عندما كنا صغاراً كنا ننتظر العيد بفارغ الصبر، ففيه نلعب ونلهو وندخل كل بيت بدون استئذان، ونخرج منه بكوم من «القروش» تسمى «العيدية»، ننطلق بعدها إلى «الطوطحانية» وهي عبارة عن صناديق تعمل في شكل دائري، وهي بالضبط مثل الساقية الموجودة الآن في الملاهي ولكن تلك كانت بدائية، وبعد أن تبدأ في الدوران نصرخ فرحاً ونطالبه بأن يزيد السرعة بكلمات متفق عليها يقولها كل من في الصناديق :«شديد الدنيا عيد»، وعندما يزيد السرعة ونخاف نطلق كلمات أخرى «براحة الدنيا راحة».. ولعلّني تذكرت هذا كلّه وأنا أتجول بخيالي فيها لما يدور من أحداث في السودان .. فنحن الآن في حالة «شديد الدنيا عيد»، ورغم أن الدنيا ليست عيداً ولكننا مثل الأطفال الموجودين في صناديق «المرجيحة» نخشى أن ينقلب بنا الصندوق في أي لحظة.. رغم أننا لم نشاهد حادثةً مثل هذه ولكننا سمعنا بها، وهذا السمع كافٍ ليعشش الخوف منه بداخلنا وهذا ما يجعلنا نعود لنقول «برّاحة». فصندوق السياسة به مجموعة من الأفراد يكادون لا يفقهون شيئا،ً فبينما البلاد تتقاذفها الأمواج يبقون في مربع واحد، وإذا قرأت تصريحاتهم تظن أنك تمسك بصحيفة «قديمة» .لا يواكبون الأحداث، تحركهم أحقاد لا تستفيد منها البلاد بل تحصد منها خراباً ودماراً.. أما صندوق الإقتصاد فحدّث ولا حرج، فقد خربته الوفرة التي كانت إبان استخراج البترول إلّا أنها الآن بدأت في التلاشي، وتحوّل الإقتصاد لإقطاعيات ودخلت نفوس الناس أمراض كثيرة، وعلت نغمة «نفسي نفسي» وبدأ انهياره من فوق لتحت أو من أعلى إلى أسفل وبالعكس.. أما الصندوق الإجتماعي لكم أن تلقوا نظرةً على المجتمع لتتأكدوا من شدّة تغيّره، فسلوك الناس بدأ يأخذ منحىً مختلفاً، وأثّرت عليه الثقافات الوافدة بصورة خطيرة فنحن نعاني من طوفان من السماء والأرض، فالقنوات الفضائية تلعب فيه كيفما تشاء وتحركه يمنةً ويسرة وبتخطيط محكم لا تنفع معه كل الأدوية والأمصال المطروحة لعلاجها، فأصبحنا نسمع عن المخدرات وانتشارها.. والتحرّر بعد أن كنا نتحدث عنه فقط أصبحنا نشاهده بيننا، أما «الاسكني» فقد بات متاحاً في شوارع الخرطوم وتلبسه «بنات الناس» وبموافقة «رعاة» الأسر، وأصبحنا لا نسمع كلمة «دي أهلا وين».. سادتي في خضم كل ذلك نريد أن تتغير النغمة والكلمات.. وأن وأن نقول بصوت واحد ومتناسق «براحة الدنيا راحة».. وبامكاننا ذلك، خاصةً إذا قامت فئة بدراسة الواقع ووضعت له الحلول بدلاً من أن نكتف أيدينا وننتظر «الجاية»!