شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    شاهد.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا ثريا عبد القادر تحتفل بنجاح "بازارها" بصورة رومانسية مع زوجها    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    عثمان ميرغني يكتب: "إن جِئْتُم للحق.. أفريقيا على حق".    "Jackpotting".. كيف يستولي قراصنة على الصراف الآلي وأين بدأت هذه الهجمات؟    الإمدادات الطبية: وصول أول دعم دوائي مركزي لجنوب كردفان بعد فك الحصار    3 ميزات متوقعة في آيفون 18 برو بفضل شريحة " C2″ الجديدة    "ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    (سبتكم أخضر ياأسياد)    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدستور المرتقب وجدل العلمانية ، الشريعة والدولة المدنية
نشر في آخر لحظة يوم 12 - 12 - 2011

أضحى سودان مابعد إنفصال جنوبه كياناً مختلفاً عما كان عليه قبل ذلك وهذه حقيقة عبر عنها بعضهم وأسبقهم النائب الاول للرئيس بالجمهورية الثانية ، إستعارة من أدبيات السياسة الفرنسية. وبغض الطرف عن أى تحفظ يمكن إثارته حول مصطلح الجمهورية الثانية للتعبير عن الحالة السودانية وبعيداً عن الاصطراع حول ألالفاظ ، فلا جدال فى أن القطر الجديد مختلف عن سابقه ليس فقط فى ما هو معلوم بداهة وقابل للقياس المنضبط مثل المساحة وحجم السكان بل أيضاً فى المعطيات السياسية ، إلاقتصادية ، الاجتماعية ، الثقافية وغيرها التى تختلف التقديرات حولها. وبسبب من اختلاف التقديرات حول هذه المعطيات من حيث درجة واتجاه تأثرها سلبا أو ايجاباً ، فإننا نلج مرحلة سودان ما بعد إنفصال الجنوب بتباين واضح حول المرتكزات الدستورية والسياسية والثقافية للدولة الجديدة. ولا يلزم المراقب رهق ليرصد من خلال الخطاب السائد إتجاهين رئيسين فى هذا الصدد فاتجاه الاول هو ذاك الذى يرى ان انفصال الجنوب قد وضع حداً للتذرع بالتعدد إلاثني والدينى والثقافى كقيد على الهوية العربية الاسلامية للسودان. ولعل أوضح تعبير عن هذا الاتجاه ما كان قد ورد فى خطاب رئيس الجمهورية فى ديسمبر من العام الماضى بمناسبة أعياد الحصاد بولاية القضارف والذى أثار حينه جدلاً واسعاً كما هو معلوم. أما الاتجاه الاخر فهو الذى يرى ان واقع التعدد ما يزال قائما بالرغم من انفصال الجنوب ويتعين التعاطى مع هذه الحقيقة فى الشأن العام. وبداهة فإن لكل من الاتجاهين مقتضياته على الاصعدة الدستورية والسياسية وما يتبعها. إن وجود هذين الاتجاهين يعنى أننا نقف مجدداً على منصة تأسيس دولة السودان كما كان الحال غداة الاستقلال ولئن انتهت مسيرتنا الوطنية منذ الاستقلال الى إنفصال الجنوب وذلك حصاد مر لخطايا سياساتنا فى مختلف مراحلها فحرى بنا ان نتجنب فى بناء الدولة الجديدة الارتجالية التى إنتهت بنا لما أسميناه الرسوب فى هندسة بناء الامة ، وكان ذلك عنوانا لمقال نشرته لنا صحيفة الحرية عام 2002م .ولا سبيل أمامنا لتجنب الارتجالية لتلافي المزيد من الانشطارات التى ما تزال أخطارها محدقة ، سوى إخضاع القضايا الجوهرية لحوار صادق وعميق عوضا عن ترديد الشعارات المعممة والمسلمات الاعتباطية التى ما اغنت عن الحق شيئاً بدليل المآل. ولأجل هذه الغاية تأتى هذه السلسلة من المقالات التى نطرح فيها رؤى عامة حول بعض القضايا التى نحسبها محورية على أمل ان يتم حولها حوار جاد تفصيلاً لما يُجمل وتقويما لما يطرح من آراء. نطرح فى هذه الحلقة على أمل إثارة النقاش حولها آراء فى موضوع يفوق تعقيداً مسألة الهوية التى تناولناها فى الحلقة الاولى. يأتى ذلك فى وقت يدور فيه الحديث عن دستور جديد للبلاد يخلف الدستور الانتقالى لسنة 2005م . وعلى ذمة صحف الخرطوم التى أوردت الخبر فقد صرح رئيس الهئية التشريعية القومية بأن مشروع الدستور الجديد سيودع منضدة الهيئة فى الدورة التشريعية القادمة . وإن صح ذلك فإنه دليل عجلة لا مبرر لها فى قضية جوهرية تتطلب التروى والإتقان . فبعد كل التجارب المريرة التى مررنا بها منذ الإستقلال والتى أفضت لإنفصال الجنوب فإن القانون الأعلى ينبغى أن يعد ويجاز على أكبر قدر من التراضى ولا سبيل لذلك سوى حوار واسع وعميق فى مناخ ديمقراطى يتيح المشاركة الفعالة لمكونات الوطن السياسية والإجتماعية . نقول ذلك مستذكرين أن الدستور الإنتقالى الحالى لا يفرض مثل هذا التعجل لأنه لا يضع قيداً زمنياً لإقرار البديل.
فقد نصت المادة 226 (9) من هذا الدستورعلى: (يحكم هذا الدستور الفترة الإنتقالية ويكون خاضعاً لأى تعديل أو مراجعة وفقاً للمادة ( 224 ) ويظل سارياً إلى حين إعتماد دستور دائم ) . وإذا كان من حسن السياسة ومتطلبات ثبات الدستور أن يحظى بأكبر قدر من الرضا فلا يستقيم التعجل فى أمره فى وقت تشهد فيه أقاليم مهمة صراعات مسلحة ما يهمش دورها فى الحوار حوله. ومهما يكن من شىء فمن المجدى بسط النقاش حول قضايا الدستورالجوهرية ولعل منها العلاقة بين الدين والدولة والتى لم يجعل إنفصال الجنوب منها أمراً سهلاً وإن جعله أقل تعقيداً. ويدور الجدل فى هذا الخصوص كما هو معلوم بين أطروحات العلمانية ، الشريعة والدولة المدنية . ونسجاً على ذات المنوال الذى تناولنا به مسألة الهوية نتعرض بالمناقشة لهذه الأطروحات لننفذ من ذلك للرؤية التى نراها ملائمة لأحوالنا. ونبدأ بمناقشة أطروحة العلمانية التى تستهوى تيارات شتى تشمل على وجه الخصوص غير المسلمين ، اليساريين ، الليبراليين ، وجماعات من النخب المهمومة بقضايا الهامش . ونسعى فى إطار هذه المناقشة للإجابة على أسئلة مهمة من قبيل ، هل توجد وصفة متفق حولها لمفهوم العلمانية؟ ، مدى إنطباق العلمانية كيفما عبر عنها على الواقع؟ وما مدى صدقية التلازم أو شرطية العلاقة بين العلمانية وقضايا اليمقراطية ، حقوق الانسان وحقوق الأقليات كما يزعم بعض سدنتها؟ وقبل الخوض فى هذه الاسئلة نشير الى أن الآراء التى سنوردها فى هذا الصدد ليست جديدة تماما اذ قد طرحناها قبلاً فى مقالات عدة وفى صحف مختلفة كان آخرها مقالنا المعنون (حول الأصولية العلمانية ) الذى نشر بصحيفة أجراس الحرية قبل نحو من عامين وقد حظى ذلك المقال فى حينه بتعليقات مبتسرة ساهم بها إثنان من دعاة العلمانية المرموقين هما الاستاذ خالد فضل والاستاذة رشا عوض ونأمل ان يكون حظ المناقشة لعموم هذا الموضوع أوفر هذه المرة. ونعود للأسئلة التى أثرناها آنفاً ونتناولها بالترتيب الذى طرحت به .وبخصوص السؤال الأول نقول بعدم وجود وصفة محددة المعالم للعلملنية خاصة اذا تجاوزنا التنظير الى الممارسة . ويروق لسدنة العلمانية فى العالم الإسلامي ان يصفوها بكونها تحييد للدين فى السياسة . وبالرغم من أن هذا الوصف لا ينطبق بشكل مطلق على الواقع فى أى مكان فى العالم حسب رأينا والذى سنوضحه لاحقاً، فإنه ينطبق نسبياً فى الدول الغربية ولكن ليس فى ممارسات العلمانية فى العالم الاسلامي. فتجارب العلمانية فى العالم الاسلامي فى جلها إن لم يكن كلها ليست مجرد تحييد الدين فى السياسة بل محاولة لإبعاد الاسلام فى الشأن العام والتضييق عليه حتى فى الشأن الخاص . فعلمانية تركيا فى نسختها الأتاتوركية وعلمانية تونس فى عهد بورقيبة او حتى زين العابدين بن على وعلمانية أنظمة البعث فى العراق وسوريا لم تكن مجرد تحييد للإسلام فى السياسة بل طالت مظاهر الإسلام فى الشؤون الخاصة بما فى ذلك الزي والشعائر الدينية والأمثلة لذلك اكثرمن أن تحصى . وحتى العلمانية التى يمكن وصفها بالإعتدال كما فى مصر فى عهدى السادات ومبارك ، فلم تكن بمنأى عن التدخل فى الشأن الدينى الخاص مثل طرد الطالبات المحجبات من الجامعات . إن التضييق على المحجبات فى الجامعات والوظائف العامة لحد طرد نائبة منتخبة من البرلمان كما حدث للتركية مروة قاوقجى قبل سنوات وحتى على ممارسة الشعائر التعبدية كالصلاة فى المساجد الذى مارسته الحكومات العلمانية فى دول مثل تركيا ، تونس ، العراق وسوريا البعثيتين و ليبيا القذافى ممارسات لا يمكن وصفها بمجرد تحييد الدين فى السياسة . إن السبب وراء هذه الممارسات هو التناقض بين العلمانية وحال المجتمعات فى هذه الدول وهى تؤكد إستحالة فصل الدين عن السياسة بدون محاربته فى المجتمع إذ يستحيل الفصل بين الممارسة السياسية للإنسان وسلوكه الإجتماعى وقناعته العقدية . إما نسخة العلمانية السائدة فى الدول الغربية فيمكن أن ينطبق عليها نسبيا كما أسلفنا معنى تحييد الدين فى السياسة وذلك كذلك لأن المجتمعات هناك تقوم فى هذا الخصوص على مبدأ (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) بينما تقوم فى عالمنا الإسلامى على مبدأ (ما أتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فإنتهوا) صدق الله العظيم.إن ما قلناه حتى الآن يثبت عدم وجود وصفة واحدة متفق عليها للعلمانية فهناك الأصولية وهناك المعتدلة فى عالمنا الإسلامى وهناك نسختها الغربية . وفى كل الأحوال ونحن نصل للسؤال الثانى حول مدى وجود العلمانية بأى من تعريفاتها النظرية فى الواقع نقول أنها لا توجد . فلا علمانية فى العالم الإسلامى ولا حتى فى الغرب يمكن أن تحقق على أرض الواقع أياً من تعريفاتها (فصل الدين عن الدولة أو فصل الدين عن السياسة أو تحييده). أجل إن فصل الدين عن الدولة غير ممكن وغير موجود فى أى مكان فى العالم. ذلك ببساطة أن عناصر الدولة المعروفة فى القانون وعلم السياسة هى الإقليم (الارض)، الشعب والسيادة التى تنوب الحكومة عن الشعب فى ممارستها. ولا يمكن فصل الدين عن الدولة إلا بفصله عن مكوناته الثلاثة بما فى ذلك الشعب وهذا مستحيل . كما لا يمكن فصل الدين عن السياسة لأن السياسة تشريعاً وتنفيذاً وقضاءاً ممارسة إنسانية والإنسان حين يشرع أو ينفذ او يقضى لا يغيب عقله أو ضميره واللذين يدخل الدين فى تشكيلهما.لذا نجد مواقف الساسة فى الغرب تتباين فى قضايا مثل الإجهاض ومايسمى بحقوق المثليين ويلعب الدين فى ذلك دوراً مهما . هذا بالإضافة لوجود احزاب تنسب نفسها صراحة للدين وتستلهمه فى سياساتها مثل الحزب الديمقراطى المسيحى فى المانيا. أما بخصوص السؤال الثالث حول تلازم أو شرطية العلاقة بين العلمانية والديمقراطية وحقوق الانسان والأقليات نقول بعدم وجود شىء من ذلك البتة. ذلك أن أعتى الدكتاتوريات فى طول العالم وعرضه قامت فى ظل العلمانية وليست الدولة الدينية . فنظم بونشيه فى شيلى ، محمد رضا بهلوي فى إيران ، أنظمة البعث فى العراق وسوريا الحبيب بورقيبة فى تونس ، القذافي فى ليبيا وعشرات غيرها فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية دكتاتوريات قامت تحت رايات العلمانية. هذا فضلاً عن الدكتاتوريات الشيوعية فى الإتحاد السوفيتي وكل أوربا الشرقية والصين وفيتنام وكوريا الشمالية والتى قامت بوحى فلسفة لا تنادى بفصل الدين عن الدولة فحسب وإنما لإنهاء أى دور للدين فى الحياة . وإذا ثبت عدم التلازم بين العلمانية والديمقراطية يثبت تلقائياً عدم التلازم بينها وحقوق الإنسان التى هى من أبجديات الديمقراطية . وكذلك ليس هناك تلازم بين العلمانية وحقوق الأقليات . فمحنة الأقليات مثل الأكراد فى العراق والشعوب المسلمة كالتتر والشيشان فى روسيا وقبل ذلك فى الاتحاد السوفيتي والبوسنيين والكروات فى يوغسلافيا الشيوعية تقف شواهد شاخصة على إنتفاء التلازم بين العلمانية وحقوق الأقليات . ثم إنه لا علاقة شرطية بين العلمانية والديمقراطية. فأركان الديمقراطية المعلومة هى حرية الفرد ، حكم الشعب بإجماعه أو أغلبيته ، المساوة وحكم القانون كمنظم للحرية وتساوى الجميع أمامه.وهذه الأركان يمكن تحقيقها بدون شرط فصل الدين عن الدولة أو السياسة وفى كل الأحوال فإن مثل هذا الفصل مستحيل كما أوضحنا.
ونكتفى بما تقدم فى مناقشة أطروحة العلمانية ونأتى لمناقشة أكثر حساسية وأشد تعقيداً تتناول أطروحة دعاة الشريعة الاسلامية . فبالرغم من جاذبية شعار الأحتكام لشرع الله فإن الأسئلة التي تواجه أصحابه لا تقل حرجاً عن تلك التى تواجه دعاة العلمانية . والمشكلة لا يتعلق ببداهة وجوب إنصياع المسلمين لأمر الله وإنما بما هوأمر الله فى شأن السلطان وما يتصل به من علاقات رأسية وأفقية معقدة . والثابت تاريخياً إنه لم ينشأ الخلاف والتنازع فى أى من المسائل الإسلامية مثل ما نشأ فى الأحكام السلطانية . والمدهش أن هذا الخلاف قد نشأ منذ اليوم الأول بل منذ اللحظات الأولى لوفاة الرسول الأكرم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وجثمانه الطاهر لم يوارى الثرى بعد. والإشارة هنا لإجتماع ثقيفة بنى ساعدة وما جرى فيه ونتج عنه وما تلى ذلك من أحداث . وبلغ إشتجار الخلاف بين الصحابة فى شأن السلطة أوجه بأحداث الفتنة الكبرى الدامية بحروبها واغتيالاتها السياسية . وبإيجاز يناسب حيز المقال الصحفى يمكن إرجاع المعضلة التى تواجه دعاة تطبيق الشريعة الى سببين رئيسين هما إشكالية النص الإسلامى وإشكالية تنزيل النص على الواقع خاصة المعاصر بتعقيداته الجمة. فإشكالية النص فمردها إلاختلاف حول وروده ودلالته .وإذا كان القرآن بإجماع المذاهب الاسلامية قطعى الورود فإن غالبه سيما الخاص بأحكام السلطان ظنى الدلالة . فإختلاف المسلمين لم يزل قائماً حول محكمه ومتشابهه وحول ناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه ومطلقه ومقيده وقد وصفه الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه بحمال وجوه . أما أمر الحديث النبوي فأكثر تعقيداً لأن غالبه الأعظم ظنى الورود والدلالة معاً. أدهى من ذلك أن الموضوع من الحديث أضعاف الصحيح وهذه حقيقة يجمع عليها علماء المسلمين. فقد عبثت يد السياسة والأهواء بالحديث أيما عبث ليصدق قول الصادق الأمين (ستكثر على الكذابة الا من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وبسبب الاختلاف حول النص الإسلامي (القرآن دلالة والسنة وروداُ ودلالة) إنقسم المسلمون لمذهبين عريضين هما السنة والشيعة وكانت الإمامة أى ولاية الأمر هو موضوع الإنقسام الأساسى. ولأن موضوعنا يتعلق بالسودان البلد المسلم السنى فلا مسوغ للخوض فى الخلاف السنى الشيعى بل نبني على مقتضى مذهب السنة . والخلاف قديماً وحديثاً لم يزل محتدم داخل مذهب السنة حول الأهلية للإمامة وطرق توليها وجواز الخروج على الامام مهما بلغ من الظلم مبلغاً. أما إشكالية تنزيل النص على الواقع فقد ظلت حاضرة على إمتداد التاريخ الإسلامي ولكنها تفاقمت فى عصرنا لا للبعد الزمني بينه وعصر التطبيق النموذجى على عهد الرسول الكريم فحسب ، وإنما ايضاً لتعقيدات قضايا هذا العصر . ومما يزيد الحذر والتوجس التجارب الفطيرة بإسم الاسلام مثل تجارب طالبان فى افغانستان والمحاكم الإسلامية فى الصومال بل حتى الإنقاذ فى السودان . وهناك جملة من الاسئلة الحرجة التى يمكن أن تثار فى هذا الخصوص منها على سبيل المثال ، هل الدولة القطرية القائمة على حدود دولية وعهد المواطنة هى الدولة الإسلامية المعروفة فى الفقه التقليدى القاائمة على رابطة العقيدة ؟ وإذا كانت الإجابة بلا وهى عندنا كذلك فهل رئاسة أو إمامة الدولة القطرية هى الإمامة الكبرى للمسلمين بمختلف جنسياتهم وبذات شروطها ؟ وإذا قال بعضهم بذلك فهل يتجرأون على إشتراط النسب القرشي للإمام الذى أورده الماوردى فى أحكامه السلطانية على الشعب السنغالى المسلم مثلاً ولانقول الشعب السودانى لكثرة من يزعم إلانتماء للصحابة عندنا ؟ وإذاا تحرجوا من هذا الشرط كما فعل أصحاب مشروع الدستور الذى نشر فى صحيفة الانتباهة قبل أسابيع فبأى وجه يشترطون الذكورة للرئاسة مع أن حديث (الأئمة من قريش) أقوى سنداً ودلالة من حديث (ما أفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة).
تلك الاسئلة والتى يمكن ايراد عشرات مثلها تقودنا الى أن الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على رابطة المواطنة والمساوة فى الحقوق والواجبات هى الحل القمين بإخراجنا من التناقض والنفاق السياسى و هناك أكثر من وجه للتكييف الفقهي لذلك. وهذه الدولة لا تعنى العلمانيةلا بمعنى فصل الدين عن الدولة ولا السياسة. وفى إطارها يمكن أن تكون الشريعة مصدراً للتشريع فالعبرة بالمساواة أمام القانون وليس بمصادر التشريع. ونحسب أن الدولة فى مذهب السنة بخلاف مذهب الشيعة مدنية فى الأساس . فإختيار الحاكم عمل بشرى وطرائق إختياره إجتهادية وقد تباينت تاريخياً بين إجتماع محدود فى سقيفة بني ساعدة لإختيار الخليفة الأول بعد جدل صاخب الى تعيين مباشر للخليفة الثاني بواسطة الأول ثم كلية إنتخابية من ستة لإختيار الثالث فبيعة عامة من أهل المدينة للرابع. وإنتهى الأمر الى التوريث والملك العضوض وتجويز التولى بالتغلب . وهذه الحقائق نطلقها مرسلة بفرضية أنها معلومة لمن له إلمام معقول بالتراث الاسلامي وإن كابر البعض فالأسانيد تتزاحم.
لقد دفعت تعقيدات العصر السياسية عالماً فى قامة د.القرضاوى للقول بأن الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة ومفكراً مجاهداً فى قامة الشيخ راشد الغنوشى للقول بأن حركة النهضة لن تفرض على الشعب التونسى شئ بما فى ذلك منع الخمر الا من خلال إقناع أغلبيته ديمقراطياً . ونحن نقول إن التاريخ قد أثبت أن محاولات فرض الشريعة إستبداداً لم تسفر الا عن تحويلها الى حارسة للظلم ضد مقاصدها الجوهرية فى العدالة ورشد الحكم وحرية وكرامة الناس فلا مناص من الدولة المدنية الديمقراطية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.