ü الصورة الزاهية التي يرسمها معظم الناس في أذهانهم وخيالهم لأوضاع متعهدي محطات خدمة وتوزيع المواد البترولية، الذين يطلق عليهم العامة «أصحاب طلمبات البنزين» باعتبارهم من الفئات الاجتماعية «المرتاحة والمبحبحة» صورة خادعة ليس بها صلة بواقع حالهم اليوم، وقد تكون كانت كذلك في أوقات مضت عندما «كان الزمن زين والشعر مغطي الاضنين»- كما يقول المثل- لكن مع تآكل الطبقة الوسطى في ربع القرن الأخير، أخذ هؤلاء الذين كانوا في أعلى سلم هذه الطبقة المندثرة يتدهورون بسرعة باتجاه الطبقات المسحوقة وكادوا يعانقون جمهرة المستضعفين. ü منذ أيام مضت زارني بمنزلي نفرٌ من أعضاء شعبة متعهدي محطات الوقود، ووضعوا بين يدي ملفاً موثقاً يحوي مشكلاتهم ومعاناتهم مع شركات توزيع البترول العاملة في البلاد، ومع وزارة النفط والمؤسسات والإدارات المتفرعة منها.. ملف معبأ بالشكاوى والمناشدات والدراسات التي تشرح أسباب تلك المشكلات والمعاناة جراء التسويف الذي يواجهونه من الجهات التي بيدها إزالة تلك الأسباب ورفع الضرر المتلاحق، والذي يهدد، ربما في وقت قريب جداً، لإضطرار هذا القطاع الحيوي والحساس إلى الخروج من الخدمة وانفراط عقده الذي يقدم الخدمة المنتظمة في الوقت الحالي، أو إلى تسرب الفساد وعمليات «الغش المبرر» إلى صفوفه. ü ازداد وضع متعهدي محطات الوقود سوءاً مع الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الحكومة «برفع الدعم عن المحروقات»- وهو «دعم افتراضي»- لا صلة له بالواقع كما أكد العديد من الخبراء الاقتصاديين- وفي السادس والعشرين من اكتوبر تقدمت «شعبة المتعهدين»- أي اتحادهم- بعريضة لوزير النفط حول «هامش تسويق المنتجات البترولية»، وهي عريضة لاحقة لسلسلة مخاطبات واجتماعات سابقة مع وزير النفط والمؤسسة السودانية للنفط، ومع شركات توزيع البترول العاملة في البلاد.. والعريضة المقدمة للدكتور عوض الجاز توضح التالي: ü أولاً: إن إضافة فئة النقل المحلي إلى الهامش- هامش الربح- افرغت قرار الزيادة المقررة من مضمونها، إذ ألزم القرار الشركات بدفع فئة النقل الداخلي حسب التسعيرة الجديدة من «الهامش المعدل» وكانت في ما مضى خارج هذا الهامش. ü ثانياً: اعتبار التعديل من يوم 9/ اكتوبر2013، خطأ كبير لأن الأسعار جرى تعديلها منذ يوم 23/ سبتمبر 2013، وظلت محطات الوقود تعمل «برغم الخسارة» إيماناً من المتعهدين بأن تعديل هامش الربح، الذي يخصهم، سوف يتم بأثر رجعي من تاريخ تعديل الأسعار- بعد رفع الدعم- وأوضحوا في مذكرتهم للوزير بأنه إذا لم يتغير هذا الوضع فإنهم سيتوقفون مستقبلاً فور أي زيادة للأسعار بدون تعديل الهامش، نظراً لاهتزاز حاجز الثقة، وكان الأجدر أن ينفذ التعديل متزامناً مع الزيادة، أي منذ 23 سبتمبر الماضي، أسوة بقطاع النقل. ü ثالثاً: خاطب المتعهدون (أصحاب الطلمبات) شركات توزيع البترول العاملة بتاريخ 9 اكتوبر 2013 للاجتماع معهم لمناقشة الهوامش ولم تلبِ طلب الاجتماع إلا شركة واحدة، وتجاهلتهم باقي الشركات ولم تكلف نفسها بالرد عليهم أو حتى الاعتذار. ü رابعاً: قامت بعض الشركات (من جانبها) بتعديل هامش الربح لمحطات الوقود بنسبة (3%) للبنزين والجازولين- البنزين من 8.12 قروش إلى 8.16 قروش.. والجازولين من 7.9 قروش إلى 7.12 قروش.. علماً بأن زيادة الأسعار قد بلغت (70%) للبنزين و (75%) للجازولين.. وشتان بين «زيادة بالملعقة وزيادة بالكوريق»- كما يقول السودانيون. ü خامساً: ذكَّر المتعهدون في عريضتهم للوزير الجاز بمطالباتهم السابقة له ولدوائر المؤسسة السودانية للنفط باعتماد نسبة (5%) من سعر البيع كعمولة وهامش ربح لمتعهد الخدمة، وأن تقوم الوزارة باتخاذ قرار توزع بموجبه العمولة لكل الأطراف بعد الاتفاق عليها تحت إشراف الوزارة.. لكن تلك المطالبات لم تجد أذناً طاغية.. كما ذكَّروه أيضاً بالتزامه في اجتماعه الأخير بهم بإلزام الشركات بإعطاء المتعهدين عمولة مُجزية، وحذروه من انهيار وشيك لقطاع توزيع البترول، مما يترتب عليه عدم استقرار اقتصادي وارتباك لا يمكن التحكم بنتائجه.. كما طالبوه بإلزام شركات التوزيع بأسعار بيع موحدة للمنتجات البترولية، لأن سعر البيع النهائي للمستهلك سعر واحد محدد. ü من المشكلات ووجوه المعاناة الأخرى التي تتعرض لها محطات الوقود والقائمون عليها بعد رفع قيمة المشتقات البترولية ارتفاع نسبة التبخر في كميات الوقود المخزونة لفترات طويلة بالنظر لقلة المبيعات، بينما يُحاسب المتعهد (صاحب الطلمبة) بالكمية الكاملة التي صُبَّت في مستودعات المحطة.. كما ترتبت على الزيادة تعقيدات أخرى تمثلت في زيادة المرتبات والضرائب والزكاة والترحيل وكافة المصروفات، متزامنة مع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات وأعباء المعيشة، بما ينعكس على عمال المحطات الذين لا يتجاوز راتب الواحد منهم (200 جنيه)، راتب لا يكفي إقامة أوَد واحد من أفراد أسرته، دعك عن إيجار المنزل والعلاج والاحتياجات الضرورية الأخرى، بما يشكل ضغطاً نفسياً وعصبياً على هؤلاء العمال ويدفع بعضهم لمدِّ يده لمئات الملايين من الجنيهات التي تجري بين أصابعهم كل يوم وهم يقدمون الخدمة لزبائن الوقود، فالجوع كافر، كما يقولون. ü تلك باختصار المشكلات والمعاناة التي يواجهها «أصحاب الطلمبات» وكما نرى فإن أوضاعهم تتدهور بسرعة نحو الأسفل، ولا يجدون سنداً لا من الشركات ولا من الحكومة، ولكليهما مصلحة في استقرار أوضاع محطات الوقود.. ولكن من يسمع؟!!