أراد الكاتب السوداني الأشهر (الطيب صالح)، لروايته «موسم الهجرة إلى الشمال» أن تبدأ بغموض وتنتهي بغموض، ولكنه رغم ذلك أنجز الكثير في تصوير البؤس في الحياة السودانية وجذور الثقافة السودانية ثم ألقى الضوء على وجدان جيل الحكم الثنائي. üüü اسمه الحقيقي الطيب صالح أحمد، ولد في إحدى قرى شمال السودان عام 1929م وتوفي في لندن عام 2009م. قضى طفولته وشبابه في قريته، ثم انتقل إلى الخرطوم، ودرس في كلية العلوم، ثم انتقل إلى جامعة لندن، وهناك عمل في هيئة الإذاعة البريطانية في قسم الدراما.. عاد إلى السودان ليعمل في الإذاعة السودانية وأخيراً غادر إلى دولة قطر، وبلغ هناك حتى منصب وكيل وزراء الإعلام.. تعد رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» إحدى أفضل مئة رواية في العالم.. كتب أيضاً القصة القصيرة مثل «نخلة على الجدول»، ثم أصدر «عرس الزين» الذي تم تحويله إلى فيلم عام 1974م، ومن الأعمال الأخرى: «ضو البيت» و«دومة ود حامد» و«ندر شاه» و«مريود» وأخيراً «منسي». منح رسمياً صفة «عبقري الأدب العربي عام 2001م» في الأكاديمية العربية.. يمثل ظاهرة فريدة بين الروائيين العرب لأنه بلغ العالمية برواية واحدة لم يكتب بعدها! نعود للرواية لنقرأها بطريقة جديدة، علناً نجدإجابة شافية، ولذلك سنضطر لتلخيص هذه الفقرات إلى خطوط وتلخيصات مختزلة في نقاط: 1) هرب الطيب صالح أو «مصطفى سعيد» من أوبئة السودان وفساد الحكم وقساوة الطبيعة، إلى جمال «حسنة بنت محمود أو دعاش وادي النيل». كاد أن يجد ذاته في حسنة بنت محمود، والمعنى الذي بلغه بجمال هذه المرأة «بت البلد» لم يبلغه بشيء في أوروبا، ولكنه كعادته لم يكن مهيئاً لتحمل وطأة تذوق الجمال، لهذا، هرب إلى قضية مقتل ود الريس، أما سبب ضعف (الاستعداد الداخلي) فهو الافراط في: السيجارة والخمر والتبغ. هذا الجمال (المحلي) هو سبب إحساسه بالتفوق حتى وهو في أوروبا، لكن رغم كل هذا جرفته الهزيمة المعنوية حتى انتحر.. يستوعب أجمل ما في قريته، وهو تسبيحات جده الذي «كان يقوم وينوم عليها» ويفشل في التكيف مع الحضارة الأوروبية!!. 2) صور الغيبوبة الثلاث: التبغ والخمر والجنس قتلت البقع المضيئة في أعماقة، لهذا عندما كانت تضاء أعماقه كان يهرب الى الخمر :«عندما خلعت حسنة الثوب على رأسها شربنا أنا ومحجوب الخمر أكثر مما يجب». هذه الفجوات في «قنوات التذوق» مررت الكثير من ذرات الغبار وأشعة الشمس على العجينة الفكرية للكاتب، لهذا؛ (الحياة) لديه نكتة كبيرة تبدو للناس كأنها تحمل سراً، وهي في حقيقة الأمر خاوية من كل شيء!! إذن أعماقه أشبه بغرفة مصطفى سعيد، التي تركها مغلقة، يقول عنها الكاتب: رغم ذلك خاوية بلا قيمة!. 3) الذات، أو الكينونة، التي يطاردها الكاتب في هذه الرواية، غاطسة في أعماقه، كانت تظهر بين الحين والآخر كجوهرة، مطمورة في وحل، يحاول الكاتب إعادة تركيبها في مهب الريح. في أجساد النساء رموز ونداءات لهذه (لذات)، لهذا كان يضرب لها أكباد الإبل كما يقول كلما لاحت، ولكن عندما تصمت هذه النداءات كان يقع في ظلمات الطريق. آفات فكرية: لم يستطع الكاتب تجاوز نشوة الجنس، ولم يستطع أن يدرك في المرأة متعة الأمومة، لهذا لم يكن للأمهات دور في حوار أبطاله سوى إظهار أمه في لمحة سريعة وهي غاضبة. ü الحضارة في نظر الكاتب أنثى، لهذا أكثر الكلام عن الجنس والغموض والسر والمفتاح والانتحار.. عندما يتأهب ليبوح بسر خطير، كان يغرق في غيبوبة السكر، أما لحظات الصحوة الكبرى فكانت دائماً عقب الارتواء الجنسي!!. ü هذه الرواية لوحة جميلة، ولكن موضوعها عتمة الأعماق.. تثير الإحساس بالبؤس والتشاؤم وتتركنا بلا حل.. ضاع ذكاء الكاتب بين ثلاث صور من الغيبوبة: السيجارة والخمر والجنس. بقع مضيئة: البناء الهرمي في الرواية من ناحية المعنى، حتى الفقرة السادسة، فيه قوة ومتانة، ومن مظاهر الحبكة الخلاقة أن يموت«مصطفى سعيد» في وقت مبكر في الرواية، لأن دوره كان قد تجاوزته الأحداث وبقي منه سر الغرفة والمفتاح.. ربما لهذا تمت عملية الهضم بسهولة وقد كان مدعاة للشهرة والانتشار. ومن مظاهر الحبكة الجيدة أن الرواية قدمت الحيثيات بألوانها المختلفة ثم أشركت القارئ في إصدار الحكم. لا يفوتك الفهم أن موضوع الرواية هي البؤس في السودان، وهي محاولة للهروب من مأزق العصر..أجمل الأشياء في السودان من وقائع هذه الروائع،، تختصر في: حسنة بنت محمود ودعاش وادي النيل «النسيم الذي يلاحقنا من وادي النيل يحمل عطراً لن ينضب في خيالي ما دمت حياً». احترامه لجده لم يجعله ليشرك جده في أحاديث بنت مجذوب العارية البذيئة!! آراء حوله لا يرى الكاتب والمؤرخ الفلسطيني «إدوارد سعيد» أي نوع من العبس في مغامرات مصطفى سعيد الجنسية، إنما هي طريقة لمواجهة التاريخ الاستعماري لبريطانيا: جاءهم غازياً كما غزوا بلاده، وقد كانت غزوته باغتصاب الانجليزيات!! يعتبر هذا الكاتب الشهير أن الرواية كانت خير رد على خطاب الاستعمار، كان خطاباً استطاع النفاذ الى خطاب الاستعمار دون أن يقع في إسفاف السباب والشتائم !! أما الأستاذ محمد شاهين وهو مترجم وناقد من الأردن وصديق شخصي للكاتب.. فيقول إن الرواية فيها بالفعل شيء من محاكاة التاريخ، ولا يختلف كثيراً عن رواية (ادوارد سعيد) ويعتبر الطيب صالح ظاهرة في سجل الرواية العربية، وهي ظاهرة الروائي الذي أحرز شهرة عالية برواية واحدة.. ولهذا السبب انقسم المجلس الأعلى للثقافة في مصر بين مؤيد ومعارض.. فالمعارضون رأوا أن «موسم الهجرة إلى الشمال» لوحدها لا يمكن أن تفي بالغرض، سيما وأنه توقف عن الكتابة بعدها. يعارض هذا التقييم الكمي، ويقول إن الطيب صالح «يحدثك وكأنه صوت راوٍ يطلع عليك على التو من رواية غير مكتوبة». أما في آرائه الشخصية فيعتبر (الطيب صالح) مشاهد غير عادي للسينما، ولا علاقة له مباشرة بالسينما إلا فيلم «عرس الزين» الذي أخرجه له المخرج الكويتي «خالد الصديق» ويطالب بانفتاح الفنون على بعضها وهذا يعزز الإنتاج الروائي وينقله من الورق إلى الصورة المجسدة، ولكل وسيلة فنية منطقها الخاص ولغتها المميزة. كتبت عن هذا الروائي عشرات التحليلات ودراسات الماجستير. تحت عناوين مثل: (العالم الروائي الطيب صالح من سارد للقصة إلى كاتب النص).. في حوليات الكويت نشرت عنه دراسات حول رواياته «موسم الهجرة وبندر شاه» ودراسات مثل: «رؤية الموت» ودلالاتها في عالم الطيب صالح الروائي «وغيرها وغيرها». الخلاصة رغم بصمات تجاربه الشخصية في أحداث الرواية نستطيع أن نقول إن الثقافة الاوربية أشعلت إحساسه بذاته، ومن هنا أكسب تراثه المحلي نكهة الثقافات العالمية، لهذا نستطيع أن نقول إن أعظم مساهمات هذا الكاتب تتجلى في أنه نقل ثقافة الشمال السوداني «نوبية، بديرية، شايقية» إلى العالمية ووضعها في منضدة الجامعات العريقة ومراكز الدراسات.