ü أحياكم الله وأبقاكم.. تصومون وتفطرون وتقومون آناء الليل وأطراف النهار.. ويتقبل الله منكم.. فالصوم له هو العزيز القدير، وهو يجزي به الجزاء الأوفى.. كما جاء في الأثر. ü وأنا اطالع «تاريخ الاصلاح في الأزهر» للشيخ عبد المتعال الصعيدي وقعت على قصة واقعية فيها عبرة مهمة وقدوة حسنة ولا تخلو من طرافة.. روتها صحيفة الأخبار المصرية في 25 أكتوبر 1927، تعود إلى عام 1863م (1280ه)، وتعتبر من البادرات المبكرة لتاريخ الاصلاح في مؤسسة الأزهر الشريف. ü في ذلك العام قام السلطان العثماني عبد العزيز بزيارة الديار المصرية، وكان ذلك في عهد إسماعيل باشا خديو مصر الشهير، فلما وصل السلطان إلى القاهرة اختار اسماعيل أربعة من علماء الأزهر، ليذهبوا إلى تهنئته نيابة عن شيوخ الأزهر، وهم السيد مصطفى العروسي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ السقا، والشيخ عليش، والشيخ حسن عدوي. ü كان لمقابلة سلاطين آل عثمان آداب لا يعرفها علماء الأزهر، فطلب إسماعيل باشا من قاضي قضاة مصر- وكان يُختار من علماء دولة آل عثمان أن يعلمهم آداب المثول بين يدي السلطان، فذكر لهم أن المقابلة ستكون في حجرة يقف السلطان في صدرها على منصة مرتفعة، وإنه يجب إذا ما وصلوا إلى باب الحجرة ووقعت عيونهم على السلطان أن ينحنوا انحناءً عظيماً، ثم يلقوا عليه السلام، ثم يكرروا الانحناء والتسليم إلى أن يرد السلطان تحيتهم، فينحنوا ويسلموا مرة أخرى، ويرجعوا متقهقرين إلى الوراء إلى أن يصلوا باب الحجرة، فينحنوا ويسلموا مرة أخرى، ثم ينصرفوا إلى خارج الحجرة. ü وقد وقعت هذه الآداب و«التقاليد» من العلماء الأربعة موقع الاستغراب، فقال لهم قاضي القضاة: إن هذا لابد منه، فقالوا: قد فهمنا.. ثم ذهبوا لمقابلة السلطان، فدخل الشيخ العروسي أولاً، وأدى المقابلة بالشكل الذي وصفه قاضي القضاة، ثم الشيخ السقا والشيخ عليش، وكان الخديو اسماعيل واقفاً وراء السلطان وعينه ترقب حركاتهم، فسرَّ لاتقانهم آداب المقابلة، وظهورهم بهذا المظهر الذي كان موقع استغراب منهم. ü ثم دخل الشيخ العدوي، وكان عالماً شجاعاً لا يخشى إلا الله، ولا يُقيم وزناً لعظمة سواه، فانحنى انحناءة خفيفة عند الباب- لا توحي باكثر من تحية التهذيب المعتادة- ثم أقبل نحو السلطان منتصب القامة، ولم يكرر الانحناء أمامه، فخفق قلب الخديو إسماعيل لما فعل، ولا سيما حين رآه يجاوز الحاجز ويصل إلى السلطان، ثم يقول له: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله. فيبتسم السلطان له ويرد على تحيته، وينحني للشيخ انحناء خفيفاً، فيكلمهُ الشيخ العدوي في ما يجب على السلطان لرعيته، ويبين له عِظَمَ المسؤولية الملقاة على عاتقه، وإن ثوابه عند الله سيكون بقدر تلك المسؤولية وحسن قيامه بها، وإن عقابه عنده سيكون بقدر تقصيره فيها. ü فلما رأى اسماعيل باشا ذلك أصفرَّ لونه، وأخذ يتوقع غضب السلطان عليه لهذه المقابلة، ولكنه وجد السلطان لم يبدُ عليه أي أثر للغضب، بل وجده مرتاحاً للكلام الذي سمعه. ü وقد خرج الشيخ العدوي بعد أن انتهى من موعظته، لم يخرج بظهره كما خرج غيره، بل ولىّ وجهه نحو الباب وخرج، فوجد العلماء الثلاثة ينتظرون أمام الباب، فأخبرهم بما فعل مع السلطان، فأخذوا يلومونه ويخوفونه من عاقبة هذا الأمر، فقال لهم أما أنا فقد قابلت أمير المؤمنين، أما أنتم فكأنكم قابلتم صنماً، وكأنكم عبدتم وثناً. ü لما انصرف الشيخ العدوي سأل السلطان عبد العزيز اسماعيل باشا عنه، فقال له: هذا شيخ من أفاضل العلماء، ولكنه «مجذوب»، واستميح جلالتكم عفواً عن «سقطته».. فقال السلطان: كلا، بل أني لم أنشرح لمقابلة أحد انشراحي لمقابلته، ثم أمر له بخلعة سنية، وألف جنيه، صلة وهدية. ü لذلك استحقت بادرة الشيخ العدوي برفض التزلف والركوع في رحاب السلطان أن تبقى ذكرى تُروى على صفحات الصحف بعد أكثر من 70 عاماً عندما يتم تسجيل سيرة الاصلاح في الأزهر الشريف، لأن الشيخ العدوي بتلك الوقفة أكد أنه الأعرف بحق العلم وآداب الدين وكرامة العلماء من علماء آل عثمان وامبراطوريتهم و «بابهم العالي». ü مناط العبرة والقدوة في قصة الشيخ العدوي والسلطان العثماني هي أن السلطان أو الحاكم قد يقبل من الناس التزلف والخضوع والانكسار، لكنه بينه وبين نفسه يحتقر المتزلفين والمنكسرين حتى ولو حقق لهم بعض مآربهم، وأن التعظيم والتأليه لا يقوم فقط بإرادة الحاكم ولكن يُفرض في أحيان كثيرة من قبل الحاشية والاتباع بمثل ما فعل الخديو اسماعيل الذي امتقع وتزلزل عندما رأى الشيخ الأزهري يتصرف بكرامة وعزة أمام السلطان هي بعض عزة المؤمنين الموحدين التي أوصى بها الدين.