدرك وكان هو مولعا منذ صغره بالعسكرية، وعندما حل عام 1925 التحق فردوست ابن السبع سنين بمدرسة «نظام» الابتدائية، وهى مدرسة كانت مخصصة لأبناء الصفوة، وفى العام نفسه التحق الطفل الصغير محمد رضا بذات المدرسة، ولأن الطفل الصغير رضا لم يكن له أصحاب، وكان والده قد أصبح إمبراطورا لإيران وأعطى لنفسه لقب «بهلوى»، وابن الإمبراطور ينبغى أن يكون له أصدقاء من أبناء «طبقة النبلاء والعسكريين الكبار»، فلذلك وقع الاختيار على الطفل حسين فردوست كى يكون صديقا لابن الإمبراطور، وكان من ضمن معايير اختيار فردوست لكى يكون صديقا لابن الإمبراطور أنه كان من أذكى تلاميذ المدرسة، ومنذ ذلك الحين أصبح فردوست صديقا لمحمد رضا ومخزنا لأسراره.
ولأن لا شىء يبقى على حاله فى هذا العالم، والله سبحانه وتعالى يُغيّر ولا يتغير، جاء عام 1941 المؤلم للإمبراطور الأب رضا بهلوى، ففى هذا العام دخلت قوات الحلفاء إلى إيران فقامت هذه القوات بنفى الإمبراطور رضا خان بهلوى من البلاد، وحولت مسؤولية الجيش إلى الابن محمد رضا بهلوى، الذى قام بتشكيل لجنة عسكرية عليا لدراسة تقدم الحلفاء، وكان من الطبيعى أن يكون فردوست الصديق الصدوق لمحمد رضا عضوا رئيسيا فى هذه اللجنة العليا.
كان نفى الإمبراطور مقدمة لخلعه من الحكم وتولية ابنه الشاب الصغير، وحدث هذا بالفعل، وأصبح الابن محمد رضا إمبراطورا لإيران، وحين نظر الإمبراطور حوله وقع فى حيرة، بمن يستعين؟ وعلى من يستند فى رحلة الحكم؟ إلا أن حيرته لم تدم طويلا، فقد كان برفقته الصديق المخلص حسين فردوست فكان أن جعله مديرا لمكتبه ومستشارا له وأنيسا لوحدته، ولم يخيب فردوست ظن الشاه الجديد فاضطلع بدور كبير فى رفع معنوياته ودعم نفسيته، ثم ارتقى لدور أكبر من ذلك فكان أن أصبح بين ليلة أو ضحاها همزة وصل بين الشاه قليل الخبرات وبين البريطانيين.
ولم يمر عام على تولية الشاه الشاب الجديد حتى قام فردوست بتأسيس الحرس الملكى لحماية الشاه وقصوره، ومع مهام حراسة الشاه وقصوره وحكمه كله وضح أن ثقة الشاه بفردوست أصبحت متنامية فوصلت إلى مدى لا سقف له، وكان من ناتج هذه الثقة أن أسند له الشاة ملفات أخرى فأصبح ممثلا له إبان حركة تأميم النفط، وبعد انقلاب عام 1953 أدرك الشاه بتوصية من بريطانيا أن تأسيس جهاز أمنى سرى سياسى له أهمية قصوى للحفاظ على حكمه، فكان فردوست هو أحد الكبار الذين قاموا بتأسيس «السافاك»، وتلقى من أجل ذلك هو وآخرون تدريبات مكثفة فى المخابرات البريطانية، ومن وقتها أصبح فردوست وكيلا ل«السافاك» وأصبحت المخابرات البريطانية هى المشرفة المباشرة على «السافاك»، وعندما استشعر الشاه أن الأمور فى إيران سريعة التأزم ففكر ودبر، ثم طلب من صديق عمره فردوست أن ينشئ جهازا مخابراتيا تكون سلطاته أعلى من «السافاك» نفسه، على أن تكون مهمته الرئيسية التجسس على الملالى والطبقات العليا فى المجتمع بكل أشكالها السياسية، فأنشأ فردوست جهاز السافاما، الذى كان بمثابة السياج الأمين للشاه، كان هذا الجهاز هو أعلى قمة الهرم الإدارى لجميع المؤسسات الأمنية والمخابراتية فى البلاد بما فى ذلك «السافاك»، لذلك كان «السافاما» هو عين وأذن محمد رضا بهلوى.
ولكن من الذى قال إن حسين فردوست كان بروتس الذى طعن قيصر العصر الحديث محمد رضا بهلوى؟
أدرك الشاه متأخرا الدور الذى قام به صديقه فردوست فى تأجيج الثورة، عرف متأخرا أن فردوست كان يؤلب عليه كبار ضباط الجيش والمخابرات، وكان يقول لبعض من يثق بهم من تلك القيادات «لقد قرر الأمريكان التخلص من الشاه، علينا أن ننجو بأنفسنا، أتراك تلحق بنا؟».
أدرك الشاه وأخته الأميرة «أشرف» بعد قيام الثورة أن الجنرال فردوست كان هو الخائن الأكبر، كان هو يهوذا الذى سلمهم لثورة الخمينى، وقد ذكرت الأميرة أشرف فى كتابها «وجوه فى المرآة»، الذى سجلت فيه أحداث الثورة وأسبابها: أن المساجد قبيل الثورة مباشرة كانت هى المسرب الذى تخرج منه المظاهرات المناوئة للشاه، ثم أضافت الأميرة أشرف وهى تبدى تعجبها: «الغريب أن (السافاك)، وهو البوليس السرى الذى يعمل لمصلحة الشاه، والمفترض أن يكون المصدر المخابراتى الذى على دراية ومعرفة بكل شىء، فضلا عن (السافاما)، الذى كان تحت قيادة مباشرة من فردوست لم يعد أى منهما تقارير عن المدى والأسلوب الذى اتبعه الملالى فى استغلال المنابر لتقويض العرش، وكان فردوست هو القناة التى تصل من خلالها المعلومات الحيوية العليا إلى أخى، وإننى على قناعة بأن فردوست كان يخفى معلومات حيوية على الشاه، وأنه إلى ذلك كان يجرى مداولات مكثفة مع الخمينى خلال السنوات الأخيرة للنظام».
سقط الشاه، خرج من الرقعة، ومن سقوطه عرفنا أنه كان مجرد قطعة يحركها لاعب خارجى، وإذ خرج الشاه من اللعبة كان لا بد أن يدخل «الفيل صاحب اللحية» بدلا منه ليحركه أيضا ذات اللاعب ولكن بطريقة مختلفة، ففى كل حين تتغير قواعد اللعبة وقوانينها، ومن لا يدرك تلك القواعد لا بد أن يخرج، وقد يخرج حتى ولو كان مدركا ما دام دوره الذى كان يؤديه قد انتهى.
لم يكن فردوست وحده هو أداة أمريكا والمخابرات البريطانية فى تنفيذ خطة «بريجنسكى»، فقد عرف الشاه وشقيقته القوية الأميرة أشرف أن بلاط الحكم كان قد امتلأ عن آخره بنسخ متكررة من بروتس، أو يهوذا، ولم يكن فى طوق الإمبراطور أن يتجنب طعناتهم، حتى بهبهايان الصديق الذى كان يستثمر الأموال كان أحد الطاعنين، إذن فليمت القيصر رضا بهلوى.
فى ليلة مظلمة بينما الشاه فى منفاه ببنما، أخبره أحد الأصدقاء بأن محكمة أمريكية قد تم استدعاؤها ليلا على عجل لتحكم بتسليم الشاه للخمينى كى تساومه أمريكا على قضية الرهائن، تحير الشاه، كيف يتصرف؟! هو الآن فى بيت عتيق سمحت له به أمريكا، وبنما حليف تابع للأمريكان «الصديق الغادر» ألا يوجد صديق وفىّ فى هذا العالم؟! برق فى ذهنه خاطر، هناك أنور السادات رئيس مصر، هو رجل وفىّ وصديق مخلص، وله أخلاقيات نادرة فى هذا الزمن، أظنه لن يتوانى عن مساعدتى.
توجه الشاه وأسرته إلى المطار فورا، وركب الطائرة إلى القاهرة بعد أن كان قد اتصل بالسادات، وفى المطار التقى السادات وبكى فى حضنه وهو يقول: هل تصدق أن أمريكا كانت تعتبرنى خازوقا، لقد عرفت هذا فى الطائرة التى أقلتنى إلى هنا، حيث أطلقوا على طريقة خروجى من إيران بعملية خروج الخازوق (من مقال لهيكل).
دخل الشاه مستشفى المعادى، وخصص له السادات قصر القبة الرئاسى ليقيم فيه وأسرته، ولكن القدر لم يمهله ليرى ما الذى سيحدث فى بلاده، كان عمره قد انتهى فى الموعد والطريقة التى حددها الله سبحانه وتعالى، وكان الفيل الأسود صاحب اللحية والعمامة قد دخل إلى الرقعة، ليحركه اللاعب الخارجى بالطريقة التى يشاء، وليثير أشد القلاقل فى الخليج العربى، وليجعل القوس الخليجى فى احتياج دائم لشرطى العالم الذى لا يتحرك إلا بالوقود والمال، ليحميه من بلطجى المنطقة الذى يرفع راية «الشيعة»، فتقع قلوب العالم السنى ومركزه المملكة العربية السعودية خوفا من حيل الشيعة ودهائهم ورغبتهم العارمة فى تشييع أهل السنة، وفى الخليج أدرك أهلها أن الجيش الأمريكى سيتخذ الخمينى ذريعة لتوسيع وجوده فى المنطقة، ولكن ما قيمة الإدراك وقواعد اللعبة لا تحفل بالشعوب ولا الحكومات، ما قيمة الإدراك وخريطة العالم لا تهتم إلا بالقوى، فالرأى رأى القاهر الغلاب كما قال أبو القاسم الشابى فى قصيدته الرائعة «فلسفة الثعبان المقدس»، التى قال فيها:
لا رأى للحق الضعيف ولا صدى *** والرَّأى رأى القاهر الغلاب
كان تنصيب الخمينى والملالى على إيران بمثابة أنبوبة اختبار، كان فى أفكارهم أن الخمينى سيؤدى إلى تفسخ الشرق الأوسط بأكمله، ومن بعده يأتى الإخوان فى مصر ودول ثورات الربيع من السجن إلى القصر، فتستحيل المنطقة إلى حلبة مصارعة حرة دموية، فإذا ما تم لهم ذلك كان من السهل على الثعبان المقدس أن يبتلع الشحرور المغرد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.