لا أدري ولا أحسب أن أحداً يدري شيئاً عن (الحكمة الحكومية) في مصادرة آراء دعاة الانفصال بالشمال، في الوقت الذي تسمح وتدعم فيه حكومة الجنوب كل الحركات الداعية للانفصال في الجنوب وتحارب المجموعات الوحدوية حرباً ضروساً تصادر حتى الأرض من تحت قدميها، وتمنعها التحرّك لصالح الدعوة للوحدة، حتى أصبحت صورة المشهد الجنوبي واحدة! في الشمال مجموعتان انفصاليتان، الأولى ليست انفصالية بالمعنى المُطلق للكلمة، وهي المجموعة التي ترفض الوحدة بمفهوم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو المفهوم الداعي إلى إلغاء الشريعة في الشمال وإحالة المجتمع بأكمله إلى السير في طريق القوانين الوضعية، وهذه مجموعة ضخمة وكبيرة لن تعترف مُطلقاً بوحدة تجيء على مفاهيم عرجاء تحاول إقصاء الدين عن الساحة وتعمل على فرض آراء الأقلية - مهما كبُر حجمها - على الأغلبية التي تمثل أكثر من الثلثين حتى إذا لم نضف لها عدد المسلمين في جنوب السودان. هذه المجموعة ترفض الوحدة في حال تشدد الحركة وتمسُكها بموقفها الداعي لما تسميه بفصل الدين عن الدولة، وهي مجموعة ترى أن الحركة الشعبية (اختطفت) الجنوب بأكمله، وتُريد اختطاف الشمال. وهناك مجموعة مُقدّرة ومُتزايدة ترفض الوحدة من أساسها مع الجنوب، ولها ما يُعزز وجهة نظرها ويجعلها من الجماعات التي تدافع عن رأيها المشروع كتابة في الصحف والمجلات، أو قولاً في المنابر الخطابية وعبر أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة الرسمية وغير الرسمية، وكانت لهذه المجموعة صحيفة تعبّر عنها وعن خطها ونهجها إلا أن الحكومة تدخلت وأوقفتها بدعوى أن تكون الغلبة للأصوات الداعية للوحدة.. ومع ذلك كان صوت الانفصال هو الأعلى في الجنوب وفي عدد من الصحف التي تصدر باللغة الإنجليزية في الخرطوم. نطالب الحكومة بأن تراجع قرارها وأن تتراجع عنه، لأنه من غير المعقول ولا المقبول أن تقول الدولة بأنها دولة حريات وأنها راعية للرأي والرأي الآخر ثم تناقض بالفعل ما دعت له بالقول. نحن لا نطالب بالمساواة بين دعاة الوحدة وبين دعاة الانفصال لكننا نطالب بالعدل.. العدل أساس الملك.. و.. اعدلوا.. هو أقرب للتقوى.