«ووضع الندى في موضع السيف بالعلا .. مضرُّ كوضع السيف في موضع الندى» .. أبو الطيب المتنبي! أحد شيوخ هيئة الرقابة الشرعية في المملكة العربية السعودية يصف المتعاملون بالقروض الربوية بضعفاء الإيمان، لكنه عندما يسأل في جلسة محصورة عن بعض المصارف الربوية التي تجمع الأموال على أنها للاستثمار في عقود المرابحة الإسلامية ثم تودع في خزائنها كودائع ربوية صريحة، يقول إن ذلك جائز شرعاً، ثم يطالب سائليه بعدم الخوض في مثل تلك التجاوزات البسيطة في حضور العامة ..! شيخ إسلامي يشار إليه بالبنان، يزور مؤسسة النقد، ويستمع هناك إلى محاضرة وافية عن الدورة الاقتصادية للأوراق النقدية، يدرك بعدها أن لا علاقة لدورتها بالربا، لكنه يقول إنه لا يستطيع أن يواجه العامة بما بات عليه من قناعة، لذلك يسكت الشيخ عن الكلام المباح ..! ملياردير سعودي يطالب بتغيير مسمى البنوك الإسلامية إلى البنوك الإبراهيمية لأن الأديان السماوية كلها متفقة على تحريم الربا، ويقول إن المستشارة الألمانية ميركل قد منعت البيع على المكشوف، في بلادها بعد أن سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا تبع ما ليس عندك) أيام أزمة الرهن العقاري، فتقول والعهدة على الشيخ الملياردير! (لو تم تطبيق معنى الحديث النبوي لما قامت الأزمة المالية العالمية) ..! نحن في السودان عندنا فقهاء يجتهدون في تعزيز موقف ولاة الأمر أمام العامة بحجج شرعية وبالإسناد إلى مصادر التشريع رأساً، لكنهم في مسألة القروض الربوية التي تثار من حين إلى آخر يصمتون ..! السكوت عن الكلام المباح مخافة سوء الفهم المفضي إلى التجريم، ومنعاً للشبهات وإيثاراً للسلامة .. إلخ .. موقف استباقي سائد في مجتمعاتنا العرب سلامية، التي تؤثر البعد عن الشر كلما ثارت قضية من شأنها أن تزحزح شيئاً من بعض الثوابت التاريخية، التي يعتقد معظمنا أن حياضها مقدس ..! تساءلت غير مرة عن صمت معظم فقهاء السودان عن الخوض في قضية القروض الربوية، والذي يجوز لنا ولمن يشاء تفسيره بالقبول، عملاً بالقاعدة الشرعية القانونية الشهيرة (لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة إلى بيان يعتبر بياناً) .. وإلا فبأي مظلة شرعية يا ترى اتقي ولاة الأمر زوابع النواب إياها بشأن أحكام بعض القروض ..؟! يقول بعض فقهاء وعلماء الاقتصاد الإسلامي إن الربا قد أصبح تاريخاً، لأنه لا يسري إلا في الذهب والفضة (بحسب مذاهب الحنابلة والشافعية والمالكية وبعض الأحناف، وبعض الفقهاء الذين اشتهروا باستنادهم على الفقه السلفي)، ولتأصيل ذلك استندوا على منعطفات تاريخية في الاقتصاد الحديث، ومن ذلك أن الرئيس الأمريكي نيكسون قد أزال غطاء الذهب من على الدولار ملك النقود وسيد الدراهم، وعليه فإن كل عملات العالم لا تملك غطاء من الذهب، وبالتالي لا تسري عليها أحكام الربا.. وعليه فإن حكم الربا على العملات الورقية في الاقتصاد الإسلامي، قد أصبح اليوم مثل حكم الرق في المعاملات الاجتماعية، ساد ثم باد! .. فهل الأمر كذلك .. وإن كان غير ذلك .. فلم لا تقولون ذلك ..؟!