للصوفية معارفهم بأسرار النص، وهي معارف يتحدون بها منكري علومهم ، من ذلك اشارات المشائخ للمريدين والحيران بالاستعداد لقيام الليل بقراءة الآيات الأخيرة من سورة الكهف.. جاء في كتاب الابريز، و كذلك في تفسير القرطبي : عن ابن عباس أنه قال له رجل ، إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم ، فقال:إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك الآيات «قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي»، إلى آخر السورة، فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل.. و التصوف موقف فكري واجتماعي، ويعد قاسماً مشتركاً بين كل الديانات، وفلسفات وحضارات الشعوب.. وهو فكر «يتأبى أن يكشف عن تاريخيته»، لكونه تجربة ذاتية وقدسية. والتصوف ظاهرة اجتماعية، وتعبير غير مباشر عن ردة الفعل لواقع تاريخي يتبناه الصوفي، ويتخذ أشكالاً ومسميات مختلفة باختلاف البيئة والمناخ الفكري والثقافي والسياسي.. وهو ليس فكراً تبريرياً أو هروبياً، بل هو محاولة انسانية للتسلح بالروحانية لمواجهة تعقيدات الحياة وتشعُبات الواقع. و تبدو التجربة الصوفية واحدة في مظهرها، لكن الاختلاف قائم بين صوفي وآخر باختلاف الانسان الذي هو ماعون التجربة، في واقعة المعاش وبمستوى وعيه بثقافة العصر، وعلى ضوء كل هذا يعبر الصوفي عن ذاته، وعن المقام أو الرتبة التي يقف عليها، والتجربة الصوفية هي طريقة حياة، يتخذها الفرد ابتغاء الكمال، من أجل كسب العلم الذي لا يتأتى فقط بالتلقين، وإنما باتباع قواعد السلوك، والسير في طريق التقليد ، حيث المعرفة عطية إلاهية يُحظى بها من تهيأ لها.. وقمة العلم هي الوحي، كما قال الامام البوصيري:- «تبارك الله ما وحي بمكتسب ولا نبي على غيبٍ بمتهم».. فإذا كان الوحي من وسائل الأنبياء، فإن «الخاطر» من وسائل المعرفة عند الأولياء.. الخاطر عند الصوفية «بمنزلة الرسول المعلم والهادي إلى طريق الله»... قال ابن الفارض:- «عسى عطفةً منكم على بنظرةٍ فقد تعبت بيني وبينكم الرسلُ». ولكل صوفي طريقته في التعبير عن مشهده، وعن حاله الذي لا يشاركه فيه أحد، وعالم الصوفية أقرب إلى الفن في التفرد بالمذاقات الخاصة والوجدانيات التي لا تتصف بالعمومية، وفي هذا المعنى قال النابلسي: «أنا النورُ المبينُ ولا أُكنّيü أنا التنزيلُ يعرِفُني إبنُ فَنّي يضل الله بي خلقاً كثيراً ü ويهدي بي كثيراً فاسْتَبِنّي ولكن لا يضل سوى نفوسٍ ü بإنكارٍ بغتْ وبسوءِ ظن وإني الملْك والملكوت فضلاً ü وإني صخرة الوادي وإني ولما كنتُ منه بغير فصلٍ ü ولا وصلٍ شهدت الكلَّ مني أُحقِقُ من أريدُ بعلمِ حقي ü و أُسْكِرُ من أشاءُ بخمرِ دنِّي *** وقال ابن عربي:- طالب العلم ليس يُدرك ذاتي ü بدليلٍ، لكون ذاك محالا فتراه يراني في كل عينٍ ü وتراني أُبديه حالاً فحالا فيرى نفسه وليس سوايا ü والهدى لا يكون إلا ضلالا .. والوسيلة الوحيدة لفهم ابن عربي، كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد ، هي(أن تصبح واحداً من مريديه)!، فقد سأله أحد تلامذته: إن الناس ينكرون علينا علومنا, ويطالبوننا بالدليل والبرهان على علوم الأسرار .. فقال ابن عربى: إذا طالبك أحد بالدليل والبرهان على علوم الأسرار الالهية، فقل له: ما الدليل على حلاوة العسل؟ فلابد أن يقول لك بأن ذلك علم لا يحصل إلا بالذوق، فقل له هذا مثل ذاك.